Take a fresh look at your lifestyle.

يهود الفلاشا في إسرائيل بين العنصرية والهوية الضائعة

0 145

محمد عثمان * 6/7/2019

تشهد إسرائيل من وقت لاخر احتجاجات من قبل يهود الفلاشا المتواجدين هناك بسبب الممارسات العنصرية التى تحدث ضدهم من قبل الإسرائيليين وبسبب حالة الحرمان والاضطهاد الذي يعانون منه بسبب الإجراءات “الحكومية”، فالاحداث الأخيرة التى خرج فيها يهود الفلاشا إلى الشوارع معترضين علة مقتل أحد ابنائها علي يد شرطى إسرائيلي تسلط الضوء على ازمات ذلك المجتمع ، وما يقوم به من مماراسات تجاه الطوائف المكونة له.

فيهود الفلاشا هم القادمون من إثيوبيا إلى إسرائيل بداية من ثمانينيات القرن الماضى وحتى اواخر القرن العشرين يتم معاملتهم على أسس تميزية في شتى جوانب الحياة اليومية، فيكفي على سبيل المثال الاشارة إلى أنه يطلق عليهم لفظ ” كوش” وهى كلمة تعني ” العبيد”مما يؤذي مشاعرهم ويزيد من عمق الهوة الفاصلة بينهم وبين باقي الطوائف الاسرائيلية الاخرى.

عنصرية متعددة الأبعاد

لا يوجد اتجاه واحد للعنصرية الإسرائيلية تجاه يهود الفلاشا، فمنذ ومنذ وصولهم إلى إسرائيل، عانى يهود الفلاشا  من التمييز، إذ أن العنصرية لا تاتى فقط من المواطنين بل تأتي من جانب حتى “المؤسسات” الاسرائيلية وهو ما يجعلهم الفئة المحرومة هناك، فالمؤسسات الإسرائيلية توجه للفلاشا العديد من التحديات النفسية والجسدية بسبب لون بشرتهم.

فالعنصرية في إسرائيل تجاه “السود” بشكل عام تأخذ شكلًا هرميًا، وهو ما أكد علية “عدي دورى افراهام” الباحث في شؤون اللاجئين بمنظمة العفو الدولية أن جوهر العنصرية الاسرائيلية يقوم علي تسلسل هرمى يكون فيه الاثيوبيين أعلى درجة من الافارقة، ويودى هذا التسلسل الهرمي إلى خضوعهم تحت معاملات تميزية عنصرية، فقد اشارت دراسة اعدها معهد مايزر الاسرائيلي أن 41% من يهود الفلاشا يعيشون تحت خط الفقر، و يعمل معظمهم في وظائف خدمية متدنية مثل كنس الشوارع وتنظيف دورات المياه، وذلك بسبب إحجام الكثير من أصحاب الأعمال عن تشغيلهم، فوصلت نسبة البطالة بينهم إلى 65%.

وفى ذات السياق، تأخذ العنصرية عدة اشكال وابعاد مختلفة تجاه يهود الفلاشا وذلك علي النحو التالي:

§     ممارسات أجهزة الشرطة: تقوم الاجهزة الامنية بشكل متكرر بالاعتداء علي يهود الفلاشا ، كما تتعامل الاجهزة الامنية بعنصرية تجاه الجنود من هذه الطائفة، ففي مايو 2015 قام ضابط إسرائيلى بالاعتداء على جندي من يهود الفلاشا وعلى الرغم من تصوير هذه الواقعة وانتشارها في الصحافة والاعلام الاسرائيلي وخرجت علي اثرها مظاهرات منددة بتلك الافعال إلا أن القضاء الاسرائيلي رفض توجيه أى اتهامات إلى الضابط تحت زعم أن الجندي اشتبك معه اولًا، وجاء هذا الاعتداء بعد عام تقريبًا من تعرض “يوسف سلامسة” ، وهو يهودي إثيوبي ، للضرب وإطلاق نار على يد الشرطة ، ثم تركه فاقد الوعي مكتف الايدي.

§     رفضهم في المؤسسات التعليمية: وصلت العنصرية إلى حد عدم قبول التلاميذ في المدراس بسبب لون بشرتهم ويرفض التلاميذ من الطواف الاخرى الجلوس بجوارهم لنفس الاسباب.

§     تحديد النسل: تقوم المراكز الصحية الإسرائيلية بحقن النساء من يهود الفلاشا والافارقة بمواد طبية لمنع الحمل وتحديد النسل، لتقليل عدد الإسرائيليين من اصحاب “البشرة السمراء”، بل يتم القاء أكياس الدم التى يتبرع بها هؤلاء في القامة تحت ذريعة الخوف من “الامراض المعدية والوراثية”( 2).

§     التجريد من الهوية:  تقوم ما تسمي ببرامجـ ” الاستيعاب الثقافي” بتجريدهم  من بعض  هوياتهم الثقافية  إلى الحد الذى جعلت إسرائيل تحظر عليهم الاسماء الاثيوبية، ايضا لا تزال قطاعات عديدة من المؤسسات الدينية الاسرائيلية  تناقش ما إذا كان يهود الفلاشا ، يهود حقًا ام لا(3).

هذه الممارسات تأتي على الرغم من أن “المجتمع” الإسرائيلي يتألف من يهود من خلفيات مختلفة ، بما في ذلك اليهود الأشكناز من خلفية أوروبية ، واليهود السفارديم الذين نشأوا أساسًا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وعلى الرغم من أن المجموعات المختلفة لها ألوان بشرة مختلفة ، إلا أن السكان الإثيوبيين ما زالوا يبرزون في “البشرة السمراء”)4) .

