Take a fresh look at your lifestyle.

معهد دراسات الامن القومي – فضلا عن الطاقة : ما معنى منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط

0 33

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي 4/2/2019

بقلم: اوفير فينتر وغاليا ليندنشتراوس

في 14 كانون الثاني 2019 دعا وزير النفط المصري، طارق المله، وزراء الطاقة في قبرص، اليونان، اسرائيل، ايطاليا، الاردن والسلطة الفلسطينية للبحث في تأسيس “منتدى غاز شرق البحر المتوسط”. هذا الجسم، الذي سيكون مقره في القاهرة،  سيعمل على ان يكون اطارا للتعاون والحوار حول تنمية مقدرات الغاز في المنطقة. وفي ختام اللقاء اعلن الوزراء عن فتح محادثات رسمية حول مبنى المنتدى بهدف وضع التوصيات قبيل المؤتمر الثاني في نيسان. ولما كان موضوع الطاقة  هو الاساس في اقامة منتدى الغاز، يمكن أن نشخص سياقات جغرافية – استراتيجية اوسع ادت الى تأسيسه، ويمكن لدول المنطقة أن تستخدمه لمزيد من التعاون في شرق البحر المتوسط، يتجاوز موضوع تنمية مقدرات الغاز.

ربط مثلثات التعاون في شرق البحر المتوسط

لقد نشرت النية لتأسيس المنتدى أول مرة في القمة التي عقدها في جزر كريت في تشرين الاول 2018 زعماء مصر، اليونان وقبرص. ويشكل المنتدى ارتباط اول من نوعه للتحالفات الثلاثية التي اقامتها في السنوات الاخيرة مصر واسرائيل – كل واحدة على انفراد – مع اليونان وقبرص، وكذا نتيجة صفقة تصدير الغاز من اسرائيل الى مصر، التي وقعت في شباط 2018. ويعكس تأسيس المنتدى ميلا في اطاره لتصبح شبكة العلاقات الثلاثية فقط منظومات متنافسة بين الدولتين، بل وتخلق نقاط لقاء. فالى جانب مكتشفات الغاز، ينبع هذا التطور ايضا من الحضور المتزايد لتركيا في ساحة البحر المتوسط والمخاوف التي تثيرها في دول المنطقة. اضافة الى ذلك، فان اقامة المنتدى تعبر عن استجابة اللاعبين المختلفين لرغبة مصر في ان تكون مربض اقليمي للطاقة استنادا الى منشآت تسييل الغاز التي توجد لديها.

لقد كانت حادثة الاسطول الى غزة (مرمرة) وكذا الازمة الاقتصادية في اليونان بين المحفزات الاساسية لخلق مثلث العلاقات الاسرائيلي – اليوناني – القبرصي، الذي بدأ يتشكل في 2010، رغم المخاوف التي كانت في اسرائيل بان حزب اليسار المتطرف “سيريزا”، الذي تسلم الحكم في اليونان في 2015، سيتسبب ببرود العلاقات مع اسرائيل، حصل عمليا العكس وتوثقت العلاقات. كما أن اتفاق التطبيع بين اسرائيل وتركيا في حزيران 2016 لم يوقف تنمية العلاقات بين اسرائيل واليونان وقبرص، ضمن امور اخرى، لانه بعد اقل من سنتين من توقيعه احتدمت العلاقات مرة اخرى بين تركيا واسرائيل ولا يوجد سفراء في انقرة وفي تل أبيب. منذ كانون الثاني 2016  يجري رئيس وزراء اليونان، رئيس قبرص ورئيس وزراء اسرائيل لقاءات قمة ثلاثية. وكان اللقاء الاخير، الخامس في عدده، عقد في كانون الاول 2018 في بئر السبع وكان يركز على الحداثة والسايبر. فضلا عن ذلك، فان منظومة العلاقات بين الدول تتضمن التعاون في سلسلة واسعة من المجالات، بما فيها المجال العسكري والاستعدادات للطواريء. في ضوء تنوع وعمق التعاون بين الدول اتفق في اللقاء الذي عقد في بئر السبع على اقامة سكرتيريا دائمة في نيقوسيا، تساعد في ادارة منظومة العلاقات الثلاثية. واضح ايضا دعم الولايات المتحدة لتوثيق العلاقات بين اسرائيل واليونان، حيث أنه في الحوار الاستراتيجي الذي عقد في كانون الاول 2018 بين وزير الخارجية الامريكي ووزير الخارجية اليوناني قال مايك بومباو انه يسعده ان يرى اليونان كـ “قوة رائدة للاستقرار الاقليمي في شرق البحر المتوسط”.

