Take a fresh look at your lifestyle.

مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر

0 116

مقالات يكتبها المفكر المصري عبدالجواد ياسين (*) لمركز المسار للبحوث والدراسات ، لتشرح للقارئ مفاهيم معقدة، يثار حولها النقاش في الفكر العربي المعاصر، وتمثل مدخلاً مهمًا لفهم الظواهر الثقافية والسياسية. تتناول السلسلة مفاهيم من مثل: الحداثة، والتعددية، والفن، والجمال، والفلسفة، والتنوير، والأصولية، وغيرها. وتتضمن أمثلة تيسر الاستيعاب.

مفهوم الفن

(عبد الجواد ياسين ٤-١-٢٠١٨)

لا يمكن الحديث عن تناقض أصلي بين طبيعة الدين في ذاته وطبيعة الفن في ذاته، عندما نشير إلى الدين بما هو تجربة ذاتية تعبر عن نزوع الروحي المطلق، وإلى الفن بما هو تجربة ذاتية تصدر عن النزوعات الجمالية للروح. قد يبدو الدين في ذاته توجيهياً بسبب طابعه الأخلاقي، فيما يبدو الفن حراً لا يخضع لموجهات من خارج الروح. ولكن أخلاق الدين في ذاته هي الأخلاق الكلية المشتركة، وهي بعينها أخلاق الروح بطبيعتها الواسعة التي لا تناقض الحرية. والمعنى أن طبيعة الدين تتقاطع مع طبيعة الفن عند أشواق الروح التي هي أخلاقية وحرة معاً.
لكن مصطلح الدين في الواقع الاجتماعي السائد لا يشير إلى هذا المعنى الذاتي، بل إلى الديانة كصيغة تدين جماعي ملزمة ذات خصائص سلطوية، أي إلى مدونة فقهية تكليفية واسعة، وبهذا المعنى التاريخي هناك بالفعل خصومة واضحة بين الدين والفنون. أتكلم تحديداً عن نسق التدين الكتابي خصوصاً في اليهودية الكلاسيكية والإسلام الفقهي. أما المسيحية فقد عرفت هذا الموقف المتزمت في العصور الوسطى بتأثيرات يهودية وربما إسلامية، ولكنها عادت فتجاوزته لاحقاً إلى موقف متصالح مع الفنون التي أقرت بتوظيفها في خدمة الغرض الديني (كانت قد ظهرت مبكراً آراء تحرم الصور والتماثيل بوصفها أفعالاً وثنية، وتطورت المسألة إلى تيارين متقابلين فيما يعرف بحرب الأيقونات التي استمرت حتى القرن التاسع. وكان المجمع المسكوني السابع (787م) على غرار مجمع نيقية (325م) قد أيد موقف المدافعين عفي اليهودية الكلاسيكية يمكن فهم الموقف المتزمت من التصوير ونحت التماثيل في السياق الصراعي الذي تشكلت فيه الديانة بالتداخل أو بالتماهي الكامل مع تشكل الشعب العبري. سلسلة متواصلة من المواجهات مع القوى والثقافات والديانات والآلهة التي ازدحمت بها المنطقة شرقي المتوسط (مصرية/ كنعانية/ آشورية/ بابلية/ يونانية). في سفر التثنية في القرن الثامن ق.م (ملعون الإنسان الذى يصنع تمثالاً منحوتاً أو مسبوكاً) كانت تماثيل الآلهة الكنعانية (بعل) والآشورية والبابلية توضع داخل المعبد وتزاحم عبادة يهوه. وفي حرب الأنبياء والكهنة ضد الآلهة (الأجنبية) تبلور مفهوم الإله الحصري، وولد مفهوم (الوثنية) بمعناه الاستهجائي الذي سيدخل قاموس التدين التوحيدي.
في الإسلام الفقهي يتبنى (الجمهور) موقفاً تقليدياً بتحريم النحت والتصوير والغناء والموسيقى. وهو موقف يعكس المزاج الثقافي السائد في مدرسة الحديث بنزوعاتها النقلية الضيقة التي هيمنت على مجمل المدونة الفقهية، ومن ثم على مجمل الثقافة الدينية.
لا يستند الجمهور إلى آيات صريحة في النص التأسيسي (القرآن)، إلا أنه يتأول بعض الآيات لتصب في اتجاه التحريم. وهو يعتمد بشكل أساسي على روايات آحادية منسوبة إلى الرسول أو الصحابة أو التابعين (السلف الصالح).
في مقابل الجمهور تظهر بعض الآراء الفقهية المعارضة للتحريم كما، نقرأ –مثلاً- عند ابن حزم، والقرطبي، والقرافي من المالكية. ويستند هذا الموقف إلى آليتين أساسيتين: 1- تضعيف الأحاديث (موقف ابن حزم في إباحة السماع/ الغناء. بالنسبة له لم يصح حديث واحد في تحريم السماع). 2-تأويل الأحاديث: أي صرفها عن معناها الظاهر وقراءتها على ضوء العلة (موقف القرطبي في إباحة الغناء، إذ اللهو المذموم هو لهو المجون والغرائز الشهوية/ موقف القرافي في إباحة التصوير والنحت استناداً إلى انتفاء علة التحريم وهي تقديس الآلهة الوثنية).
الزخم الإشكالي للمسألة يبدو ظاهراً في السياق الإسلامي الراهن، بسبب تفاقم التيارات الأصولية. ينزع الموقف الأصولي إلى تبني الخيار الفقهي الأكثر تشدداً، وهو ما يضعه دائماً في حالة تنافر مع نمط التدين الشعبي الدارج. تعبر الأصولية أساساً عن موقف نقدي مثالي مضاد للسياق العام، وتنظر إلى الممارسات الشعبية كنمط تدين فج ومتساهل أو منحرف عن النموذج المكتوب. في المقابل تنطلق الممارسات الشعبية من أرض الواقع العملي، التي تحكمها قوانين الطبيعة وغرائز الأفراد. ومن ثم فهي –قياساً إلى النموذج النظري- أكثر استيعاباً لتمايزات التعدد وحاجات الذات. وهي تشعر بالطابع الأحادي المتزمت للموقف الأصولي وإيقاعه التكليفي الخشن المخاصم للعفوية والتنوع.
من هنا تظهر الطبيعة الحقيقية للمشكل، لسنا حيال مسألة فقهية بل قبل فقهية: النزوعات تفرض نفسها في الواقع بما هي غريزية أي طبيعية. وتفرض الفنون حضورها على الرغم من وجود المدونة الفقهية. ودون إعلان عن رفض المدونة يمارس الناس الفنون دون شعور بالإثم. الموقف الشعبي هنا ينتج تأويله الخاص بما يتماشى مع إحساسه الداخلي بأن التحريم ليس حكماً إلهياً. وهذا موقف يضع التدين الشعبي في موقع مقابل للمدونة، وهو دور فاعل في العملية الدينية، أكبر من دور المتلقي السلبي المفترض. الموقف الشعبي عادة ما يطلب الفتوى، ولكنه يتمثلها وغالباً ما يعيد تأويلها. وهو بوجه عام، يمارس حيال المدونة عمليات متنوعة من التكييف وإعادة التكيف قد تشمل الالتفاف، أو الانتقاء، أو التحوير، أو التبرير، أو الترحيل، أو التجميع بغرض التوفيق بين فكرة الإلزام كما تطرحها المدونة، وحاجاته الطبيعية التي تحركها الغرائز وضرورات الواقع العملية.
الدين بما هو مطلق كلي لا يتناقض مع الفن.
الدين بما هو مدونة فقهية تاريخية يتناقض مع الفن.
التدين الشعبي يتكفل بحل مشكل التناقض بالتوفيق بين تكاليف المدونة والنزوعات الطبيعية نحو الفن.
فيما تريد الأصولية حل المشكل بنفي النزوعات الطبيعية.

