Take a fresh look at your lifestyle.

معهد دراسات الامن القومي – محاولات لفهم الواقع الحالي في الشرق الاوسط

0 60

نظرة عليا – بقلم  ايتي برون، سارة فوير، ايتي حيمينيس  – 28/2/2019

بمرور ثماني سنوات على اندلاع الهزة في الشرق الاوسط، من الصواب فحص عدة مسائل مركزية تتعلق بالمزايا الحالية للمنطقة: هل الهزة لا تزال مستمرة؟ ما هو النظام الاقليمي (مفهوم النظام في هذا المقال هو فهم المنظومة الشرق اوسطية، وليس مدى الاستقرار)؟ كيف غيرت الهزة وجهها؟ وما هي آثار الاستقرار أو انعدام استقرار المنطقة على اسرائيل؟ يعرض هذا المقال تحليلا لثلاث احتمالات متنافسة لفهم الواقع الحالي في الشرق الاوسط: الاولى، تعتقد أن الشرق الاوسط لا يزال يعيش هزة متواصلة وسيواصل التميز، في السنوات القادمة ايضا، بعدم استقرار وعدم يقين. اما الاحتمالات الاخرى فتعتقد ان الشرق الاوسط يستقر بالذات – في نظام جديد او قديم – وان هذا الميل سيستمر ايضا في المدى الزمني القريب. ليس هذا بحثا فكريا – نظريا فقط. فاسرائيل تأثرت كثيرا، أمنيا وسياسيا، من الاحداث حولها في الثماني سنوات التي انقضت منذ 2011 ولمسألة استقرار المنطقة بالنسبة لها آثار عملية، ترتبط بتصميم السياسة، تخطيط العمليات الجارية وبناء القوة العسكرية.

الاحتمال الاول – في الشرق الاوسط تصمم نظام جديد

وفقا لهذا الاحتمال، فان الهزة أدت منذ الان الى تثبيت نظام جديد، يتضمن ميزان قوى اقليمي مختلف، وكذا انماط حكم وعلاقات بين الدول مختلفة عما كانت في الماضي. الدول والحدود ستبقى في التقسيم الذي ينظم المنطقة، ولكن العديد من الدول اضطرت لان تسلم بسيادة محدودة، تجد تعبيرها في نشوء مناطق خاصة على حدودها أو بالحاجة الى اقتسام سيادتها مع لاعبين اضافيين. وفي نفس الوقت، نشأ في المنطقة تدخل من القوى العظمى، يختلف عن ذاك الذي تميز به الماضي. هذا الوضع، الذي يعكس النظام الجديد من المتوقع ان يستمر.

فالدولة العراقية مثلا، وان كانت نجت من الاحتلال الامريكي والقتال الداخلي، الا ان الحكم المركزي فيها بقي ضعيفا بالنسبة للاعبين شبه  الدول العاملين في اراضيها وهي تعيش تأثيرا سائدا من جانب ايران. في مصر، وان كانت الهزة أدت الى تغيير النظام العسكري الذي يحكم الدولة منذ 1952، الا ان هذا النظام منذ 2011 يجد صعوبة في أن يفرض إمرته على شبه جزيرة سيناء. اضافة الى ذلك، أدت الهزة الى تقليص النفوذ الاقليمي لمصر، سوريا والسعودية، بالنسبة للاعبين الذين استغلوا الهزة لتوسيع نفوذهم، وعلى رأسهم اسرائيل وايران. تتمتع ايران اليوم بموطيء قدم عسكري وسياسي هام اكثر مما في الماضي في سوريا، اليمن، لبنان والعراق. وبالمقابل، اسرائيل هي الاخرى وسعت نفوذها الاقليمي من خلال تعاون امني واستخباري أعظم مما في الماضي مع الاردن، مصر وقسم من دول الخليج – التعاون الذي يتاح ضمن امور اخرى في ضوء التراجع في مركزية المسألة الفلسطينية في جدول اعمال هذه الدول.

لقد جعل التواجد الروسي في سوريا في السنوات الاخيرة من روسيا لاعبا قويا آخر في الشرق الاوسط، الى جانب الولايات المتحدة، التي من جهتها تتراجع عن المنطقة، تصريحيا على الاقل، وبقدر اقل ايضا الى جانب الصين. بين الولايات المتحدة وروسيا تصمم نوع من التقاسم في مجالات المسؤولية الجغرافية، في إطاره تبقي الولايات المتحدة على هيمنتها التقليدية في الخليج، بينما تجدد روسيا نفوذها في مجا الهلال الخصيب وبقدر معين في شمال افريقيا ايضا. وهكذا اجتاز الشرق الاوسط من وضع منظومة اقليمية تتميز بهيمنة لاعب قوي واحد (الولايات المتحدة) الى منظومة تتميز بالمنافسة والخصومة بين عدد من اللاعبين الاقوياء (الولايات المتحدة، روسيا والصين).

