Take a fresh look at your lifestyle.

معهد بحوث الأمن القومي الاسرائيلي : الساحة الشمالية – التحدي الامني الاساسي

0 282

بقلم: أودي ديكل وكرنيت فلنسي، معهد بحوث الأمن القومي الاسرائيلي ١-٥-٢٠١٨م
المقدمة:
​إن عدم الاستقرار الذي يميز العالم العربي في السنوات الاخيرة منذ اندلاع الاضطراب الاقليمي ما زال مستمر. لا يوجد لدى الانظمة في الدول العربية دافع أو قدرة على مواجهة المشكلات الاساسية التي تغذي عدم الهدوء، سواء بالنوايا أو الافعال، وفي اساسها الوضع الاجتماعي – الاقتصادي. الاضطرابات الداخلية السياسية تنضم اليها شروخ وتوترات بين اللاعبين الاقليميين، لا سيما التي تقع بين المعسكر الشيعي بقيادة ايران وبين المعسكر السني بقيادة السعودية، ايضا هناك نزاعات داخل المعسكر نفسه. مع ذلك، الاطر الدولاتية ما زالت قائمة والتقديرات السابقة بخصوص انهيار النظام السياسي في المنطقة وتلاشي الحدود التي هي نتيجة اتفاق سايكس بيكو، تبين أنها متسرعة. هذا التقدير ساري ايضا على سوريا التي في مراحل مبكرة اكثر من الحرب الاهلية الدائرة فيها منذ اكثر من ست سنوات كان يبدو أن حدودها تتلاشى والهيكل السياسي فيها توقف عن الوجود.
​الحرب في سوريا ما زالت مستمرة، لكن في اعقاب ضعف المعسكرات المتخاصمة يبدو أن القتال خفت. الائتلاف الذي يحيط ببشار الاسد والذي يضم سوريا وايران وحلفائها ومنهم حزب الله، نجح في صد انسحاب قوات النظام، وبناء على ذلك حقق انتصار استراتيجي. نظام الاسد غير قادر على البقاء بدون التحالف الخارجي المؤيد للاسد. ساحة قتال موازية هي المجال السياسي – عملية التفاوض التي تجري في محاولة لتشكيل الصورة المستقبلية للدولة السورية بقيادة روسيا.
في نفس الوقت بدأ تغيير في ميزان القوى الدولي في الشرق الاوسط. في حين انسحبت الولايات المتحدة من دورها كشرطي عالمي وتتركز في المشكلات الاكثر اشتعالا، لا سيما الازمة مع كوريا الشمالية، فقد عادت روسيا الى الشرق الاوسط وعززت وجودها في سوريا بهدف البقاء فيها لفترة طويلة، حتى أنها حصلت عمليا من الولايات المتحدة على المسؤولية عن “الملف السوري”. روسيا هي التي تقود المحادثات بين الجهات ذات الصلة في الحرب السورية بهدف بلورة تسوية تضع حد للحرب الاهلية. في المقابل، روسيا تحاول توسيع نفوذها في سياقات شرق اوسطية اخرى منها العملية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين مع سعي موسكو الى تحسين علاقاتها مع معظم الجهات الاقليمية: الشيعة – المحور الذي تقوده ايران من جهة، ومع السنة – السعودية وتركيا والاردن ومصر – من الجهة الاخرى. ايضا الصين من ناحيتها تكرس اهتمام متزايد بالشرق الاوسط وتحاول توسيع نفوذها في المنطقة من خلال الاستثمار في مشاريع اقتصادية منها مشاريع في سوريا.
نحدثت تغييرات ايضا في ميزان القوى الاقليمي على خلفية الحرب في سوريا وفي اعقابها. “الدولة الاسلامية، كما عرفناها، توجد الآن في مراحل الهزيمة الاخيرة، لا سيما بعد تحرير عاصمتها في سوريا، الرقة، في تشرين الاول 2017، ومعظم المناطق التي سيطرت عليها في شرق سوريا. إن خسارة اراضي “الدولة الاسلامية” لا تعني نهاية تهديد داعش، حيث أنه في ارجاء الشرق الاقصى تنتشر خلايا تلتزم بالفكرة السلفية الجهادية، ويتوقع أن تواصل تشكيل تحديات للانظمة والدول الشرق اوسطية (وابعد من المنطقة)، ومنها اسرائيل. العملية التي وقعت في مسجد الروضة في شمال سيناء في نهاية تشرين الثاني 2017 وأدت الى موت اكثر من 300 شخص تعتبر دليلا واضحا على ذلك. في المقابل، ايران الموجهة من قبل اعتبارات استراتيجية بعيدة المدى هي الرابحة الاكبر من التقلبات في الشرق الاوسط. عمليا، الولايات المتحدة مكنت ايران من تعميق نفوذها في العراق، وروسيا مكنتها من السيطرة في سوريا والغرب لا يزعجها في مواصلة تعزيز مكانتها في لبنان بواسطة حزب الله، وأخيرا تمرد الحوثيين في اليمن منحها سيطرة ايضا على منفذ مائي من البحر الاحمر الى المحيط الهندي. هكذا، تظهر ايران كقوة حققت انجازات لا بأس بها في الشرق الاوسط تناسب اهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى، وخلق جسر بري حتى البحر المتوسط، وتعزيز مكانتها كدولة عظمى اقليمية، وفي هذا الاطار ايضا زعزعة العلاقات بين الدول السنية في المنطقة. وأن تؤسس لنفسها مواقع على الحدود بين اسرائيل وسوريا وفي لبنان، مرة اخرى ضمن امور اخرى، بواسطة حزب الله، الذي تعززت مكانته وقدرته العسكرية على خلفية محاربته في سوريا الى جانب نظام الاسد.
​على خلفية هذه التوجهات والتطورات المختلفة فان اسرائيل توجد في وضع استراتيجي مركب. من جهة، التهديد العسكري من جيوش نظامية انخفض بدرجة كبيرة. وفي نفس الوقت، التنسيق بينها وبين دول عربية رائدة تعزز. من جهة اخرى، عدم الاستقرار في الشرق الاوسط ولا سيما توسيع “منطقة الاحتكاك” بين اسرائيل وايران ووكلائها يزيد من احتمال التصعيد، لا سيما امام حزب الله وفي الجبهة السورية لأن ايران أمنت العلاقة المتبادلة بين نظام الاسد وبين المعسكر الشيعي برئاستها. في كل هذه الامور تكمن التهديدات ضد اسرائيل. مع ذلك، عدم الاستقرار الاقليمي يحوي في داخله ايضا فرص تستطيع اسرائيل استغلالها لتحسين وضعها السياسي – الامني على اساس المصالح المشتركة مع دول سنية رائدة وبواسطة بلورة رد مدمج لمكونات قوة ناعمة وصلبة، وعمل ذاتي وتعاون مع دول في المنطقة ومن خلال تنسيق مع دول عظمى، لا سيما الولايات المتحدة، لكن ايضا مع روسيا.