حول غياب المؤسسة الدينية في السياق الاسلامي

عبدالجواد ياسين ١٦-١-٢٠١٨م
لم يتبن الإسلام فكرة الكهانة المنظمة، فلم يُنشئ هيئة ذات بنية إدارية، تملك صلاحيات سلطوية بالمعنى المعروف في اليهودية والمسيحية؛ فهل يعني ذلك أن تاريخ الإسلام لم يعرف فكرة “المؤسسة الدينية” التي تضرب بجذورها في التاريخ العام للتدين؟ أم إن هذه الفكرة عبَّرت عن نفسها، بشكل جزئي، من خلال الدولة “السنية” التي تقمصت مبكراً دور المؤسسة كحارسة للدين، ثم من خلال “الفقه” الذي تحول إلى مؤسسة معنوية واسعة، ظل نفوذها يتفاقم تدريجياً حتى ظهور الدولة الوطنية الحديثة؟
الدولة الوطنية –التي لم تتحول قط إلى دولة علمانية خالصة– ظلت تحافظ شكلياً على دور الحراسة الموروث من تاريخ الدولة السنية، وعادت إلى احتواء النفوذ المعنوي للمنظومة الفقهية من خلال تحويلها إلى هيئات داخلية ملحقة بجهازها الحكومي، وهو النفوذ الذي أخذ يتآكل بشكل تدريجي في ظل السيطرة الحكومية، وتغيُّر المزاج الروحي والثقافي للجمهور بفعل التطورات الحداثية.
فهل يمكن اعتبار هذه الهيئات الفقهية مؤسسات دينية بالمعنى التاريخي المعروف في تراث التدين؟ هل تملك حصرياً حق تمثيل الديانة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تلعب دوراً في إشكاليات الحالة الإسلامية الراهنة، وهي تواجه تحديات “التطور” التي تفرضها ضغوط الحداثة، وتحديات “النكوص” التي تفرضها الضغوط الأصولية المتفاقمة؟
تناقش هذه الورقة فرضية غياب مؤسسة تمثيلية جامعة على مدى التاريخ الإسلامي، قبل أن تنتقل إلى مناقشة النتائج التي ترتبت على هذا الغياب، وتأثيراتها السلبية خصوصاً، داخل الحالة الإسلامية الراهنة.
أولاً: مفهوم المؤسسة الدينية
يرجع ظهور الكنيسة إلى وقت مبكر من تاريخ التدين المعروف، وفي القدر المتيَقَّن كان الكهنوت قد تحول إلى مؤسسة ذات خصائص توجيهية في جميع الأنساق الدينية في الشرق الأدنى، قبل بدء التجربة العبرية؛ عند هذه المرحلة كان اللاهوت قد بدأ يحرز حضوراً نسبياً في بنية الديانة، ولكنها ظلت تحافظ على طابعها الطقوسي الاحتفالي الموروث من تقاليد التدين القديمة.
في الإناسة التقليدية بدءاً من سميث سادت الفكرة القائلة بأن الديانة القديمة كانت بالأساس ديانة طقوسية ذات طابع طوطمي جماعي، لم تعرف العقائد، وافتقرت إلى أي طابع ذاتي أو شخصي، وهي الفكرة التي يتبناها دوركهايم وفريزر وفرويد، وطبَّقتها جين هاريسون على الديانة اليونانية: “فالباخوسية تقوم على الانفعال الجماعي، وإلهها إسقاط لوحدة الجماعة. والدين وجدان جماعي يترجم إحساس النشوة التي تنجم عن الممارسات الطقوسية”.
ظلت خدمة الطقوس تمثل الوظيفة الأساسية لمؤسسة الكهنة، إضافة إلى وظيفة التواصل مع الإله والتوسط بينه وبين الناس، قبل أن يتبلور دورها الإنشائي في تشكيل اللاهوت وحراسته كمظهر من مظاهر تمثيل الديانة، وهي الوظائف التقليدية للمؤسسة الدينية كما تشكلت قبل ظهور اليهودية.
ويفترض البعض أن هذه الوظيفة الأخيرة لم تظهر قبل المسيحية، فجميع الديانات السابقة عليها بما في ذلك اليهودية “لم تقنن مبادئها الإيمانية الأساسية في منظومة دقيقة”، فالمسيحية –من خلال مؤسسة الكنيسة- هي التي استحدثت مفهوم المبدأ الإيماني (الدوغما) ومفهوم الهرطقة (العقاب على مخالفة المبدأ الإيماني كما اقترحته الكنيسة)، وهما المفهومان اللذان من خلالهما تظهر سلطة المؤسسة في تشكيل اللاهوت وحراسة الديانة.
ولكن هذا الافتراض ليس دقيقاً على إطلاقه: فالمسيحية لم تنشئ مفهوم اللاهوت، ولكنها وضعته في موقع الصدارة المركزية من بنية الديانة، على حساب الطقوس، كما في الديانات الوثنية السابقة، وعلى حساب الشريعة والطقوس كما في اليهودية، والمسيحية لم تستحدث مفهوم الهرطقة، ولكنها توسعت في استخدامه تعبيراً عن تضخم صلاحيات المؤسسة الدينية بشكل غير مسبوق، وفي الديانة المصرية -على سبيل المثال- كانت تعديلات إخناتون التوحيدية ضد عبادة آمون لاهوتية في جوهرها، وكان الجدل العنيف معها يتم في مواجهة مؤسسة الكهنة، التي تعاملت مع المسألة بوصفها حارسة لديانة آمون، وفي اليهودية يمكن الحديث عن تأخر المضامين اللاهوتية بشكل نسبي في نصوص العهد القديم، قياساً إلى المضامين السياسية والتشريعية، خصوصاً في الأسفار القديمة والوسطى، ولكن عملية تشكيل العهد القديم، التي تمت عبر مراحل متعددة على مدى زمني طويل، تشير في حد ذاتها إلى نشاط لاهوتي إنشائي واعٍ من قبل المؤسسة (راجع عمليتي التدوين الرئيستين في القرنين السابع والخامس ق.م. فقد جرت العمليتان، تحت إشراف المؤسسة وقريباً من سلطة الدولة، في سياق إصلاحي ديني يختلط فيه اللاهوت بالأغراض السياسية والاجتماعية).
تاريخياً، نشأت مؤسسة الكهنوت مستقلة عن الدولة، ولكنها ظلت قريبة منها بوجه عام، وتداخلت معها أحياناً من خلال شخص الملك الذي ظهر كإله أو كنائب للإله. وفي الغالب كان أحد الطرفين يستخدم الآخر لتحقيق مصالح متبادلة أو مشتركة، الأمر الذي ظل يسهم في تكريس الطابع الجماعي للديانة، وتنميطها كسلطة فوقية شمولية، على حساب الروح الفردي وحساسية الذات.
داخل السياق الكتابي الذي دشنتة الديانة العبرية، تكرست الوظائف الرئيسة الثلاث لطبقة الكهنوت، واكتمل “مفهوم” المؤسسة الدينية خصوصاً في المسيحية، من خلال النموذج التاريخي البارز الذي مثلته الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وهو النموذج الذي تُستخلص منه الخصائص المعيارية للمؤسسة الدينية بالمعنى التاريخي المعروف:
هيئة عضوية متخصصة، ذات هيكل إداري تراتبي.
صلاحيات إنشائية (فوق تفسيرية) مسندة مباشرة إلى النصوص التأسيسية، تكفل لها حصرياً حق تمثيل الديانة.
صلاحيات سلطوية (فوق وعظية) حيال الجمهور، مستقلة عن الدولة.
ثانياً: المؤسسة اليهودية
بالتوافق مع أنماط التدين المجاورة، نشأت اليهودية منذ البداية كديانة كهنوتية ذات طابع طقوسي. وحسب الرواية التوراتية (سفر الخروج 35-40) بدأت مؤسسة الكهنة في عصر موسى، أي قبل دخول كنعان، بأمر إلهي مباشر؛ لم يكتف الرب بتعيين هارون في منصب الكاهن الأكبر وتخصيص المنصب بالوراثة لأبنائه اللاويين، بل وجه بإقامة خيمة مقدسة كمقر (دائم بالمقاييس الصحراوية المتاحة) للكهانة، وأبدى اهتماماً بالتفاصيل، من مواد البناء، وتصميم المبنى، وترتيب محتوياته، إلى صناعة التابوت، والمائدة، ومذبح البخور، ومذبح المحرقة، ومرحضة الاغتسال، وبناء دار خارجية، حتى الثياب الكهنوتية، وصحيفة الإكليل المقدس:
“وكلم الرب موسى قائلاً في الشهر الأول، في اليوم الأول تقيم مسكن خيمة الاجتماع، وتضع فيه تابوت الشهادة، وتستر التابوت بالحجاب، وتدخل المائدة وترتبها، وتدخل المنارة وتصعد سرجها، وتجعل مذبح الذهب للبخور أمام تابوت الشهادة، وتضع سجف الباب للمسكن، وتجعل مذبح المحرقة قدام باب مسكن خيمة الاجتماع (…) وتأخذ دهن المسبحة وتمسح المسكن وكل ما فيه وتقدسه وكل آنية ليكون مقدساً، وتمسح مذبح المحرقة وكل آنيته، وتقدس المذبح ليكون قداس أقداس، وتمسح المرحضة وتقدسها، وتُقدِّم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع وتغسلهم بماء، وتُلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهِّن لِي. وتُقدم بنيه وتُلبسهم أقمصة وتمسحهم كما مسحت أباهم كي يُكهِّنوا لي، ويكون ذلك لتصير لهم مسحتهم كهنوتاً أبدياً في أجيالهم” (40/1-15).
يكشف النص عن طبيعة طقوسية كهنوتية فجة تنتمي إلى نسق التفكير الديني التقليدي السائد في الشرق الأدنى القديم، ويكشف من ثم عن أن الديانة العبرية وهي تصدر في بدايتها عن هذا النسق شبه البدائي وتتطور عنه، إنما هي تكرار اعتيادي للتقاليد المعروفة في الديانات المصرية، والآشورية البابلية، والكنعانية الفينيقية التي يحملها الكهنة، وتدار من “المعبد” كمقر مركزي يسكن فيه الإله، أو يأتي كي يتجلى بالقرب منه.
يحتاج الرب إلى طاقم احترافي متخصص لخدمته في مكان محدد خاص، يقوم هذا الطاقم -الذي عليه ارتداء ملابس معينة كزي رسمي– بتقديم الخدمات المطلوبة للرب وفي مقدمتها الأضحيات القربانية، التي بقيت، ضمن شعائر طقوسية أخرى، كشاهد على التوافق مع ميراث التدين “الطبيعي” الأقدم، ويختص الطاقم دون غيره بعملية التواصل مع الإله والتوسط بينه وبين الناس.
يبدو التدين العبري المبكر امتداداً لنسق التدين التقليدي المجاور، وليس إنشاءً مبتدءاً لنسق جديد يولد بغرض التعبير عن الفكرة الإلهية المطلقة كمطلوب في ذاته، كما سيظهر في الطرح النظري المتأخر، الذي يعرض الدين من نقطة نظرية مجردة عن تاريخ التدين.
الممارسات العبرية المبكرة تكشف عن روح طقوسي قرباني اعتيادي، سيتراجع تدريجياً بشكل نسبي لصالح نوع من التجريد التوحيدي خصوصاً في “الكتابات” التي تمثل القسم الأخير من العهد القديم.
ظل الكهنة يقومون على خدمة الطقوس خصوصاً تقديم الأضاحي، ويستطلعون إرادة يهوه من خلال الوسائل القديمة بما في ذلك القرعة (القريبة من الأزلام المعروفة في شبه الجزيرة) والإيفود (ثياب ذات أصل مصري منقول إلى كنعان، توضع على الصور والتماثيل).
