Take a fresh look at your lifestyle.

محمد أبوالفضل يكتب – استمرار عقدة غزة مطلب فلسطيني وإسرائيلي وأميركي

0 1٬179

محمد أبوالفضل – 23/3/2019

فشلت محاولات المصالحة بين الفلسطينيين في تحقيق أي اختراق يذكر، بل إن استمرار الفشل أصبح يقرأ على أنه أمر مفتعل من كل الأطراف وأن الحالة الراهنة من الانقسام تبدو الحل المناسب لجميع القوى، فوجود حماس في غزة بهذه الصورة يحظى بمباركة غير مباشرة من فتح، باعتبار أنها تلقي بكل أزمات القطاع على كاهل حماس، كما أن وجود حماس بهذه الصورة يلائم التوجهات الإسرائيلية وأيضا السياسة الأميركية المنشغلة عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصراعات أخرى في المنطقة وخارجها.

قد يكون الكلام السياسي المباشر صادما للبعض عندما يلمس الحقيقية، وربما يتخذه آخرون ذريعة لتصويب الاتهامات نحو جهة معينة، أو لتفسير الحالة الراهنة والمزمنة من الانسداد على الصعيد الفلسطيني، فكلما بدا التوافق والتفاهم والحد من الانقسام قريبا، حدث الخلاف.

يمكن القياس على ذلك في كثير من التطورات، بدءا من التراشق حول تطبيق اتفاق القاهرة لعام 2012 أم 2017؟ وهل تتم الانتخابات الرئاسية والتشريعية معا، أم الاكتفاء بالثانية فقط؟ وهل يتم تمكين الحكومة الوطنية من غزة أولا أم حل المشكلات التي تولّدت عن الخطوات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية تجاه حماس دفعة واحدة؟

ينسحب هذا الكلام على ملف التهدئة بين حماس وإسرائيل، فقد لوحظ أنه مرتبط بالحسابات السياسية أكثر من التقديرات العسكرية، فعدم صمود التفاهمات، المباشرة والضمنية بين الجانبين، يرتبط بالرؤية الداخلية والإقليمية، والمبررات متوافرة وبقوة لدى كل طرف يريد نقضها، وأحيانا يبدو تثبيت الهدوء أو خلق التوتر الأمني مطلبا ملحّا، والعكس.

قس على ذلك أيضا التحركات الإقليمية، على مستوى الوساطة لوقف الانقسام أو تثبيت التهدئة، فهما غير منفصلين عن النتائج السلبية المتوقعة من وراء عدم الالتزام بأي منهما، ويرتبطان غالبا بتحركات قوى أخرى لها أهداف سياسية. وتسارع قطر مثلا خطواتها الاقتصادية والإنسانية وقت أن تتزايد وتيرة التوافق السياسي بين حركتي فتح وحماس، أو عندما تصمد التفاهمات الأمنية مع إسرائيل. وتجد الدوحة من يشجعونها على خطواتها، حتى لو أفضت إلى مزيد من الارتباك في المشهد الفلسطيني.

تدور الكثير من الأسئلة في أذهان المتابعين للتطورات على الساحة الفلسطينية، والعدد الكبير من الصعوبة الحصول على إجابات واضحة له. وأخذ المشهد العام شكل حتمية التعايش مع الواقع بكل تعقيداته وملابساته، وغالبية الأطراف المنخرطة في القضية الفلسطينية، بشقها الداخلي والإقليمي والدولي ليست على استعداد لإحداث تغيير في التوازنات الراهنة، وثمة إصرار للحفاظ على الفوضى والانفلات، بما يمنح بعض الأطراف فرصة للإقدام أو الإحجام من دون تكلفة سياسية باهظة.

