Take a fresh look at your lifestyle.

معهد دراسات الامن القومي / ازدحام زائد للمخاطر في سوريا

0 92

نظرة عليا – مقال – 6/1/2019

بقلم: ايتي بارون

لقد دل هجوم سلاح الجو في سوريا في 25 كانون الاول على أن اسرائيل تحاول التمسك باستراتيجية العمل الهجومي – الحرب ما بين الحروب – والتي تمت بنجاح في الساحة الشمالية منذ بداية العام 2013. ويجسد الهجوم بالفعل بان قدرة الهجوم العملياتية لاسرائيل محفوظة وانه يمكن تنفيذ هجوم موضعي كهذا حتى في الزمن الحالي، في ظل التصدي لاحتمالات التصعيد الفوري. ومع ذلك، بمرور ست سنوات، يجدر مراجعة امكانية ان يكون خليط من العوامل يؤدي الى ان تكون وسيلة العمل هذه في الساحة الشمالية قد وصلت نقطة الذروة، فتواجه “ازدحام زائد” للمخاطر وقريبة من استنفاد القدرة على تحقيق انجازات دون اثمان كبيرة.

الهجوم في 25 كانون الأول

لقد كان هجوم سلاح الجو في سوريا الاسبوع الماضي الهجوم العلني الاول لاسرائيل منذ اسقاط طائرة IL-20 الروسية في 17 ايلول ووقع في موعد قريب من اعلان الرئيس ترامب عن خروج القوات الامريكية من سوريا. في اثناء الهجوم أطلق السوريون عدة صواريخ ارض – جو ومنظومة الدفاع الجوية الاسرائيلية عملت ضد واحد من هذه الصواريخ، الذي كان من شأنه أن يسقط في الاراضي الاسرائيلية. ووصفت وزارة الدفاع الروسية الهجوم بانه “استفزازي” وادعت بانه عرض للخطر طائرتين مدنيتين هبطتا في دمشق وفي بيروت. بل وادعى الروس بان الدفاع الجوي السوري نجح في اعتراض قسم هام من السلاح الذي اطلق في اثناء الهجوم.

ان المجريات في اثناء الهجوم نفسه ليست شاذة. فالدفاعات الجوية السورية تستخدم ضد هجمات سلاح الجو منذ اكثر من سنتين، وفي اثناء هذه الفترة كانت حالات استخدمت فيها منظومات الاعتراض الاسرائيلية ضد صواريخ ارض – جو السورية. كما أن الشجب الروسي ليس شاذا ومعقول ان التفاصيل المحددة عن تعريض الطائرتين المدنيتين للخطر واعتراض السلاح ليست صحيحة. يبدو إذن ان اسرائيل جسدت بالفعل انه على المستوى العملياتي فان قدرتها على الهجوم في سوريا محفوظة وانه يمكن تنفيذ مثل هذا الهجوم في الوقت الحالي ايضا، في كل التصدي لمخاطر التصعيد الفورية (الخطر على الطائرات والتصدي لردود الفعل المباشرة في اثناء الهجوم نفسه).

استراتيجية الحرب ما بين الحروب

ان فكرة الحرب ما بين الحروب في الساحة الشمالية كانت ترتبط منذ بدايتها في وضع الامور الفوضوي في سوريا في اثناء الحرب الاهلية التي وقعت هناك. ففي بداية العام 2013 لاحظوا في اسرائيل أن مزايا الساحة الشمالية تزيد حرية العمل  العملياتية التي تتاح للجيش الاسرائيلي وقدر بان ادارة سليمة لمخاطر التصعيد يمكنها أن تسمح لاسرائيل باستخدام قوتها كي تقلص تهديدات قائمة ومتشكلة. وذلك دون أن يؤدي استخدام القوة الى مواجهة واسعة النطاق لا ترغب فيها اسرائيل. هذا التقدير، الذي تأكد بالفعل، ادى في السنوات الاخيرة الى نشاطات عملياتية متواصلة، كثيرة الجرأة والخيال، تضمنت مئات الهجمات ضد سلسلة اهداف في الاراضي السورية. واستهدفت النشاطات اساسا نقل الوسائل القتالية المتطورة الى حزب الله وفي السنة الاخيرة ايضا ضد مساعي تثبيت الوجود الايراني في سوريا.