فيما يتصل بالعلاقة مع الدولة، يبدو استقلال المؤسسة العبرية مسألة بدهية، فوجود المؤسسة لا يسبق وجود الدولة زمنياً فحسب، بل إن الدولة لم تنشأ أصلاً إلا بتصريح مباشر من قبل المؤسسة؛ ففي قصة الملكية كما يرويها سفر صموئيل الأول: طلب الشعب من صموئيل أن يعين لهم ملكاً، وعلى الرغم من تحذيرات صموئيل للشعب من مغبة الخضوع لسلطة “علمانية” بديلة لسلطة القضاة الثيوقراطية “أبى الشعب أن يسمعوا لصوت صموئيل، وقالوا: لا، بل يكون علينا ملك فنكون نحن أيضاً مثل سائر الشعوب، ويقضي لنا ملكنا ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا، فسمع صموئيل كل كلام الشعب وتكلم به في أذني الرب، فقال الرب لصموئيل: اسمع لصوتهم وملِّك عليهم ملكاً” (8/19-22).
في السياق العبري القديم –حيث يصعب الفصل بين الديني والسياسي– كانت مؤسسة الكهنة قريبة من السلطة السياسية، ولكنها حافظت على حضورها القوي داخل المجتمع في المجالين العام والخاص.
تقليدياً، كانت العملية الدينية تدار وتوجه من قبل مؤسسة الكهنة. وظلت ممارسات التواصل مع الرب تصدر أساساً عن هذه المؤسسة على الرغم من وجود رواة ومتنبئين مستقلين، وعلى الرغم من وجود أنبياء “معارضين” تواصل حضورهم إلى ما بعد تدمير الهيكل والنفي إلى بابل، لقد لعب هؤلاء الأنبياء المعارضون دوراً ملموساً في التراث الأدبي الذي سجله العهد القديم، ولكن الدور الأساسي في بناء الديانة يرجع إلى الكهنة، من خلال الإشراف على عمليات “التنصيص” الرئيسة المتتابعة، من مرحلة الملك يوشيا في القرن السابع (ق.م) حيث ظهر سفر التثنية الذي أعلن عن اكتشافه في المعبد الكاهن الأكبر حليقا، حتى مرحلة التأسيس الختامية في المنفى البابلي وعقب العودة.
بعد انهيار مملكة يهودا تزايدت أهمية الكهنة كممثل وحيد للهوية الوطنية، سواء بين البقية التي استبقها البابليون في يهودا أو بين المنفيين في بابل، حيث سيتحول الكاهن حزقيال إلى نبي ويؤدي بالصفتين معا دوره المعروف في التمهيد لإعادة تأسيس الهيكل، ومن المنفى سيعود عزرا الكاتب وسليل عائلة الكاهن الأكبر هارون، ليضع الصيغة النهائية للديانة كما تبلورت في المنفى تحت ضغوط القهر والأمل في الخلاص.
بعد العودة من النفي لم ينقطع حضور الأنبياء “الكبار”، ولكن سلطة المؤسسة ممثلة في الكاهن العظيم كما تسمية الأسفار المتأخرة ظلت تحتل موقعها المتقدم المكرس من الرب، وظل الأنبياء –الذين يقرون لها بهذا الموقع- بحاجة إليها لتمرير مطالبهم الدينية التي يفترض أنها صادرة عن الرب (راجع احتياج حجي النبي إلى موافقة الكاهن العظيم لإعادة بناء الهيكل (1/1-4)، ثم مكافأة الرب للكاهن العظيم على هذه الموافقة عبر الوحي إلى زكريا النبي: “خذ فضة وذهبا واصنع تيجاناً وضعها على رأس يهوشع بن يهو صادق الكاهن العظيم وكلمه قائلاً: هكذا قال رب الجنود هو ذا الرجل الغصن اسمه، ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب، وهو يحمل الجلال، ويجلس ويتسلط على كرسيه ويكون كاهنا على كرسيه” (زكريا 6/9-13).
التطورات اللاحقة أسهمت في تعزيز السلطة الكهنوتية. توزع اليهود على جاليتين رئيستين في محافظة يهودا وبلاد ما بين النهرين، ومع الضغوط اليونانية ثم الرومانية التي انتهت بتدمير الهيكل الثاني سنه 70م تشتت كثير من اليهود في أنحاء العالم الروماني، ولكن سلطة الكهنة ظلت تجاور سلطات الحكم الذاتي في الجاليتين، وامتدت إلى الجاليات اليهودية في الشتات، مؤيدة في الغالب بتصريح رسمي من السلطات المحلية، يمنحها صلاحيات لاهوتيه وتشريعية ذات طابع اجتماعي.
ثالثاً: المؤسسة المسيحية
المسيحية –التي تبلورت كتطور عن اللاهوت العبري بعد انتقالها إلى الجغرافيا الهيلينية الأوسع– بدأت كديانة كهنوتية تدار من داخل المعبد عبر هيئة متخصصة لها صلاحيات التواصل مع الإله، كما في سائر السياقات الدينية المجاورة. بالطبع، ومع تطور آليات التنظير (اليونانية أساساً) ستظهر تأصيلات أكثر تجريداً وأقل تاريخانية لمفهوم الكنيسة ودورها في العملية الدينية، ولكن هذه التأصيلات لم تغير من طبيعتها كمؤسسة تختص دون غيرها، كما في الديانات القديمة، بالتواصل مع الوحي الإلهي.
الرب الذي كان يبدو في العهد القديم قريباً جداً من البشر (ممثلين في الشعب العبري) ومنغمساً إلى أقصى حد في تفاصيل التاريخ، نزل بنفسه إلى العالم (في هذا الشعب بالذات) وكشف عن ذاته في شخص المسيح، فصار المسيح “هو وسيط الوحي وموضوعه في آن واحد”. لم يعد ثمة حاجة إلى الأنبياء، فوظيفتهم كانت تنحصر في تعريف الأمة العبرية بالإله الأب الوحيد الحي تمهيداً لمجيء المخلص الموعود، وبمجيئه تم الوحي واكتمل، “فالعهد الجديد نهائي لا يزول أبداً”، ولن يرجع أي وحي “علني”، وبشكل حصري أوكلت إلى الكنيسة مهمة تفسير الكتاب باسم يسوع المسيح.
لكن سلطة الكنيسة لا تنحصر في مهمة التفسير، بل تتجاوزها إلى صلاحيات إنشائية على مستوى اللاهوت والتشريع. فالكنيسة “لا تنهل اليقين عن محتويات الوحي كلها من الكتاب المقدس وحده، بل أيضاً من التقليد المقدس الذي ورثته عن الرسل”، وهي في الحالتين ودائماً مؤيدة بإلهام الروح القدس”. (الدستور العقائدي حول الوحي الإلهي –مجمع الفاتيكان الثاني 1962-1965).
من حيث المبدأ كان ظهور هيئة منظمة تمثل الديانة الناشئة واقعة مفهومة في إطار الثقافة الدينية السائدة، وخصوصا الثقافة اليهودية التي انشقت عنها. كان الهيكل نموذجاً قريباً وموازياً لنماذج المعابد الوثنية الشائعة في المحيط الروماني المتوسطي. وكانت الحركة المسيحية تعمل في سياقات جدلية عنيفة في مواجهة أطراف يهودية ووثنية متعددة، وساعدت سياسات الاضطهاد الرومانية على تنشيط حاجاتها التنظيمية المبكرة.
قبل نهاية القرن الثاني كانت الحركة المسيحية قد أفرزت بالفعل كياناً إدارياً شبه منظم، بمسميات وظيفية مرتبة لإدارة النشاط المسيحي المتعاظم، وتمثيل ديانته الجديدة، لكن هذا الكيان –ولكي يتحول إلى مؤسسة نهائية راسخة- كان بحاجة إلى التطورات السياسية والاجتماعية التي انتهت بتحول الدولة الرومانية إلى المسيحية في القرن الرابع.
في المرحلة المبكرة لعبت الكنيسة دوراً تأسيسياً معروفاً في بناء المسيحية (صياغة اللاهوت النيقاوي الذي يمثل رؤية بولس، وفرضه كقانون إيمان حصري بإنشاء النص المسيحي الرسمي الذي يتضمن الأناجيل الأربعة بشكل انتقائي من بين الكتابات المسيحية المتعددة في القرن الرابع، واستبقاء الأسفار اليهودية كجزء من الكتاب المقدس، وهي خطوة ضرورية لفهم وتكريس سلطة الأناجيل، ولكنها أسهمت في تثبيت الديانة اليهودية، وتمديد حضورها، على الرغم من عوامل التعرية السياسية والاجتماعية المتعاقبة.
وبامتداد العصور الوسطى فرضت الكنيسة حضورها السياسي والتشريعي مقابل الدولة، وفي المجال الخاص، وكرست هيمنة صريحة للدين على مفردات الثقافة والاجتماع العام.
مع المسيحية اكتمل مفهوم المؤسسة الدينية بخصائصه الكلاسيكية في نموذج الكنيسة الكاثوليكية: استقلال كامل عن الدولة، مع تبلور فكرة التمثيل الحصري للديانة، وحراسة اللاهوت، التي كرست طابعها الشمولي التسلطي، وأسفرت عن نتائج سياسية وثقافية واجتماعية فادحة، تظهر بشكل واضح في سلسلة الحروب المذهبية، ومن خلال محاكم التفتيش التي ظلت لعدة قرون تعاقب بالموت على التفكير خارج إطار الكنيسة.
في واقع الأمر، جسدت الكنيسة الكاثوليكية، بشكل مثالي، خصائص الدور السلبي الذي لعبته المؤسسة الدينية عبر تاريخ التدين الطويل: فرض التنميط الجمعي للدين وتحويله عن مساره الطبيعي الذي ينبع من الذات ويستجيب لقانون التعدد، مع تكريس ثقافة التسلط وخلق قابليات دائمة لتوليد العنف.
لكن الكنيسة الكاثوليكية كشفت بعد عصر النهضة، عن دور إيجابي يمكن إسناده إلى المؤسسة الدينية بوصفها الممثل الحصري للديانة، وهو دورها في تنظيم عملية التراجع والانسحاب الجزئي التي اضطرت إليها المسيحية تحت ضغوط التطور الحداثي. الجانب الإيجابي لهذا الدور يظهر بوجه خاص على ضوء المقارنة مع الحالة الإسلامية المعاصرة، التي توشك على مواجهة ضغوط حداثية مماثلة، فيما هي تعاني من فوضى تمثيلية ناجمة عن مشاعية التحدث باسم الديانة، خصوصاً في ظل تفاقم المد الأصولي.
وبشكل نسبي، ساعد حضور المؤسسة، كممثل حصري للديانة، على تقليص حجم الظواهر الأصولية في السياق المسيحي، حيث ظلت الانشقاقات الفرعية تعامل بوصفها حركات هرطقية خارجة عن خطوط رسمية معترف بها من قبل الجمهور.
رابعاً: قبل الإسلام
لم تتطور ممارسات السدانة الجاهلية في المحيط العربي إلى نظام كهنوتي مرتب على الطراز المعروف في ديانات المعبد الزراعية القديمة (مصرية/ كنعانية/ بابلية) وفي اليهودية والمسيحية. فبالرغم من وجود الكعبة لم يكن ثمة ديانة شعبية جامعة ذات لاهوت محدد، تضم القبائل المتناثرة في محيط صحراوي واسع وقليل الكثافة.
كانت الكعبة مركزاً لتجميع الأصنام والرموز الوثنية الخاصة بالقبائل المتعددة، حيث تمارس كل قبيلة شعائرها الخاصة بإلهها، مع وجود خط جامع من بعض الطقوس المشتركة، وكان هذا التجمع بحاجة إلى نوع من التنظيم العملي لإدارة المكان وخدمته بالمعنى اللوجستي، وهي تحديداً وظيفة السدانة المسندة إلى قريش، بحكم الموقع والمكانة الاقتصادية.
