Take a fresh look at your lifestyle.

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي / أهي نهاية عصر م.ت.ف كممل وحيد للشعب الفلسطيني؟

0 717

نظرية عليا – بقلم  يوحنان تسوريف  -21/3/2019

رغم الجهود المتواصلة للتقريب بين فتح وحماس، فان الاحساس السائد هو انه تبدد الامل في المصالحة بينهما في  المستقبل المنظور. على هذه الخلفية تبرز محاولات حماس وغيرها من منظمات المعارضة للتشكيك في مكانة م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني ومكانة فتح العليا في م.ت.ف. اما فتح من جانبها فتخشى جدا هذا التطور، تجد صعوبة في أن تصدق ان هناك من يفكر بالتشكيك بالمكانة التقليدية “المقدسة” لـ م.ت.ف، وترى في مجرد التفكير في هذا الاتجاه خطرا وجوديا على “المشروع العظيم” الذي بنته. أما ما أدخلته ادارة ترامب الى هذا البحث فهي امور حرجة، بسبب التشجيع الكبير الذي فيها لخصوم ابو مازن. وبلا اسناد من اسرائيل ودعم من أمريكا، يسحب من تحت أقدام ابو مازن وقيادة م.ت.ف الاساس الذي بني عليه طريقهم على مدى سنوات عديدة. اما الجمود السياسي فسيتعمق على ما يبدو، وفي غياب انجاز حقيقي للفلسطينيين في اطار خطة القرن التي تنوي ادارة ترامب وضعها على الطاولة سيتعمق ايضا احساس الفشل في رام الله. في هذه الظروف ستجد م.ت.ف صعوبة في أن تشكل “الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني” والسلطة الفلسطينية. ان تضعضع الاستقرار في الساحة الفلسطينية وتصعيد التوتر بين المعسكرين  يضع اسرائيل امام تحد أمني، لم تواجهه في السنوات الاخيرة.

منذ فشل المحاولة المصرية الاخيرة لحمل الفصيلين الفلسطينيين الكبيرين على المصالحة، تعاظم جدا الصراع بينهما. فقد أعلن ابو مازن في 22 كانون الاول 2018 عن حل المجلس التشريعي، الذي توجد لحماس فيه اغلبية منذ انتخابات 2006. بعد ذلك في 6 كانون الثاني 2019 أمر مراقبي السلطة الفلسطينية بترك معبر رفح. وهكذا اجبر ابو مازن مصر على اغلاق المعبر واعادة الحركة فيه الى صيغتها التي كانت عمليا قبل عودة موظفي السلطة الى هناك (في تشرين الاول 2017).  أي فتح المعبر لفترات زمنية قصيرة وبتواتر متدن. والخطاب الذي نشأ منذئذ بين السلطة وبين حماس بات شديدا، مفعما بالاتهامات المتبادلة وبالعدوانية، ويتميز بعدم الاستعداد لاستئناف الحوار.

لقد تلقى هذا التوتر تعبيرا حقيقيا في اجتماع الفصائل الفلسطينية الذي انعقد في موسكو في 12 و 13 شباط بدعوة من وزارة الخارجية الروسية. فقد عارض الجهاد الاسلامي اصدار بيان مشترك في ختام الاجتماع، نجح في أن يجر حماس ايضا الى الموافقة على ذلك ومنع، لاستياء المضيفين، نشره. ضمن أمور اخرى، رفض الجهاد الاسلامي وحماس الاشارة في البيان الى أن “م.ت.ف هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني”. اما التعليل الذي ذكره الجهاد الاسلامي فكان ان م.ت.ف غيرت طريقها وانه سيكون ممكنا الانضمام اليها واعتبارها ممثلا وطنيا وحيدا اذا ما اجرت اعادة تنظيم وعادت الى “الطريق القويم”، أي: ان تلغي اعلان الاستقلال الفلسطيني، اتفاقات اوسلو، وتتخلى عن كل الانجازات السياسية التي حققتها حتى الان. وبالمقابل، فان عزام الاحمد، رئيس وفد فتح الى هذه المحادثات وعضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، ادعى بان الاعتراف بـ م.ت.ف لا يمكن ان يكون مشروطا، وان م.ت.ف هي المنظمة ولا احد غيرها، بكل التزاماتها والاتفاقات التي وقعت عليها، واضافة الى ذلك وصف رجال الجهاد الاسلامي بالجهلة. اما انجرار حماس وراء الجهاد الاسلامي – التنظيم الذي مكانه في المراتبية التنظيمية ادنى منها – فكانت مفاجئة، لانه بين المنظمتين توجد خصومة وصلت غير مرة الى المواجهة. وتدور الخصومة بينهما، ضمن امور اخرى، حول التحولات التي طرأت في السنوات الاخيرة في نهج حماس من مسألة الموقف من م.ت.ف والتي وجدت تعبيرها في برنامجها السياسي الاخير الذي نشر في 17 ايار 2018، وتقرر فيه أن “م.ت.ف هو الاطار الوطني لعموم الفلسطينيين”.