أزمة الهوية والاندماج

تمثل قضية البحث عن الهوية للدولة الصهيونية كما قال الدكتور الراحل “عبد الوهاب المسيري” أحد ابرز القضايا التى تسيطر على “المجتمع الاسرائيلي” حيث يتبدى هذا السؤال بشكل كبير في قضية  من هو اليهودي؟، فالدولة التى تسمي نفسها ” يهودية” أو دولة اليهود لم تنجح حتى الان في تعريف هوية اليهودي(5) .

فحالة يهود الفلاشا في إسرائيل هى حالة معقدة،ارتبطت بالعديد من العوامل اولها الهجرات اليهودية من إثيوبيا إلى إسرائيل، ذلك “المجتمع” الذى يتعامل بالاساس وفقًا لإيديولوجية عنصرية تسيطر على “شعبه” وتجعله ينظر إلى الاخرين من منظور متدنى،   بالرغم من أن الهجرة اليهودية الإثيوبية للفلاشا كانت على أساس “ديني” على اعتبار أن إسرائيل موطن لليهود في كل بقاع العالم .

ولذلك، تتعدد الاحداث التى يتم فيها التعامل بصورة تمييزة مع يهود الفلاشا في إسرائيل ، وبسبب ذلك ينتشرون في المناطق الفقيرة وفي المستوطنات الإسرائيلية التى تشهد ارتفاع للبطالة وغياب للخدمات والبنى التحتية على العكس من المناطق الاخرى التى يقطنها “اليهود البيض” على الرغم من أن تعدداهم يقدر بحوالي 140 الف ويشكلون نسبة 1.5%  من الاسرائيلين، ولكن  هناك تعاملًا عنيفًا وترهيبًا من قبل الاسرائيليين تجاه هؤلاء، فإندلاع الاحداث الاخيرة من مظاهرات عقب الاعتداء الوحشى من قبل جندى إسرائيلي على شاب من يهود الفلاشا تؤكد على تلك النظرة والمعاملة العنصرية .

ولعل هذه الازمة، يمكن أن قرائتها من خلال  تقرير نشره مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عام 2017 والذى تناول عدد من الحقائق حول يهود الفلاشا في إسرائيل وكان من ابرز نتائج هذا التقرير  أن 88% من حالات الزواج تعقد ضمن الجالية الإثيوبية دون وجود أى مظهر من مظاهر مشاركة باقية الطوائف الأخري المكون لـ” المجتمع الاسرائيلي” ،بل أن الجيل الاول منهم لا يزال غير مقتن للغة العبرية ولم يتمكنوا من التأقلم مع المجتمع رغم برامج الاندماج التي أطلقتها “الحكومة”(5)، وأن أكثر من 45% منهم لا يستطيعون حتى إجراء محادثة يومية باللغة العبرية وما يزيد عن 60% منهم لا يجيدون الكتابة بها.

ويعانى “يهود الفلاشا” بسبب ازمة الاندماج من رفض قبولهم داخل وظائف النخبة والوظائف الكبرى ،على اعتبار أن النظرة إليهم تأتى في سياق أنهم ليسوا جزء من هذا المجتمع، فقد تمت السيطرة على مراكز القوى في إسرائيل، سواء في المؤسسة العسكرية أو النظام السياسي، من قِبل اليهود الأشكناز ، بل أن الامر وصل إلى حد القول بأنه حتى يتم الاعتراف بـ”هويتهم الدينية” داخل إسرائيل فلابد من الدخول في عملية ” تهويد جديدة”  .

وفي ذات السياق، وفي إطار التعامل الديني معهم، يعاني يهود الفلاشا بسبب ممارسات العنصرية المتأصلة، يحرمون يهود الفلاشا بعض المماراسات الخاصة بـ” الطقوس الدينية” حيث يحرمون من دخول “المعابد” في الكثير من الاوقات  (7)

وختاماً، يمكن القول أن الجوهر العنصري للإيديولوجية الصهيونية يمثل أحد أهم عناصر معاناة يهود الفلاشا بإسرائيل فلا تزال الدولة الصهيوينة تعيش في  واقع اجتماعي هش ينذر بفنائها حال انصهار مكوناتها بسبب الصراعات والتناقضات المتحدمة داخل هذا الكيان

وهذه الازمة لا يمكن القضاء عليها بسبب الفكر الاستيطاني من جهة ومن جهة اخري بسبب طبيعة إدارة المكونات العرقية داخل هذا الكيان، ولذلك فمهما حاولت السياسات ” الحكومية” أن تحد من هذه الازمة فأنها لن تنجح في إدماج يهود الفلاشا داخل المجتمع، فالتاريخ يؤكد أن كل المجتمعات الاستيطانية التى قامت علي أسس عنصرية في زوال .

* المركز العربي للبحوث والدراسات

المراجع  

1- Maxim Tucker, Ethiopian Jews Rally A gainst Prejudice AND Police Brutality IN Telaviv, at: https://bit.ly/30lPuXD

2- Flash in Israel.. Racism, racism and blatant discrimination, at: https://bit.ly/2FT85lK

3- Yardena Schwartz, Israeli Policy Keeps Black African Jews From Their Families, https://bit.ly/2xv1uJO

4- Sifan Zelalem, Racism in Israel: THE case of Ethiopian Jews (falasha),at: https://bit.ly/323KLv8

5- عبد الوهاب المسيري، “الأدب اليهودي” وأزمة الهوية في إسرائيل،الرابط:

https://bit.ly/2XVYfdr

6- العنصرية في إسرائيل.. من هم يهود الفلاشا ولماذا ينتفضون؟، الرابط:

https://bit.ly/2NDD3ok

7- هل يصبح يهود «الفلاشا» قنبلة موقوتة داخل المجتمع الإسرائيلي؟، صحيفة الشروق، الرابط: https://bit.ly/32fmEdh

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.