لم يكن ثمة ديانة لاهوتية، بل نظام طقوسي تعددي، ومصطلح الكاهن الذي يُجمع غالباً على “كهان” وليس على “كهنة” لا يشير إلى طبقة دينية أو شريحة مهنية تابعة للبيت، بل إلى أفراد ذوي ملكات خاصة تتعلق بالعرافة والقيافة واستطلاع الغيب، وإطلاق مقولات مسجوعة على الطراز السامي القديم، وبالتالي فهو لا يقابل في العربية نظيره في السياق اليهودي العبري.
ولكن الحديث عن غياب كهنوت منظم في التدين العربي القديم، لا ينطبق على الأطراف الجنوبية والشمالية، حيث تكونت مجتمعات مستقرة بسبب الزراعة، وحضور سلطة الدولة، وحيث ظهرت ديانات ذات بنية لاهوتية. في الجنوب انتشرت المعابد على نطاق واسع (المؤرخ الروماني بلينيوس أشار إلى “60” معبداً في مدينة شبوة عاصمة حضرموت، وإلى “65” معبداً في مدينة تمنع عاصمة قتباد، وتحدث عن نفوذ اقتصادي وسياسي كبير لرجال الدين). وفي الشمال تشير المصادر إلى انتشار مماثل للمعابد ونفوذ الكهنة في الأنباط وتدمر.
خامساً: في الإسلام
على مستوى النص التأسيسي تغيب تماماً فكرة الكهانة الرسمية. منذ البداية تبنى الإسلام مفردات اللاهوت الأساسية في الديانة اليهودية (التصور الإلهي/ الوحي والنبوة بالمعنى التوراتي/ رواية التاريخ الإبراهيمي)، ولكنه نأى بنفسه بعيداً عن النظام الطقوسي اليهودي بمفرداته الأولية (الكهنوت المنظم/ مركزية المعبد/ أشكال الصلاة والشعائر)، ومن هذه الزاوية كان الإسلام يدور في فلك التدين العربي المحلي، فاعتمد بشكل مباشر منظومة الشعائر المتبعة حول الكعبة وفرض الحج إليها كركن من أركانه الخمسة، ومع ذلك لم يطور نظام “السدانة” القرشي المعروف إلى مؤسسة كهنوتية منظمة. لقد تم الربط بين نظام السدانة والتقاليد الوثنية المرفوضة، فيما جرى تنسيب الشعائر ذاتها إلى بقايا الميراث الإبراهيمي المقبول.
معنى ذلك أن الإسلام الناشئ كان على المستوى الإجرائي يعكس ثقافة البيئة الدينية المباشرة، التي لم تعرف الكهنوت الرسمي، وهو معنى مفهوم إناسياً، لأن منظومات الطقوس، بوصفها أنماطاً من السلوك الجماعي المتكرر، أوضح التصاقاً بأرضية البيئة المباشرة، بمعنى أنها أبطأ أو أقل قابلية للتنقل بين البيئات المختلفة من منظومات اللاهوت المحض باعتبارها أفكاراً.
هذا التخلي من قبل الإسلام عن فكرة المؤسسة، يشير إلى توجه جديد في التعاطي مع العملية الدينية داخل النسق الإبراهيمي. ويستدعي النقاش حول موقف إسلامي متمايز من الوظائف التقليدية للمؤسسة: الوساطة بين الله والناس/ خدمة الطقوس وإدارة المعبد المركزي/ تمثيل الديانة وحراسة اللاهوت.
حسب النصوص التأسيسية يجري التواصل بين الله والناس بشكل مباشر لا يحتاج إلى هيئة متخصصة للوساطة، (الله ليس بعيداً عن الإنسان الفرد “وهو أقرب إليه من حبل الوريد”) وينطبق ذلك على ممارسة الشعائر وطقوس العبادة (الفردية والجماعية) التي تنبع من القلب ولا تحتاج إلى خدمة فنية خاصة، وهي تأتي إجمالاً في مرتبة تالية على مرتبة الإيمان “أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر”، كما ينطبق على تمثيل وحراسة الديانة، فهي لا توكل إلى هيئة عضوية محددة، بل تُسند بشيء من الغموض إلى عموم المؤمنين، أو مفهوم الأمة “كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”.
منظومة الفقه والكلام المذهبية، التي تشكلت إبان عصر التدوين صارت تتوافر على سلطة نظرية شبيهة بسلطة المؤسسة، خصوصاً فيما يتعلق بتمثيل الديانة وحراسة اللاهوت، ولكن هذه المنظومة لم تتحول إلى مؤسسة كهنوتية قابضة بسبب النصوص التأسيسية، وبفعل الحضور الطاغي للدولة، خصوصاً على المستوى السني، وهي –خلافاً للكنيسة- لم تنسب لنفسها صلاحيات إنشائية داخل الديانة، خصوصاً من جهة اللاهوت وعملية إنتاج النص، ولكن صلاحياتها النظرية المتراكمة صارت توازي صلاحيات النص داخل المدونة المكتوبة وداخل الثقافة، قريباً من سلطة الدولة.
أسند الفقهاء إلى الدولة (الخليفة) وظيفة “حراسة الدين” ترجمة لثقافة الواقع السياسي الجديد الذي فرضه ظهور الدولة العباسية، بخطابها الديني المتأثر على مستوى الشكل والمضمون بالفكر السياسي الفارسي الذي سبقها في تأميم الدين وتوظيفه لخدمة المملكة الساسانية (مصطلح حراسة الدين مستعار بنصه من عهد الملك أردشير الذي يقنن علاقة الدين والدولة، بوصفها علاقة بين “توأمين لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، لأن الدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك بعد ذلك حارس الدين”).
لا ينطبق هذا التحليل تماماً على المسار الذي اتخذه الإسلام الشيعي، بسبب العوامل السياسية والكلامية التي وجهت هذا المسار بعيداً عن مؤسسة الدولة الرسمية، وبالتأسيس على فكرة الغيبة والنيابة عن الإمام طور الفقه الشيعي (الاثني عشري والإسماعيلي) بنيات تنظيمية ذات ملامح مؤسسية لا يعرفها النظام السني.
سادساً: الدولة الوطنية والهيئات الفقهية المعاصرة
ظل التراث القابض للدولة بامتداد التاريخ السني يطغى على حضور “الفقهاء” كهيئة أو قوة ذات نفوذ مباشر، ولكن السلطة النظرية لـ”الفقه” ظلت تحتل موقعها المركزي داخل الثقافة. النفوذ المباشر للفقهاء بهذه الصفة كان يظهر في فترات ضعف الدولة، وكان على الدولة الوطنية الناشئة حديثاً في القرن التاسع عشر تأميم هذه السلطة النظرية، من خلال احتواء الفقهاء وضمهم إلى جهازها الحكومي.
لم تكتسب الدولة الوطنية في السياق الإسلامي خصائص الدولة العلمانية الخالصة، فقيم الحداثة الشكلية (المستعارة من الغرب، والتي لم تستند إلى أرضية تطور جذري على المستويين الاقتصادي والاجتماعي) لم تتحول إلى مكونات بنيوية داخل الثقافة، وعلى الرغم من تفاقم التوجهات الحداثية على مستوى الشرائح العليا، وتبلور بيروقراطية مدنية، ظلت الدولة واعية بطبيعة التكوين المحافظ للمجتمع، وبشكل تلقائي استعادت دورها التقليدي كحارسة للدين، وإن في إطار عصري.
ومع استلحاق الفقهاء بالدولة اكتسبت منظومة الفقه –لأول مرة في السياق السني- قواماً مؤسسياً بالمعنى البيروقراطي، ولكنه ظل قواماً تابعاً يستمد سماته المؤسسية من علاقته بجهاز الدولة، سواء كجزء مباشر من هذا الجهاز كما في النموذج المصري (الأزهر) أو كملحق مجاور له كما يبدو في النموذج السعودي.
الفارق بين النموذجين ليس فارقاً نوعياً، فكلاهما –في نهاية التحليل- استلحاق للمنظومة الفقهية من قبل الدولة، التي تمثل دائماً مكان السلطة بحصر المعنى، ففي النموذج السعودي يبدو حضور الهيئة الفقهية بارزاً بشكل يوحي باستقلال نسبي عن الدولة، خصوصاً في المراحل المبكرة، حيث استُخدم مصطلح التحالف لوصف العلاقة بين الطرفين، وهو وصف مجازي، فالمسألة في الواقع لا تتعلق باستقلال الهيئة الفقهية بقدر ما تتعلق بطبيعة الدولة ودرجة انغماسها في الحداثة.
عند لحظة التكوين، ولمرحلة تالية، لم يكن الفارق واضحاً بين توجهات الدولة السعودية والنزوعات السلفية المحافظة للهيئة الفقهية، ولذلك بدا حضور الهيئة بارزاً بالقياس إلى مثيلاتها في السياق المصري أو التركي أو التونسي، حيث أعلنت الدولة عن توجهات علمانية أكثر وضوحاً، وعلى ضوء ذلك يلزم قراءة التراجع التدريجي في حضور الهيئة السعودية خلال المراحل المتأخرة، كرد فعل لتفاقم التوجهات الحداثية للدولة والمجتمع، وهي نتيجة طبيعية لحركة التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام.
الخصائص البيروقراطية التي اكتسبتها الهيئات الفقهية لا تكفي لتحويلها إلى مؤسسة دينية بالمعنى الضيق، فهي –إضافة إلى تبعيتها للدولة- لا تملك تفويضاً نصياً أو تراثاً تاريخياً يكفل لها سلطة التمثيل الجامع للديانة، وهي السلطة التي مكنت الكنيسة من أداء دورها الاستثنائي لإدارة عملية انسحاب منظمة للديانة من المجالين العام والخاص، أي للقيام بعملية إصلاح ديني جذرية تمس الأصول التأسيسية (وليس مجرد تعديل فقهي على مستوى الفروع).
بدت هذه العملية ضرورية في حينها لتلافي خطر الانسحاق الكامل تحت ضغوط التطور الجذري في هياكل الاجتماع الكلية، ووفر حضور المؤسسة بديلاً لحالة الفوضى التمثيلية التي تنتج عن مشاعية التحدث باسم الديانة، وهي الحالة التي تظهر بوضوح في السياق الإسلامي الراهن.
بالكاد يشرع المحيط الإسلامي (العربي خصوصاً) في الاستجابة لمثيرات التطور الكلية (الاقتصادية/ الاجتماعية/ العقلية). لم تفرز هذه المثيرات الضغوط الحداثية الكافية لصدم النظام الديني ودفعه إلى إعادة التكيف (إصلاح جذري على مستوى الأصول التأسيسية)، ولكنها أفرزت ضغوطاً كافية لاستفزاز مخاوف هذا النظام عبر أطرافه الأكثر تحسساً للتطور، أعني عبر الأصوليات السلفية المتعددة التي تقدم كل منها نفسها كممثل للديانة.
تجمع الحالة الإسلامية بين حضور نسق تدين جماعي، وغياب ممثل رسمي جامع، الأمر الذي يؤدي عملياً في الوقت الراهن إلى توزيع سلطة التمثيل بين أكثر من جهة:
الهيئات الفقهية: التي لا تستند إلى تفويض نصي، والمقيدة بتبعية الدولة.
الدولة: التي تحمل خصائص نصف علمانية، ولم تتقمص دورها تماماً كحارسة للدين.
الجماعات الأصولية: التي لا تقر بأي دور للدولة، ولا تثق في الهيئات الفقهية، وتنظر إلى التطورات الحداثية كنقيض طبيعي وخطر وشيك يهدد الدين.

