Take a fresh look at your lifestyle.

يوسي ملمان يكتب – أعشاب ضارة

0 22

معاريف – بقلم يوسي ملمان  – 11/1/2019

اذا كنا بحاجة الى خلاصة لمعاملة التسيد من بعض من رجال اليمين الاستيطاني تجاه باقي المجتمع في اسرائيل، بما في ذلك سلطات انفاذ القانون كان يمكن ان نسمعها في التسجيل الذي بث يوم الاحد في نشرة الاخبار. فقد وثقت النشرة حديثا دار بين مسؤول المخابرات وأب واحد تلاميذ المدرسة الدينية التي خرج منها، حسب الاشتباه، المشبوهون بقتل  الفلسطينية عائشة الرابي، الام لتسعة اطفال، قبل نحو ثلاثة اشهر. يمكن الافتراض بان المحادثة سجلها الاب ونقلها الى مراسل القناة، عوفر حداد.

في اطار التحقيق اتصل مسؤول المخابرات مع الاب. يمكن ان نرى في الحديث نوعا من الاستيضاح، التحذير والمحاولة للحصول على المعلومات. فقد اشتكى المسؤول من أن مدراء المدرسة الدينية لا يتعاونون وان الحديث يدور عن “حفنة صغيرة” من الفتيان المشبوهين بالقتل و “حفنة تعرف”. فرد الاب على الفور: “أنا لا افهم هذه الترهات، هذه مؤسسة تعليمية. هم اطفال صغار. يتعلمون التوراة. ان تقول هذه الامول عنهم… انت بالفعل لا تعرف الفقه وكأن بك تقول انهم يخلطون دم المسيحيين في الفطير”.

لماذا قرر الاب بان مسؤول المخابرات لا يفهم في الفقه؟ فهو لا يعرفه ولم يلتقِ به. ناهيك عن أن هناك غير قليل من رجال المخابرات ممن يعتمرون  الكيبا. ولكن يمكن ان نستنتج بانه في جملته التي قال فيها انه لا يفهم في الفقه وربطه ذلك بفرية الدم تختبىء نبرة عنصرية، استخفاف، غرور وتعالٍ.

متحدث مثل الاب افادني معقبا بان التقدير الذي اطرحه هنا عديم الأساس، فالاب سعى فقط لان يدعي بان ادعاءات المخابرات هي مثابة فرية دم.

في كل الأحوال، منذ عشرات السنين وجهات من اليمين الإسرائيلي الاستيطاني – القومي – الديني – المسيحاني، ممن خرجوا قبل عشرات السنين من مزرعة بني عكيفا، الحزب الديني القومي المفدال والصهيونية الدينية يرون أنفسهم او يتصرفون كأسياد البلاد. بعض من زعمائهم يستنكرون من لا يتفقون معهم او يقفون في طريقهم. لقد سبق للعميد احتياط يعقوب عميدرور، الذي كان رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات ورئيس مجلس الامن القومي ان قال في مقابلة مع “يديعوت احرونوت” ان العلمانيين هم “عربة فارغة”. اما النائب موتي يوغاف فقد دعا الصعود على المحكمة العليا بجرافة دي – 9.

غير قليل من أوساط اليمين الاستيطاني يصنفون من يعارضون الاحتلال ويؤيدون اخلاء المستوطنات والتسويات السياسية مع الفلسطينيين كـ “يسرويين”، “خونة” او “داعمين للارهاب”. وهذا ينطبق باثر رجعي أيضا على زعماء يمينيين واضحين مثل رئيس الوزراء مناحيم بيغن وارئيل شارون ممن تجرأوا على تغيير رأيهم واخلاء مستوطنات وإعادة مناطق.  

من خلال مندوبيهم في الكنيست – حزب البيت اليهودي وحاخاميهم، مثلما أيضا باسناد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقسم من وزراء الليكود والنواب – يحاولون اضعاف كل مؤسسة من شأنها ان تكون لهم عائقا في طريقهم لان يفرضوا على المجتمع الإسرائيلي عالمهم الروحي، معتقدهم الديني وقيمهم. مرة تكون هذه المحكمة العليا، التي تسعى وزيرة العدل آييلت شكيد بل وتنجح في تصميمها كما تشاء. ومرة أخرى يكون هذا هو الجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان المعتزل غادي آيزنكوت. مرة تكون شرطة إسرائيل والمفتش العام المنصرف بل ومرة أخرى الشاباك – المخابرات.