الاحتمال الثاني – الشرق الاوسط يعيش هزة متواصلة

بهذا المفهوم، لم يستقر حتى الان في الشرق الاوسط  نظام جديد بعد انهيار النظام القديم في 2011 ولا تزال المنطقة توجد في “فترة انتقالية” من شأنها أن تستمر لفترة طويلة. وبالتالي، تواصل المنطقة التميز بانعدام الاستقرار ويوجد عدم يقين كبير بالنسبة للتطورات في المدى الزمني القصير ومزاياه المستقبلية. والتقدير بأن الهزة لا تزال مستمرة يستند الى أن المشاكل الاقتصادية الاساس في المنطقة (بطالة الشباب، الفساد، اقتصادات الظل، عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية والتعلق بالنفط وبالجهات الخارجية) وصراعات الهوية (الدينية، الطائفة والقبلية) لم تحل منذ 2011 بل وتفاقمت. ان وجود هذه المشاكل، دون أي حل، يؤدي الى فوارق متعاظمة ومتسعة في التوقعات في اوساط الجماهير، من شأنها ان تجد تعبيرها في موجات احتجاج مستقبلية.

اضافة الى ذلك، يتواصل الصراع على الصورة السياسية للمنطقة في داخل الدول وبين المعسكرات المختلفة. في سوريا، في اليمن وفي ليبيا لا تزال تخاض صراعات عنيفة، دون حسم، على السيادة على ارضها وعلى خيوط الحكم. في سوريا، رغم انتصار بشار الاسد الذي يلوح في الافق فانه يواصل تصديه لمراكز قتالية في ارجاء الدولة وكذا لتدخل لاعبين خارجيين، ولا سيما ايران، روسيا وتركيا، الذين يتحدون سيادته ويتنافسون فيما بينهم على النفوذ. في اليمن، يغذي التدخل الخارجي من جانب ايران والسعودية القتال وعدم استعداد الاطراف للموافقة على الحلول الوسط، الحيوية لوقف القتال. في ليبيا، يستمر الصراع الاقليمي والسلطوي العنيف بين سلسلة من اللاعبين (حكومتان، عشرا الميليشيات وبقايا داعش)، دون افق حقيقي لمسيرة تسوية.

هذه الصراعات العنيفة تمنع، او على الاقل تعرقل، تبلور حكم مركزي قوي في هذه الدول، يمكنه أن يحاول اعادة بناء سيادتها، ومؤسسات الحكم فيها واقتصادها. في هذه الظروف، تواصل هذه الدول لتكون مصدرا لجموع اللاجئين وكذا للجريمة والارهاب، مما ينزلق الى الدول المجاورة والى اوروبا.

في الدول التي تجاوزتها موجات الاحتجاجات في 2011 ولم تتدهور الى حرب داخلية (الاردن، مصر، لبنان، ايران)، فان موجات الاحتجاج الجماهيرية تبقي علامات استفهام بالنسبة لحصانة هذه الدول وتراص صفوفها الداخلية. في ضوء غياب جواب على هذه الازمات وشدة الصراعات المتواصلة، يتوقع هذا الاحتمال ان تشهد المنطقة في السنوات القادمة ايضا موجات اخرى من الهزات يمكنها ان تؤدي الى تغييرات مفاجئة مثل تلك التي حصلت في السنوات الاخيرة.

الاحتمال الثالث – الشرق الاوسط عاد الى النظام الذي ميزه قبل اندلاع الهزة

وفقا لهذا الاحتمال، على الرغم من الهزة، يشبه الشرق الاوسط، في مزاياه اليوم تلك المزايا التي ميزت المنطقة قبل 2011 (النظام القديم). فمستوى اليقين، تواتر وشدة التغييرات عادت الى ما هو معروف وهكذا ايضا القدرة على توقع التغييرات. هذه الدول تواصل احتواء المجال وباستثناء تونس لم يطرأ تغيير هام على انماط الحكم، التي كانت تعرف الانظمة. وتكيفت الانظمة وتلاءمت مع تحديات الفترة بشكل من المتوقع أن يسمح لها بالابقاء على استمراريتها.