الدين والقومية

عبد الجواد ياسين ٢٧-١-٢٠١٨م
-1-
العلاقة بين الدين والقومية علاقة قلقة ومركبة على المستوى النظري: كلاهما لا يقبل تقسيم الولاء، لأن كليهما يقوم على فكرة المقدس، وإن كانت هذه الفكرة تبدو أكثر حدة في الدين؛ وإجمالاً يتوجس الفكر الديني من القومية، والفكر القومي من الدين.
بوجه عام، لم يظهر الطابع الإشكالي لهذه العلاقة في السياقات التاريخية السابقة على الحداثة:
في مراحل التدين المبكرة ارتبط الدين بالعشيرة أو القبيلة أو الشعب، لكل منها إلهه الخاص أو آلهته المتعددة الخاصة، واتخذ الدين منذ البداية طابعاً قومياً، بمعنى أن القومية استوعبت الدين في داخلها، وقد تكرس هذا المفهوم في ظل القبول بنوع من التعددية الدينية داخل الشعب الواحد (راجع على سبيل المثال نموذج التدين المصري القديم، حيث كانت تُجرى طقوس العبادة لأكثر من إله داخل معبد واحد، باستثناء فترة إخناتون القصيرة).
مع انتشار نسق التدين التوحيدي، وربطه بوظيفة الدولة، جرى تكريس الطابع الجماعي للدين، ونفي التعددية، وظهر الدمج بين الهوية الدينية والهوية السياسية، وهنا حضرت قابليات التعارض في الولاء، ومع ذلك لم يظهر الطابع الإشكالي للمسألة بوضوح طوال العصور الوسطى لسببين متداخلين:
الأول: هيمنة الدين الشاملة على مفردات الاجتماع ومجمل الثقافة، فالعصور الوسطى عصور دينية بامتياز.
الثاني: سيادة النسق الإمبراطوري/ الديني الواسع (الإمبراطورية الرومانية المسيحية بشقيها الغربي والشرقي/ إمبراطورية الخلافة الإسلامية)، وأدى هذا النسق إلى تغطية التمايزات الثقافية والاجتماعية بين الشعوب والأقاليم المتعددة داخل الإمبراطورية، وأسهم في كبت أو تأجيل نزوعاتها الطبيعية للتعبير عن ذاتها.
التطورات الجذرية اللاحقة (أو الحداثة)، أسفرت عن تفكيك النسق الإمبراطوري الديني الجامع، وإلى انزياح صريح لسلطة الدين السياسية/ التشريعية، مما فتح الباب من جديد لظهور “التعددية” كمفهوم اجتماعي طبيعي يريد اكتساب شرعية قانونية، ولتفشي النزعات القومية التي تحولت إلى دول وطنية/ قومية حديثة.
في السياق المسيحي الغربي، حيث تخلت الكنيسة، تحت الضغوط الحداثية، عن دورها السياسي التشريعي، استقرت مفاهيم الدولة الوطنية بلا تعارض مع الدين، الذي ظل حاضراً على المستوى الذاتي الفردي (المجال الخاص).
وفي السياق الإسلامي، تكيف التدين الاعتيادي (الشعبي) إجمالاً مع نسق الدولة القومية، التي نجحت في استيعاب المجال العام دون تناقض حاد مع الشعور الديني، لكن قابليات التناقض ظلت كامنة في أدبيات المدونة الدينية، حتى ظهرت بطابعها الإشكالي مع ظهور الحركات الأصولية (بدءاً من نموذج الإخوان)، التي تصر على استحضار الدور السياسي التشريعي، ومن ثم على الخلط بين الهوية السياسية والهوية الدينية.
-2-
بوجه عام، يبدي الفكر القومي حيال الدين توجساً أقل مما يبديه الفكر الديني حيال القومية، فلا ينكر الفكر القومي الحديث أهمية الدين كأحد المكونات الرئيسة للقومية، نسبة إلى دوره في بناء شخصية الأمة إلى جانب اللغة، والتراث العام، والجغرافيا الاجتماعية. الدين هنا جزء من البنية القومية (بعض الدعاة التقليديين للقومية الفرنسية يذهب –مثلاً- إلى أن الكاثوليكي وحده هو الفرنسي الحقيقي، وفي ألمانيا وإنجلترا ذهب البعض إلى أن الكاثوليكي لا يمكن أن يكون ألمانياً أو إنجليزياً كاملاً، المسألة هنا –بالطبع- لا تتعلق بروح الكاثوليكية كدين، بل بالدور الذي لعبته في تاريخ الشعب وتلوين تراثه).
في المقابل، ينكر الفكر الديني أي دور فاعل للقومية في بناء الدين، لأن البنية الدينية بجملتها تنتسب إلى المطلق، أي إلى الوحي القادم من خارج الاجتماع، وبالتالي فهي كونية/ عالمية/ فوق جغرافية/ وفوق قومية.
لكن البنية الدينية –كما يقول الواقع التاريخي- لا تتكون من المطلق وحده، بل ثمة شق اجتماعي صنعه تاريخ التدين، وهو الشق الأكبر الذي يكاد يستغرق بنية الديانة، هذا الشق هو الذي يعطي الديانة سماتها الخاصة ويميز بينها وبين غيرها من الديانات، وليس الشق المطلق الذي هو مشترك كلي في جميع الديانات.
ومن هذه الزاوية، يصح النظر إلى الديانة كإفراز مباشر للبيئة التي تشكلت فيها (من لحظة التأسيس حتى لحظة التدوين)، ويظهر الدور الذي يلعبه مزاج الشعب أو روح الأمة في عملية التشكل:
اليهودية تكونت من داخل الفكرة القومية (حاجة الشعب)، فهي بدأت بوعد إلهي بالأرض وتكثير الذرية، واشتغل الدين في خدمة الغرض الأساسي وهو الشعب، حيث الإله إله الشعب، والشعب شعب الإله، لم يفهم العبريون فكرة الدين الكوني العالمي إلا في وقت متأخر؛ وحتى بعد التطور إلى هذه الفكرة، ظل يهوه إله الشعب العبري وحده أو إله الشعب العبري أساساً، باعتباره شعب الله المختار، وظلت القومية والدين شيئاً واحداً على وجه التقريب.
المسيحية –التي نشأت كانشقاق على اليهودية، في سياق روماني/ يوناني متوسطي متعدد الشعوب- تبلورت كمعطى لاهوتي مستقل عن الشعب العبري وعن الدولة الرومانية في الوقت ذاته، ومنذ البداية اتخذت الكنيسة طابعاً كاثوليكياً، أي جامعاً، وتكرست ككيان سلطوي موازٍ ومستقل عن الدولة. كان ثمة إمبراطوريتان: سياسية رومانية، ودينية كاثوليكية (الكنائس الشرقية التي استقلت لاحقاً، اتخذت –بشكل نسبي- طابعاً قومياً، حيث لعبت دوراً في توليد الاستقلال).
في السياق الأوروبي الحديث، نشأت القوميات الجديدة انسلاخاً من الإمبراطوريتين الجامعتين: الكنيسة والدولة الرومانية، ولعب الصراع بين الكنيسة والملوك دوراً في تكريس القومية (رغبة الملوك في الاستقلال عن الكنيسة، ورغبة الكنيسة في حماية شعوب أو أقليات صغيرة)، وفي الوقت ذاته لعبت حركة الإصلاح الديني دورها في تفاقم النزعة القومية. (الحركات الاستقلالية توسلت بالانضمام لحركة الإصلاح).
في الإسلام، يبدو الطابع الأممي ظاهراً على مستوى المدونة الفقهية، وهو تكرس تاريخياً من خلال دولة الخلافة ذات الشكل الإمبراطوري، ولكن الواقع ظل يشير إلى سمات وخصائص متمايزة بين الشعوب والمناطق المتباينة، التي عادت تعلن عن نفسها تدريجياً وبشكل بطيء، مع الانشقاقات المتوالية على الدولة المركزية (العباسية)، التي أخذت تضعف مع الوقت حتى سقطت نهائياً.
لقد أسهم غياب الدولة الدينية الجامعة في تمهيد الطريق للتطور الطبيعي الذي انتهى بظهور الدول القومية الحديثة، التي استطاعت استيعاب الفكرة القومية كمكون داخلي، ومن ثم استيعاب التناقض النظري الذي تنطوي عليه المدونة الفقهية، وهو التناقض الذي عاد إلى الظهور مع الطرح الأصولي، وهو يريد –كالعادة- أن يقفز فوق الواقع إلى مضامين المدونة النظرية.

التنوير 

عبد الجواد ياسين ١٣-٢-١٠١٨م
التنوير مصطلح إشكالي في حد ذاته، لا في الثقافة الإسلامية التي تتوجس من مفردات القاموس الغربي فحسب، بل في الثقافة الغربية التي أنتجت المصطلح في القرن الثامن عشر، ثم عادت فتجاوزته في سياق النقد الذي طال مفاهيم الحداثة برمتها في القرنين التاسع عشر والعشرين.
    ظهر مصطلح التنوير ليشير إلى أهداف وآليات الحركة العقلانية/ الإنسانية التي نشطت في القرن الثامن عشر، في إطار عملية التطور الكلي الشاملة التي كانت تجتاح أوروبا منذ عصر النهضة. أخذت الحركة شكل المعارضة الجذرية لأسس النظامين الديني والسياسي، وعبرت عن نفسها في مواجهة القوى السلفية المهيمنة التي تمثلها الكنيسة وأنظمة الحكم التقليدية.
    كمفهوم نظري –مستمد من هذا السياق التاريخي- يرتبط التنوير بفكرة التطور. هو يهدف إلى تغيير النظام الاجتماعي السائد من خلال التأثير في الثقافة. فهو عملية “تبشيرية” تشتغل على الوعي العام لتنشيط قدراته على صناعة التغيير أو القبول به. بهذا المعنى كان التنوير موقفاً تفكيرياً مقابلاً للموقف “السلفي” المحصن من قبل السلطتين الدينية والسياسية. ومع ذلك بدا الموقف التنويري وكأنه موجه بالأساس ضد سلطة الدين باعتبارها السلطة الأشد سلفية، والأوسع هيمنة على المجالين العام والخاص.
    وبهذا المعنى أيضاً ارتكز التنوير على فكرتين متلازمتين: العقلانية والحرية. أو على فكرة أساسية مزدوجة هي التعقل الحر، أو حرية التعقل. يشرح كانط: “بالنسبة للتنوير لا شيء مطلوباً غير الحرية بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تؤدي إلى استخدام علني للعقل في كل الميادين..” عصر التنوير هو خروج الإنسان من حالة “القصور” التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر عند الإنسان إلا من خلال إنسان آخر. الإنسان مسؤول عن قصوره لأن العلة ليست في غياب الفكر (العقل) بل في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته بغير توجيه من الآخرين. لتكن لديك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار عصر التنوير.
    وبحسب كانط يرجع هذا القصور إلى سببين: الخمول والجبن، “فالناس قد حررتهم الطبيعة منذ زمن بعيد من وصاية غريبة عنهم، لكنهم ظلوا قصراً طوال حياتهم عن رضا منهم، بحيث يسهل على غيرهم فرض الوصاية عليهم”. لكن المسؤولية عن هذا القصور تقع أيضاً على هؤلاء الأوصياء “الذين صمموا على ممارسة سلطة عليا على الإنسانية. فبعد أن أطبقوا قيود البلاهة على قطعانهم، وعملوا على مراقبة هذه المخلوقات الهادئة مراقبة دقيقة حتى لا تسمح لنفسها بالمجاسرة على أدنى خطوة خارج الحقل الذي حشرت فيه، أظهروا لها الخطر الذي يهددها إن هي غامرت بالخروج وحدها. لكن الخطر ليس كبيراً في حقيقة الأمر لأنها لو أقدمت عليه فسوف تتعلم السير بعد عثرات قليلة”.
    من بين الوصايات القابضة التي كرست قصور الإنسان عبر التاريخ يشير كانط إلى الوصاية الدينية باعتبارها “الأكثر ضرراً، والأشد خزياً”. وهي الفكرة التي سيطورها نيتشه بعد قرن في إطار نظريته الثورية عن “إرادة القوة” مقابل الوصاية الأخلاقية التي تكرست على يد الكهنة بوجه خاص.
-2-
    التطورات البنيوية الهائلة في القرن العشرين جلبت تحولات أنطلوجية وأدت إلى إعادة النظر في المفاهيم التقليدية التي قامت عليها حركة التنوير الأوروبي، بما في ذلك مفهوم “العقلانية” الذي تغيرت دلالاته مع تراجع المنطق الصوري، وظهور النتائج العلمية التي أفرزتها النظرية النسبية ونظرية الكم. وبما في ذلك أيضا مفهوم “الحرية” الذي أدت تداعياته المفرطة إلى فوضى حسية وعنف سياسي واجتماعي. وحتى مفهوم “التجريبية” الذي أسفر عن آلوية شاملة فرضت المعايير النفعية على مضمون الأخلاق، وانتهت إلى “تشييء” الإنسان أي جعله شيئاً -على حد تعبير أدورنو.
    بوجه عام وجهت سهام النقد إلى النتائج التي أسفرت عنها الحداثة على المستوى الروحي والاقتصادي والسياسي. جرى الحديث إجمالاً عن المادية الحسية، والفوضى، والحروب، والمركزية الأوروبية، وفشل الأيديولوجيا: الرأسمالية عجزت عن تحقيق وعد الوفرة والرفاهية الشاملة. والاشتراكية عجزت عن تحقيق وعد العدالة الاجتماعية. ألقيت المسؤولية في ذلك على الحداثة، وصرح فوكو بأن “الحدث التاريخي للأنوار لم يجعل منا أسياداً”.
-3-
    ندرك الآن أن النقد ما بعد الحداثي اشتغل على السياقات الاجتماعية المتطورة في الغرب، وليس على السياقات الاجتماعية الحاضرة في المحيط العربي الإسلامي، الذي لا يزال يسكن، تقريباً، في ظروف القرن الثامن عشر الأوروبي. ما يعني أن المسألة هنا لا تتعلق بإشكاليات ما بعد الحداثة بل إشكاليات ما قبل الحداثة. النقاش الراهن حول التنوير يشبه نقاش القرن الثامن عشر بأجوائه المشحونة وقضاياه المحورية التي فرضها الحضور الطاغي للدين على مجمل الثقافة، حيث السؤال عن “مشروعية” التغيير من حيث المبدأ لا يزال مطروحاً. ومع ذلك فالجدل الإسلامي الراهن يجري في ظل هوامش جديدة تضفي على النقاش تعقيدات إضافية لم تكن حاضرة في سياقه الأوروبي:
فكرة “الفشل الحداثي”، التي راجت في الثقافة الغربية ذاتها قبل أن يوظفها الوعي الإسلامي، بشكل تعويضي، في تبرير مواقفه التقليدية. طالت هذه الفكرة الموقف الأنواري القديم من الدين بوصفه موقفاً أيديولوجياً خاسراً، خصوصاً في نبوءته “المتسرعة” عن تراجع متواصل للدين ينتهي بزواله مع تقدم العلوم.
فكرة “الهوية الخاصة”، التي تتحسس من التعاطي مع مصطلح وافد من ثقافة ليست أجنبية فحسب، بل أيضا مخالفة دينيا ومعادية سياسياً. تشير الفكرة إلى نوع مركب من “الإثنية” الثقافية، يتغذى على مثيرات دينية (ضد الآخر المسيحي)، وسياسية (ضد الغرب الاستعماري).
بوعي أو بغير وعي، يتم الخلط بين مدلول الحداثة ومدلول الغرب. ويغيب الوعي بمفهوم التطور كفعل اجتماع ضروري ومحايد في ذاته. الحداثة هنا تطرح بما هي “مفهوم” ثقافي تاريخي خاص (أيديولوجيا) لا بما هي صيرورة طبيعية متكررة تعني الحدوث الزمني، أي بما هي مرادف للتطور. وبوعي وبغير وعي يؤدي الخلط إلى تأجيل حدث التطور.
التفاقم الأصولي، الذي جرت قراءته في الغرب تحت عنوان “عودة المقدس”، باعتباره نوعاً من الهجوم المضاد من قبل الدين بعد تراجعه النسبي أمام الحداثة، أو بوصفه شكلاً من رد الفعل الاجتماعي حيال “أزمة” الحداثة. وهي قراءة لا تتوافق تماماً مع حيثيات الحالة الإسلامية التي لم تتراجع “أصلاً” أمام حداثتها الخاصة، ولم تنغمس “بما يكفي” في أزمات الحداثة.
    الحالة الأصولية التي نجحت أخيراً في إحراز نقاط سياسية، تشرع في فرض بصمتها داخل الثقافة، وفي استدراج النقاش إلى فضاءاتها الاصطلاحية الخاصة. وهي تعود بالمسألة إلى المربع الأول: هل يجوز التغيير؟ وهو سؤال يعني الخلط بين فكرتين متوازيتين، الإمكان الشرعي والإمكان المادي، بما أن التطور قانون اضطرار طبيعي.
    هذه الهوامش “الإضافية”، التي تلقي بظلالها على مصطلح التنوير وسمعته النظرية، تبدو في الجدل الإسلامي الراهن أكثر أهمية من “متن” الموضوع. حيث يطغى النقاش حول تاريخ المصطلح على النقاش في مضمون العملية التغييرية، التي صار يفرضها قانون التطور، وهو قانون اجتماع كلي لم تخترعه الثقافة الغربية.
هذا هو جوهر المسألة: قانون التطور الذي يفرض نفسه، وليس مصطلح التنوير الذي يمكن الاستغناء عنه.
   التنوير بما هو ثقافة دافعة هو آلية من آليات التطور، ينشأ ويشتغل كجزء منها. وهو بمفرده لا يصنع التطور العام، الذي لا يتحقق بالإدارة المنفردة للفكر، بل بنضوج الهياكل الكلية للاجتماع (الاقتصادية/ الاجتماعية/ العقلية). الأمر الذي يشير إلى حجم القوة الحقيقية للفكر، بوصفه واحداً من عوامل الاجتماع لا يستغرق بنيتها الكلية. ولكنه يستطيع أن يلعب دوراً تحفيزياً أو تنشيطياً لاستعجال حركة التطور. وفي هذا الإطار يلزم الوعي بالدور الوظيفي للعملية التنويرية، وبالطبيعة الأولية للصعوبات التي تلازمها.