انهم يرفضون الاعتراف او يعيشون في النكران، مثل ذاك  الاب  لتلميذ المدرسة الدينية، في أن هذه ليست صدفة ان في تربتهم تنمو نباتات ضارة منذ نحو 40 سنة. وفي اقصى الأحوال يبدون الاستعداد لان يتحدثوا عن مجرد اعشاب. ولكن من القائمة الطويلة لعمليات الإرهاب التي جاءت من مزارع المستوطنين او بالهام من فكرهم فانه حتى من ليس مزارعا سيفهم ان هذه ليست مزروعات موسمية، فهذه نباتات حتى لو اقتلعتها فانها تعود لتنمو من جديد.

***

مثلما في الإرهاب الفلسطيني، فان تعابير الإرهاب اليهودي تنزع وترتدي اشكالا مختلفة: تنظيم سري مع انتماء تنظيمي، إرهاب افراد او عمليات الهام. في 1980 – 1983 كان هذا هو التنظيم السري اليهودي الذي  قتل ثلاثة طلاب، أصاب رؤساء البلديات الفلسطينيين (وكذا خبير متفجرات من الشرطة من اصل درزي) وخطط لتفجير المساجد في الحرم وباص تلاميذ من شرقي القدس. وبعد ذلك كان التنظيم السري “تي.ان.تي” وعصابة لفتا ودورية الثأر في 1990 (على مقتل مئير كهانا)، وفي 2002 تنظيم سري “بات عايم” الذي نفذ عمليات وخطط لتفجير مدرسة بنات. وبين هذا وذاك كان منفذون افراد للعمليات – إسرائيل ليدرمان، يهودا ريختر، نير عفرتي وايلي فعنونو، دافيد بن شيمون، داني آيزمان، غيل فوكس وميخائيل هيلل، رفائيل سولمون، عامي بوبر، آريه شلوش، نحشون فالس، باروخ غولدشتاين، دانييل مورالي، غور هامل، داني تيكمان، الفان غولان، يهوشع اليتسور، عيبان نتانزادا، آشير فيزغن، يعقوب تايتل وغيرهم. وبالطبع محظور أن ننسى يغئال عمير. كما يجدر أيضا أن نذكر بانه حتى اليوم في المخابرات ليسوا واثقين اذا لم يكن عمير قد تلقى مباركة الطريق او الفتوى من واحد من حاخامي الصهيونية الدينية. في المخابرات لم يحققوا حتى النهاية بالتصميم والحزم اللازمين لشدة الأسف، هذه المسألة.

بعض من الحاخامين الذين ذكرت أسماؤهم في حينه في سياق اغتيال رابين يواصلون أداء مناصب محترمة كمرشدين ومعلمين للجيل. فهم لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا. ويشهد على ذلك ما قاله احد كبارهم، الحاخام حاييم دروكمان عن المخابرات الأسبوع الماضي. فقد تحدث عن “اقبية المخابرات”، وهو تعبير كان يستخدمه في الماضي المخربون الفلسطينيون. من المؤسف ان حاخاما ونائبا سابقا حتى وان كان معروفا بحماسته، لا يعرف بانه يوجد منذ 17 سنة قانون للمخابرات، ومنشآتها ومحققيها يعملون بموجبه. ما يغيظهم حقا هو حقيقة أن أساليب التحقيق التي تستخدم تجاه المشبوهين بالإرهاب اليهودي تشبه تلك المستخدمة مع المشبوهين بالإرهاب الفلسطيني.

يجتاز محققو الشاباك – المخابرات التأهيل الأساس والتدريبات اللازمة ذاتها سواء كانوا سيتجهون نحو الوحدات التي تعنى بالتحقيق مع الفلسطينيين ام مع اليهود والأجانب. وبعض من المحققين يمكنهم ان يجدوا انفسهم في اثناء خدمتهم يتنقلون من وحدة الى أخرى.

وهنا نصل الى السطر الأخير. في العقد الماضي نشأت ظاهرة جديدة اتخذت عنوانا مغسولا هو “شارة الثمن”. شعارات عنصرية وكتابات على الحيطان تندد بالفلسطينيين وعرب إسرائيل كانت تكتب على الحيطان في المنازل وعلى السيارات. أشجار زيتون فلسطينية اقتلعت وقطعان اغنام طردت. حجارة رشقت نحو الرعاة، وسخانات شمسية تكسرت. كانت هذه جرائم خفيفة سمحت لكل الجهات المختصة من شرطة ومخابرات ان تقلل من خطورة المشكلة.

