Take a fresh look at your lifestyle.

وفاة النظام الدولي الأحادي القطبية وعودة التعددية القطبية

0 55

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث

أصاب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي كبد الحقيقة عندما وصف الولايات المتحدة بالقوة المهيمنة تنتهج سلوك القوة المهيمنة وهي مقتنعة بشرعية هذه الهيمنة انطلاقا من سيطرتها الأحادية على النظام الدولي وتحويله بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى نظام أحادي الهيمنة والقطبية.

وكان هذا الفيلسوف عميقا في نظرته عندما أكد أن هذه الهيمنة تحققت بفعل عوامل ظرفية وليس لأسباب جوهرية نظرا لاحتمال انقلاب المعادلة في المدى المتوسط جراء مبادرة قوى صاعدة قد تعيد النظر احتكار الولايات المتحدة لعناصر القوة.

ولم يكن الفيلسوف جرامشي يتكهن أو يتنبأ أو ينجم عندما كان يستشرف المستقبل من خلال قراءة ممعنة ودقيقة وعميقة لأن الظروف التي أتاحت للولايات المتحدة فرض الهيمنة واحتكار النظام الدولي بل وصنع القرار الدولي هي ظروف ليست أبدية ولا يمكن أن تكرس إلى ما لانهاية –كما ادعى فرانسيس فوكوياما بأبدية الهيمنة الأمريكية من خلال مقولة نهاية التاريخ.

لعل أنصار المدرسة الواقعة في مجالات العلاقات الدولية كانوا أقرب المبادرين للرد على مقولات ورؤى تزعم نهاية التاريخ وطورا أخرا بأبدية وسرمدية سطوة القوة الأمريكية.

وها نحن نشهد بداية نهاية السطوة والهيمنة الأمريكية على النظام الدولي دون نفي محاولات أمريكية مستميتة للدفاع عن هذه الهيمنة عن طريق السعي الدؤوب والحثيث والمندفع وغير العقلاني للحؤول دون عودة اللاعبين الكبار إلى الملعب الدولي ليكون لهم دور في منافسة اللاعب الأمريكي الذي تفرد وانتهج سلوكا عدوانيا غاشما ضد الدول الصغيرة والشعوب.

التطور الهام واللافت بل والمثير أن عودة روسيا ومعها هذه المرة الصين لممارسة دورها في إدارة النظام الدولي لم يعد طموحا في ولوج النظام الدولي وإنما غدا حقيقة واضحة وجلية وملموسة.

 

صراع مستميت من أجل تكريس نظام الأحادية القطبية

الولايات المتحدة وضمن تصميمها على تكريس سيطرتها على النظام الدولي منذ تسعينات القرن الماضي وقطع الطريق أمام القوة الصاعدة الصين وروسيا من جديد استخدمت كل وسائل العنف والقمع والإكراه ضد الدول والشعوب الفاقدة لعناصر القوة في مواجهة جبروت وطغيان الإمبراطور.

وفي التعاطي الأمريكي المتغطرس والمؤسس على جنون القوة أو غرورها مع الصين وروسيا فقد انطلق من مبدأين:

الأول: حرب وقائية Preventive War: واستخدم ضد روسيا إشعال حروب داخلية أو في محيطها في الشيشان ثم في أوكرانيا وأخيرا في جورجيا.

الثاني: إستراتيجية الاحتواء استخدمت ضد روسيا والصين في  آن واحد Containment هذه الإستراتيجية تقوم على عدة مبادئ الحصار والتضييق وإثارة الاضطرابات الداخلية كل ذلك بهدف احتواء عناصر قوتها حتى لا تتعاظم قدرتها على أن تشكل قوة مؤثرة في موازين القوى في النظام الدولي Balance of power

الوصول إلى القمة والقطبية

الواقع أنه مع وجاهة الرؤى والمقاربات التي استند إليها أنصار المؤسسة الواقعية في مجال العلاقات الدولية أو الإنسانيون وحتى ما استشرفه الفيلسوف الإيطالي جرامشي بشأن التطورات والتنبؤ بصعود قوى دولية وتحديدا الصين وروسيا إلا أن هناك جانب هام لم يلتفت إليه ألا وهو التصميم والإرادة المعززين بالجهود المثابرة على تبوأ القمة والتموضع في النظام الدولي وعدم السماح للولايات المتحدة أن تمعن في قمع الشعوب وقهرها وإشاعة الفوضى بل وإنتاجها وتصديرها إلى مختلف بقاع العالم.