​سوريا – صورة الوضع
​السنة الماضية تميزت باضمحلال في قوة الحرب الاهلية السورية وهزيمة قوات “الدولة الاسلامية” في سوريا والعراق. روسيا والتحالف المؤيد للاسد تبث صور الانتصار منذ السيطرة على حلب في نهاية 2016. عمليات وقف اطلاق النار التي تمت الموافقة عليها برعاية روسيا بين الجهات المتقاتلة الاساسية (باستثناء الدولة الاسلامية) ما زالت تصمد رغم استمرار القتال في عدد من جيوب المقاومة، لا سيما الفصائل السلفية الجهادية. في الاشهر الاخيرة من العام 2017 عملت ايران روسيا على اعادة سيطرة نظام الاسد في شرق الدولة – منطقة موارد الطاقة. رغم أن سيطرته على وسط سوريا ليست كاملة، إلا أن قواته تحارب في جبهات مختلفة، وقدرته على مواصلة القتال متعلقة بالدعم الذي يحظى به من القوات الروسية العاملة في سوريا، ومن ايران والمليشيات الشيعية التي تشغلها (حوالي 20 ألف مقاتل حتى تشرين الثاني 2017) وحزب الله ايضا. إن ضعف الاسد ظهر ايضا في مناطق توجد ظاهريا تحت سيطرته والتي تتميز بحكم جزئي ومقطع وبغياب القانون والنظام. في هذه المناطق تواصل مليشيات محلية غير خاضعة للنظام عملها. سوريا لا تعمل كدولة والخدمات الاجتماعية التي تقدمها جزئية فقط (هكذا الامر ايضا في علوستان – المنطقة التي تعيش فيها مجموعات علوية مخلصة للنظام). رغم اقامة لجان اقتصادية دولية تعمل على تخطيط اعادة اعمار الاقتصاد والبنى التحتية بشكل عميق وبعيد المدى في سوريا، فان تجسيد النوايا لا يبدو واضحا في الافق. حوالي 11 مليون سوري يوجدون في المنطقة التي يسيطر عليها نظام الاسد، 6 ملايين في مناطق المعارضة و6 ملايين هربوا من سوريا، وعلى ضوء استمرار القتال فان عودتهم غير متوقعة في المستقبل المنظور.
فعليا، سوريا مقسمة اليوم الى عدد من مناطق السيطرة: نظام الاسد، بمساعدة مؤيديه، يسيطر على العمود الفقري لسوريا (محور حلب، حماة، حمص، دمشق، منطقة الساحل، غلاف لبنان ومنطقة موارد الطاقة في الشرق)، الاكراد يسيطرون في شمال شرق سوريا، هناك جيوب سنية في الشمال (اساسا منطقة ادلب) التي اخذت تركيا المسؤولية عن استقرارها، في الوسط (منطقة دمشق) وفي جنوب سوريا (منطقة درعا وهضبة الجولان). في هذه الجيوب تطبق روسيا وايران وتركيا اتفاق مناطق التهدئة الذي وقع عليه في تموز 2017 بقيادة روسيا، مع اخذ ميزان القوى بين الفصائل والمعسكرات المختلفة المشاركة في الحرب الاهلية، وبتنسيق مع الولايات المتحدة والاردن. هذا الاتفاق سيكون ساري المفعول حتى آذار 2018.
​قدرة روسيا على قيادة العملية التي أدت الى الموافقة على وقف اطلاق النار، وعمليا على املاء شروطها، عكس تعزز مكانتها السياسية والعسكرية في سوريا على خلفية الحرب الاهلية، وكذلك ايضا في الشرق الاوسط – بدرجة كبيرة على حساب الولايات المتحدة. هكذا، الولايات المتحدة لعبت دور ثانوي فقط في بلورة اتفاق وقف اطلاق النار وانشاء مناطق التهدئة. اسهامها اقتصر في الاساس في محاولة الحفاظ على مصالح حليفتين من حليفاتها، اسرائيل والاردن، في هذا السياق، من خلال تسوية مع روسيا فيما يتعلق باتفاق التهدئة في جنوب سوريا وانشاء منطقة امنية تحت سيطرة امريكية في جنوب شرق الدولة. في هذه المنطقة تم تدريب وتسليح قوات المعارضة الاكثر اعتدالا، منها جيش سوريا الحر، لكن قبيل نهاية 2017 اعلنت واشنطن عن وقف دعمها لهذه التنظيمات. وقد تم ابلاغ اسرائيل عن الاتصالات للتسوية من خلف الكواليس، وتخوفها بشأن نشر القوات الايرانية، ووكلائها وحزب الله تم أخذهم بعين الاعتبار، لكن بصورة جزئية عن طريق تحديد بعد يتراوح بين 7 – 20 كم عن الخط في هضبة الجولان، لا يتم فيه نشر قوات ايرانية أو قوات تابعة لها.
​التحدي الموجود على الاجندة الآن هو عملية اعادة بناء سوريا. رغم سقوط عاصمة الدولة الاسلامية في سوريا، الرقة، على اعتبار أنها المعقل الرئيسي الاخير لهذا التنظيم، فان الفكرة الجهادية نفسها لن تتلاشى بسرعة، ويتوقع أن يواصل مقاتلو التنظيم الذين ينتشرون على الارض العمل في محاولة لضعضعة كل محاولة لايجاد تهدئة في الدولة تمكن من القيام بعملية اعادة اعمار متواصلة.