جرعة سياسية فلسطينية

قادت الظروف كاتب هذه السطور للجلوس مؤخرا مع عدد من الشخصيات السياسية الفلسطينية المهمة والوازنة، الرسمية وغير الرسمية، في الماضي والحاضر، وجميعها على اطلاع بدهاليز صناعة القرار داخل السلطة الفلسطينية، وفي حركتي فتح وحماس وغيرهما من القوى الوطنية، وأدلت بآراء مختلفة حول المأساة، أو الملهاة الحالية، حسب تعبير إحدى هذه الشخصيات.

يخرج المراقب من هذه الجرعة السياسية بمجموعة من المحددات، قد يكون نقلها لقارئ “العرب” مفيدا في هذه اللحظة، التي يعاد فيها تشبيك الخيوط في اتجاه آخر، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية.

يتطلب عرض المحددات وخلاصتها عدم الإشارة إلى أسماء بعينها حضرت الجلسة بصفتها الشخصية، ولم يتم استئذانها في نقل كلام خرج على لسانها بلا تحفظ أو دبلوماسية، فالمهم العبر والدروس التي يمكن الاستفادة منها، وكلها تشرح بعض الجوانب الخفية والغامضة لكثير مما يجري من مشاهد أمام أعين الجميع، وتدعم في النهاية انسداد آفاق الحل أمام القضية الفلسطينية، وتجعله أشد غموضا، في وقت تتهيأ فيه المنطقة لاستقبال صفقة ملتبسة.

أمسكت إحدى الشخصيات المهمة طرف الحديث، مؤكدة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) أزمته مع حماس تكمن في فقدانه الثقة تماما فيها. وعلى عكس كثير من القيادات التاريخية لم يكن يوما ينتمي أو يتعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين، لأنه يعرفها وعلى علم بنواياها الخبيثة، وفي كل المرات التي قبل الحوار معها، لدوافع وأسباب سياسية، وفي ظل ظروف وضغوط قوية، جاءت النتيجة داعمة لقناعته السابقة.

حماس باتت مطلبا مهما لقادة إسرائيل، ووجودها يحول دون الوصول إلى طي صفحة الانقسام، وبالتالي من الضروري المحافظة على الأوضاع

وقال المسؤول الفلسطيني، وهو قريب من أبومازن، إن الرجل كان يريد فرض المزيد من العقوبات على حماس، لأنها الطريقة الوحيدة الناجعة معها، لكن تعاطفه مع الفلسطينيين في غزة يمنعه من ذلك، ويدرك أن قيادات الحركة لن تتنازل عن مخططاتها الخفية مهما قدّم لها من تنازلات، وهذا ما يفسر أحد تجليات ما يبدو تشددا من أبومازن، ومرفوضا من قبل البعض، حيالها خلال الفترة الماضية.

أكد فلسطيني آخر، يقف على يسار السلطة الوطنية، أن خبرة حواراته الطويلة مع حماس، تعزّز فكرة أن قراراها ليس في يدها، وضرب أمثلة على تفاهمات تم التوصل إليها خلال السنوات الماضية في غزة، وعند توقيت الإعلان عنها، كان يتلقّى رفضا عليها من عواصم أخرى.

وفي المرات القليلة التي اضطرت فيها قيادات الحركة للقبول باتفاقيات محددة، كانت تضع ألغاما وشروطا معها، كي تضمن عدم خروجها للنور، أو صعوبة تطبيقها على الأرض. وفي الحالتين، كشفت التصورات والممارسات عن تمترس خلف مواقف أيديولوجية، ستظل عائقا أمام الحلول الوطنية.

لم يتوقف المتحدثون، بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم السياسية، عن ضرب الأمثلة التي تؤكد أن حماس لا تملك قرارها الإستراتيجي، وهناك جهات خارجية تتلاعب بها وتريدها هكذا، “عنصر مشاغب”، لضمان عدم وجود صوت يتحدث بقوة عن القضية الفلسطينية، ولا يكون متماهيا مع الأصوات الدولية الراغبة فعلا في حلحلتها سياسيا.