ان دعوات المتظاهرين في 2011 لحقوق الفرد وللعدالة الاجتماعية لم تترجم الى ثقافة سياسية مختلفة في ارجاء المنطقة. فدول الشرق الاوسط تواصل التميز بقيادات ذات صلاحيات متنفذة، علاقات المال – الحكم الوثيقة، اجهزة دولة بيروقراطية واسعة النطاق، دور عميق للجيوش واجهزة الامن في السياسة وفي الاقتصاد، وكذا دور مركزي للدين في حياة المجتمع والفرد. اما الجماهير التي ادت دورا مركزيا في احتجاجات 2011 فقد عادت للتركيز على مشاكلها اليومية وهجرت الدعوات لنظام جديد (بما في ذلك في ضوء الدروس التي استخلصوها من الفوضى التي نشأت في بعض دول المنطقة بعد هزة 2011). اما المشاكل الاساسية فلا تزال قائمة بالفعل، ولكن زعماء المنطقة على وعي اكبر مما في الماضي بالتهديد المحتمل المحدق بحكمهم من استياء الجماهير ويقدرون بان سياستهم نجحت في التصدي للتحدي، وستفعل ذلك في المستقبل ايضا.

معان ونظرة الى الامام

ان الخلاف الاساس الذي ينعكس في هذا المقال هو بين التقدير بانه في الشرق الاوسط استقر نظام ثابت نسبيا (قديم ام جديد) وبين ذاك الذي يعتقد بان الوضع بقي غير مستقر وان موجات الهزة التي سجلت في ا لسنوات الاخيرة ستبقى تميز المنطقة، بشكل مؤقت أو عضال (لمدى زمني طويل). صخرة الخلاف الاساس بين هذين النهجين يتعلق بالمشاكل الاساس الاقتصادية وصراعات الهوية في المنطقة، والتي بشأنها توجد توافقات جارفة على أنها لم تحل منذ 2011 بل وربما تفاقمت. وبينما نهج النظام المستقر يعتقد بان الانظمة الحالية ستنجح في التصدي لهذا الوضع، فان نهج استمرار الهزة يعتقد ان مجرد وجودها سيؤدي بالمنطقة الى هزات اخرى، مثل تلك التي وقعت في السنوات الاخيرة.

فما هي إذن الصورة الحالية للشرق الاوسط؟ ظاهرا، يدور الحديث عن ثلاثة احتمالات متنافسة تؤدي الى استنتاجات مختلفة تماما. ومع ذلك، يبدو أن المنطقة تتميز في الوقت الحالي بتعقيدات تتضمن في داخلها، الواحد الى جانب الاخر، مجالات تعكس عموم الاحتمالات.  فضلا عن ذلك توجد في المنطقة قوى تدعم كل واحد من الاحتمالات: حفظة النظام القديم؛ مؤيدو النظام الجديد؛ مشككو كل نظام.

يبدو إذن انه من أجل النظر الى الشرق الاوسط على نحو صحيح، فمن الاصح تثبيت اطار فكري يدمج في داخله عموم الاحتمالات. على هذا الاطار ان يستند الى فهم مزايا الفترة الانتقالية (وعلى رأسها عدم الاستقرار، عدم اليقين والتفجر)؛ الى المعرفة العميقة للمزايا التقليدية للمنطقة وتاريخها؛ والى آخر ما توصل اليه الفهم للمزايا الحالية للمنطقة، مثلما تصممت في السنوات الاخيرة.

     بالنسبة لاصحاب القرار في اسرائيل، فالمعنى هو أن التخطيط الاستراتيجي لا يمكنه أن يستند فقط الى استمرار الميول الحالية في المنطقة. يبدو إذن ان من ناحية اسرائيل، من الاصح مواصلة اتخاذ الاستراتيجية الحذرة (وان كانت تستفيد من الفرص)، التي اتخذتها في سنوات الهزة. تحتاج هذه الاستراتيجية الى حذر شديد في خلق الاتفاقات، التحالفات والتعاونات، وتستوجب مرونة منظوماتية متواصلة للاستفادة من الفرص ولمواجهة المخاطر. في مثل هذه الظروف من الصحيح التركيز اساسا على استخدام القوة الموضعية ضد التهديدات والعمل على تسويات محلية، مرنة وقصيرة المدى، حتى مع الخصوم. ومع ذلك، رغم أنه توجد امكانية ان يستمر الشرق الاوسط بالتميز بالانعطافات، فان الوقت الحالي يسمح (بخلاف سنوات الهزة الاولى) بالتخطيط تجاه المنطقة، بالحذر المناسب، لسياسة تستند الى اعتبارات المدى المتوسط بل والبعيد ايضا.

*     *    *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.