Take a fresh look at your lifestyle.

عماد شقور يكتب – الحل الوحيد : الإعتراف والتعويض!

0 6

عماد شقور – 6/12/2018

اسرائيل دولة عصرية تماما: جيش قوي، اقتصاد متقدم، مجتمع عصري، من اقوى دول العالم في الابتكارات والتطوير العلمي على صعيد «الهاي تكنولوجي والنّانو»، تصنِّع وتصدر. لكن اهم ما تصدره اسرائيل هو الاخبار، حيث انها اكبر مصنع اخبار في العالم.

في كل اسبوع وكل يوم وكل ساعة تصنع اخبارا وتصدرها، وتحظى على اصداء متواصلة في كل بقاع الارض، بفعل سيطرة وهيمنة جهات من الحركة الصهيونية على العديد من اهم صحف ووسائل الإعلام في العالم. وحتى قبل الموجة الحالية من الفضائيات التي تذيع نشرة انباء كل ساعة، كانت الاذاعة الاسرائيلية تذيع نشرة انباء موسعة في كل ساعة، وموجزا كل نصف ساعة.

هذه الكثافة المفرطة في الاخبار عن كل حدث وحدث في اسرائيل، تجعل المتابع للاوضاع فيها، دائم الانشغال، وغير قادر على توفير الوقت المطلوب والضروري لمراجعة وتقييم احداث اسابيع واشهر وسنين وعقودا مضت، ولا الوقت الكافي للتفكّر في شؤون المستقبل البعيد، ولا حتى المستقبل المتوسط والقريب.

لكن، وبرغم سيل الاحداث في اسرائيل والانباء عنها في هذا الاسبوع، من توصيات الشرطة والجهات القانونية هناك، بتقديم رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الى المحكمة، بخصوص واحد من ملفات قضايا الرشوة وسوء الائتمان المفتوحة ضده، وانعكاسات ذلك على استقرار كرسيه، وبرغم احداث التحرشات العسكرية المحسوبة على الحدود اللبنانية، امس الأول، بخصوص انفاق هجومية لحزب الله، وبرغم تحركات حزبية على صعيد توقع اجراء انتخابات برلمانية مبكرة، خلال ثلاثة الى ستة اشهر، فان ما شد انتباهي، ودفعني الى تجاوز هذه الانباء والاحداث، (على اهميتها وجدارتها بالمتابعة)، تقريران صحافيان في جريدة «معاريف» الاسرائيلية، يومي الاربعاء والجمعة الماضي، 28 و 30.11.2018، وكلاهما بعيدان عن الاحداث الآنية.

تقرير يوم الجمعة الماضي مخصص للكلمة التي القاها عيدو ديسنتشيك، بمناسبة منحه شهادة دكتوراة فخرية من معهد وايزمان في رحوفوت.

ديسنتشيك هذا كان رئيسا لتحرير جريدة «معاريف» (1985ـ1991)، ورئيسا لمجلس مدراء معهد وايزمان (2009ـ2017). و«معهد وايزمان للعلوم» في رحوفوت، هو واحد من اهم المعاهد الاكاديمية في اسرائيل وفي العالم، وهو متخصص اساسا في الابحاث العلمية، اكثر من تخصصه في التعليم. كذلك من المفيد ان نعرف ان والد عيدو ديسنتشيك، هو د. أريه ديسنتشيك، الذي اسس مع جابوتنسكي الحركة التصحيحية «بيتار»، التي اصبحت لاحقا حركة «حيروت»، وهي في طورها الحالي حركة «الليكود».

ما يعطي لكلمة ديسنتشيك اهمية خاصة، هو الحرص المعروف لمن يتم تكريمه، ان تتضمن كلمته في ذلك الاحتفال، ملخصا مركزا عن تجربته في الحياة، وخلاصة تجربته بما يشبه وصيته ونصيحته الاخيرة.

في كل اسبوع وكل يوم وكل ساعة تصنع إسرائيل أخبارا وتصدرها، وتحظى على اصداء متواصلة في كل بقاع الارض، بفعل سيطرة وهيمنة جهات من الحركة الصهيونية على العديد من اهم صحف ووسائل الإعلام في العالم.

استعرض ديسنتشيك في كلمته تلك، شريط حياتهوحياة عائلته، وتحدث عن عيد ميلاده الاول يوم 7 كانون الأول/ديسمبر، الذي «لم تُشعَل لي فيه شمعة.. وانما تم فيه إشعال مدينة كاملة، هي بيرل هاربر، في الحرب العالمية الثانية»، وقبل ذلك باسبوع واحد، يوم 30.11.1941، اصدر هاينرش هيملر، قائد فرق الغستابو النازية، واحد اقرب واقوى رجال ادولف هيتلر، امرا بـ»تدمير الغيتوات اليهودية، وقتل جميع يهود لِتفيا، وكان من بين القتلى جدّي وجدّتي، وستة من الاعمام والعمّات، وعدد لا اعرفه من اولاد وبنات الاعمام، واقارب ابعد.. ولم يستغرق قتل 25 الف يهودي، في غابات قرب مدينة ريغا اكثر من ثمانية ايام فقط، حيث ارسل الضابط المسؤول عن عملية التصفيات تلك، برقية يوم 9.12.1941، يقول فيها ان المهمة قد أُكملت».

