Take a fresh look at your lifestyle.

معهد واشنطن – السباق للفوز بإسطنبول : خطة أردوغان الأصلية والبديلة

0 27

معهد واشنطن – سونر چاغاپتاي *- 10/6/2019

تشير الاستطلاعات الخاصة بإعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول إلى تقدّم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو على مرشح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء السابق بينالي يلديريم. ورغم فوز إمام أوغلو خلال الانتخابات الأولى التي جرت في 31 آذار/مارس، أبطل مجلس الانتخابات في البلاد النتيجة، بحجة وجود مخالفات تتعلق بتشكيل لجان الاقتراع في بعض مناطق إسطنبول، ودعا إلى إعادة الانتخابات في 23 حزيران/يونيو.

ونظراً إلى أن إسطنبول تشكّل ثلث اقتصاد تركيا وأن أردوغان كان عمدة إسطنبول قبل أن يصبح رئيس وزراء في العام 2003، قد تمثّل هذه الانتخابات منصة يتحدى من خلالها إمام أوغلو الرئيس على الصعيد الوطني. لكن أردوغان – الذي يسيطر على العديد من مؤسسات الدولة، بما فيها عدد كبير من وسائل الإعلام والمحاكم والشرطة ومجالس الانتخابات – لديه خطتان للفوز بمدينة إسطنبول، واحدة صاغها قبل 31 آذار/مارس وواحدة بعد هذا التاريخ.  

الخطة أ: الفوز بأصوات السكان عبر مزيج سياسي

تتمثل خطة أردوغان الفضلى للفوز بانتخابات إسطنبول لصالح يلديريم في “مزيج من الأساليب”: وهو خلط أدوات مختلفة مصممة لتحقيق مكاسب تدريجية لصالح مرشحه المفضل أكثر منه لحظة “تحوّل مصيري” كبرى. أولاً، تمّ التعرّض جسدياً لنحو ستة صحافيين تابعين للمعارضة خلال الأسابيع القليلة الماضية. وعلى الرغم من التسبّب ببعض الجراح الخطيرة، بالكاد تلقى الفاعلون أي تأنيب؛ بدلاً من ذلك، منحتهم الشرطة والمحاكم حصانة. في الموازاة، روّجت روايات كاذبة وأشرطة فيديو تمّ التلاعب بها نشرتها وسائل الإعلام الموالية لأردوغان لمزاعم بأن إمام أوغلو هو من “أصل يوناني” ويجب بالتالي استبعاده من تولي منصبالعمدة.      

كما ثمة احتمال في أن يشوب يوم الانتخابات تزوير طفيف للأصوات. وكانت تركيا قد شهدت تصويتاً حراً ونزيهاً منذ 1950، ويبدو أي تزوير على نطاق واسع خارج نطاق البحث. مع ذلك، أيّد مجلس الانتخابات بشكل كبير قرارات أردوغان في الآونة الأخيرة، على غرار قراره الصادر في 6 أيار/مايو بإلغاء نتائج التصويت في إسطنبول. وفي السادس من حزيران/يونيو، عزل المجلس 13 من أصل رؤساء المناطق البالغ عددهم 39 والمسؤولين عن عمليات الاقتراع في إسطنبول.  وبإمكان المسؤولين عن الانتخابات الخاضعين لأردوغان مساعدته على تغيير النتيجة لصالحه في 23 حزيران/يونيو في حال كان الفارق بين إمام أوغلو ويلديريم ضئيلاً مجدداً (كان حوالي 13000 صوتاً في آذار/مارس، وفقاً لبعض التقارير).  

فضلاً عن ذلك، يمكن للعمليات العسكرية التركية المستمرة والناجحة ضدّ “حزب العمال الكردستاني”، وهو جماعة مصنّفة إرهابية، أن تقدّم دعماً إضافياً لمعسكر أردوغان. كما يمكن أن يكون لـ”أزمات أمنية وطنية” متعددة التأثير نفسه – فعلى سبيل المثال، صراع أوسع نطاقاً بين القوات التركية والقبرصية اليونانية في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث دخلت الدولتان في نزاع مؤخراً بشأن التنقيب عن الغاز الطبيعي. لكن إذا ما استثنينا مثل هذه الحوادث المفاجئة، يأمل أردوغان على الأرجح أن تساعده سيطرته على المؤسسات التركية – بما في ذلك “وكالة الأناضول للأنباء” شبه الرسمية، وهي الهيئة الوحيدة المخوّلة إصدار نتائج الانتخابات – على التلاعب بالنتيجة لصالح يلديريم.  