كصورة مرآة، فان مثلث العلاقات المصرية – اليونانية – القبرصة توثق في السنوات الاخيرة حول مصالح مشتركة في مجالات الاقتصاد والامن. وساهم فيه التوتر بين الدول الثلاثة وبين تركيا وهو الاخر ارسي في سكرتيريا دائمة في نيقوسيا. والتقى زعماء الدول منذ 2014 في ست قمم ثلاثية كرست للتنسيق في سلسلة من المواضيع، بما فيها ترسيم الحدود الاقتصادية في البحر المتوسط، تمديد انابيب لضخ الغاز من قبرص الى منشآت التسييل في مصر، ربط شبكات الكهرباء، تنمية السياحة، مكافحة الهجرة غير القانونية وتدريبات مشتركة لاسلحة البحر والجو. يساعد مثلث العلاقات مصر في تحقيق مصالحها حيال الاتحاد الاوروبي، كما يسهل على اليونان وقبرص تحقيق مصالحهما في افريقيا. اضافة الى ذلك، ترى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي فيه ضمانة لتحقيق مصالح شركات الغاز الامريكية والاوروبية في شرق البحر المتوسط وتقليص التعلق  الاوروبي بالغاز الروسي.

انضاج السياقات الجغرافية الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط

ان اقامة منتدى الغاز هي تعبير عن الانسجام المتزايد في فكر الدول الاعضاء فيه بالنسبة لاهمية شرق البحر المتوسط لامنها القومي. وبينما ترى اليونان وقبرص البحر المتوسط بشكل تقليدي مجال استراتيجي رئيس، فبالنسبة لمصر، اسرائيل، الاردن والسلطة الفلسطينية، يدور الحديث عن تغيير معين في المفهوم الاستراتيجي. فالميل المشترك نحو البحر المتوسط هو نتيجة لثلاثة سياقات عميقة:

1. تعزز وزن اعتبارات الواقعية السياسية العملية على حساب الايديولوجيات المتصلبة. في دول المنطقة لا ترى في العلاقات في البحر المتوسط – حاليا على الاقل “حلف دائم” يقوم على اساس الفكر او الثقافة المشتركة، بل “حلف مرن” وأداة يستند الى المصالح في مجال الاقتصاد والطاقة والى الاستعداد للتعاون في مواجهة تحديات امنية مشتركة.

2. تغيير في تعريف الوحدات الجغرافية الاقليمية. فالموقف المتزايد من شرق البحر المتوسط بتعابير “المنطقة” بحد ذاتها يجسد الارتفاع في وزن الاعتبارات الجغرافية – الاقتصادية على حساب الاعتبارات الجغرافية – السياسية. وكما شرح باحثون مصريون مقربون من المؤسسة السلطوية، بمن فيهم محمد فايز فرحات وعبد المنعم سعيد فان الحدود الاقليمية المشتركة لم تعد تشكل في القرن الـ 21 شرطا ضروريا لخلق كتل اقليمية، في ضوء قدرة المصلحة الاقتصادية المشتركة في شرق البحر المتوسط على تقزيم تأثير الفروق بين الدول والشعوب وتشكيل اساس لاقامة منطقة ازدهار مشتركة.