التدخل الروسي
​التدخل الروسي العسكري والسياسي في سوريا هدف في الاساس الى الابقاء على النظام العلوي في الدولة (ليس بالتحديد نظام الاسد شخصيا). على المدى الابعد تسعة روسيا الى الحفاظ على وجود عسكري عملياتي مستمر في سوريا، حتى لو لم يكن بالضرورة بنفس حجم تدخلها في الحرب. حسب رؤية موسكو فان تدخل ايران في الحرب هو مشروع يشبه التدخل الروسي. المبرر هو طلب النظام السوري برئاسة الاسد من شركائه الاستراتيجيين، ايران وروسيا، مساعدته على استئصال معارضيه والجهات الارهابية على اراضي الدولة، وابقاءه في الحكم (خلافا للولايات المتحدة التي تدخلها غير مقبول). إن استعداد ايران للعب دور في الحرب البرية وتوفير دعامة لتحسين مكانة نظام الاسد يحولان ايران الى ذخر لروسيا. بناء على ذلك، حسب رؤية موسكو من شأن ايران أن يكون لها دور ايضا في تشكيل سوريا في اليوم التالي للحرب الاهلية. اضافة الى ذلك، ايران تم اختيارها من قبل روسيا الى جانب تركيا كجهة تضمن التسوية في سوريا في اطار المحادثات التي تجري في الاستانة وسوتشي بقيادتها، في محاولة لبلورة اتفاق يضع حد للحرب. في المدى القريب، ايران وحزب الله يعتبران حليفان لروسيا حيث أنهما يساعدانها في تحقيق مصالحها في سوريا، ولو أن مصالح ايران وروسيا ليس بالضرورة متطابقة على المدى البعيد، والخلاف بينهما بخصوص طبيعة النظام في سوريا يتوقع أن يزداد مع مرور الوقت.
​العملية السياسية لاستقرار سوريا، التي تقودها روسيا على اساس قرار مجلس الامن 2254، تتضمن عدة مراحل: الاولى، فترة انتقالية من اطلاق النار واستقرار الوضع. الثانية، صياغة دستور (يجب على الاطراف السورية المتخاصمة التوصل الى اتفاق حول عدد من المواضيع الهامة المتعلقة بطبيعة وهوية الدولة، منها: سوريا كدولة علمانية أو دينية، هل هويتها ستكون عربية، هل ستكون دولة موحدة أو فيدرالية وما أشبه). الثالثة، اجراء انتخابات للرئاسة والبرلمان. موسكو غير معنية بفرض اتفاق، بل بحث الاطراف على التقدم نحوه بانفسهم، من خلال اشراك لاعبين مؤثرين وذوي مصالح في سوريا، اساسا ايران وتركيا (رغم أنه يمكن أن تتطور بينهما مع مرور الزمن خلافات بخصوص مستقبل سوريا)، وكذلك أن تشرك في العملية الولايات المتحدة ودول عربية سنية خاصة الاردن والسعودية ومصر. في هذه المرحلة في نهاية 2017 فان العائق الاساسي الذي يمنع الاطراف الصقرية في سوريا من الموافقة على فترة انتقالية من حرب اهلية الى صياغة دستور واجراء انتخابات، هي مطالبة المعارضة بأن يترك الاسد مقر الرئاسة على الفور. موسكو نفسها تقول إن القرار بشأن سلطة شرعية ملقى على السوريين انفسهم، لكن من اجل ان يكون بالامكان الوصول الى انتخابات يحتاج الامر في البداية السيطرة على الفوضى، أي توقف القتال، استقرار الدولة من ناحية سياسية وفقط فيما بعد اجراء نقاش حول مستقبل الاسد.
​التدخل الايراني
ايران الموجهة من قبل رؤية استراتيجية طويلة المدى، تركز على استغلال جيد للفرص التي اتيحت لها من اجل توسيع نفوذها الاقليمي. من بين هذه الفرص الفراغ الذي حدث مع ابتعاد الولايات المتحدة عن الشرق الاوسط وضعضعة الاستقرار في اعقاب الحروب الاهلية في العراق واليمن وسوريا، التي مكنتها من التدخل، وبهذا أن تشكل حولها محيط مريح لها؛ ازالة الموقع الجغرافي للدولة الاسلامية من قبل الولايات المتحدة والتحالف الذي قادته مكن ايران من زيادة تدخلها وتأثيرها في العراق وسوريا؛ رفع العقوبات عنها في اعقاب الاتفاق النووي حسن وضعها الاقتصادي ووجهت اهتمام وموارد للتدخل في مناطق مواجهة في الشرق الاوسط.
يوجد لايران تأثير حاسم في ثلاث عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت. في نفس الوقت تتعزز سيطرة ايران في المناطق الحدودية بين ايران والعراق، وبين العراق وسوريا وبين سوريا ولبنان – من اجل تثبيت الممر البري لها حتى البحر الابيض المتوسط، الذي تسعى الى اقامته – هي تستخدم عناصر قوة – مليشيات شيعية وشعبية في العراق وسوريا، الجيش السوري، حزب الله وحتى الجيش اللبناني. إن التمركز في سوريا مهم جدا بالنسبة لايران كقاعدة للانتشار العسكري لقواتها ووكلائها، وايضا كأساس لاقامة قواعد جوية وبحرية (تمكن التواجد في شرق البحر المتوسط ومساعدة حزب الله ووكلائها)، ومنشآت لانتاج الصواريخ وكذلك تعميق السيطرة في لبنان وتوسيع منطقة الاحتكاك مع اسرائيل.
التنسيق مع روسيا مهم بالنسبة لايران من اجل استقرار الوضع في سوريا، وتقليص النفوذ الامريكي – الاسرائيلي في المنطقة والحفاظ على المكانة المهيمنة في سوريا لفترة طويلة. محمد رضا شيباني، الذي شغل منصب سفير ايران في سوريا حتى نهاية 2016، قال في تطرقه للتطورات في سوريا والتعاون بين ايران وروسيا بأن ايران تؤيد كل خطوة روسية تهدف الى تحقيق ازالة التوتر في سوريا، رغم أنها لا تشارك بشكل مباشر في كل الخطوات الدبلوماسية التي تقودها روسيا. كما اشار الى أن التعاون بين ايران وروسيا هو ضرورة استراتيجية مشتركة للدولتين، وهو الذي مكن من تحقيق الانجازات العسكرية والسياسية في الصراع ضد الارهاب في سوريا. ايضا مندوب رسمي للنظام في موسكو (طلب عدم اقتباس ذلك) قال إن التحالف الاستراتيجي بين ايران وروسيا ارتكز الى الحاجة للحفاظ على نظام الاسد واستئصال عناصر الارهاب الجهادي. الشيباني أكد على الحاجة الى الحفاظ على التحالف بين ايران وروسيا ازاء جهود جهات اجنبية للمس به، ومنها رئيس حكومة اسرائيل نتنياهو الذي يسعى حسب قوله الى دق اسفين بين ايران وروسيا.