من هنا الاحساس السائد هو انه، رغم الجهود المتواصلة للتقرب بين فتح وحماس، تبدد الامل في المصالحة بينهما في المستقبل المنظور. على هذه الخلفية تبرز محاولات حماس ومنظمات المعارضة الاخرى التشكيك بمكانة م.ت.ف كالممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ومكانة فتح العليا في م.ت.ف. اما فتح من جانبها فتخشى جدا هذا التطور، تجد صعوبة في ان تصدق بانه يوجد من يتصور التشكيك بمكانة م.ت.ف التقليدية “المقدسة”، ترى بمجرد التفكير في هذا الاتجاه خطرا وجوديا على “المشروع العظيم” الذي بنته وترد باستخفاف هذه الاصوات، التي تطلق على حد تعريف الناطقين بلسان المنظمة على ألسنة عديمي التجربة.

غير أنه جرى مؤخرا اجتياز لخط لم يسبق أن اجتيز – حتى في سنوات الهزة الشديدة “للربيع العربي”. فالمتظاهرون في قطاع غزة، بتشجيع وبتنظيم من حماس، يجرون مظاهرات تطلق في اثنائها هتافات لرحيل ابو مازن. فدعوة “ارحل”، التي تطلق في المظاهرات في ميدان التحرير في القاهرة ضد نظام حسني مبارك تطلق في شوارع القطاع ايضا. ومع أن هذه الدعوة تنبع من الاحباط والغضب الشديدين المتراكمين ضد ابو مازن على دفع عدم الرواتب للموظفين في القطاع وتقليص ميزانيات المنطقة الا ان هذا في نظر فتح، السلطة وم.ت.ف هو سابقة خطيرة. وحتى لو لم يكن نداء كهذا بعد لخلق زخم يجذب وراءه كتلة متظاهرين كبرى، الا انه يخلق آلية خطيرة من شأنها ان تقوض الاعتراف بـ م.ت.ف كممثل وحيد “للقضية الفلسطينية”، وقدرتها على أن تترجم هذا الاعتراف الى خطوات سياسية. كما أن حماس تدير سياسة خارجية مستقلة خاصة بها، تذكر في كل محفل يظهر فيه ابو مازن او مندوب م.ت.ف او مندوب السلطة أنهم لا يمثلون الشعب الفلسطيني، وهكذا تصعد التوتر بين المنظمتين في الساحة الفلسطينية.

وفي خلفية الخصومة ايضا – السياسة التي تتبعها في السنتين الاخيرتين ادارة ترامب ومنذ زمن ما اسرائيل ايضا والتي تضعف جدا السلطة الفلسطينية، تفرغها من محتواها وتعزز حماس وباقي خصوم السلطة من الداخل. لقد تبنت ادارة ترامب عمليا موقف اسرائيل في مسألة النزاع مع الفلسطينيين، قلصت تقريبا كل اموال المساعدة للفلسطينيين التي حولتها الولايات المتحدة حتى تأسيسها، الغت الميزانية التي درجت الادارات السابقة على ضخها الى وكالة الغوث، وبذلك تكون قد حددت عمليا بان مشكلة اللاجئين لم تعد موجودة الا بحدود طفيفة. كما حددت ادارة ترامب موقفا في موضوع القدس، هو اقرب الى موقف اسرائيل منه الى موقف الفلسطينيين، في أنها نقلت السفارة الامريكية الى المدينة. وتشوشت منظومة العلاقات بين ابو مازن وادارت ترامب جدا منذئذ. خطاب الادارة تجاهه نقدي للغاية ويعكس رؤيتها له كمصدر مانع ومعيق، وليس بالذات كزعيم محب للسلام – مثلما تراه محافل اخرى في الاسرة الدولية. أما ابو مازن من جهته فقد أعرب عدة مرات عن عدم ثقته بادارة ترامب وقضى بان هذه لا يمكنها أن تكون وسيطة أو راعية وحيدة لكل مفاوضات تنشأ بين اسرائيل والفلسطينيين. كما يرفض ابو مازن اللقاء بمبعوثي الادارة الى الشرق الاوسط، يكافحهم من خلال الدول العربية وعمليا أخرج نفسه من دائرة النفوذ الامريكي.

