بواسطة: المركز بتاريخ : السبت 11-07-2009 05:18 صباحا
د.احمد حماد
خاص لمركز الناطور للدراسات والابحاث
ما ان انتهت الانتخابات اللبنانية وما صاحبها من حملات انتخابية واعلامية ندر مثيلها على المستويين العربي والعالمي، وكذلك ما صرف فيها من اموال بلغت اكثر من سبعمائة مليون دولار، للحملات الاعلامية واستقدام المناصرين ، وكذلك حصة المتنفذين في جمع الاصوات، وظن اللبنانيون انهم هم اصحاب القرار في حصول الاغلبية او المعارضة على المقاعد الاكثر في البرلمان ، ظهر ان هناك اطرافا اخرى معنية بهذا الامر وتشارك فيه بكل ثقلها ، فقبل اسبوع من الانتخابات اللبنانية وبعد زيارة نائب الرئيس الامريكي بايدن الى بيروت ، عقد اجتماع في دمشق جمع كل من : - مدير ادارة المخابرات العامة السورية. - رئيس الاستخبارات العامة السعودي. - مساعد وزيرة الخارجية الامريكية . - رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الفرنسية . تناول الحديث بين المجتمعين الوضع اللبناني فيما بعد نتائج الانتخابات اللبنانية ، وكان ظاهرا ان المجتمعين متفقون على ان نتائج الانتخابات اللبنانية ايا كان شكلها سيكون لها تداعيات خطيرة على الوضع الامني والسياسي في المنطقة. وابلغ الجانب الامريكي كل المجتمعين ان اسرائيل لن تقبل ان يشكل حزب الله الحكومة اللبنانية ، واضاف: ان اسرائيل ستعلن حالة الحرب ضد لبنان في حال تم تشكيل حكومة من حزب الله وحلفائه وطلب المسؤول الامريكي بأن يكون هناك عقلانية في اقامة أي حكومة لبنانية قادمة ، وأوضح ان الادارة الامريكية تسعى للتهدئة في هذه المرحلة ، وان وجود حكومة لبنانية مدعومة من حزب الله سيكون لها نتائج عكسية على مجمل خطط الادارة الامريكية في المنطقة بما في ذلك الموضوع الفلسطيني الاسرائيلي. اما مدير المخابرات العامة السوري فقال : ان وجود حكومة لبنانية من جماعة 14 آذار سيكون له تداعيات خطيرة على الامن القومي السوري ، لذلك لا تريد سوريا بالمقابل ان ترى حكومة لبنانية اكثر التصاقا مع اسرائيل. خلال هذا الوقت واثناء زيارة الرئيس الامريكي لمصر ، اتصلت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون بوزير خارجية سوريا وليد المعلم وابلغته ان الادارة الامريكية تقدر تخوفات سوريا من وجود حكومة تعمل ضد سوريا ، لذلك يجب البحث عن حل يرضي جميع الاطراف. وبناء على ذلك تم الاتصال بكافة كبار المسؤولين للاطراف المشاركة في اجتماعات دمشق وتم الاتفاق على التالي: - تشكل الاغلبية النيابية الحكومة القادمة . - تشكل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كل الاطياف السياسية اللبنانية. - تحتفظ المعارضة بصيغة الثلث الضامن او صيغة اخرى او ان يشارك وزراء من خارج الكتل السياسية يسميهم رئيس الجمهورية وعلى الاغلب قد يكونوا من رؤساء الوزارات السابقين المحايدين. وبناء على ذلك تعهدت سوريا ان تضمن موافقة حزب الله وايران فيما ضمنت السعودية بأن لا تكون الحكومة اللبنانية القادمة معادية لسورية او ان تمارس أي نشاطات انطلاقا من لبنان ، وكذلك ان تعمل السعودية وفرنسا على تحسين العلاقات السورية اللبنانية ، ومن هنا جاء تصريح الرئيس الفرنسي ساركوزي ان الرئيس بشار الاسد قد اوفى بوعده له بالنسبة للانتخابات اللبنانية . لهذا جاءت النتائج الانتخابية عكس ما توقعه الكثير من المحللين او استطلاعات الرأي ، وحتى في اوساط قوى 14 آذار وبعض السفارات التي تعني بنتائج هذه الانتخابات والتي كانت تقول ان المعارضة ستحصل على الاغلبية في مقاعد البرلمان ، لكن وبغض النظر عن التدخلات الخارجية وعدم السماح للكثيرين من اللبنانيين الانتقال من سورية الى لبنان، ونقل الآلاف من الاسماء الى مناطق البقاع لصالح قوى 14 آذار ، والمال السياسي ، والتحريض الطائفي والمذهبي والتهديد الاسرائيلي ، والتدخل العربي المتعدد الاشكال . الا ان المعارضة ارتكبت عدة اخطاء كان لها ايضا تأثير غير متوقع على هذه النتائج وخاصة في كل من زحله وطرابلس والاشرفية ، ففي زحله خسر جوزيف سكاف لانه اصبح يعتمد على مشاركة حزب الله وسوريا وعون وتقاسم معهم النتائج فقد كان سابقا يحصل على المقعد ومنذ ايام والده لانه كان مستقلا ولم يسبق ان هزم في هذه الانتخابات وله حضور على كل ساحات البقاع وزحله. اما في الاشرفية ورغم عصبية عون الملفتة للانتباه وتوتره الدائم لم يكن ناجحا في اختيار ابو جمره ليكون ممثلا في الاشرفية وهو من مرجعيون ، فجاءت النتيجة بنجاح 14 آذار بخمسة مقاعد