ايران تشكل تهديد متزايد على اسرائيل. على مستوى النوايا هي تستند الى التطرف الديني – النظام فيها يؤكد على العداء الفاضح والواضح لاسرائيل. على مستوى القدرات، الى جانب امكانية استكمال المشروع النووي الايراني في العقد القادم، فانه منذ الآن تزود ايران حزب الله الذي توجد قواته في لبنان وسوريا، بعشرات آلاف الصواريخ والقذائف، بما في ذلك التي تحمل رؤوس حربية دقيقة جدا، وطائرات بدون طيار هجومية. اضافة الى حزب الله هي تشغل في سوريا “قوة القدس” وجيش سوريا المخلص للاسد ومليشيات شيعية (منها عراقية وافغانية). وكلاء ايران في الساحة الشمالية، بكونها جزء من التحالف المؤيد للاسد، يحظون بمظلة حماية جوية توفرها بطاريات صواريخ ارض – جو متقدمة روسية “اس 400″، التي تنتشر في الاراضي السورية. اضافة الى ذلك، ايران تؤيد وتشجع ارهاب تنظيمات فلسطينية – حماس والجهاد الاسلامي الفلسطيني.
إن تهديدات رئيس حزب الله، حسن نصر الله، لاسرائيل وضمن ذلك هجوم دقيق على خزان الامونيا في حيفا والمفاعل النووي للابحاث في ديمونة، غير منسقة دائما مع القيادة الايرانية، لكن يمكن الافتراض أن تفعيل القوة من قبل حزب الله سيتم بالتنسيق الكامل مع طهران، اذا لم يكن بتوجيه منها. من المعقول أن النظام الايراني يبني ويحافظ على قدرات لمهاجمة العمق الاسرائيلي من اجل ردع اسرائيل عن المس بالبنى التحتية النووية في ايران، وكذلك من اجل التمكين من رد عسكري كثيف في حالة قيام اسرائيل باستخدام قدراتها ضد ايران نفسها. سعي ايران للحصول على تأثير متزايد في الساحة الشمالية يقلق اسرائيل، حيث أن ايران تستطيع تحدي اسرائيل في ثلاثة مستويات منفصلة ومتكاملة. في جنوب سوريا يمكن لايران أن تنشر حزب الله والى جانبه مليشيات شيعية برعاية تعاون هذه الجهات مع الجيش السوري المخلص للاسد، وفي المدى الذي يمكن من الوصول السريع الى فضاء الحدود في هضبة الجولان. بهذا ستنشأ جبهة اخرى في كل مواجهة بين حزب الله ووكلاء ايران وبين اسرائيل؛ الممر البري (طريق التحرير في القاموس الشيعي) الذي خلقته ايران مرورا بالعراق وسوريا الى لبنان، يمكن من الوصول المباشر والمريح من اجل تقديم المساعدة لحزب الله ونظام الاسد، ويعظم التهديد المباشر لاسرائيل من سوريا ولبنان؛ طبقة اخرى من شأنها أن تشمل التمركز الايراني للمدى البعيد في سوريا في عدة صور: الاولى، تحويل سوريا الى مركز لوجستي ايراني يشمل بنى تحتية لانتاج وتركيب السلاح، دعم لوجستي وتسليح وكلاء ايران في المنطقة. الثانية، اقامة “حزب الله سوريا”، شبيه بنموذج حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية الشعبية في العراق، بواسطة تجنيد عناصر سورية ودمجها مع مليشيات متطوعة شيعية (عراقيون وافغان وغيرهم). مهمة هذه القوة تشمل الدفاع عن النظام وعن ممتلكات ايران في سوريا لفترة طويلة، الى جانب خلق تهديد على اسرائيل. الثالثة، تحويل سوريا الى نوع من دولة برعاية ايرانية، عبر عملية بطيئة وتدريجية، التي في اطارها تعزز ايران ربط الفضاء السوري بالهلال الشيعي، من خلال استخدام الرافعة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والديمغرافية مثل تحريك سكان، مثلما فعلت في حدود سوريا – لبنان.
​السياسة الامريكية
​في الوقت الذي تقترب فيه الولايات المتحدة من استكمال المهمة الاساسية لهزيمة الدولة الاسلامية يجب على الادارة الاستعداد لمواجهة التحديات التالية: مستقبل المناطق التي حررت من سيطرة داعش، الى من تنقل السيطرة وكيف يتم منع عودة العناصر الجهادية؛ المكانة والأداء المهيمن لايران في العراق وسوريا ولبنان ومستقبل الممر البري والجوي الذي انشأته من طهران الى دمشق وبيروت؛ مستقبل سوريا وأي نظام دولاتي سيؤسس فيها، وخلال ذلك تنحية الاسد عن الحكم؛ كيف يتم تحقيق التزام الولايات المتحدة لحلفائها مع التشديد على الاردن واسرائيل، ولكن ايضا قوات المتمردين الذين تم استخدامهم من قبلها، لا سيما الاكراد في سوريا. حتى الآن لم تتم بلورة الاستراتيجية الامريكية من اجل تحقيق هذه الاهداف، وليس واضحا أي الروافع غير العسكرية تملكها. بناء على ذلك، وبسبب ذلك، تؤيد الولايات المتحدة خطوات روسيا لوقف العنف في سوريا عن طريق ايجاد وقف لاطلاق النار ومناطق تهدئة، في نفس الوقت، مع تحريك العملية السياسية التي بدايتها فترة انتقالية ونهايتها انتخابات حرة.
​الولايات المتحدة قلقة من أن تفكيك الدولة الاسلامية لا ينهي فكرة داعش، لهذا فان الدافع لمواصلة الجهاد سيجعل الشباب يتجندون لتنفيذ عمليات. كما سيستمر نقل الاموال للخلايا الارهابية الى جانب ارشاد وتحريض في الشبكات الاجتماعية والمساجد. مجموعات جهادية ستتموضع في المناطق الصحراوية والريفية في العراق وسوريا. هذه التوجهات ستوفر لايران ذريعة للبقاء في المنطقة كجسم للاستقرار. هكذا سيبدو الدور الذي يؤدي الى الاستقرار في نظر السلطات في دمشق وبغداد ولدى جهات اخرى في المجتمع الدولي. ويشار الى أنه لرئيس حكومة العراق حيدر العبادي ينسب دور رئيسي في استقرار العراق وفي تقليص النفوذ الايراني فيه. إن تقربه من الولايات المتحدة مقارنة مع سلفه نوري المالكي يزيد احتمالات أن يحظى بالمساعدة الامريكية في هذا السياق.
