Take a fresh look at your lifestyle.

نظرة عليا / جولة العقوبات الثانية على ايران : تأثيرها على سوق النفط العالمي وعلى ايران

0 23

معهد دراسات الامن القومي – بقلم  ساسون حداد وتومر فيدلون  – 26/11/2018

بدأت المرحلة الثانية في فرض العقوبات الامريكية على ايران في بداية تشرين الثاني 2018 عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب عن “العقوبات الاكبر في التاريخ تخرج الى حيز التنفيذ”. في ايار 2018 أعلنت ادارة ترامب عن الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران والذي كانت وقعته قبل ثلاث سنوات من ذلك ادارة اوباما، وفي شهر آب من هذه السنة بدأت مرحلة فرض العقوبات الاولى. في اطارها حظر بيع الدولارات في المنظومة الدولية لايران وللشركات الايرانية، شراء وبيع الريال الايراني خارج حدود ايران وبيع الذهب والمعادن الثمينة لايران. كما فرضت محظورات على بيع الطائرات المدنية والسيارات للشركات الايرانية.

اما المرحلة الحالية من العقوبات فتستهدف المس بسوق النفط، مصدر الدخل الاساس لايران (المداخيل من النفط شكلت نحو 70 في المئة من مداخيل الدولة في 2017). في شهر حزيران الماضي قال نائب وزير النفط الايراني، حبيب الله بطراف، ان مداخيل الادارة الايرانية من النفط في السنة الميلادية 2017 بلغت 50 مليار دولار. اما العقوبات الحالية فتستهدف المس بهذه المداخيل والولايات المتحدة تحظر البيع او الشراء من شركات النفط الايرانية لكل منتج يتعلق بالنفط. اضافة الى ذلك، فان الجولة الحالية تتضمن حظر التحويلات المالية الدولية للبنوك الايرانية وقطعها عن منظومة التسديد العالمية، عقوبات اخرى فرضت في مجال الطيران، البنوك والارساليات البحرية، واعادة القوائم السوداء لاكثر من 700 هيئة وشخصية. ومقارنة بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على ايران بين اعوام 2012 و 2015، فان مزيدا من الهيئات الايرانية ستكون تحت العقوبات الامريكية اكثر مما كانت في الماضي: 700 مقارنة بـ 400، اضافة الى أن العقوبات تنطبق على مزيد من المنتجات التي لم تذكر في العقوبات في عهد اوباما.

في اعقاب الانسحاب من الاتفاق النووي وتطبيق الجولة الثانية من العقوبات ثار تخوف في العالم من ان العقوبات ستشكل سها مرتدا على الولايات المتحدة، إذ انها ستجد تعبيرا في ارتفاع اسعار النفط. في هذه النقطة ايضا، فان التشبيه للعقوبات التي فرضتها ادارة اوباما يكون واجبا. فسعر النفط في تلك السنوات كان اكثر من 100 دولار للبرميل. ففرض العقوبات على ايران كاد لا يؤثر على سعر النفط العالي في تلك السنوات. فضلا عن ذلك، ففي حينه بالذات طرأ انخفاض دراماتيكي في سعر النفط العالمي وذلك بسبب العوامل التي لم تكن ترتبط على الاطلاق بمسألة ايران، بما في ذلك الابطاء النسبي في الصين وبالطبع التكنولوجيات الامريكية الجديدة لانتاج النفط.كما أن الاتفاق النووي، الذي تبلور في العام 2015، اعطى سببا آخر لانخفاض الاسعار. فسوق النفط في العالم اليوم يختلف بشكل كبير عما كان في عهد اوباما.

حتى الانسحاب من الاتفاق النووي، شكل النفط الايراني بالاجمال 5 في المئة من كل انتاج وتصدير للنفط في العالم. يوجد هذا المعطى في ميل انخفاض دائم من لحظة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. اليوم، من ناحية التصدير ومن ناحية الانتاج ايضا، فان النفط الايراني اقل اهمية في العالم مما كان في العام 2012، كون العقوبات تأتي في مناخ اقتصادي مختلف جوهريا عن ذاك في العام 2012. فعرض النفط في العالم هو الاعلى من أي وقت مضى بفضل تكنولوجيات متطورة وبفضل العروض الامريكية الاكبر مما كانت في الماضي. ففي العالم ينتج اليوم اكثر من 100 مليون برميل نفط كل يوم، مما يقلل تأثير النفط الايراني. كما ان الابطاء النسبي في الاسوق النامية بشكل عام وفي الصين بشكل خاص ادى الى انخفاض ما في الطلب. اضافة الى ذلك تعمل الولايات المتحدة بالشراكة مع السعودية وقبل بضعة اشهر فقط طلبت منها ان تنتج اكثر كي تكمل النواقص من النفط الايراني. وفي تشرين الاول الماضي، انتجت السعودية 10.7 مليون برميل في اليوم، ارتفاع باكثر من نصف مليون برميل منذ الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي. وقال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، ان امكانية انتاج النفط السعودية يمكن ان تصل الى 12 مليون برميل في اليوم. ويحتمل أن يكون تورط الحكم السعودي في قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي في تشرين الاول شجع هو الاخر الاستجابة السعودية لطلب الادارة الامريكية التدخل في سعر النفط العالمي (رغم أن السعودية تدعي بان سعرا اقل هو ليس لمصلحة السعودية وانهم سينظرون في امكانية تقليصات في الانتاج). كما ان الولايات المتحدة وروسيا تنتجان اليوم اكثر مما في الماضي وفي شهر تشرين الاول سجلتا رقما قياسيا يبلغ 11.3 مليون برميل في اليوم. وعليه فليس مفاجئا ان سعر النفط اليوم ادنى من سعر النفط في زمن الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي في شهر ايار (75 دولار للبرميل)، وهو ادنى بشكل كبير عن السعر المتوسط للبرميل في العام 2012 (112 دولار للبرميل).

