تنظيم القاعدة ... استراتيجية جديدة مرحلة العمل في السودان (الحلقة الخامسة 2-2)
بواسطة: المركز بتاريخ : الثلاثاء 30-06-2009 05:49 صباحا
فؤاد معمر
بعد رحيل القوات السوفييتية عن افغانستان كانت باكستان تتطلع الى قيام حكم اسلامي موال لها في العاصمة كابول ، فالحكومات الشيوعية التي تولت الحكم بعد رحيل القوات السوفييتية عام 1989 ما تزال تتلقى الدعم من السوفييت ماليا وعسكريا ، وهو الامر الذي دفع الولايات المتحدة الامريكية الى توثيق التعاون مع الباكستان والسعودية لدعم المجاهدين وتزويدهم بالمال والسلاح لاسقاط الحكم الشيوعي ممثلا بحكومة نجيب الله ، ففي السنوات السابقة خصص الكونغرس الامريكي سرا مبلغ (470) مليون دولار للعلميات السرية في افغانستان عام 1986 ، وزاد هذا الرقم ليصبح (630) مليون دولار عام 1987، لكنه في عام 1989 يحتاج الى مضاعفة المبلغ ، الامر الذي يبرز دور السعودية في الشراكة مع امريكا والباكستان ضد الشيوعية . ورغم تزايد الدعم الامريكي والسعودي والباكستاني ، الا ان الصراع قد اشتد بين الفصائل الجهادية الافغانية ، لا سيما بين قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الاسلامي المدعوم من المخابرات الباكستانية وبين احمد شاه مسعود القائد العسكري في الجمعية الاسلامية بزعامة برهان الدين رباني، وكان هذا الخلاف يعتبر بين تنظيمين يحظيان بالدعم من الاخوان المسلمين ، لذلك حاول الشيخ عبد الله عزام اجراء مصالحة بين الزعيمين لكنه لم يوفق في ذلك حيث كانت الغلبة للزعيم قلب الدين حكمتيار الذي وجد الدعم من الشيخ اسامه بن لادن ، اضافة لدعم المخابرات الباكستانية والسعودية . وبتاريخ 24/11/1989 وعند حضور الشيخ عبد الله عزام لصلاة الظهر في مسجد (صبا الليل) بمدينة بيشاور انفجرت سيارة قرب مدخل المسجد ادت الى استشهاد الشيخ عبد الله عزام واثنين من ابنائه هما محمد وابراهيم ، وقيل من مصادر جهادية في افغانستان ان اغتياله كان من الموساد الاسرائيلي على خلفية ارساله اموال لدعم نشوء حركة حماس ، في حين اشارت مصادر اخرى الى جهات اسلامية معارضة للشيخ عبد الله عزام على خلفية دعمه للزعيم احمد شاه مسعود ضد حكمتيار ، والله اعلم ايهما اقرب الى الحقيقة . وبعد وفاة الشيخ عبد الله عزام انضمت غالبية الجماعات المجاهدة والمجاهدين الذين كانوا يوالون الشيخ عبد الله عزام الى قوات قلب الدين حكمتيار المدعوم من الشيخ اسامه بن لادن ، والذي اسهمت المخابرات الباكستانية بتجنيد الالوف من ما يسمى (لشكر ايسار) او جيش الصحابة وجعلته تحت امرته حيث اقتحم الحدود الافغانية متوجها نحو العاصمة كابل لاسقاط حكومة نجيب الله الشيوعية . وقبل كل هذه الاحداث كانت اجهزة المخابرات الباكستانية والامريكية والسعودية قد تلقت (ضربة مؤلمة) بتاريخ السابع عشر من آب 1988 حين سقط الرئيس الباكستاني ضياء الحق شهيدا في حادث سقوط طائرته وبصحبته الجنرال اخطار عبد الرحمن قرب بوالبور والاثنان يعتبران من مؤسسي الجهاد الافغاني ، وقد خلف ضياء الحق في الحكم مؤقتا الجنرال ميرزا اسلام بيغ ، كما تسلم الجنرال حميد غول ادارة الاستخبارات الباكستانية وهو الذي تولى عملية دعم الزعيم الافغاني حكمتيار بالمال والسلاح والمتطوعين ، وقد اعتبرت المخابرات المركزية الامريكية استلام حميد غول رئاسة المخابرات بأنه خطوة ايجابية تساعد على تحقيق النصر في افغانستان . وفي اواخر عام 1988 تسلمت بنازير بوتو رئاسة الحكومة في الباكستان والتي حاولت التصدي للجماعات الاسلامية ، فتم الاتفاق بين المخابرات الباكستانية والشيخ اسامه بن لادن على تمويل عملية اسقاط الثقة عن حكومة بوتو (حسب اعترافات بنازير بوتو) وخلال هذه الفترة التي اعقبت انسحاب القوات السوفييتية واختلال التوازن بين رئيسة الوزراء بنازير بوتو والاسلاميين اتفق الشيخ اسامه بن لادن والدكتور ايمن الظواهري بأن المرحلة المقبلة والاهم هي الجهاد العالمي ضد الولايات المتحدة الامريكية والانظمة الموالية لها . وقد