​بالنسبة للتنسيق الاستراتيجي مع اسرائيل، المشكلة الرئيسية هي عدم رغبة امريكا في الانجذاب الى الخلاطة السورية بشكل عام والقيام بعملية عسكرية ضد تمركز ايران هناك بشكل خاص. عمليا، الادارة الامريكية بكل فروعها ما زالت تركز على محاربة داعش وهي غير متفرغة للعمل في الموضوع الاكثر خطورة وهو الهيمنة الاقليمية المتزايدة لايران. سوريا التي بنفسها ليست مصلحة امريكية، لكنها هامة في اطار المعركة ضد ايران ولعلاقة الولايات المتحدة مع حلفائها، اسرائيل والاردن والسعودية. مع ذلك، عدم الاهتمام أو الدافعية منعت الولايات المتحدة من استغلال الفرصة لانشاء فاصل من الشمال الى الجنوب، من تركيا وحتى السعودية مرورا بالعراق والاردن من اجل قطع الجسر الايراني من الشرق الى الغرب. ربما ما زالت الفرصة متاحة للقيام بذلك. يبدو ان اسرائيل ستحظى بمجال عمل عملياتي كامل في سوريا ولبنان، بدون قيود من ادارة ترامب. ولكن هذا لا يعني أنها ستحظى بالتأييد ونوع من “شبكة الانقاذ” اذا تورطت في حرب.
​اليوم التالي لتنظيم الدولة الاسلامية
تشكل هزيمة داعش نقطة فارقة اخرى في عملية استقرار وتشكيل سوريا تحت نظام الاسد من قبل التحالف الروسي الايراني، وتثبيت مكانته كصاحب سيادة. هذا في ظل غياب عامل قوة مهم آخر يمكنه السيطرة على الاراضي التي اخليت. غياب الدولة الاسلامية سينشيء فراغ جغرافي ستدخل اليه كما يبدو قوات النظام برعاية ايرانية وبمساعدة روسيا، هكذا، ستتعمق سيطرتهما على اراضي الدولة. مستقبل الاراضي التي حررت من قبل القوات الكردية السورية (واي.بي.جي و اس.دي.اف) يشكل نقطة اختبار لاخلاص الولايات المتحدة لحلفائها، وتأثير تركيا في ترتيب حدودها مع سوريا واتفاق تسوية جديد في سوريا. هذا بسبب انعدام الاستعداد الامريكي لابقاء القوات المطلوبة في سوريا من اجل مواجهة تحدي الوجود الايراني ومساعدة الجهات المحلية على التمركز في الاراضي التي اخليت.
​اضافة الى ذلك، انهيار داعش سيثبت من جديد مكانة القاعدة كقائدة للجهاد العالمي في سوريا وفي ساحات اخرى في الشرق الاوسط. في اوساط قوات المتمردين السوريين فان تنظيم هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) الذي هو من مشتقات القاعدة، هو معقل القوة المحاربة الاخير تقريبا ضد الاسد. ولكن حتى لو أن تنظيم الدولة الاسلامية انتهى فمن المتوقع أن يواصل الوجود بطرق اخرى: يمكن أن يتبنى داعش نموذج القاعدة – النواة تنقل من سوريا والعراق الى فروع تنتشر في الشرق الاوسط (بما فيها شمال افريقيا) والى شرق آسيا. والى جانب نشاطه في الشرق الاوسط فانه سيصدر الارهاب ايضا الى الساحة العالمية. ان احتمالية العودة الى المنابع تتضمن انضمام بقايا “الدولة الاسلامية” الى المنظمة الأم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، كتسوية تمكن من مواصلة النضال من اجل تحقيق الفكرة السلفية الجهادية، رغم الهزيمة والضعف التنظيمي والاقتصادي وضعف صورتها. احتمال آخر هو أن “الدولة الاسلامية” تواصل الوجود بصورة مستقلة ولكن بدون قاعدة تنظيمية ملموسة وتراتبية. وجودها سيتركز في الناحية الفكرية وفي انشاء شبكة ارهاب عالمية تشكل مصدر الهام بالاساس لعمليات ارهابية في ارجاء العالم، لا سيما عن طريق الدعاية في الشبكات الاجتماعية من اجل رفع المعنويات والدافعية لتنفيذ عمليات ارهابية.
​ما الذي يخبئه المستقبل لسوريا – مبنى هجين
​في الخطاب الجاري على منابر مختلفة بخصوص التسوية المستقبلية في سوريا يدور الحديث عن تشكيل دولة موحدة ذات نظام مركزي. الجهات المختلفة المشاركة في جهود التسوية ومنها روسيا والولايات المتحدة وايران وتركيا والدول العربية السنية، جميعها توجه جهودها لاعادة الاتفاق الدولاتي في سوريا. في هذه النقطة تتلاقى مصالح كل هذه الاطراف المختلفة فيما بينها حول مواضيع كثيرة اخرى. سوريا كدولة موحدة هي ايضا رغبة معظم السكان المحليين. باستثناء ذلك يمكن الافتراض أنه في اطار اتفاق ينهي الحرب، فان القشرة الدولاتية ووجود السلطة المركزية سيتم الحفاظ عليها.