الصين وروسيا وعلى مدى عقدين من الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي ومصادرة القرار الدولي واجهتا سياسة الاحتواء والإقصاء بالعمل الصامت وتبني سياسات اقتصادية لتعظيم القدرات الاقتصادية وكذلك العسكرية وتصعيد لممارسة دورهما في الساحة الدولية.

لكن من العوامل الأخرى التي لا يمكن تجاهلها أو إغفالها التي كانت داعية ومستدعية لتعظيم ظهورهما على الساحة الدولية هو استباحة الولايات المتحدة لكل القوانين والمواثيق والمبادئ عن طريق شن كوكتيل من الحروب:

◄                        الحرب على أفغانستان عام 2002.

◄                        الحرب على العراق 2003.

◄                        حروب صغيرة في الصومال وفي اليمن.

◄                        دعم لحروب إسرائيل ضد لبنان 2006 وضد قطاع غزة أواخر 2008.

◄                        حروب سرية استخباراتية في لبنان وفي إيران.

نهج العسكرة أو ما يعرف بعسكرة العلاقات الدولية انطلاقا مما سمي بنظرية الأمن القومي الأمريكي وحماية المصالح الأمريكية كان لا بد أن يلج عمق الإدراك الصيني الروسي لخطورة هذا النهج واحتمال تطبيقه وممارسته تجاه الدولتين، مثل هذا الإدراك تعزز فعلا وكذلك تعزز الوعي بمخاطره وتداعياته على الدولتين.

1.حشد عسكري أمريكي من حول الصين في كوريا الجنوبية واليابان وتايوان وسيناريوهات عن إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية صينية أمريكية في المستقبل.

2.حشد في مواجهة روسيا الدرع الصاروخي في شرقي أوروبا وتعظيم للقدرات العسكرية الجورجية.

مثل هذه التحركات أو الإجراءات الأمريكية هي بمثابة أبرز المدخلات التي دفعت كلا البلدين باتجاه إعادة النظر في وضعهما الدولي ومكانتهما في المجتمع الدولي من خلال التأكيد على أن هذا النظام الدولي لم يعد ملكا لقطب واحد أو إمبراطور أوحد وإنما نظام تعدد القطبية وأن هذه التعددية في طريقها إلى الاتساع في المستقبل إذا ما تحققت طموحات الهند وجنوب إفريقيا والبرازيل.

3.استخدام حق الفيتو ضد مشروعات القرارات الأمريكية لإسقاط القطبية الأحادية، المشاهد لاستخدام كل من روسيا والصين لحق الفيتو ثلاث مرات في الآونة الأخيرة منذ مشروعات قرار تهدف إلى تبرير وتسويغ التدخل العسكري الدولي ضد سوريا له دلالات كبيرة وهامة جدا.

أهم وأبرز هذه الدالات أن النظام الدولي والمجتمع الدولي أصبحا خارج نفوذ الاحتكار الأمريكي والغربي.

وفضلا عن هذا وذاك جسد هذا الموقف الروسي الصيني تحولا هاما في المجتمع الدولي لصالح مبدأ التعددية وتقويض مبدأ الديكتاتورية الأحادية في النظام الدولي.

وفي هذا المجال يجدر بنا أن نشير إلى عبارة أستاذ العلاقات الدولية الدكتور فاروق حسني  والتي يقول فيها: “إن الثور الأمريكي الذي هاج وماج ووطأ بأقدامه ونطح بقرونه الحادة والقاطعة الشعوب والدول في أمريكا اللاتينية وفي آسيا وإفريقيا لم يعد هو من يرتع ويصول ويجول في الساحة الدولية، فهناك في الساحة الدب الروسي والتنين الصيني اللذان يتربصان بهذا الثور المنهك والمستنزف بفعل هيجانه وبفعل صولاته وجولاته في المغامرة والعدوان ويعملان على ترويضه”.

لم يقف استلهام الدلالات عند هذا الحد، العودة القوية لروسيا إلى الساحة الدولية وكذلك الصين في تأكيد مكانتها الدولية بل في تأكيد حقيقة هامة ألا وهي أن المجتمع الدولي لن يكون بعد الآن مجتمع غابة القوي يأكل الضعيف مجتمع الحوت الشره الذي يلتهم الأسماك الصغيرة أو مجتمع الذئب القوي الذي يأكل الذئب الضعيف.

المجتمع الدولي الذي يشهد مثل هذه المتحولات الهيكلية سيغدو في المستقبل غير البعيد مجتمع عادل يحكمه مبدأ التوازن وكذلك القوانين الدولية وليس قانون الغاب.

من إعداد: الدكتور حلمي عبد الكريم الزعبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.