ودعم أحد الحضور كلامه بأن هناك روابط قوية أو حلفا مستترا بين الحركة والولايات المتحدة، حيث ترى فيها واشنطن أحد عناصر توفير الأمن لإسرائيل، ولم يتبدل ذلك، على الرغم من تغير الإدارات الأميركية على مدار العقود الثلاثة الماضية.

وعرج أحدهم إلى أن حماس، ترتاح للسيطرة على قطاع غزة، ولن تسمح للسلطة الفلسطينية بإعادة اللُّحمة إليه، وتعمل بكل السبل لتفشيل اتفاقيات الوحدة وإنهاء الانقسام، وتريد إمارة إسلامية خالصة، وكل ما تتفوّه به من نكران لهذه المسألة يكذبه الواقع، والقيادات يتملكها حلم التمدد من القطاع لغزو العالم، تحت لافتة الخلافة الإسلامية البراقة.

أشار أحد الحاضرين من الإعلاميين، إلى تصريح قاله القيادي محمود الزهار، عقب انقلاب حركته في غزة عام 2007، في فورة افتخاره بالسيطرة على القطاع، أنهم بحاجة إلى كيلومتر واحد ليقيموا عليه دولتهم المزعومة، ومنه يمكن التوسع والانتشار، وهي قناعة تكاد تكون شائعة في ذهنية الكثير من المنتمين إلى التيارات الإسلامية المختلفة.

تظل فكرة الإيمان الغيبي مسيطرة على أذهان هؤلاء، باعتبارهم أصحاب طريق صحيح، ويتلقون تأييدا، وربما “وحي من الله”، على حد زعم بعضهم، ولا قيمة لعنصر الوقت في حساباتهم السياسية، فقد لفت الزهار نفسه إلى أن الشعب الجزائري، قاوم الاحتلال الفرنسي نحو 130 عاما، بينما لم يتجاوز (وقت التصريح) نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي 60 عاما، بمعنى ليس هناك حاجة للاستعجال، فلديهم اعتقاد أن الزمن حليفهم.

يكشف هذا حجم العجز في التفكير، والذي يعتمد على الاتكال، الذي يجد رواجا لدى تيارات إسلامية عديدة في المنطقة، ما جعلها تبتعد عن التفاعل مع كثير من الحلول السياسية، أو تقترب منها بصورة مؤقتة، اعتمادا على مبدأ التقية، ولذلك لن تمضي حتى آخر الطريق مع أي من القوى الفلسطينية الراغبة في الخروج من الانقسام. وتجد في السيولة الطاغية على المشهد العام وسيلة للهروب من بعض الضغوط، والتنصل من استحقاقات كثيرة، وإذا لم تجد الأدوات الكافية لذلك تسعى إلى اختراعها.

المدخل السياسي الصحيح

تصوّرت شخصية فلسطينية مرموقة أن التعجيل بالانتخابات المدخل الصحيح للخروج من الأزمة، لأن قيادات حماس غير منتخبة الآن، وفقدت شرعيتها بموجب انتهاء مدة المجلس التشريعي منذ سنوات، والذي غادره أعضاء كثيرون، بالاغتراب أو الرحيل عن الدنيا. كما أن الرئيس محمود عباس يحكم بشرعية التوافق وليس بصندوق الانتخابات، ما يستلزم العمل على الاحتكام إلى الشارع في أقرب فرصة.

هنا دار الجدل، فأي انتخابات يمكن العمل بها، لأن ثمة انقساما حول الرئاسية والتشريعية، وكل طرف، فتح وحماس تحديدا، سيتملص منها ما لم يضمن حصوله على نصيب الأسد، وهو ما يمثّل عقدة أخرى تعطل هذا الطريق، الذي قطع أحد الحاضرين بأن التوافق يسبق الانتخابات، ويساعد على تنفيذ نتائجها، وما لم يحدث تفاهم واضح سيدخل الشعب الفلسطيني موجة جديدة من العنف.