​مع ذلك، يتوقع أن يكون الجهاز الداخلي في سوريا مركب وهش نتيجة عوامل مختلفة يتوقع أن تصعب على النظام المركزي تثبيت لنفسه قاعدة شرعية واسعة واظهار قدرة ناجعة على الحكم في كل اراضي الدولة. هناك دلائل موجودة تشير الى ضعف مكانة الاسد شخصيا ونظامه بشكل عام، يتوقع أن تجد تعبيرها عند انتهاء الحرب، في اعقاب تدمير الاقتصاد وصعوبات اعادة الاعمار، وكذلك، نتيجة لنوايا عوامل القوة الداخلية والخارجية للحفاظ على القوة والنفوذ التي راكموها اثناء الحرب. النظام نفسه بقي فارغ من المضمون وسيكون واقعا تحت النفوذ الايراني والروسي. وبناء على ذلك سيكون عديم الاستقلالية السياسية. هذا اضافة الى ذكريات جماعية مريرة تراكمت لدى السكان السوريين على مدى سنوات القتال، لا سيما نتيجة الأداء العنيف للاسد خلالها واليوم ايضا (يواصل القاء البراميل المتفجرة على المراكز السكانية)، ستعيق النظام من اعادة التمركز من جديد. وضمن امور اخرى، الاسد سيجد صعوبة في اقناع الجمهور بأن المشكلة الاساسية لسوريا هي اسرائيل، وليس نقاط الضعف الاساسية للدولة والمجتمع السوري. لذلك، حتى لو أن الرئيس الاسد تم الاعلان عنه كمنتصر، وعلى المستوى الرسمي سوريا ستكون تحت حكم مركزي علوي، فانها لن تكون الدولة التي كانت عشية الحرب. يمكن بالتأكيد فعليا الى جانب الاطار الدولاتي الرسمي، سيعيش فيها الواحد الى جانب الآخر في شبه كيانات سياسية مثل البنية الفيدرالية.
​وفقا لخريطة مناطق السيطرة حسبما تشكلت في نهاية 2016 (تم وصفها سابقا)، فان موقع الحكم المركزي العلوي سيكون في قطاع الشاطيء والعمود الفقري لسوريا، في المحور الاوسط، حلب وحمص ودمشق، وجنوبا حتى درعا، الذي على طوله يعيش معظم السكان. في حين أنه في حدود سوريا – لبنان سيستمر نفوذ وتواجد حزب الله. في شمال شرق سوريا يتوقع انشاء كيان حكم ذاتي للاكراد، عدد من الجيوب، لا سيما منطقة ادلب حتى الحدود السورية التركية، ستكون مناطق سنية (كما يبدو بنفوذ تركي)، في جنوب سوريا وفي مناطق اخرى ستكون هناك جيوب لعناصر جهادية تتميز بسيطرة منخفضة وفوضى واستمرار القتال بقوة متغيرة. يمكن التقدير أنه ستكون منافسة بين الجيوب، سيتم التعبير عنها بين الفينة والاخرى بالعداء وفي حالات اخرى بالتعاون، سواء فيما بينها أو بينها وبين السلطة الرسمية. في حالة وجود حكم مركزي ضعيف الى جانب كيانات منفصلة لن يتم حل الخلافات ولن يهدأ العداء بين الاطراف في الساحة. إن خطر الاشتعال لن يختفي حيث أن الكيانات المختلفة تطمح الى تعميق حكمها الذاتي وربما حتى توسيع حدود سيطرتها.
​مع ذلك، خلال الوقت يمكن أن يحدث انتقال من هذا الوضع المركب والهجين عبر نظام فيدرالي الى نظام مركزي قوي (ليس بالضرورة تحت حكم الاسد). وذلك شريطة أن يكون بالامكان مشاركة السكان في النظام السياسي. من اجل أن يكون بالامكان استقرار سوريا فان الامر سيحتاج الى اعتراف دولي رسمي بالدولة وكذلك بوجود الكيانات المنبثقة عنها، التي ستتشكل وفقا لميزان القوى على الارض وعلى قاعدة طائفية ودينية. ضمن امور اخرى، الامر يحتاج الى نضوج الظروف لحكم ذاتي للاكراد، الذي ربما ستكون له علاقة مع الحكم الذاتي للاكراد في العراق، ومحاولة تأسيس كيان سني منفصل وناجع، غير محكوم من قبل جهات سلفية جهادية.
​على الرغم من أن التطورات حسب هذا السيناريو – التي تحتاج الى تغيير النموذج واستخدام مفاهيم تحليل جديدة بخصوص وحدة سوريا – التطورات غير مرغوب فيها من قبل عدد من الجهات ذات الصلة، يبدو أن احتمالاتها في جلب الاستقرار لسوريا هي افضل. بعد سنوات الحرب الطويلة والتدهور الاقتصادي الذي حدث خلالها، ليس مستبعدا أن جهات مختلفة من التي تعمل في المجال السوري، ستتوصل الى استنتاج أن المبنى الفيدرالي هو الحل المرحلي المفضل من ناحية امكانية خلق ظروف النهضة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومثلما هي الحال في حالات كثيرة في الماضي فان المؤقت من شأنه أن يتحول الى دائم مع مرور الوقت.
​الجانب العملي – امكانية كامنة لمواجهة عسكرية في الجبهة الشمالية
​إن تمركز ايران ووكلائها في سوريا وتوقع محاولتها مد الاذرع الى هضبة الجولان، امام الخطوط الحمراء التي وضعتها حكومة اسرائيل لوجودهم في جنوب سوريا، تطرح معقولية التصعيد الى درجة نشوب حرب بين اسرائيل وهذه القوات. بناء على ذلك، فان الجيش الاسرائيلي مطلوب منه تحسين استعداده للتصعيد وحتى حرب في الساحة الشمالية ضد سوريا ولبنان. مواجهة – محدودة أو شمالية – بين اسرائيل وحزب الله بمساعدة ايران (اساسا اندماج مليشيات شيعية وتوفير سلاح متقدم) هي التحدي الامني الذي يجب على اسرائيل الاستعداد له. خلال التدخل في الحرب السورية تعزز مستوى حزب الله كمنظمة عسكرية تقوم بتشغيل أطر قتالية منظمة. حزب الله راكم التجربة من القتال في المناطق المأهولة، الى جانب تجربته في اطلاق النار باستخدام وسائل قتالية متقدمة منها الطائرات بدون طيار وسلاح بدون مسار محدد وموجه. اضافة الى ذلك فقد عزز سيطرته على فضاء الحدود بين سوريا ولبنان، بعد ابعاده (من خلال تطهير طائفي) جهات معادية ومنافسة، ومكانته العسكرية والسياسية كدرع للبنان تعززت. كل ذلك يساهم في تعزيز الشعور بالثقة لدى هذه المنظمة ويمكنها بعد انتهاء القتال في سوريا من التفرغ للتحدي القادم: النضال ضد اسرائيل. تقدير خاطيء لنوايا الطرف الثاني – اسرائيل من جهة وحزب الله من الجهة الاخرى – من شأنه على هذه الخلفية أن يتطور الى تصعيد واسع.