الديمقراطية والشورى

عبد الجواد ياسين  ٢٩-٤-٢٠١٨م
-1-
يتوجس الفكر السياسي الإسلامي غالبًا من مصطلح الديمقراطية، ليس بسبب تحفظه المعتاد حيال مفردات القاموس الغربي فحسب، بل لأسباب أصلية ترجع إلى ثقافته الموروثة من تاريخ الأنظمة وتاريخ الفقه على السواء. التيارات الأكثر سلفية -التي تتوجس أصلًا من مصطلح “الفكر” ذاته كمفهوم دخيل على المعجم الشرعي، يتضمن معنى الرأي، ويهدد سلطة النص وسلطة الفقه- تنفر من مصطلح الديمقراطية، وقد تتحدث عن الشورى.
أما التيارات الأقل سلفية -التي أبدت نوعًا من الاستجابة النسبية لميراث الحداثة، وتجاوزت حرفية التقليد الفقهي إلى ممارسة أشكال حذرة من التعقل حيال النص- فقد تتحدث عن الديمقراطية، وقد تشير إلى الشورى بوصفها صيغة من صيغ الديمقراطية، بصرف النظر عن عدم تطابق المضامين والسياقات التاريخية.

بوجه عام، وخارج نطاق الفكر الديني، تظل الديمقراطية مفهومًا إشكاليًا في الوعي السياسي، بدءًا من التحفظات الكلاسيكية المنقولة عن التراث اليوناني خصوصًا أفلاطون وأرسطو، حتى الملاحظات الحداثية وما بعد الحداثية التي توجه سهام النقد إلى جوهر الفكرة ذاتها، أو إلى صياغاتها الأيديولوجية، أو إلى نتائج تطبيقها في سياقات جغرافية وثقافية معينة، أو إلى ربطها خصوصًا بقيم وآليات الرأسمالية الغربية، إضافة إلى الملل من شيوع المصطلح وابتذاله في وثائق وأدبيات النظم السياسية المتعارضة. ومع ذلك يظل المصطلح، بإيحاءاته الحداثية المضادة للحكم الفردي والفكر الشمولي، مدخلًا مناسبًا لمقاربة الحالة الإسلامية الراهنة، المحملة بخصائص أوتوقراطية وثيوقراطية مزمنة.
-2-
تختزل هذه الخصائص إشكالية السلطة في الفكر الإسلامي المبكر، الذي تشكل أصلًا كرد فعل مباشر للواقع المفروض من قبل الأنظمة: الفقه الذي أحرز هيمنة واضحة على مجمل الثقافة، قدم تقنينًا “نصيًا” لواقعة “التغلب” كآلية لإسناد السلطة، ولفكرة الشريعة كشق من الدين تقع مهمة حراسته على الحاكم. فيما قام الأدب السلطاني بترويج السلطة المطلقة للحاكم باعتباره ظل الله في الأرض. أما الكتابات الكلامية والفلسفية المتأثرة بالفكر اليوناني، فلم تقدم اختراقًا حقيقيًا للطرح الأوتوقراطي الثيوقراطي الذي قننه الفقه وكرسته الأدبيات السلطانية.
المبادئ الكلية المنصوص عليها في القرآن لم تشتغل بفاعلية في تاريخ الأنظمة، ومن ثم في تكوين المدونة التراثية التي ستشكل بنية الثقافة. نص القرآن على الشورى في سياق تحضيضي (الآية 38/ الشورى)، ولكن هذا النص ظل معطلًا على مستوى الواقع السياسي، وقام الفقه بتطويعه نظريًا كي يتوافق مع أنظمة الحكم المتعاقبة بأشكالها المختلفة من حكومات الراشدين بطابعها الأبوي القريب من تقاليد القبيلة، إلى الحكومات الأموية بطابعها الملكي الاستبدادي العربي، ثم الحكومات العباسية الأولى بطابعها الملكي الاستبدادي الفارسي، حتى الحكومات العباسية الثانية بطابعها السلطاني التفويضي.
بفعل تواصل التغلب جرى النص عليه في صلب النظرية الفقهية، أي صار يحظى بمشروعية تأسيس تتجاوز فرضية الأمر الواقع، مما سيتحول بالتسرب إلى واحدة من “القيم” المضمرة داخل الثقافة السياسية الموروثة، نصَّ أحمد صراحة على أن “من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وصار أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه أميرًا للمؤمنين”. (أبو يعلى، الأحكام السلطانية)
-3-
بالطبع لا يستطيع أي نص تكليفي تجاوز سياقاته الثقافية المزامنة. ولم يكن بوسع الفقه أن يشتغل على نص الشورى خارج آليات الاجتماع السياسي الفاعلة في مراحل التدوين، والمطبوعة بطابع العصر الوسيط، وهو عصر ديني بامتياز، امتزجت فيه السياسة باللاهوت على نحو طبيعي، في ظل سيادة النظام الملكي.
[عمليًا، تطغى السلطة “الفعلية” للواقع الاجتماعي على السلطة “النظرية” للنص، أي نص. لكن المشكل فيما يتعلق بالنص الديني هو أنه لا يتخلى عن حضوره النظري، بل يتحول إلى سلطة اسمية معلقة تظل تشوش على “مشروعية” الواقع].
محملًا بثقافة العصر الوسيط الدينية، لم يقف الفكر الإسلامي السلفي على التصورات السلبية التي يثيرها مصطلحا الثيوقراطية والأوتوقراطية، ولا على الإيحاءات الإيجابية التي قد ينطوي عليها مصطلح الديمقراطية في الذهن السياسي الحديث.
[في الذهن السياسي الحديث تتحول الثيوقراطية إلى أوتوقراطية مضاعفة، بما هي سلطة مطلقة تمارس باسم الله، أي بما هي مزيد مقدس من السلطة المطلقة. ومن هنا تظهر الثيوقراطية بوصفها أخطر صور الأوتوقراطية.
في هذا السياق تحمل الديمقراطية، بما هي حكم الشعب أو حكم الجمهور، معنى “إناسيًا” يقابل “الإلهي” بقدر ما تحمل معنى “جماعيًا” يقابل “الفردي”].
الفكر الإسلامي الكلاسيكي –الخاضع كليًا لهيمنة الفقه– لم يطور فكرة الشورى من صيغة أهل الحل والعقد، البسيطة المستمدة من تراث القبيلة العربية الجاهلية، إلى مفاهيم نظرية أو بنيات مؤسسية يمكن أن تشتغل على النظام الملكي الناشئ، والأكثر تعقيدًا من صياغات الحكم القبلية البسيطة.
ظلت الوظيفة الأساسية للشورى في الذهن الفقهي هي عملية تنصيب الحاكم الفرد (بما في ذلك تنصيب الحاكم المتغلب) وليس عملية إدارة الحكومة أو المشاركة في الحكم (حيث لا تعني الشورى أكثر من طلب رأي اختياري من قبل الحاكم).
وفيما انحصر معنى الشورى في أهل الحل والعقد، انحصر أهل الحل والعقد في عدد محدود من الأفراد، فحسب الماوردي لا يلزم صدور البيعة عن غالبية أهل الحل والعقد، ومع تجاهل النقاش حول طريقة تسميتهم، فإن “أقل من تنعقد بهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، استدلالًا بأمرين؛ أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، والثاني أن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة. وهذا قول أكثر فقهاء البصرة، وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة.. وقالت طائفة تنعقد بواحد لأن العباس قال لعلي امدد يدك أبايعك.. ولأنه حكم وحكم واحد نافذ” (الأحكام السلطانية، ص33-34).
في التكييف الفقهي السني يشار إلى الإمامة بوصفها “عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه”. ولكنَّ طرفي العقد هما أهل الحل والعقد من جهة والإمام المختار من جهة ثانية. أما جمهور الناس أو الشعب فهو طرف غائب عن العقد، وعلاقته بالطرفين هي علاقة التلقي والطاعة.
في خضم الجدل بين النظريتين السنية والشيعية حول القول بالنص الإلهي والقول بالاختيار، اتفقت النظريتان على أن جمهور الناس أو “كل الأمة” لا دخل له في عملية تعيين الإمام. شيعيًا: كانت المسألة محسومة بالطعن على شرعية الاختيار البشري من حيث المبدأ، وسنيًا: كان الاختيار صلاحية مقررة لأهل الحل والعقد، أو للحاكم السابق قبل موته. دافع الفقه السني عن فكرة الاختيار ضد فكرة النص الإلهي، ولكنه اعتبر أن القول بالاختيار من قبل كل الأمة “يؤدي إلى إهمال فرض الإمامة” أما على مستوى الكتابة في السياسة العملية (الأدب السلطاني) فالتحذير صريح من إشراك الرعايا من عامة الشعب في إدارة السلطة. وفي كتابه “نصيحة الملوك” ينصح الماوردي الملك “ألا يسلط الرعية والعامة بعضها على بعض، ولا يجعل في المملكة آمرًا غيره وغير خلفائه” (ص291-292).
ووفقًا للنظرية إذا بايع أهل الحل والعقد رجلًا صار إمامًا “ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته” (الماوردي، الأحكام، ص35). ولكن النظرية –سواء في الفقه أو الكلام- لم تناقش الصفة التمثيلية لأهل الحل والعقد في عقد الإمامة، أو ما الذي يجعل بيعتهم ملزمة للأمة؟
الفقه الذي لا يحفل بتأصيل الأحكام نظريًا، استند في تأسيس مسألة اختيار الحاكم برمتها إلى الإجماع. وهو ما يبقي السؤال قائمًا لأن الإجماع سواء كان إجماع الصحابة، أو إجماع العلماء بعد عصر الصحابة –ومع التسليم بصحة انعقاده– يظل فعل أقلية بالنسبة إلى مجموع الأمة.
أما الكلام السني، وهو تنظيري بطبيعته، فبالرغم من دخوله معركة الجدل مع الشيعة حول شرعية الاختيار من أهل الحل والعقد، ومع اتصاله النسبي بالفكر اليوناني، فلم يستطع اختراق الإطار العام لثقافة العصر الوسيط السياسية، التي لم تر في جموع الناس أكثر من رعايا للحاكم. وفي واقع الأمر لم تكن الأمة كمفهوم “سياسي” حاضرة قط في الوعي السلفي على الرغم من حضورها الواضح كمفهوم “ديني” عام.
[الفكر الإسلامي المعاصر سيستحضر المفهوم السياسي للأمة بأثر رجعي وهو يعيد تفسير سلطة الحل والعقد كوكالة ضمنية أو نيابة مفترضة عن الأمة. وهو نوع من الإسقاط النظري، يرمي إلى استبقاء فكرة الحل والعقد داخل أطر الحداثة السياسية].
-4-
تطرح الحداثة، بالطبع، سؤال الأوتوقراطية كمعضلة يصعب حلها من داخل النظرية التراثية، أي من داخل فكرة الحل والعقد، أو مصطلح الشورى بوجه عام. لكن السؤال الأكثر إشكالية هو سؤال الثيوقراطية بما هو معضلة يصعب حلها بغير صدام، لا مع النظرية التراثية فحسب، بل مع الأصول الأكثر جذرية في نسق التدين التقليدي ذاته.