في اثناء الهجمات، ابدى الجيش الاسرائيلي واسرة الاستخبارات قدرة عملياتية واستخبارية مؤثرة في كل ما يتعلق بالعثور على الاهداف ومهاجمتها. اما مراجعة اوسع لاستراتيجية الحرب ما بين الحروب، فتفيد بان كانت لها ايضا انجازات واضحة. صحيح انها لم تؤدي الى اخراج القوات الايرانية من سوريا (ومعقول الافتراض بانها لم تستهدف منذ البداية هذا الهدف الطموح)، ولكن توجد على ما يبدو أدلة على أن وتيرة تثبيت الوجود الايراني تباطأت ويحتمل أن تكون مزايا انتشار القوات تأثرت بعمليات اسرائيل. فالجهود لمنع نقل الوسائل القتالية الى حزب الله لم تمنعه تماما، ولكن يبدو انها ابطأت وتيرته ومنعت التسلح المكثف لعدة عناصر اعتبرت كـ “محطمة التوازن”.

كما أثبتت اسرائيل تحكما مثيرا للانطباع بمخاطر التصعيد وكل النشاطات اديرت عمليا دون رد في مغزى من جانب الجهات التي استخدمت ضدها القوة: السوريون لم يردوا على الاطلاق مباشرة على النشاطات الاسرائيلية في اراضيهم: المحاولات الايرانية للمس باسرائيل في الاراضي السورية فشلت؛ حزب الله بادر، على ما يبدو، لسلسلة عمليات من الحدود في هضبة الجولان (في اعوام 2013 – 2015، بلا قتلى)؛ ورد من الاراضي اللبنانية، بعد الهجوم على مخزن للوسائل القتالية في الجانب اللبناني  من الحدود السورية – اللبنانية (عملية في 14 اذار 2014، بلا قتلى) وبعد هجوم في هضبة الجولان قتل فيها نشطاء كبار لحزب الله وجنرال ايراني (عملية في 28 كانون الثاني 2015 في هار دوف، مقتل جنديين).

الحرب ما بين الحروب في العام 2018

تراكمت المخاطر على الحرب ما بين الحروب على مدى السنوات الاخيرة: فالتواجد الروسي في سوريا من نهاية العام 2015، استوجب تطوير آليات تنسيق ناجعة وانتباه اشد في استخدام القوة؛ تغيير سياسة النار للدفاعات الجوية السورية استوجب اعادة انتظام خاصة في تنفيذ الهجمات والاستعداد لتسلل صواريخ الى اراضي اسرائيل؛ وتثبيت التواجد الايراني استوجب ادارة حساسة لمخاطر التصعيد.

فضلا عن ذلك، في اثناء العام 2018 وقعت في اثناء النشاطات الاسرائيلية سلسلة احداث، جسدت بالملموس جملة المخاطر التي تتصدى لها الاستراتيجية الاسرائيلية في الزمن الحالي:

مجموعة مخاطر اولى ترتبط بالتهديد على الطائرات المهاجمة وامكانية مواجهة مع سوريا كما تجسد الامر في الحدث الذي اسقطت فيه طائرة اف 16 آي الاسرائيلية في 10 شباط 2018. فقد اسقطت الطائرة في الاراضي الاسرائيلية (والطياران تركاها وهبطا بسلام) في حدث تعود بدايته الى اعتراض طائرة مسيرة ايرانية حاولت التسلل الى اراضي دولة اسرائيل؛ وتواصل بهجوم اسرائيلي على مقر القيادة والتحكم للطائرة المسيرة في عمق سوريا؛ وانتهى بعد اسقاط الطائرة بمهاجمة بطاريات صواريخ أرض – جو أطلقت منها الصواريخ نحو طائرات سلاح الجو.

مجموعة مخاطر ثانية ترتبط بامكانية التصعيد في المواجهة المباشرة بين اسرائيل وايران، كما تجسد في سلسلة الاحداث في سوريا في شهري نيسان وايار 2018. بدايته في سلسلة هجمات اسرائيلية على اهداف ايرانية في شهر نيسان؛ وتواصل في محاولة ايرانية فاشلة لاطلاق بضع عشرات الصواريخ نحو الاراضي الاسرائيلية (معظمها اصاب الاراضي السورية وبعضها اعترضته منظومات الدفاع الجوية الاسرائيلية؛ وذروته في رد اسرائيلي شديد القوة في ليلة 10 ايار (حملة “بيت الاوراق”)، تضمن هجوما على عشرات الاهداف السورية والايرانية.