في الاشرفية ومنهم ابناء بشير الجميل وجبران التويني ، اما في طرابلس فكان الخطأ ان تقوم المعارضة بدعم عمر كرامي الذي يعتبر من اكبر اثرياء طرابلس ، لكنه يتصف بالبخل الشديد، في الوقت الذي يشكو فيه من دينصورات المال، والسنة في لبنان بحكم ضعف حضورهم وقلة ممثليهم الاقوياء ويغريهم المال من أي جهة كانت وهذا ما حصل معهم في البقاع وعكار وبيروت وطرابلس . اما حزب الله فقد تراجع جمهوره نتيجة لضعف الموقف التنظيمي والفكري لدى عناصره ، فلقد اصبح لديه مجموعة من المنتفعين الذين يمتلكون احدث السيارات ويحصلون على امتيازات عديدة ، بل ونفوذ دفعهم للتدخل في شؤون الناس الداخلية وكذلك الخروج عن قاعدة الابتعاد وعن قضايا الامن الداخلي ، فترى ما يسمى بالانضباط يقومون بتنظيم السير في مناطق الحزب ، وليس الامن العام ، وبدأت تخف سرية عناصره، اضافة الى ما تركته عمليات 7 أيار من اثر على الاصطفاف السني وقوى 14 آذار وتخويف الناس من الحزب ، وكذلك عدم الاعتماد على العائلات الشيعية الكبيرة التي لديها الاصوات الفاعلة، وكذلك غرور فصائل واحزاب المعارضة بدون معرفة الواقع . واليوم وبعد نتائج الانتخابات التي اعطت للاغلبية 72 مقعدا مقابل 57 مقعدا للمعارضة في البرلمان تم تكليف سعد الحريري لرئاسة وزراء لبنان بعد الاستشارات التي قام بها الرئيس مشيل سليمان مع الكتل البرلمان كما ينص الدستور اللبناني ، ورغم ان زعيم اكبر كتلة برلمانية تضم 41 نائبا كان يتوقع ان يرشحه لمنصب رئيس الوزراء ما لا يقل عن 110 نواب لم يحصل الا على ترشيح 86 نائبا من اصل 128 نائبا . وقد حصل سعد الحريري على دعم وتأييد امريكي فرنسي سعودي ، وبمقدوره ان يشكل حكومة من الاغلبية فقط ، فلديه ايضا بعض الاسماء الشيعية التي يمكن ان يقوم بتعينها ، لكن الامر يتطلب ثلثي اعضاء البرلمان وهذا ما لم يمكن ان يحصل عليه دون تشكيل حكومة وحدة وطنية ، فلا احد يستطيع ان يحكم لبنان منفردا فالمحصاصة الطائفية في كل شيء وكل ادارة وموقع حتى في الجيش وفي قوى الامن هي الاساس في هذا البلد ، ورغم قول سعد الحريري "ان القضية الراهنة تتعلق بمصير وطن في لحظة اقليمية تكاد وتكون الاخطر والاكثر دقة في تاريخ المنطقة" . وهنا تظهر ملفات ومعوقات لا حدود لها امام رئيس الوزراء المكلف بعد ان نجحت المعارضة والاغلبية في اختيار رئيس مجلس النواب نبيه بري للمرة الخامسة ، والذي يعتبر حليفا اجباريا لحزب الله ، لان حزب الله لا يستطيع الاستفراد بالطائفة الشيعية ، وكذلك لان حزب الله لا يقدم الخدمات المتعارف عليها طائفيا في لبنان ، بل يقوم بذلك نبيه بري من خلال مجلس الجنوب ، والتعيينات في الوظائف الحكومية والجيش والامن العام والذي يفرض عليهم عضوية حركة امل مقابل ذلك ، ومن المعروف ان الكثير من المشاكل الداخلية يقوم بها افراد حركة امل ويتأثر بها حزب الله . ويواجه سعد الحريري العديد من المشكلات ليس آخرها تشكيل الحكومة وهذه المشكلات هي : - التناقض الواضح داخل قوى 14 آذار وطموح كل فريق منهم الحصول على اكبر عدد من المقاعد الوزارية والامتيازات اضافة الى التناقض الفكري والسياسي بين هذه القوى فهناك الكتائب اللبنانية والتي يحكمها آل الجميل والقوات اللبنانية التي يترأسها سمير جعجع التي تقيم تحالفا تاريخيا مع اسرائيل وتعادي سوريا دون الاعلان الواضح عن ذلك رغم تصريح ابن الجميل الصغير بذلك مؤخرا ، وهذه القوى هي التي تطرح اولوية بحث سلاح حزب الله. - الازمة الاقتصادية وديون لبنان التي تزيد عن خمسين مليار دولار لبلد محدود الايرادات والكثير النفقات . - عداء سعد الحريري لسورية والذي يصعب حله بين ليلة وضحاها كما كان البعض يتوقع ان يقوم بزيارة الى سورية قبل التكليف ، ومن الصعب القيام بذلك حتى بعد التكليف . - التهديدات الاسرائيلية المتواصلة وعدم تطبيقها للقرار 1701 وكذلك الانسحاب من مزارع شبعا وكفار شوبا. - سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومشكلة التوطين وما يتطلب ذلك من حلول وخطوات . - التأثيرات الخارجية الاقليمية والدولية على السياسة اللبنانية . هذه المشكلات اضافة الى طلبات المعارضة سواء المشاركة بالثلث المعطل او ما يسمونه بديلا لذلك بالمشاركة الحقيقية تقع امامه دون ان يكون من السهل حلها ، رغم قوله ان الحكومة يتم طبخها على نار هادئة وهي طبخة لبنانية ، لكن الاجتماعات السورية السعودية والاتصالات الامريكية الفرنسية والمصرية هي صاحبة التأثير الاول والذي سنتناوله فيما بعد .