​حرب ضد حزب الله ستتسبب بأضرار كبيرة للعمق الاسرائيلي، آلاف الصواريخ والقذائف ستطلق نحو الشمال ومركز البلاد. في المقابل سيتم تنفيذ محاولات اختراق من قبل خلايا ارهابية وعصابات الى الاراضي الاسرائيلية من اجل ضرب المستوطنات القريبة من الحدود وضرب البنى التحتية الحيوية. في الظروف الحالية يجب التعامل مع لبنان وسوريا كساحة واحدة، حيث أن التصعيد في احدى الجبهات سيؤدي بمنطقية عالية الى التصعيد في الجبهة الثانية، ويتوقع أن جزء من الاطلاق سيتم تنفيذه من الاراضي السورية، وستقوم مليشيات شيعية وقوات الجيش السوري التي تخضع لسلطة الاسد، بمهاجمة اسرائيل في هضبة الجولان. في المقابل، ايران ستشجع حماس والجهاد الاسلامي الفلسطيني على اطلاق سلاح محدد المسار من قطاع غزة نحو اسرائيل وتنفيذ عمليات ارهابية عن طريق اختراق الجدار وعن طريق الانفاق في غزة، اضافة الى تشجيع الخلايا الارهابية في الضفة الغربية.
​الرد الاسرائيلي يشمل ثلاثة مستويات: الاول، الدفاع الايجابي والسلبي لتقليص الضرر في الجبهة الداخلية؛ الثاني، هجوم كثيف ودقيق لتدمير آلاف الاهداف يوميا، عن طريق سلاح الجو وقدرة اطلاق النار المضادة؛ الثالث، اختراق بري لقوات برية من الجيش الاسرائيلي في عمق اراضي لبنان وهضبة الجولان بهدف اقتلاع البنى التحتية لحزب الله وشل قدرته العملياتية. ولأن معظم الصواريخ والقذائف لحزب الله موجودة ومخبأة في المناطق الريفية والمدينية في لبنان، فان الرد الاسرائيلي يتوقع أن يتسبب بضرر شديد جدا ومس شديد بالبنى التحتية والمناطق المأهولة في هذه الدولة.
​حسب اقوال الجنرال تمير هايمن، قائد فرقة الشمال “بعد مهاجمة البيت الاول الذي توجد فيه صواريخ وقذائف فان السكان اللبنانيين سيعرفون أن عليهم اخلاء بيوتهم بسرعة… إن نظريتنا للحسم لا تنبع من مطاردة كل من يطلق صاروخ”. وحسب اقواله، بقدر ما يخترق الجيش الاسرائيلي بقواته عمق الاراضي اللبنانية، فان قدرة الاطلاق لحزب الله ستقل بصورة كبيرة. واضاف بخصوص خطوط النهاية بأن الحقائق التي سيثبتها الجيش الاسرائيلي على الارض ستكون قاطعة ولن تكون خاضعة للنفي أو التلاعب.
​خلاصة وتوصيات
​يجب على اسرائيل بلورة سياستها وخطواتها ازاء التوجهات في الساحة الشمالية مع الاهتمام بثلاثة ضغوط مركزية. أولا، يجب عليها عدم السماح بتمركز ايران في سوريا، يحول سوريا الى دولة رعاية ايرانية ويوسع مساحة الاحتكاك بينها وبين ايران ووكلائها وبين اسرائيل. ثانيا، العلاقات مع روسيا هي ذخر استراتيجي بالنسبة لاسرائيل، لذلك عليها المناورة بين المس بأهداف تهديدية في سوريا ترتبط بمصالح روسيا الحيوية وبين الرغبة في استمرار التنسيق الاستراتيجي الفعال مع موسكو. ثالثا، يجب الانطلاق من نقطة افتراض بأن الولايات المتحدة لن تكون فعالة في حماية مصالح اسرائيل في هذه الساحة لأن واشنطن غير معنية بالتمركز في الوحل السوري (نتيجة فشل محاولات اقامة نظام جديد في افغانستان والعراق حسب الافضلية الامريكية). اضافة الى ذلك، ادارة ترامب تعتبر الساحة السورية امكانية لتحقيق التعاون مع موسكو، الذي ترغب في توسيعه الى ساحات اخرى (على رأسها كوريا الشمالية).
​الى جانب التهديدات والتحديات المتزايدة، في الوضع الآخذ في التشكل في الساحة السورية تكمن ايضا امكانيات وفرص لتتشكل لاسرائيل بيئة استراتيجية مريحة. الاحتمالات تشمل عوامل قوة ناعمة وصلبة، وكذلك نشاط ذاتي الى جانب نشاطات مشتركة.
1- على الصعيد العسكري. الوجود الايراني في سوريا يزيد القدرة العملية للمس بالاصول الايرانية. في سياق اوسع هذه القدرة على الاضرار ستمكن اسرائيل من مواصلة بث ردع وقوة اضرار في الفضاء السوري واللبناني كوسيلة للضغط على ايران ونظام الاسد لتأخير نشاطاتهم في جنوب سوريا، وتشجيع روسيا على الاستجابة لطلبات اسرائيل في تقييد النفوذ الايراني في هذه المنطقة. في رد على خطوات ايرانية متحدية، يجب على الخطوات العملياتية الاسرائيلية أن تشمل خطوات فجائية تكون مختلفة عن المعروف من قبل اعدائها، وتنقل رسالة مصممة على منع هيمنة ايران وتمركز قوات وبنى تحتية انتاجية وتخزينية ايرانية في سوريا لفترة طويلة.