حاولت المخابرات المركزية الامريكية مطلع عام 1990 اقناع الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية بأن مصالح السعودية والولايات المتحدة تكمن في الابتعاد عن الاسلاميين المدعومين من قبل مخابراته والمخابرات الباكستانية ، واقناعه كذلك بدعم قوات احمد شاه مسعود في الشمال ، فما كان من الامير تركي الفيصل الا ان قدم دعما ماليا لقوات مسعود ، لكنه اصر وبقوة على مواصلة دعمه للمخابرات الباكستانية ورجلها في افغانستان قلب الدين حكمتيار ، وقد اثبتت الاحداث بعد ذلك عن صحة رأي الامير تركي الفيصل حيث فشلت قوات احمد شاه مسعود من التقدم باتجاه كابل ، فاضطرت المخابرات المركزية الامريكية بقطع الدعم عنه ، فأرسل مبعوثا الى السعودية لمقابلة الامير تركي الفيصل يرجوه بالتوسط بينه وبين المخابرات الباكستانية . في ظل هكذا اجواء من عام 1990 قرر الشيخ اسامه بن لادن العودة الى السعودية ، وكان يدور في ذهنه مشروع احياء الجهاد ضد الشيوعية في اليمن الجنوبي ، فبدأ يدعم المجاهدين هناك ، الا ان السلطات اليمنية القت القبض على بعضهم واشتكت الى الرياض التي طلبت من الشيخ اسامه بن لادن التريث وعدم تعكير العلاقات السعودية اليمنية ، لكن حدثا عظيما قلب الامور رأسا على عقب حيث اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت في آب 1990 ، الامر الذي احدث انقلابا في العلاقات بين الشيخ اسامه بن لادن والدولة السعودية وتطور ذلك الى حرب متواصلة ضد السعودية والانظمة العربية الموالية للولايات المتحدة الامريكية ، فقد اعلن الشيخ اسامه بن لادن اعتراضه الشديد على الاستعانة بقوات امريكية لحماية السعودية بناء على طلب سعودي ، وتعهد بتشكيل جيش من المجاهدين وتجهيزه بالمال والسلاح قوامه (60 الفا) من غير السعوديين ، و (20 الفا) من السعوديين ، فرفضت الدولة السعودية طلبه ، وفرضت عليه حظرا ، لكنه تمكن من الخروج وعاد الى افغانستان حيث بقي هناك حتى عام 1991 ، وانتقل مطلع عام 1992 الى السودان . وأسباب انتقاله الى السودان ان المخابرات المركزية الامريكية قدمت الدعم المالي واللوجيستي للاسلاميين في السودان ، وخاصة (الجبهة الاسلامية) بزعامة حسن الترابي كي يتحالفوا مع العسكر للاطاحة بالنظام الشيوعي الذي يرأسه جعفر النميري ، وقد استطاع الاسلاميون من انجاح الانقلاب في السودان بتاريخ 30 حزيران/يوليو 1989 برئاسة عمر حسن البشير ، واصبح الحكم في السودان اسلاميا ينادي بتطبيق الشريعة الاسلامية ، وهي فرصة اغتنمها الشيخ اسامه بن لادن لدعم الاسلاميين السودانيين لاعلان امارة اسلامية . فانتقل الى هناك حيث بدأ في استثمار حصته من ارث والده والبالغة (300 مليون دولار) في مشاريع زراعية وتنموية وصناعية وفي مشاريع شق الطرق واقامة الجسور ، ثم بدأ يعيد ترتيب اوارقه الجهادية حيث بدا بارسال المجاهدين الى الصومال لاخراج القوات الامريكية وارسال المجاهدين لتنفيذ عمليات ضد القوات الامريكية التي كانت تعمل في اطار الدعم اللوجيستي للقوات في الصومال ، وتفجير الفنادق في عدن وكذلك تفجير المدمرة الامريكية (يو. اس. اس. كول) وتنفيذ عدد من العمليات في السعودية التي قررت تجميد امواله عام 1992 ، ثم سحب جنسيته السعودية عام 1994 ، فرد على ذلك بعملية اثارت ضجة كبرى وهي عملية تفجير القاعدة العسكرية الامريكية في الخبر ، الامر الذي احرج الحكومة السودانية ، في حين ضغطت المخابرات المركزية الامريكية على زعيم الجبهة الاسلامية الشيخ حسن الترابي للفكاك عن التحالف مع الشيخ اسامه بن لادن وقامت الادارة الامريكية في عهد الرئيس كلينتون بقصف معسكراته في افغانستان . شعر الشيخ اسامه بن لادن بأن وضعه في السودان لم يعد آمنا ، لا سيما بعد الضغوط الامريكية على الحكومة السودانية لتسليمه ، فقرر مغادرة السودان حيث عاد الى افغانستان بناء على دعوة من الزعيمين الشيخ يونس خالص والشيخ جلال الدين حقاني حيث وصل الى جلال آباد لتبدأ مسيرة جديدة من مسيرة تنظيم القاعدة. انتهى