لم تستبعد شخصية أخرى اللجوء إلى خيار العنف وتغليب القسوة، كحل سياسي، يلفت أنظار العالم، ويفرض على الجميع التدخل. لأن المجتمع الدولي يتحرك فقط عندما تتصاعد حدة المآسي الإنسانية، الأمر الذي لعب عليه الرئيس ياسر عرفات (أبوعمار)، قبيل الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000. فبعد التكلس الذي أصاب القضية الفلسطينية، بعد توقيع اتفاق أوسلو، وفشل المحاولات الرامية لاستكماله عبر مراحل متقطعة، شعر أبوعمار بحالة من التقاعس، وأراد أن ينبّه العالم إلى خطورتها، فقام بتوفير الأجواء اللازمة لاندلاع انتفاضة جديدة تشي بأن الأوضاع خطرة في المنطقة، وإسرائيل أمام تهديد قوي.

يبدو أن الشخصية السياسية التي كانت قريبة من أبوعمار وأشارت إلى قصة الانتفاضة الثانية في الجلسة الفلسطينية الودية، أرادت التلويح بأن هذا الخيار قد يكون مطروحا في المستقبل القريب، لكن طرحها تجاهل الكاريزما التي تمتع بها أبوعمار وقدرته على تجميع خيوط كثيرة بين يديه، وامتلاكه بعد نظر وفهم لطبيعة المعادلة الدولية في ذلك الوقت، بينما معظم القوى الموجودة على الساحة الفلسطينية، تفتقر إلى هذه المقوّمات، وتراجعت لديها الحسابات الوطنية لصالح الحركية والشخصية.

وأصبح المجتمع الدولي مشغولا بصراعات أخرى لا تقلّ تأثيرا عن القضية الفلسطينية، خاصة الأزمة السورية، واستفاد من الخبرات السابقة. والأهمّ أن إسرائيل تعلمت من تجاربها، ومن بينها أن مواصلة قذائفها على غزة لم تعد حلا مناسبا لها، وعندما تعرّضت تل أبيب لصاروخين مؤخرا، أُطلقا من غزة، لم تجد فيهما مبرّرا كافيا لشن غارات متواصلة على القطاع، أو وسيلة لمزيد من حشد اليمين المتطرف.

في خضم التهديدات التي يتعرّض لها مستقبل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، قبل الانتخابات، تجاهل اللجوء إلى هذه الحيلة، وفضّل استمرار حكم حماس في غزة. وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن تقديرات موقف تؤكد أن حماس باتت مطلبا مهما لقادة إسرائيل، ووجودها يحول دون الوصول إلى طي صفحة الانقسام الفلسطيني، وبالتالي من الضروري المحافظة على الأوضاع القائمة بشتى الطرق، من خلال مواصلة حلقات الشد والجذب المتبادل.

ورأت إحدى الشخصيات، التي حضرت الجلسة الفلسطينية، أن هذا جوهر الحديث، ولن تجدي معه أي محاولات للوساطة، ووصلت فتح وحماس إلى إدراك عميق بصعوبة التفاهم على أرضية مشتركة، وأن سيطرة كل طرف على ما يقع تحت يديه أصبح الحلّ الأمثل (فتح في الضفة الغربية، وحماس في غزة) ولن تتمكّن أي جهة من المساعدة على تدشين خطوات عملية، ما لم تحدث خلخلة حقيقية لكثير من الثوابت التي تتحكم في التصرفات الرئيسية لدى كل جانب.

تنطوي المواقف التي روتها الشخصيات السياسية الفلسطينية على دروس متعددة، أبرزها أن الانقسام تحوّل إلى مظهر فلسطيني بامتياز، وتجذّر في عقول وقلوب القيادات المختلفة للدرجة التي لم يعد أحد يشعر بالغربة معه، وتعايش معه الشعب كأنه ملح الحياة، لكن اليوم يراه جزءا أصيلا أو مرضا عضالا في جسد القوى السياسية، ولذلك لن يغادره، طالما أن توظيفه تجاوز المديين الإقليمي والدولي، وأضحى حاكما أساسيا في المعادلة الداخلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.