بين الأخلاق والتدين

عبد الجواد ياسين ١٢-٥-٢٠١٨م
-1-
نحتفظ في أذهاننا بمعنيين مباشرين للأخلاق والدين، لكن بمجرد أن نشرع في التساؤل عن العلاقة بينهما، ينفتح النقاش من جديد حول مفهوم الأخلاق ومفهوم الدين كليهما.
في المنظور الديني التقليدي ليس للأخلاق وجود مستقل عن الدين.

الدين مصدر الأخلاق، وهي جزء منه لا يستغرق بنيته الكلية، والأخلاق أخلاق أي خيرة لأن الله وصفها بذلك، وليس باستحسان العقل أو تقرير العرف. ولذلك فهي محكومة بالدين لا حاكمة عليه، بمعنى أنه لا يصح محاكمة الدين إلى مبادئ مستقلة عن منطوقه، أو بعبارة مكافئة لا يجوز التساؤل عن أخلاقية الأحكام الدينية. فمثلًا حين ينص الدين على إباحة الرق فهذه الإباحة أخلاقية في ذاتها، أي لا يجوز تقييم خيريتها بمعايير خارجية ( فوق دينية). وينطبق ذلك على بقية الأحكام التي تبدو صادمة للحس الأخلاقي الخالص مثل أحكام التحريض على العنف، أو أحكام التفريق بين البشر في حرمة الدماء بسبب الدين ( لا يقتل اليهودي بغير اليهودي قصاصًا، ولا يقتل المسلم بغير المسلم قصاصًا).
في المقابل يعتبر الفكر الوضعي أن الأخلاق – كالدين- ظاهرة اجتماعية تاريخية نشأت وتطورت داخل العالم بفعل الإنسان. وهي رغم تقاطعها مع الدين التاريخي تحتفظ بوجود مستقل عنه، حيث الدين بالأساس بنية طقوسية لاهوتية؛ ثمة أخلاق رفيعة في سياقات غير دينية، وهي تغيب أحيانًا في سياقات دينية، ولذلك يمكن الحديث عن أخلاق دينية خاصة بكل ديانة، ويمكن محاكمة هذه الأخلاق الخاصة إلى الأخلاق الكلية.
-2-
حسب الأنثروبولوجيا الكلاسيكية ( التطورية) بدأ الدين كحالة طقوسية خالصة قبل أن يتحول إلى نظام شامل يضم اللاهوت والأخلاق. وهي فرضية مناقضة للتصور الكتابي الذي ينظر إلى الدين كمطلق كلي ولد نهائيًا ولا يرد عليه التطور، وهو ما ينطبق على الأخلاق بوصفها شقًا من الدين.
لكن الثابت – بغض النظر عن هذه الفرضية الخلافية- هو أن الارتباط بين الأخلاق والدين يرجع إلى مراحل سابقة عن ظهور النسق الإبراهيمي الذي دشنته اليهودية. وهذا واضح على سبيل المثال في الديانة المصرية القديمة ذات الطابع الأخلاقي الصريح.
ومنذ الفلسفة اليونانية جرى تفكر الأخلاق بالتماس مع الدين. اعتبر سقراط أن الإيمان مكمل للأخلاق، لكن الأخلاق لا ترتكز عليه. مصدر الأخلاق هو الحكمة، التي تؤدي إلى الفضيلة بوصفها الطريق الموصل إلى السعادة، وهي الغاية النهائية للإنسان. وجعل أفلاطون للدين مكانة في الأخلاق أكثر مما فعل سقراط، فالفضيلة لا ترجع إلى الحكمة بل إلى بصيرة ملهمة مشربة بنفس ديني. وقف أفلاطون على فكرة الحساب الأخروي، حيث يقضي الإنسان ألف سنة في العالم الآخر منعمًا أو معذبًا جزاء ما قدمه من خير أو شر. ومع ذلك ظلت الأخلاق عند أفلاطون تقوم – كما عند سقراط- على فكرة استهداف السعادة، وليس إرضاء الآلهة.
أما أرسطو فقدم تأصيلًا عقليًا خالصًا للأخلاق لا يتكئ على الدين رغم إلمامه بالمفهوم الإلهي. السعادة هي الخير المطلق، أو الخير النهائي المطلوب لذاته، ونحن نطلب الفضائل من أجلها. تستطيع الفضائل تحقيق السعادة بما هي التوازن الذي يهيئ لقيام الإنسان بوظيفته ككائن بيولوجي اجتماعي عقلي معًا، بوجه عام لم يكن الدين في السياق اليوناني بعيدًا عن الأخلاق، ولكنها ظلت مبحثُا ومطلوبًا اجتماعيًا يصدر عن العقل.
ثمة تقاطع بنيوي عريض بين الدين والأخلاق. وبصرف النظر عن كونه تاريخيًا أو مطلقًا، يكشف هذا التقاطع عن نتائج إشكالية تظهر في صور من التعارض الصريح بين نصوص دينية ثابتة وقيم الأخلاق الكلية، وهو ما يضع الديانة التاريخية أمام مشكلة التناقض مع جوهرها الأخلاقي المفترض، أو أمام مشكلة الشك في صحة تمثلها الكلي للدين المطلق بما هو جوهر أخلاقي.
-3-
لكن في ظل هذا التقاطع أيضًا، يقوم الدين والأخلاق بعمليات إسناد متبادلة على مستوى التأسيس النظري. تقليديًا ولفترة طويلة ظل الدين حاملًا تاريخيًا للأخلاق. لكن في القرن الثامن عشر، عندما كان الدين في موقف دفاعي صريح أمام ضغوط التطور العقلي، قدمت الأخلاق علي يد كانط إسنادًا تأسيسيًا للدين.
حسب كانط لا يستطيع العقل النظري برهنة الدين لعجزه عن تجاوز حدود التجربة، ولكن الأخلاق بما هي عقل عملي تستطيع إثبات حرية الإرادة، وخلود النفس، ومن ثم وجود الله. في البداية   ” نحن لا نعتبر الأفعال ملزمة لأنها فروض إلهية، بل هي تعتبر فروضًا إلهية لأننا نشعر بأننا ملزمون بها في داخلنا”. تقوم الأخلاق على فكرة الواجب. ولأن المكافأة على فعل الواجب لا تتحقق كاملة في الحياة الحاضرة تفرض العدالة وجود حياة ثانية كي يكافئنا الله على الفضيلة بالسعادة. هنا يبدو الله جزءاً من نظرية الأخلاق، جزءاً ضروريًا كي تكون الأخلاق ممكنة.
لكن الأخلاق بعد أن لعبت دورها في إثبات وجود الله ستعود فتكشف عن مصدرها الإلهي، فشعورنا الأصلي بالإلزام الأخلاقي هو جزء من طبيعتنا التي خلقها الله. هذا الشعور بالنسبة لكانط هو جوهر الدين الذي يكاد يستغرق معناه، فأهم ما في الدين ليس الطقوس ولا تفاصيل اللاهوت، بل فعل الواجب استجابة لصوت الضمير الذي هو صوت الله.
بحصره التقريبي لمعنى الدين في الأخلاق، كان كانط يقدم مفهومًا عقليًا اختزاليًا للدين لا يقبله اللاهوت الكتابي المؤسسي. ولكنه كان لا يزال يتعاطى مع المسألة من داخل الإطار التقليدي للجدل بين اللاهوت والميتافيزيقا. فالفكرة المطلقة ظلت هناك، وظلت الأخلاق كالدين إلهية قادمة من خارج الاجتماع.
-4-
في القرن التاسع عشر ستنتقل المسألة – على يد فيورباخ- إلى منطقة قراءة مغايرة؛ الدين ليس أصل الأخلاق بل الأخلاق هي أصل الدين، وكلاهما بشري صادر من داخل الاجتماع. ينطوي التكوين الإنساني بطبيعته على الأخلاق ( العقل والإرادة والمحبة)، وهي أعلى ما في الإنسان، أو هي الإنسان في كماله المثالي. لقد نسب الإنسان هذه الطبيعة المثالية إلى قوة عليا مفارقة وأطلق عليها إسم الله، فصارت مطلقة، ومن هنا ظهر الدين في صورته التقليدية     } فيورباخ – جوهر المسيحية{.
حسب فيورباخ، الدين مفهوم اجتماعي طبيعي يمكن أن يفتح بابًا للأمل أمام الإنسان، الذي عليه توظيف طاقاته الأخلاقية الطبيعية لتحقيق سعادته الفردية والجماعية، أي لتحقيق ” خلاصه” الاجتماعي، وهو مكافأة الفضيلة التي تنجز داخل العالم وليس في السماء.
ثمة مسافة واضحة بين دين فيورباخ الطبيعي الاجتماعي، ودين كانط العقلي الإلهي، لكن أخلاق فيورباخ ظلت قريبة من أخلاق كانط من حيث احتفاظها بشيء من خصائص المطلق، فهي على الرغم من صدورها داخل العالم عن الإنسان، تنبع من طبيعة ثابتة فيه تشبه الفطرة، وهي تنزع إلى الكمال. لذلك يلزم فهم نقد فيورباخ على أنه موجه إلى الدين التاريخي، أي الدين الطقوسي التشريعي، الذي تكون بفعل المؤسسة، من تراكمات اجتماعية زائدة عن القانون الأخلاقي. لقد نقل فيورباخ المبحث الديني الأخلاقي خطوة واسعة باتجاه الانثروبولوجيا والاجتماع التاريخي، ولكنه لم يقطع كليًا مع الميتافيزيقا.
-5-
على أن تقليص الدين إلى مجرد أخلاق كما فعل كانط، أو تصعيد الأخلاق إلى موقع الدين كما فعل فيورباخ، لم يكن كافيًا لإشباع التمرد العقلي الجامح للقرن التاسع عشر الأوربي، الذي كان يستهدف فكرة المطلق من جذورها.
عبر نيتشه عن هذا الجموح في حده الأقصى وهو يشن حملته الواسعة لا على الدين والأخلاق فحسب، بل أيضًا على الأيديولوجيا ومجمل الحداثة الأوربية التي لم تتخلص بعد من الحمولات المطلقة للقيم.
لم تعد المسألة هي ما إذا كان الدين أخلاقًا أو الأخلاق دينًا، فكلاهما ينتمي لوهم المطلق الموروث والمناقض ” لطبيعة الحياة”. تلك الطبيعة التي يلزم أن تكون هي ذاتها قانون ” الأخلاق” بديلًا عن قانون الخير والشر. حسب نيتشه يعمل الدين على تكريس أخلاق الجماهير الدارجة، وهي أخلاق القطيع التي تذل الجسد وتقهر الدوافع الحيوية وحرية العقل والإحساس بالجمال.
وقف نيتشه على الخصائص الأنطولوجية المشتركة بين الدين والمثالية اليونانية، وشن حملته على الدين عبر الهجوم على أخلاق أفلاطون. وبالنسبة له كان أفلاطون هو من أطلق ” الأضلولة الدوجمائية الأكثر خطرًا والأطول عمرًا في تاريخ الفكر، وهي اختراعه للروح المحض وفكرة الخير في ذاته”، وكانت المسيحية نوعًا من المثالية الدارجة أو ” الأفلاطونية المخصصة للشعب”  } ما وراء الخير والشر- تباشير فلسفة المستقبل{.
فكرة الروح المحض الأفلاطوني كفكرة المطلق المفارق الديني، تقابل ” منظورية” نيتشه التي تعني أن جميع القيم نسبية من حيث نشأتها وقابليتها التأويلية، فليس ثمة في الواقع شيء مطلق. لقد عبر الدين عن فكرة المطلق قبل الفلسفة اليونانية، وهي ظهرت في هذه الفلسفة قبل أفلاطون، لكنها في الواقع لم تحظ قبله بتأصيلها النظري الذي منحها هذه القدرة على البقاء في الفكر. الأهم- وهذا ما يرمي اليه نيتشه- أن الدين هو المسئول تاريخيًا عن تعميم وترسيخ وتوريث منظومة القيم السائدة. وهي قيم العبيد البليدة والخانعة التي تنبع أصولها من روح الضعف والضغينة لدى الكهان ( جنياجولوجيا الأخلاق – م ا ف 7).
نقد نيتشه الموجه إلى الأخلاق ينصب على نقطتين؛
الأولى: أنها، كالدين، مطلقة أي قبلية ونهائية.
الثانية: أنها بقيامها على فكرة الخير ضعيفة لا تعبر عن جوهر الطبيعة الحيوانية للإنسان وهو القوة.
لكن نقد الأخلاق يعني محاكمتها إلى فكرة ما، هي بالضرورة مرجعية قبلية ونهائية ذات طابعي قِيَمي، أي مطلقة. كما أن نيتشه يقطع في خصوص الطبيعة الحياوية للإنسان بجوهر أحادي واحد يربط فكرة القوة بالقسوة، وهو قطع ميتافيزيقي غير مبرهن، ينطوي على احتجاج بمحل النزاع.