أردوغان الجديد في تركيا

على الرغم من عدم التناسق بين موارد المرشحيْن، قد تكون “الخطة أ” التي وضعها أردوغان قد ساعدت ومن دون قصد على خلق “أردوغان جديد” من إمام أوغلو الذي لا بدّ من تحليل نجاحه في إطار سياق صعود الرئيس التركي الخاص في تركيا، هو الذي وُلد في أحد أحياء إسطنبول ضمن الطبقة العاملة والشجاعة عام 1954. وقامت علامته السياسية في الأساس على تصوير نفسه من المستضعفين الفقراء والمتدينين في تركيا التي كانت تحصر في ذلك الوقت السلطة السياسية بالأشخاص الراغبين في التعبير عن ديانتهم صراحةً. وبعدما اعتنق الإسلام السياسي ودخل معترك السياسة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي كعمدة إسطنبول، نجح من خلال الدفاع عن مصالح “المقترعين المتدينين من عامة الشعب” في وجه “المؤسسة العلمانية”. وقد ساعد هذا الأمر، من جملة أمور أخرى، “حزب العدالة والتنمية” التابع له على الفوز بالانتخابات البرلمانية التي جرت في تركيا عام 2002، ما رفعه إلى منصب رئيس وزراء ومن ثم رئيس البلاد.    

ولما يقرب من العقد بعد العام 2002، أجرى أردوغان تغييرات في تركيا. فقد آمن برؤية تطلعية للبلاد، مشيراً إلى قدرته على تجاوز التحديات الأكثر إلحاحاً، بدءاً بالقضية الكردية مروراً بالفساد وانتهاءً بسوء الإدارة الاقتصادية، وهذا ما فعلَه. ولهذا السبب، دعمه الكثير من الناخبين إلى جانب حزبه في صناديق الاقتراع.

لكن الوضع تغيّر الآن. فقد حكم أردوغان تركيا فترة ستة عشر عاماً وأصبح السياسي الأكثر نفوذاً في البلاد في التاريخ المعاصر. كما أن نحو 31 مليون تركي، أي حوالى 40 في المائة من السكان، بلغوا السنّ القانوني للاقتراع خلال عهده. ويحمّله العديد من هؤلاء المواطنين مسؤولية المشاكل التي تعانيها البلاد حالياً، على غرار تجدّد الصراع مع “حزب العمال الكردستاني” والانهيار الاقتصادي والبيئة القمعية إزاء المعارضة.

وبعبارة أخرى، يمثّل أردوغان حالياً الوضع الراهن، ومن هذا المنطلق، قد يكون ساعد إمام أوغلو ومن دون قصد من خلال إبطال انتخابات آذار/مارس. وفي ظل ظروف طبيعية، يجب ألا تؤثّر انتخابات رئاسة البلدية على السياسة الوطنية، غير أن أردوغان شارك شخصياً في حملة مرشح حزبه لخوض الانتخابات، محولاً أساساً الاقتراع إلى استفتاء حول شعبيته ومزوّداً إمام أوغلو بمنصة أشمل ليكون “أردوغان الجديد” – المستضعف الذي يمثّل فرصةً للتغيير.

فعلى سبيل المثال، صحيح أن إمام أوغلو مسلم متديّن، لكن بخلاف أردوغان، هو يرغب في فصل الدين عن الدولة، في موقف لاقى صدى في أوساط العديد من المواطنين المستائين جراء تسييس الدين خلال السنوات الأخيرة. كما اعترض إمام أوغلو على الفساد والمحسوبية وتبذير الإنفاق الحكومي، متضامناً مع ناخبين مستائين من الزيادات الحكومية في وقت تعاني البلاد تباطؤاً اقتصادياً حاداً. فضلاً عن ذلك، دعم إنشاء حكومة شاملة، معرباً عن استعداده لمعاملة كافة المواطنين بشكل متساوٍ بغض النظر عن ممارستهم لدينهم من عدمها، عازفاً على الوتر نفسه كما فعل أردوغان في العام 2002.  