3. نشوء هوية للبحر المتوسط. فالمصالح المشتركة في شرق البحر المتوسط تترافق وحوار متعاظم في دول المنطقة على فكرة اقليمية مشتركة وعلى الحاجة الى القرب والعطاء المتبادل بين شعوب المنطقة. في الحالة الاسرائيلية فان تنمية العلاقات في شرق البحر المتوسط تشكل عنصرا في الصيغة الحالية لـ “حلف المحيط”، الذي يستهدف في اصله التغلب على العزلة الاقليمية لاسرائيل. في الحالة المصرية، فان الانتماء الى البحر المتوسط يوصف كمفتاح لانتقال مصر من الازمة الى الازدهار الاقتصادي وكذا كفرصة لتعزيز مكانتها الرائدة في الساحات الاقليمية والدولية، مثلما وجد تعبيره ضمن امور اخرى في اقامة مقر منتدى الغاز في القاهرة. كما ان اليونان تسعى هي الاخرى الى دور مركزي في المنطقة في ضوء الفضائل النابعة من عضويتها في الناتو وفي الاتحاد الاوروبي. في الحالتين اليونانية والقبرصية،  الفرضية هي ان تطوير التعاون في شرق البحر المتوسط سيمكن الدولتين من التغلب على بعض من الاثار السلبية النابعة عن تخلفها العددي – الديمغرافي، مقارنة بتركيا.

المعاني

رغم أنه اعلن ان منتدى الغاز مفتوح لدول اخرى، فان اللقاء في القاهرة لم يضم مندوبين من تركيا، لبنان وسوريا. وتغيب هذه الدول ليس مفاجئا، ضمن امور اخرى في ضوء الخلافات حول حقول الغاز بين تركيا وقبرص وبين اسرائيل ولبنان، الا انه يمثل القيود التي في اطارها يجري التعاون في شرق البحر المتوسط حيث ان للاعبين الذين ابعدوا عن المنتدى توجد مصلحة للعمل ضد توثيق العلاقات بين اللاعبين الاخرين. في هذا السياق يمكن الادعاء، أنه مثلما يشكل الخوف من ايران عاملا مشجعا للتقارب بين اسرائيل ودول الخليج العربية، هكذا ايضا التحدي التركي هو عامل يقرب العلاقات بين اسرائيل – اليونان – قبرص – مصر في شرق البحر المتوسط.

لقد اثار المنتدى انتقادا في اوساط الاخوان المسلمين في مصر، وفي اوساط الاتحادات المهنية في الاردن، والذين خرجوا ضد تقدم التطبيع مع اسرائيل، مثلما وجد الامر تعبيره في اقامة هيئة اقليمية تضم في عضويتها اسرائيل الى جانب لاعبين عرب. ومع ذلك، في صالح الائتلاف الاقليمي الجديد توجد عدة عوامل مساعدة: المصالح الاقتصادية العميقة التي تقبع من خلف التعاون في مجال الطاقة؛ تقييد المنتدى لمسائل محددة في مجال الغاز؛ استعداد السلطة الفلسطينية للمشاركة في المنتدى واعطاء تسويغ ضمني لانضمام الاردن ومصر؛ تصميم مصعلى تثبيت مكانتها كمنسقة طاقة اقليمية، بل واخذ هذه الورقة من ايدي تركيا؛ والتأييد الفاعل من اليونان، قبرص وايطاليا للخطوة، باسناد الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.

حتى الان تركز الدول على المصالح العملية الكامنة في منتدى الغاز ولكنها تمتنع عن الربط بينها وبين قواسم مشتركة اقليمية تتعلق بالتاريخ والثقافة في البحر المتوسط او الحاجة لتطوير العلاقات بين شعوبه. اضافة الى ذلك، فان الاعضاء العرب في المنتدى – وعلى رأسهم مصر والاردن حرصوا على تغطية اعلامية متواضعة في عملية تشكيله. ووصف عنوان في موقع انترنت مصري مستقل هذا السلوك في اعادة صياغة لقول نيل ارنسترنغ كـ “نبأ صغير في الصحافة، تطور كبير في السياسة”. وبالفعل، يوجد للمنتدى قيمة اقتصادية ورمزية هامة، ولكن يجب أن يكون اساسا لتطوير اقليمي استراتيجي في المدى البعيد، مرغوب فيه ان يجسد اهدافا اخرى: تعزيز الاعتراف الاقليمي – ولا سيما في الدول العربية – بالقيمة الكامنة في علاقات التعاون الاقتصادي لاسرائيل في شرق البحر المتوسط؛ تصعيد التفاعل الانساني والمدني بين عموم شعوب المنطقة؛ واستمرار تطوير مفاهيم المجال الاقليمي المشترك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.