ولكن رويدا رويدا تعاظمت الظاهرة. فقد ثقبت إطارات للسيارات، ورشقت زجاجات حارقة ودنست واحرقت كنائس ومساجد. ولا يزالون في جهاز المخابرات مثلما في لواء شاي في شرطة إسرائيل لم يسارعوا الى التعاطي بالخطورة اللازمة مع هذه الظاهرة. وساهمت في ذلك أيضا حكومات إسرائيل برئاسة نتنياهو، التي لم تسارع شجب الظاهرة ولم تمنح اسنادا مناسبا لجهاز المخابرات. واعتبرت الحالات كشقاوة فتيان ومتساقطين من جهاز التعليم  الديني ممن ملوا سلطات اهاليهم او معلميهم وحظوا بلقب “فتيان  التلال”.

***

رئيس الشاباك – المخابرات في تلك السنوات كان يورم كوهن، معتمر كيبا يعتبر في نظر المستوطنين “واحدا منهم”. ليس صدفة انهم تدخلوا في 2011 لإحباط تعيين منافسه اسحق ايلان الذي كان نائب رئيس الجهاز والذي أوصى به يوفال ديسكن ليحل محله. وكان بين من تدخل لدى رئيس  الوزراء من اجل كوهن – ويا للمفاجأة – الحاخام دروكمان. فقد اعتقدوا بان كوهن سيكون حافظا للجميل وسيسهل عليهم التحكم به.

ولكن كوهن، لخيبة أمل الموصين به أثبت بانه مصنوع من مادة أخرى، واصل تقاليد اسلافه واظهر نزعة رسمية، مهنية واستقامة. وحتى وان كان هذا تم بشكل متأخر قليلا واساسا في اعقاب القتل في قرية دومه في تموز 2015، حيث القيت زجاجات حارقة على منزلين في القرية وتسببت بموت الزوجين سعد وريهام دوابشه، وابنهما الرضيع ابن السنة والنصف علي سعد.

الشاباك – بمسؤوليه ومخبريه ومحققيه وعامليه، دخلوا في بواطن الأمور وعملوا على حل لغز القتل. اعتقل بضعة مشبوهين، ورفعت لوائح اتهام، والمحاكمة لا تزال جارية. مثلما في قتل الرابي، فالقتل في دومه أيضا تجند محامون (مندوبو منظمة حنانو)، حاخامون وشخصيات عامة من اجل المشبوهين واطلقوا ادعاءات مشابهة: هؤلاء شبان أبرياء، اليهود غير قادرين على القيام بافعال نكراء كهذه. محققو المخابرات يعذبون المشبوهين ويستخدمون أساليب غير قانونية. في حينه مثلما هو اليوم، نواب، حاخامون وشخصيات عامة تجنودا من اجلهم كي ينزعوا الشرعية عن جهاز المخابرات. في حينه مثلما  هو اليوم، وزراء ونواب من اليمين صمتوا. فقد خشوا من شجب القتل خشية أن يغضب هذا ناخبيهم، “قاعدتهم”.

بعد القتل في دومه اعتقدوا في المخابرات انهم تمكنوا من تشويش قدرات عصبة التمرد. ولكن في السنة الأخيرة عاد “الإرهاب اليهودي” ليرفع الرأس. ففي 2017 كانت 10 احداث “شارة ثمن”، منها 4 عمليات. في 2018 ارتفع العدد الى 50، منها 5 عمليات. في 2017  سجل 197 حدث ضد قوات الامن. في 2018 ارتفع العدد الى 295.

مثل القتل في دومه، فان قتل رابي هو نداء للاستيقاظ لجهاز المخابرات. ففي الجهاز يفهمون بان للارهاب اليهودي قدرة كامنة قادرة حتى اكثر من الإرهاب الفلسطيني. فكل عملية يقوم بها اليهود يمكنها أن تشعل الضفة الغربية في الوقت الذي تعيش فيه السلطة الفلسطينية أواخر عهد أبو مازن وانعدام اليقين بالنسبة لخليفته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.