Take a fresh look at your lifestyle.

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي – اضطرابات في شمال افريقيا : ما تبشر به الاحتجاجات في الجزائر

0 362

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي – بقلم  سارة بوير  – 19/3/2019

أدت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في 2011 بكل واحدة من دول شمال غرب افريقيا الى اتجاه آخر، وبناء على ذلك تغير مصير كل دولة في السنوات التالية. تونس، التي بدأت فيها الاضطرابات، توجهت الى مسيرة تحول ديمقراطي بدت واعدة، وان كانت كثيرة العراقيل. ليبيا تدهورت الى التفكك والمواجهات بين المواطنين، وهي لا تزال حتى اليوم دولة فاشلة. في الجزائر، قلصت ذكريات الحرب الاهلية، التي وقعت قبل عشرين سنة من ذلك، الحماسة من الاحتجاج واسع النطاق، وفي 2011 اطلقت الدولة يدها نحو جيوبها العميقة المليئة باموال النفط ووزعت العطايا لتهدئة كل اضطراب محتمل. في المغرب، التي خرج سكانها الى الشوارع مطالبين بالكرامة، العمل ووقف الفساد، اطلقت الاسرة المالكة عملية اصلاح ادى الى وضع دستور جديد، ولكن بالتوازي حرصت على ابطاء الاساسات السياسية والاقتصادية للمملكة.

حتى اندلاع موجة الاحتجاجات الواسعة في الجزائر قبل نحو ثلاثة اسابيع،كان يخيل أن منطقة المغرب تستقر في جمود نسبي، رغم المشاكل الاجتماعية، الاقتصادية والحكومية التي بقيت بقدر كبير بلا حل في المنطقة. كان يبدو أن الجمهور غرق في “حالة طبيعية جديدة”، اذ امتنع عن التجند ضدها في ضوء الفوضى والعنف اللذين اندلعا في اجزاء اخرى من العالم العربي. ولكن اندلاع المظاهرات في شوارع الجزائر، التي هي  الدولة الاكبر في افريقيا، يدل على ان الردع يحتمل أن يكون تآكل. بالنسبة لاسرائيل، فان احتمال  عدم الاستقرار في شمال افريقيا يضع أمامها تحديات امنية، ولكن ايضا فرص محتملة. لواضعي السياسة في القدس يجب أن يكرسوا اهتماما خاصا لخمسة ميول في الاشهر القريبة القادمة.

نقل السلطة في الجزائر

موجة الاحتجاجات الاكبر في الجزائر منذ نهاية الثمانينيات اشعلها بيان الحزب الحاكم بان الرئيس المريض ابن الـ 82، عبدالعزيز بوتفليقة، سيتنافس على ولاية خامسة في الانتخابات القريبة. اما بوتفليقة نفسه فظهر في اوقات نادرة فقط على الملأ منذ اصيب بجلطة دماغية في 2013، وترشيحه يدل على أن منظومة القيادة الحاكمة وانعدام الشفافية للقادة العسكريين، رجال المخابرات، رجال الاعمال والنخب السياسية المسيطرة في الدولة لم تتوصل الى توافقات حول الخليفة. لقد تطورت الجزائر في السنوات الاخيرة لتصبح مركز  استقرار اقليمي. قوات الامن فيها، التي تعد 460 ألف رجل في الخدمة العسكرية، الاحتياط والشرطة، تنكب على ضبط الاثار التي تتسلل اليها من الحرب في ليبيا ومنع تقدم منظمات الارهاب المنتشرة في كل المنطقة شمالا نحو اوروبا. ومن شأن الاضطرابات كنتيجة للازمة السياسية في الجزائر أن تهز المنطقة بقدر كبير، ويدل رد الفعل المعتدل حتى الان من جانب النظام على الاحتجاجات بان الزعامة لم تبلور بعد خريطة طريق ناجعة للخروج من الطريق المسدود.