الجهاد 

عبد الجواد ياسين ١٠-٦-٢٠١٨م
-1-
يتجاذب الوعي الإسلامي المعاصر طرحان: الطرح الرسمي (المدرسي)، والطرح الأصولي ( المتطرف).
يقدم التيار الرسمي خطابًا مضطربًا في مسألة العنف. فهو ينفي بشكل قطعي تهمة السيف عن الإسلام كدين، ويفرق بين الإسلام وتاريخه السياسي المشبع بالدماء من ناحية، وبين الإسلام وممارسات الحركة الأصولية العنيفة من ناحية ثانية. لكنه في المقابل، لا ينفي مشروعية القتال كحكم فقهي منصوص، ويقرأ ” الفتوحات الإسلامية” من داخل هذا المفهوم كفعل ” ديني” صادر عن تكليف الشرع، لا كفعل ” سياسي” تاريخي ناشئ عن اندفاع الدولة. ليس ثمة جدل حول مبدأ ” الجهاد”، بل حول شروطه التفصيلية (الأطراف/ الوسائل/ التوقيت/ الملائمة الظرفية) ومدى انطباقها على الممارسات الراهنة للحركات الأصولية الجهادية.

تاريخيًا، يعبر التيار المدرسي عن وسطية الجمهور العام، وهو يشتغل قريبًا من أهداف الدولة، ويبدي استجابة نسبية لضغوط القيم الحداثية، التي تنفر من العنف وتحتفي بالتعددية وحرية الرأي، والتي صارت تشكل جزءًا مضمرًا من بنية الثقافة. وهي اعتبارات يمكن أن تقدم تفسيرًا جزئيًا لهذا الموقف الدفاعي المضطرب. لكن تفسيره المباشر يكمن في المدونة المرجعية الأصلية التي يصدر عنها، والتي تجمع، في صعيد تكليفي واحد، بين مبادئ كلية سلمية، وأحكام تحريض قتالية ذات طابع هجومي.
يؤدي التيار المدرسي دوره الدفاعي بآليات تبريرية تأويلية متنوعة، ويسهب في الحديث عن أغراض دفاعية للجهاد. لكنه يواجه صعوبات حقيقية في التعاطي مع الأسئلة الشائكة التي يثيرها طرح المدونة الفقهنصوصية ( الآيات الهجومية الصريحة في القرآن المدني/ الروايات والأحاديث التي تتجاوز التحريض على القتال إلى الأمر بالقتل/ أفعال العنف المنسوبة إلى الرسول في المدينة/ التفسير الفقهي الهجومي الصريح لهذه النصوص تحت عنوان جهاد الطلب).
لا تحضر هذه الصعوبات في مواجهة الطرح الأصولي، الذي ينظر إلى القتال الهجومي لا كتهمة تستحق النفي، بل كتكليف إلهي. فالجهاد لم يشرع للدفاع عن المسلمين فحسب، بل أيضًا لنشر الدين وتثبيت أركانه في العالم. وهو ليس مجرد فريضة من فرائض الإسلام بل “ذروة سنامه” أي أعلى فرائضه. في هذا السياق يبدو الموقف الأصولي أكثر تناغمًا مع ثقافته المرجعية ( خصوصًا في شقها الفقهي) من موقف التيار الرسمي الذي يصدر عن الثقافة المرجعية ذاتها.
ومن هنا يلزم توجيه النقاش مباشرة إلى المرجعية الفقهنصوصية حيث تكمن جذور المشكل.
-2-
بحسب الفقه، الجهاد في التحليل الأخير هو قتال على الدين. وهو بهذا المفهوم يتناقض: 1- مع الطبيعة الاختيارية للإيمان، 2- ومع المعنى الأخلاقي الأصلي للدين 3- ومع القيم الكلية المنصوصة في القرآن. لكن الفقه يؤسس أحكامه الجهادية على نصوص قرآنية ” صريحة” تجاور القيم الكلية القرآنية وتحظى بنفس حصانتها النصية. والقول بكونها صريحة، يعني عدم كفاية التأويل اللغوي لتحويل دلالاتها إلى حيث تتفق مع القيم السليمة التي أقرها القرآن. ومعنى ذلك أن المشكل سوف يصل في نهاية التحليل إلى دائرة النص، أعني إلى ” مفهوم النص” السائد في العقل الديني الكتابي، والذي انبنت عليه المدونة الفقهية الإسلامية بقاعدتها التفسيرية ونظامها الأصولي الذي كرسته التنظيرات الشافعية والجعفرية، على المستويين السني والشيعي معًا.
-3-
في المفهوم السائد كتابيًا، النص معطى نهائي مقدس في جميع أجزائه، لا مجال للقول باحتوائه الى جانب المطلق على أحكام نسبية خاصة بسياقات انتاجها التاريخية. كرس الفقه اجتماعيات الغزو القبلية بمفرداتها التفصيلية، وحولها إلى أحكام دينية ” ثابتة” مستندًا إلى مجرد ورودها في ” النص”، أي دون أن يفرق بينها وبين القيم الكلية المطلقة. كان النص يسجل الوقائع بما فيها الحوادث القتالية، ولكنه لا يحول الوقائع إلى قيم مؤبدة. وكانت آية السيف ( التوبة5) تعكس الوضعية الأخيرة لميزان القوة بين الجماعة المسلمة وخصومها في الجزيرة قرب وفاة النبي، وهي وضعية التغلب التي ظلت قائمة لعدة قرون عبر الغزو والفتوح، والتي قننها الفقه في شكل أحكام تكليفية تفرض على المسلمين مقاتلة الناس حتى يدخلوا الإسلام، وتربط صراحة بين حالة الكفر ( عدم الانتماء للإسلام) وحل الدم.
وهي أحكام خطيرة من حيث مخالفتها لجوهر الأخلاق وللنصوص المطلقة، ومن حيث فداحة الآثار التي ترتبت عليها، أشير إلى التوجه العنيف الذي اتخذه مسار التدين الإسلامي وتاريخه سواء على المستوى الخارجي تحت عنوان الفتوح، أو في الاقتتال الداخلي بين الفرق، وهو ما ينعكس على الذات الإسلامية المعاصرة التي صارت عرضة للتناقض بين مفاهيمها الملزمة   “فقهيا” وثقافتها الحداثية التي كشفت عن الجذور ” التاريخية” لهذه المفاهيم، وعن تهافتها الأخلاقي.
لقد عرف الفقه خيارات تفصيلية أكثر توافقًا مع الروح الإنساني للدين، استطاعت القول بأنه لا يجوز للمسلمين قتال من لم ينصب لهم القتال، كما ذهب الطبري في أحد أقواله. ولكن هذه الخيارات لم تستطع أن تؤسس نفسها بوضوح من داخل مفهوم النص. وظل جمهور الفقهاء يعبر عن مذهب القوة، النابع معرفيًا من حالة التغلب في القرون الثلاثة الأولى، والمنحدر من ثقافة الغزو الجاهلية.
في الواقع يبدو جمهور الفقه متناغمًا مع رؤيته المفهومية للنص. أي يبدو تأسيسه النصي للعنف مفهومًا بمقاييس التدين السائدة. فإذا كان النص بجميع أجزائه كيانًا مطلقًا يقرأ بمعزل عن ملابسات نزوله التاريخية المنجمة، تكون الأحكام الهجومية الواردة في سورة التوبة وفي القرآن المدني بوجه عام أحكامًا نهائية واجبة على الدوام الأمر الذي يقدم إسنادًا صريحًا للطرح الأصولي وهو يمارس القتل والقتال باسم الله.
يشرح هذا خطورة المعنى الإشكالي في مفهوم النص. محاولات الإصلاح المتفائلة في الفكر الإسلامي المعاصر لم تواجه المشكل في صميمه، بل واجهته – بدعوى الاعتدال- من خلال آليات تأويلية تنتمي إلى المفهوم ذاته، مما أسفر عن تدوير المعنى الإشكالي وليس رفعه.

***

عبدالجواد ياسين :  قاضٍ ومفكر مصري؛ له مؤلفات في الاجتماع السياسي وفلسفة الدين. وتدور أبحاثه حول نقد التراث الديني في أنساق التدين التوحيدي الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، وعلاقاتها بالظواهر الأصولية والعنيفة خصوصًا في المحيط الإسلامي المعاصر. من أهم مؤلفاته:
١ – تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر- بحث في بدايات التوجه الغربي، صدر عن دار المختار الإسلامي.
٢ – السلطة في الإسلام- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ. صدر عن المركز الثقافي العربي، عام 2000.
٣ – السلطة في الإسلام- نقد النظرية السياسية، صدر عن المركز الثقافي العربي، عام 2009.
٤ – الدين والتدين (دراسة حول علاقة الدين والاجتماع والقانون- فكرة الشريعة)، صادر عن التنوير للطباعة والنشر والتوزيع. عام 2012.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.