2- في الاشهر القريبة (2018) يتوقع أن يقوم نظام الاسد، بمساعدة ايران واذرعها، بجهود عسكرية لغرض السيطرة على جنوب سوريا وهضبة الجولان. بناء على ذلك، يجب على اسرائيل أن تستعد لتصعيد في جنوب سوريا والحفاظ على الخطوط الحمراء التي وضعتها، والتي اساسها منع انتشار ايران واذرعها في هضبة الجولان والمناطق المحيطة بها. حسب تقارير غير رسمية، اسرائيل طلبت من روسيا ابعاد القوات التي تتحكم بها ايران الى مسافة 30 – 40 كم عن الحدود، لكن في اطار اتفاق المباديء الامريكي – الروسي – الاردني الذي تم التوقيع عليه في تشرين الثاني 2017 تم الاتفاق على ابعاد القوات بحوالي 20 كم عن الحدود في جنوب هضبة الجولان ووسطها، و7 كم فقط شمال هضبة الجولان “بسبب القرب من مجال دمشق”. خيار موصى به بالنسبة لاسرائيل هو رسم خط احمر بواسطة القيام بنشاطات على الارض وليس بواسطة الاقوال، من خلال استخدام القوة العسكرية وفق تقديرها للتهديد. هكذا لن تكون اسرائيل مقيدة بطريقة عمل ملزمة واحدة، حتى أنها تخلق عدم يقين في ايران. في المقابل، يجب تركيز جهود لخلق تأثير في هذا الفضاء كمنطقة فاصلة بين اسرائيل والقوات المؤيدة للاسد واذرع ايران، وذلك بواسطة تعزيز العلاقة مع السكان ومصادر القوة المحلية ومنح المساعدة لتنظيمهم، بما في ذلك الوسائل القتالية، لا سيما بعد أن اوقفت الولايات المتحدة تقديم المساعدات لقوات الجيش الاسرائيلي الحر. اضافة الى مساعدة اجتماعية وانسانية (في مجال الصحة والغذاء والزراعة) في اطار ادارة “جيرة طيبة” التي تقدم المساعدة للسكان. مع ذلك، وجود علاقة جيرة طيبة وتعاون مع عوامل قوة محلية ستنافس كما يبدو في محاولة من جانب نظام الاسد لتقديم تسهيلات كبيرة لمن ينتقلون الى معسكره. بناء على ذلك، اسرائيل ملزمة باعطاء اهتمام كبير بالفضاء، لكن من خلال “تجدير” درجات التصعيد من اجل منع الانزلاق الى وضع يضطر فيه الجيش الاسرائيلي الى السيطرة على مناطق في الجانب السوري من هضبة الجولان.
3- في اطار الحوار مع سوريا، على اسرائيل أن تطرح عدد من الطلبات الاساسية: اندماج اسرائيلي (على الاقل من خلف الكواليس) في النقاشات حول مستقبل سوريا، اشراف ورقابة روسية بهدف منع وجود ايران واذرعها في جنوب سوريا، وايضا منع تمركز ايراني في شمال دمشق بواسطة اعادة انتشار دائم لقوات ايرانية واذرعها، كذلك اقامة بنى تحتية لاعادة الانتشار، التخزين وانتاج وسائل قتالية؛ منع استخدام ايراني للاصول الاستراتيجية الروسية في الاراضي السورية (موانيء ومطارات)؛ منع تمرير السلاح الروسي لحزب الله والمليشيات الشيعية؛ منع اقامة بنى تحتية ايرانية للتخزين وانتاج وتركيب السلاح في سوريا.
4- توصى حكومة اسرائيل ببذل جهد وبلورة استراتيجية مع الادارة في واشنطن بشأن الوجود والتأثير لقوات ايران وروسيا في سوريا، من خلال التركيز على التقدير بأن افكار سلفية – جهادية ل تتلاش بعد هزيمة داعش، وأن التطوع لصفوف السلفية الجهادية يتوقع أن يستمر، ضمن امور اخرى، على خلفية السيطرة الايرانية على الفضاء العراقي والسوري واللبناني. من هنا من الضروري اقناع الادارة الامريكية بالحاجة الى خلق فاصل داخل الهلال الشيعي، وخلال ذلك مواصلة دعم حكومة العبادي في العراق بصورة تقلل تأثير ايران وتضع تحديات امام الممر البري الايراني الى سوريا. في المقابل يجب اشراك الولايات المتحدة في نظام الاشراف على اتفاقات وقف اطلاق النار في سوريا وتنفيذها، وكذلك اعادة اعمار المجال المدني في جنوب سوريا وتعزيز قوات محلية تعارض النفوذ الايراني. هذه الخطوات يجدر تطبيقها بالتعاون مع الاردن.
5- من المتوقع أن يوافق اللاعبون السوريون الداخليون على التعاون مع اسرائيل فقط مقابل امور مناسبة ولها اهمية تزيد على تلك التي ستعرض عليهم من قبل التحالف المؤيد للاسد. بناء على ذلك، من اجل تأسيس تعاون معهم يجب على اسرائيل أن تستثمر موارد لوجستية كثيرة في مشروع دعم مصادر قوة سنية، درزية وكردية في سوريا.
6- يجب تشخيص مراكز الاحتكاك بين روسيا وايران على صعيد المنافسة على الهيمنة في سوريا وبخصوص طبيعة النظام في المستقبل، وزيادتها في عملية ذكية.
​في الختام، يجب على اسرائيل طرح موقف واضح في موضوع مستقبل سوريا. هذا الموقف يجب أن يشمل دعم العملية التي تقودها روسيا، والتي هدفها حل قائم على بنية فيدرالية، وفقا لعلاقات القوة الداخلية في الدولة، وخروج القوات الاجنبية. سياسة الجلوس على الجدار التي اتبعتها حكومة اسرائيل استنفدت نفسها، لا سيما في مرحلة بدء الحوارات حول تشكيل النظام المستقبلي في سوريا. اسرائيل تعمل حقا في السنة الاخيرة من خلال قنوات مباشرة وغير مباشرة من اجل التأثير على العملية، لا سيما في جنوب سوريا. ولكن طالما لم تظهر نوايا جدية تؤكد على الامكانية الكامنة للضرر الذي يمكنها التسبب به – فان تأثيرها سيظل محدودا ووضعها الامني سيكون قابل للتحدي. الهدف الاستراتيجي الموصى به لاسرائيل بناء على ذلك هو انشاء اقليم فيدرالي في جنوب سوريا لا يكون مرتبط بنظام الاسد، ويكون اقل تأثرا بالهيمنة الايرانية في الدولة. هكذا يمكن تقليص التأثير الايراني في سوريا عن طريق تقييد قدرات النظام المركزي الموجه من طهران. على الموقف الاسرائيلي أن يشمل ايضا طلب خروج القوات الاجنبية من سوريا من خلال التركيز على حزب الله والمليشيات الشيعية لكونها مصدر للتوتر الداخلي وتقوية التطرف، وكذلك الصراعات المتواصلة التي تحمل في ثناياها امكانيات التصعيد. اسرائيل ايضا يجب أن تعبر عن معارضتها لابقاء الاسد في الحكم، لا سيما لاعتبارات انسانية واخلاقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.