ضعف اقتصادي

ان الاحتجاجات في الجزائر هي تذكير بانه رغم التقلبات السياسية التي اجتاحت المنطقة فان البنية الاقتصادية لشمال افريقيا بقيت تشبه جدا وضعها في نهاية 2010 وبالتالي من المتوقع أن تبقى مصدرا للاضطراب. فعدم القدرة او عدم الرغبة في تنويع الاقتصاد ابقت دول النفط والغاز – الجزائر وليبيا  – تحت رحمة حراكات اسعار النفط التي لم تنتعش تماما بعد من هبوط 2014. في الجزائر، كانت النتيجة انخفاض بمعدل 50 في المئة في أرصدة العملة الصعبة والتوجه الى اجراءات  تقشفية غير شعبية، حتى قبل اندلاع  الاحداث الاخيرة كانت تشعل كل سنة الاف المظاهرات المحلية. اما في ليبيا، فالتنافس على السيطرة على منشآت النفط ومداخيل الدولة اصبح الدافع الرئيس للمواجهة المسلحة، التي توجد على شفا الغليان ولا تبدي اي مؤشرات بالهدوء.

في المغرب وفي تونس، الدولتان اللتان لا تعتمدان على ارباح النفط، فان معدل البطالة العالي وخيبة الامل عقب عدم تحقق التوقع بتغيير اقتصادي عميق في اعقاب 2011، يشعلان نار الاستياء المتعاظم. فمعدل البطالة في اوساط الشباب في المغرب يصل الى 18 في المئة، واحساس الظلم كنتيجة للفساد وانعدام القدرة على الوصول الى الخدمات الاجتماعية الاساسية بعث حركة احتجاج في منطقة الشاطيء في شمالي الدولة ومؤخرا ايضا مقاطعة عامة للشركات الثلاثة المسيطرة على اقتصاد الدولة. في تونس لا ينجح  التفاؤل من التحول الليبرالي السياسي في التغطية على البطالة المستشرية (التي تقدر بنحو 36 في المئة في اوساط الشباب)، انعدام المساواة بين المناطق والاحتجاجات على اجراءات التقشف غير  الشعبية. اما الجواب على سؤال اذا كانت هذه الظروف ستنضج لتصبح موجة ثانية من الثورة، فمنوط بقدر كبير بقدرة هذه الدول على الاحتمال وتنفيس الاستياء الشعبي.  

الاسلام السياسي

رغم فشل حركة الاخوان المسلمين في مصر في 2013 والقمع المستمر للحركات المتماثلة معها في بعض من الدول في المنطقة، تدل التطورات في شمال افريقيا انه من السابق لاوانه تأبين الاسلام السياسي. فالاحزاب المتماثلة مع الاخوان المسلمين تعمل كهيئات مؤطرة في المغرب وفي تونس. في تونس ستجرى في الخريف القريب القادم انتخابات للبرلمان وللرئاسة، والتقدير هو ان الحزب الاسلامي المتصدر، النهضة، سيحقق نجاحا. زعيم المنظمة، راشد  الغنوشي، يفكر حتى في امكانية التنافس على الرئاسة. ورغم اعادة تصنيف النهضة كحزب “الديمقراطيين المسلمين” فان النجاح في الانتخابات القادمة سيؤشر الى مؤيدي ومعارضي الاسلام السياسي في المنطقة لان مواصلي طريق “الاخوان” لا يزالون يجندون دعما هاما.

في هذه الاثناء، في الاماكن الاقل تسامحا تجاه صيغ الاخوان المسلمين، تراكم الحركات السلفية المحافظة جدا زخما وتحظى بالتأييد من جانب محافل رسمية متحمسة لتوازن قوة “الاخوان”. في الجزائر شجعت الدولة السلفية (غير السياسية)، في محاولة لمنع الارتباطات بين الجهات الكفاحية. في ليبيا تسللت الوية سلفية مسلحة، ارتبطت بالزعيم العسكري العلماني ظاهرا، خليفة خنفر، الى المجالات السياسية، الامنية والاجتماعية في الدولة. فصعود السلفيين في ليبيا يدل على أن الاسلام السياسي سيبقى عاملا مؤثرا في النظام الاقليمي الناشيء.

نشاط جهادي

ما بدا في 2018 كهزيمة عسكرية (ليست مطلقة بعد) للمنظمة التي كانت تسمي نفسها “الدولة الاسلامية” (داعش) قد تكون حررت الشرق الاوسط من حلم الخلافة، ولكن الحركات الجهادية تبقى تهديدا في كل شمال افريقيا. في ليبيا نجحت معركة عسكرية باسناد امريكي في تراجع مقاتلي الدولة الاسلامية من لواء سيطرت عليه في نهاية 2016، ولكن عدد  العمليات بالهام المنظمة أكثر من أن تضاعفت في السنة الاخيرة، وجيوب المنظمة تعمل في الجنوب الذي لا تسيطر عليه الحكومة. كما أن مسلحين يتماثلون مع القاعدة في المغرب الاسلامي وجدوا هم ايضا ملجأ في جنوب ليبيا وهم يواصلون تنفيذ العمليات ضد قوات الجيش التونسي في جبال غربي هذه الدولة، التي تكافح في سبيل استقرار الديمقراطية. في المغرب، حيث تعلن محافل رسمية صبح مساء عن كشف واحباط مؤامرات الارهاب، في كانون الاول 2018 قتل مسلحون موالون للدولة الاسلامية سائحتين من اسكندنافيا.