مجموعة مخاطر ثالثة ترتبط بمواجهة محتملة مع روسيا، كما تجسد في اسقاط طائرة الاستطلاع الروسية في 17 ايلول 2018. بداية الحدث بهجوم اسرائيل في منطقة الشاطيء السوري. ردا على الهجوم اطلقت منظومة الدفاع الجوية السورية بضع عشرات صواريخ ارض – جو. اسقطت الطائرة بالخطأ في البحر المتوسط، على مسافة بضعة كيلو مترات عن غربي الشاطيء السوري، بواحد من الصواريخ التي اطلقها السوريون (قتل 15 من رجال الطاقم الروس).شروحات اسرائيل ردها الروس، فيما اتهموها بالمسؤولية عن اسقاط الطائرة.

بعد اسقاط الطائرة نقل الروس الى سوريا بطاريات صواريخ أرض – جو متطورة نسبيا من طراز اس 300 ولكن يبدو حاليا انها لم تسلم لاستخدام السوريين أنفسهم (رغم أن هؤلاء بدأوا بالتدرب العملي على المنظومة). وتسليمها المرتقب لسوريا من شانه ان يزيد التهديد على طائرات سلاح الجو (وعلى السلاح الذي يطلق في اثناء الهجمات) وتفعيل مشترك للبطاريات من قبل السوريين والروس من شأنه أن يزيد من خطر المواجهة مع روسيا.

مستقبل الحرب ما بين الحروب

مع ان هذه ليست مخاطر جديدة، فمع مرور ست سنوات يجدر ايضا فحص امكانية أن يكون تداخل العوامل وبخاصة تغير شروط الساحة يستوجب اعادة النظر في نجاعة وضرورة استراتيجية الحرب ما بين الحروب في السياق السوري – اللبناني. بين هذه العناصر، يشار الى الوضع العام في سوريا التي تعود لتكون دولة سيادية قادرة على ان تغير سياستها في عدم الرد؛ استمرار التواجد الروسي في سوريا، الدروس التي استخلصها الروس من اسقاط الطائرة الروسية وكذا السياسة الروسية التي ترى اهمية كبيرة في الحفاظ على سيادة سوريا واستقرارها؛ التطورات في الدفاع الجوي السوري وسياسة اطلاق النار السورية، التي تؤمن باطلاق عدد كبير وغير دقيق من الصواريخ؛ واضافة الى الدروس التي تعلمتها الجهات المختلفة من النشاطات الاسرائيلية المتواصلة.

ان نقل مركز ثقل النشاطات حول “مشروع دقة” الصواريخ من سوريا الى لبنان سيؤكد جدا التحدي الذي تقف امامه اسرائيل مما من شأنه أن يؤدي الى مواجهة بين اسرائيل وحزب الله، الذي اوضح من جهته، على مدى كل الفترة بان سياسته في الرد ستكون مختلفة بالنسبة للهجمات في لبنان. هذه الامكانية تستوجب من اسرائيل ان تجري ايضا بحثا مبدئيا اكثر حول الجدوى العامة من مساعي منع اجراءات التعاظم التقليدية للعدو (بخلاف مساعي التعاظم في مجال النووي، والتي يوجد حولها اجماع واسع بصحة استخدام القوة بهدف احباطها في اطار “عقيدة بيغن”). في سياق “مشروع  الدقة”، يجب على البحث ان يوازن الضرر المحتمل من استخدام السلاح الدقيقة مع امكانيات العمل (الدفاعي والهجومي) ضده مقابل أثمان الخطوات لمنع التعاظم.

لقد اثبت الهجوم في 25 كانون الاول 2018 بانه لا يزال ممكنا تنفيذ هجمات في سوريا بتخطيط متشدد ودقيق في مجالات معينة. ومع ذلك، يبدو أن جملة العوامل تخلق حاجة الى المناورة في مواجهة الازدحام الزائد للمخاطر، التي احتمالات تحققها ستزداد كلما استمرت النشاطات الاسرائيلية. والمعنى هو أنه يحتمل الا يكون ممكنا مواصلة العمل ضد نقل الوسائل القتالية لحزب الله وضد التواجد الايراني في سوريا دون المخاطرة بالتصعيد بل وتدهور الوضع الى مواجهة شاملة. يبدو إذن ان استخدام القوة الاسرائيلية في اطار الحرب ما بين الحروب يستوجب بحثا استراتيجيا وعملياتيا، يركز على اهدافها، ضرورتها، نجاعتها وقدرة تحقيقها في الظروف الحالية للساحة. تعيين رئيس اركان جديد وتسلمه مهام منصبه كفيل بان يكون توقيتا صحيحا لمثل هذا البحث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.