من هذه الحوادث المأساوية، ينتقل ديسينتشيك، (الذي نجا من المجزرة في مسقط رأسه، لأن والده كان قد هاجر منها في الثلاثينيات الى فلسطين، تطبيقا لما آمن به من «الانتقال من دائرة الكلام الى دائرة الفعل»)، لسرد ما حظي به من حياة مريحة وتعليم ورغد عيش، وزواج من امرأة هي «بين الخمس نساء الأكثر جمالا في أي دولة، وفي كل فترة عُمرِيّة»، ويصفها بانها امرأة «على كيفك»، (هكذا حرفيا وباللغة العربية)، ويُضمّن هذه الفقرة فترة خدمته العسكرية كضابط مقاتل في سلاح البر، ويتحدث عن انجازات اسرائيل العلمية والاقتصادية، ثم يتوسع في سرد الاحداث العسكرية والانجازات.

يقول ديسنتشيك: «كان عمري اقل من سبع سنوات ونصف عندما شاهدت، وانا في تل ابيب، مقاتلي حركة ايتسل يتحركون لاحتلال يافا، وفي 1948ـ1949 وقعت حرب الاستقلال (!)، وكانت الحرب التالية سنة 1956، وفي سنة 1958 تجندت وخدمت ضابطا مقاتلا في حرب 1967، وحاربت في القناة (السويس) في حرب 1969ـ 1970، (حرب الاستنزاف)، وحرب 1973، وحرب لبنان الأولى سنة 1982، (اجتياح جنوب لبنان وحصار بيروت)، وفي حرب الخليج الأولى سقطت صواريخ عراقية على تل ابيب، وفي سنة 2006 وقعت حرب لبنان الثانية، وبين تلك الحروب وقعت اعمال إرهابية وعمليات عنيفة معادية لا تحصى، وكذلك عمليات عسكرية (اسرائيلية) وعمليات انتقام بشكل متوصل، وايضا: انتفاضتان وثلاث اتفاقيات، مع مصر والاردن والفلسطينيين».

بعد ان يتوقف ديسنتشيك طويلا عند التطورات الكبيرة في المنطقة وفي العالم، يسجل ديسنتشيك ملاحظته ان الوضع في عالم اليوم، يشبه، في اعتقاده، الوضع الذي ساد في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي سنوات الرعب والقتل والابادة والدمار في العقل والذاكرة الجمعية اليهودية.

ثم ينتهي ديسنتشيك الى الخلاصة والعبرة: يبدأها بالتذكير انه «كان لنا حتى الآن 70 سنة جيدة،.. عشرة أضعاف السبع سنين السِّمان»، (حسب الاسطورة التوراتية). ولكن:.».انتهز هذه المناسبة لأقول لكم اننا لم نصل الى الراحة والاستقرار، ويجب ان نسمح لأنفسنا بالتمدد امام الشاشات براحة واطمئنان واسترخاء. إن حربنا لم تنتهِ بعد، ذلك اذا كنا نريد ان نمنع وقوع كارثة كبيرة، وان نعيش لسنوات وسنوات جيدة».

هذه الخلاصة البالغة الدلالة التي انتهى اليها ديسنتشيك، لا اجد ردا افضل عليها، مما ورد في تقرير صحافي في جريدة «معاريف» الاسرائيلية ذاتها، قبل ذلك بيومين. ملخص التقرير الذي كتبه ران أداليست، ان القناة العاشرة الاسرائيلية، بثّت تقريرا لأور هيلر، اجرى فيه مقابلة مع مايك إلدار، الذي اخذ على عاتقه كشف ارتكاب الجيش الاسرائيلي جريمة اطلاق غواصة اسرائيلية، (اثناء حرب اجتياح جنوب لبنان وحصار العاصمة بيروت سنة 1982)، طوربيدا اغرق سفينة خرجت من لبنان باتجاه قبرص، وعلى متنها 25 مواطنا مدنيا لبنانيا، تحت غطاء كاذب، هو ادعاء قائد الغواصة، انه رأى على ظهر تلك الباخرة المنكوبة، اشخاصا يرتدون بِزّات عسكرية.

ينتهي هذا التقرير الجيد الى خلاصة ان لا حل منطقي لهذه المأساة التي تتحمل اسرائيل كامل المسؤولية عنها الا بالاعتراف الصريح عنها وتقديم التعويضات عن الضحايا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.