وبالفعل فان باقي الفصائل الفلسطينية تحترم ابو مازن لمعارضته الافكار التي تصدر عن محافل في ادارة ترامب. خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس سابقا، قال مؤخرا انه جدير بالتقدير على تصديه للسياسة الامريكية. ومع ذلك، فضلا عن كل هذا يتبلور الاستنتاج بان ليس لـ م.ت.ف أي قوة دون اسناد امريكي – اسرائيلي، وهي ببساطة تفقد حضورها. ودعا هاني المصري، كاتب رأي شائع النشر والاهمية، والذي لا يعد من مقربي ابو مازن او من التيار الاسلامي، في 26 شباط الى الامتناع عن الدعوات الخطيرة “ارحل” تجاه ابو مازن، ولكنه بالمقابل دعا فتح، المنظمة المركزية في م.ت.ف، الى الاستيعاب بانها لم تعد حركة اوى بين متساوين وان المساواة بين الفصيلين الكبيرين في الحركة الفلسطينية يستوجب الكف عن العمل بشكل مستقل.

غير أن فتح تجد صعوبة في ان تسلم بهذا الواقع، من التعادل الذي يمس بمكانتها ويؤدي الى شلل الساحة الفلسطينية. ويواصل ابو مازن المطالبة بالتبعية المطلقة من جانب حماس للسلطة الفلسطينية: “سلطة واحدة، سلاح واحد وقانون واحد”. وهو يعتقد أن الوحدة الفلسطينية فقط يمكنها أن تتصدى لـ “صفقة القرن” لترامب. ورغم وعيه لذلك في أن اسنادا اسرائيليا، امريكيا وعربيا فقط يمكنه أن يعزز مطالبته بوحدة السلاح والحكم، فانه يتمسك بالتعهدات الدولية التي اخذتها على عاتقها م.ت.ف ويخشى من لبننة الساحة الفلسطينية، مما لا يسمح بالايفاء بهذه التعهدات. في السنة الاخيرة تعاظم خوف ابو مازن مما يراه كمحاولة امريكية، مسنودة بدعم اسرائيلي، لاقامة كيان فلسطيني مستقل في قطاع غزة فقط، بدلا من السعي الى استئناف المفاوضات على كل مناطق ب و ج، مثلما تفترض اتفاقات اوسلو. اما حماس من جهتها فتتمسك بالتمييز بين “سلاح المقاومة”، الذي هي غير مستعدة لان تسلمه “طالما استمر الاحتلال”، وبين السلاح الاخر – حفظ النظام العام)، الذي ليست معنية به. وتؤمن قيادتها بان لها تأييد شعبي لهذا الموقف، ولكنها تخشى من الضغط الاقتصادي الذي يمارسه ابو مازن عليها والذي لم يوجد له في هذه الاثناء حل بديل.

هذا هو إذن واقع لم تشهد م.ت.ف مثيلا له. فالجمهور الفلسطيني، كمن رأى في هذه المنظمة ممثله الوحيد، يفهم انه لم يعد ممكنا تجاهل سيطرة حماس، التي تتنافس منذ 1987 مع فتح على قلبه. يبدو أنه بعد كل الخطوات التاريخية التي اتخذتها م.ت.ف، بعد كل المحاولات وكذا بعد كل الاخفاقات التي شهدتها الساحة الفلسطينية، آخذ في النضوج اعترافا جماهيريا واسع بانه لا مفر من اندماج متفق عليه بين استراتيجيتي الكفاح لفتح وحماس. ومسألة “اليوم التالي لابو مازن” تتركز اساسا في مسألة أي طريق يأخذ به الشعب الفلسطيني وليس في مسألة من يخلفه في مناصبه المختلفة.

ان ما أدخلته ادارة ترامب الى هذا البحث هو نقاط حرجة، بسبب التشجيع الكبير الذي فيه لخصوم ابو مازن. فبدون اسناد اسرائيلي ودعم امريكي، يسحب من تحت أقدام ابو مازن وقيادة م.ت.ف الاساس الذي بنوا عليه طريقهم على مدى سنوات طويلة. الجمود السياسي سيتعمق على ما يبدو، وفي غياب انجاز حقيقي للفلسطينيين في اطارة خطة القرنن التي تنوي ادارة ترامب وضعها على الطاولة سيتعمق ايضا احساس الفشل في رام الله. في هذه الظروف ستجد م.ت.ف صعوبة في أن تواصل كونها تشكل “الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، كحكم فلسطيني داخلي، ستضعف أكثر فأكثر.  ان ضعضعة الاستقرار في الساحة الفلسطينية وتعاظم التوتر في المعسكرين فيها سيطرح على اسرائيل تحديا أمنيا لم يسبق لها أن واجهته في السنوات الاخيرة. صحيح أنه يوجد احتمال عال في أن تكون اسرائيل هي التي تحسم الصراع الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية لصالح المعسكر الوطني/ فتح / م.ت.ف ولكن الخطوة ستنطوي على مس شديد بشرعية هذا المعسكر واضعافه. مشكوك جدا أن تتمكن عندها من مواصلة التنسيق الامني مع اسرائيل، في صيغته المعروفة اليوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.