اتساع النفوذ الروسي

اذا كانت السنوات الاخيرة تشير الى ميل ما، فان روسيا ستواصل توسيع تواجدها في ارجاء شمال افريقيا فيما انه تحركها جملة من المصالح الجغرافية – الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية. فمنطقة المغرب تعرض على موسكو موطيء قدم متعاظم في البحر المتوسط، عقود ربحية في فروع الطاقة والبنى التحتية وفرصة لتثبيت نفسها كوسيط في النزاعات السياسية في المنطقة. الجزائر لا تزال الزبون الثالث في حجمه لروسيا من حيث العتاد العسكري، بما في ذلك السفن ذات الاداء المثبت في الساحة السورية. من تقرير يقول ان قوات خفتر في ليبيا تتمتع بالمساعدة الروسية والاعمال التجارية الروسية تواصل تثبيت نفوذ على كل الاحزاب لضمان ان تحظى هذه في نهاية المطاف بالسيطرة. في المغرب وفي تونس، سلسلة طويلة من الاتفاقات الاقتصادية التي وقعت في السنوات الاخيرة تدل على أن موسكو تستغل امكانية التخفيض في التواجد الامريكي في المنطقة وترى فيها بوابة للاسواق في افريقيا.

آثار على اسرائيل

مصادر التخوف الاكثر فورية بالنسبة لاسرائيل هي الاحتمال في أن تتعاظم الاحتجاجات الاخيرة في الجزائر لتصل الى وضع يتضعضع فيه الاستقرار على مستوى اوسع، الفوضى المستمرة في ليبيا وكذا بقاء اماكن اللجوء في المغرب للجهاديين وغيرها من الاجنحة الاسلامية، المعادية لاسرائيل. عدم الاستقرار في شمال افريقيا كان منذ الان خلفية لانتقال المسلحين والسلاح الى شبه جزيرة سيناء، وحسب  التقارير – الى قطاع غزة ايضا. على اسرائيل أن تفحص الفرص لتحسين التعاون الامني مع دول المنطقة، التي هي المتضرر الاكبر من عدم الاستقرار هذا، وتكتشف الجاهزية الاكبر بالتعاون مع القدس. فالتعاون الاسرائيلي – المصري مثلا يمكنه أن يتسع ويضم تعاونا في جمع المعلومات الاستخبارية لضمان الحدود الغربية لمصر. واذا كنا سنصدق التقارير الاخيرة، فان الاختراق السياسي الذي تحقق مؤخرا بين اسرائيل وتشاد نبع ضمن امور اخرى من رغبة تشاد في مساعدة اسرائيل في منع تسلل العنف من ليبيا. وستفعل اسرائيل الصواب اذا ما استغلت – بهدوء – فرصا مشابهة في اماكن اخرى في المنطقة.

في قول أخير، يشار الى أنه مع أن الميول التي وصفت في ما يجري في شمال افريقيا، الا انها ليست خاصة بالمغرب. فاساسات اقتصادية هشة، زعامة شائخة وسيناريوهات نقل غير مستقرة للحكم، الصراع بين المعسكرات الاسلامية وغير الاسلامية، التهديد المتواصل من جانب الجهاد والتدخل المتعاظم لروسيا – كلها شروط يتميز بها اليوم معظم الشرق الاوسط الغربي. في ضوء ذلك، فان لاسرائيل مصلحة في تنمية تفاهم اشمل لانعكاس التطورات الاقليمية في الاحداث في شمال افريقيا وتأثيرها على الدول المختلفة بما فيها تلك القريبة منها. اذا كانت السنوات الثمانية الاخيرة هي مؤشر على ما سيأتي، سيبدو أن مفهومي “مركز” و “محيط” اكثر غموضا من أن يوضحا الدينامية الاقليمية التي يتعين على اسرائيل ان  تستعد لها وهي نفسها من المتوقع ان تصبح في اطارها لاعبة اكثر فاعلية بكثير.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.