في مثل هذا المناخ، يبدو ان القدرة الامريكية على تعويض النفط الايراني قائمة. فقد صرح الرئيس ترامب بان هدفه هو الوصول الى صفر تصدير نفط من ايران. والسؤال الكبير هو هل ستتمكن الولايات المتحدة من وقف تصدير النفط الايراني. أولا، فان الاعفاء “المؤقت” الذي منحه البيت الابيض لثماني دول – الهند، تركيا، الصين، اليابان، تايوان، كوريا الجنوبية، ايطاليا واليونان – سيؤدي الى ان يبقى تصدير النفط الايراني على الاقل في مستوى مليون برميل في اليوم.  ثانيا، الايرانيون مقتنعون بان بوسعهم مواصلة تصدير النفط. ففي اليوم الذي بدأت فيه الجولة الثانية من العقوبات، أعلن الرئيس الايراني حسن روحاني بانه “اليوم، يمكن لايران ان تبيع نفطها وهي ستبيعه في ارجاء العالم”. هذه الكلمات لروحاني ليست فارغة من المضمون ويبدو أنها تعتمد على سوابق الماضي، والتي نجحت فيها ايران في تجاوز العقوبات. وفي شهر تشرين الاول من هذا العام استخدمت حيلتين طبقهما النظام لبيع النفط في 2012 – 2015. الاولى هي التهريب والبيع من تحت الرادار. في هذا الاطار يعتم البث على ناقلات  النفط الايرانية بحيث يكون من الصعب ملاحظتها؛ طريقة ثانية هي التهريب البري الى الدول المجاورة – تركيا، الباكستان، افغانستان وبالطبع روسيا. هناك شبكات تهريب روسية تساعد على نقل ارساليات النفط من ايران الى سوريا. ويساعد هذا النقل للنفط ايران، ضمن امور اخرى، على تمويل نشاط حزب الله وحماس.

اضافة الى ذلك، فان الاتحاد الاوروبي يسعى الى تجاوز العقوبات في المجال المالي من خلال بناء مسار دفعات تتجاوز العقوبات، وذلك من اجل السماح للشركات الاوروبية التي ترغب في ذلك ان تواصل الاعمال التجارية مع ايران. هذا المسار لا ينطبق على الشركات الكبرى التي خرجت من ايران بما فيها البنوك الكبرى، واهميته هي سياسية أولا وقبل كل شيء، كجزء من المساعي الاوروبية لضمان بقاء ايران في الاتفاق النووي. والتقدير السائد هو أن هذا المسار ايضا الذي واجه بناؤه مصاعب في ضوء رفض الدول المختلفة استضافته في نطاقها، لن يعيد هذ الشركات الى علاقات اقتصادية مع الشركات الايرانية.

تقاس نجاعة العقوبات بقدر كبير بحجم المداخيل الايرانية من النفط. وهذا بالفعل يتعلق بالقدرة الامريكية على حمل حجم تصدير النفط الايراني ليصل الى “مستوى صفري” والابقاء على اسعار نفط معقولة وذلك بخلاف التوقعات الايرانية. يذكر في هذا السياق تصريح نائب الرئيس الايراني، اسحق جهنجيري، في 16 تشرين الاول، بان ارتفاع اسعار النفط سيعوض الانخفاض في حجم التصدير. يبدو أن الخطوات الاخيرة للادارة الامريكية تشير الى تداخل العنصرين- الكمية والسعر. فمن جهة، تعمل الادارة على التقليص التدريجي لاستيراد النفط الايراني من الدول الثانية المستهلكة الكبرى، ومن جهة اخرى تشجع منتجات اخرى للنفط (السعودية، روسيا والولايات المتحدة اساسا) على زيادة انتاجها. وسيسمح التغيير التدريجي لايران باعادة النظر في موقفها بالنسبة للمفاوضات المتجددة قبل توثيق العقوبات.

كما ان النجاح الاقتصادي للعقوبات لا يضمن ان يحدث تغييرا في السياسة الايرانية، التي تقدر قيادتها بان ادارة ترامب معنية بتغيير النظام في طهران وان نيتها لا تتجه الى حل وسط جديد. يذكر ان ايران صمدت في الماضي في وجه ضغوط شديدة جدا دون التنازل عن عناصر جوهرية في سياستها، وهي دولة جربت العقوبات ونجحت في تجاوزها. فضلا عن ذلك، في اعقاب الاتفاق النووي ورفع العقوبات في 2016، ارتفعت ارصدة العملة الصعبة لدى ايران الى 100 مليار دولار، وستساعدها هذه على البقاء اقتصاديا حتى بعد انتهاء الاعفاء المؤقت من تنفيذ العقوبات، والذي قدمته الولايات المتحدة لثماني دول. اضافة الى ذلك، ليس مؤكدا ان هذه الدول ستتعاون مع الادارة الامريكية وتتوقف عن استيراد النفط من ايران. من هنا فان طريق ايران الى “الدمار الاقتصادي”، كما وعد الرئيس ترامب، بعيدة جدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.