الخطة ب: إضعاف إمام أوغلو تدريجياً في حال فوزه

في حال فاز إمام أوغلو في 23 حزيران/يونيو، لن يسارع أردوغان إلى إضعافه على الفور. بدلاً من ذلك، يوفّر جدول الأحداث الزمنية بعد انتخابات 31 آذار/مارس مخططاً لاستراتيجيته المحتملة. فعقب فوزه بالجولة السابقة، اضطر إمام أوغلو إلى الانتظار لأكثر من أسبوعين من أجل تولي منصبه بشكل رسمي. وقد سمح له أردوغان بأن يكون عمدة لما قرب من ثلاثة أسابيع قبل أن يطلب من مجلس الانتخابات إبطال نتيجة التصويت وطرده من منصبه؛ وقد لبى المجلس طلبه هذا في أقل من 48 ساعة. فلو دعا أردوغان إلى إبطال النتيجة على الفور، لكان على الأرجح أطلق شرارة احتجاجات جماهيرية، لكنه اختار بدلاً من ذلك مقاربة تدريجية امتدت على خمسة أسابيع، متجنباً بالتالي الكثير من السخط الشعبي الذي كان لينتج عن ذلك.    

وإذا ما فاز إمام أوغلو مجدداً، من المرجح أن يتأنى أردوغان في اتخاذ خطوات من شأنها إضعاف سلطة العمدة. فعلى سبيل المثال، يمكنه حثّ الأغلبية التابعة له في الحكومة على تمرير تشريع يحدّ من صلاحيات إمام أوغلو. ومن شأن أكثر الخطوات التشريعية فتكاً أن تتمثل بوقف تمويل المدينة، بما أن لحكومات المناطق في تركيا وسائل محدودة لجمع الإيرادات وتعتمد على الحكومة المركزية في ثلثيْ موازنتها تقريباً.  

ويتمثّل خيار آخر في صرف إمام أوغلو وتعيين عمدة “مؤقت”، في تدبير لجأ إليه أردوغان سابقاً في مدن أخرى لاستبدال رؤساء بلدية منتخبين من “حزب ديمقراطية الشعوب” [“حزب الشعوب الديمقراطي”] القومي الكردي استناداً إلى ادعاءات بارتباطهم بـ”حزب العمال الكردستاني”. لكن نظراً إلى شعبية إمام أوغلو، من شأن استبداله بعمدة مؤقت من دون سبب وجيه أن يُطلق على الأرجح احتجاجات.

ومن أجل تخطي هذه العقبة، قد يلجأ أردوغان إلى مجموعة من الأدوات القانونية. فحين أبطل مجلس الانتخابات نتائج التصويت السابقة في إسطنبول، فعل ذلك استناداً إلى أسس أثارت جدلاً كبيراً تقول، خلافاً للقانون، إن عدداً من المسؤولين في أقلام الاقتراع لم يكونوا موظفين حكوميين. غير أنه في 5 حزيران/يونيو، قرر المجلس عدم استبدال هؤلاء المسؤولين أنفسهم في 23 حزيران/يونيو. وكان سبق أن علّق أردوغان على هذا التناقض الواضح قائلاً: “أعتقد أنه يوجد سوء تفاهم”. ويفتح هذا الأمر أمامه المجال بأن يطلب في نهاية المطاف من المجلس إبطال التصويت المقبل في إسطنبول استناداً إلى الأسس ذاتها في حال فوز إمام أوغلو مجدداً. في الوقت نفسه، قد يلجأ أردوغان إلى خطوات برلمانية للحدّ من التمويل المقدّم إلى حكومة إمام أوغلو الجديدة، ما قد يسفر عن انهيار خدمات المدينة ويقلّب مشاعر الشعب على العمدة على الأمدين القصير والمتوسط، الأمر الذي سيسهّل إزالته من منصبه.    

تجدر الملاحظة أن إمام أوغلو سبق أن تغلّب على “الخطة أ” التي وضعها أردوغان من قبل، حيث تفوّق في انتخابات آذار/مارس رغم خلافات قائمة منذ فترة طويلة. ومن أجل أن ينجح في ذلك مجدداً، ومن أجل تدارك مكائد “الخطة ب”، سيحتاج إلى التغلّب على ألاعيب أردوغان القانونية وإقناع ما يكفي من الناخبين بأنه المستضعف والمدافع الذين يتطلعون إليه.

*سونر چاغاپتاي هو زميل “باير فاميلي” ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف الكتاب المرتقب “إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط”.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.