Take a fresh look at your lifestyle.

معهد الامن القومي الاسرائيلي (INSS) – هل ستعيد الصين بناء سوريا ؟ ليس بهذه السرعة

0 148

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي (INSS)– بقلم  غاليا لفي واساف اوريون – 10/7/2019

في بداية حزيران 2019،  زار الرئيس الصيني شي جين فينغ روسيا. وفي مقابلة مع وسائل الاعلام افاد بان بلاده “تقف على أهبة الاستعداد للمشاركة في اعمار سوريا، وفقا لقدراتها”. هناك من رأوا في هذا التصريح تعزيزا لاملهم، وكبديل لخوفهم من أن تكون الصين هي التي ستأخذ على عاتقها مهامة الاعمار، التي قدر البنك الدولي كلفتها بنحو ربع تريليون دولار. كان هناك من سار بعيدا وحذر اسرائيل من مخاطر التواجد الصيني المرتقب على حدودها الشمالية، ولكن من الافضل لهؤلاء واولئك ان يقللوا مستوى التوقعات. فالاهداف الاساسية للصين في الشرق الاوسط  ترتبط باماكن الطاقة ومسارات توليدها، وكذا في مسارات التجارة الى اوروبا والى افريقيا. وقد نالت سياستها في المنطقة وصفا صائبا: “وزن ثقيل في الاقتصاد، وزن خفيف في المجال السياسي ووزن  الريشة في المجال العسكري”. فجملة المصالح، سلة الادوات والتفضيلات الاستراتيجية للصين تشير جميعها الى احتمال طفيف لدور صيني هام في سوريا، التي توجد على هامش غربي آسيا، المنطقة التي هي في افضلية متدنية بالنسبة للصين، وعديمة مقدرات الطاقة أو المناجم الهامة. لا شك أن لدى الصين القدرات اللازمة لاعمار سوريا، ولكن مزايا سياستها وسلوكها في الشرق الاوسط تطرح شكا كبيرا حول امكانية أن تستثمر هناك.

المستوى الاقتصادي: قدرة صينية مثبتة، دافعية محدودة

ان قدرات الصين المثبتة في مجال البنى التحتية، حجم اقتصادها، المال المتوفر، ومشاريع البنى التحتية التي تقيمها في العالم تتناسب بالتأكيد مع متطلبات المهامة الهائلة في اعمار سوريا من خرائبها. ظاهرا، فان اعمال الاعمار، ولا سيما في مجال البنى التحتية، الطرقات، القطارات، محطات توليد الطاقة، الاتصالات والطاقة، تندرج جيدا مع المفهوم الصيني المتعلق بـ “السلام من خلال التنمية” وكذا مع “مبادرة الحزام والطريق” للرئيس شي جين فينغ والتي اساسها اقامة البنى التحتية للمواصلات، التجارة والاتصالات في البر، في البحر وفي الجو، بين الصين والاسواق والمواد الخام في العالم، ولا سيما في اوروبا وفي افريقيا.

لقد لاحظت دمشق هذه  الامكانية الكامنة منذ زمن بعيد، وهي تسعى لان تربط الصين للاستثمار فيها بمالها وقدراتها. في تشرين الثاني 2017 قال السفير السوري في بيجين ان بلاده ستكون مستعدة لان تورد للصين النفط مقابل القروض وانها ستكون مستعدة حتى لان تعقد هذه الصفقات بالعملة الصينية، اليوان، وفقا لتطلعات الصين لادراجه في سوق العملات العالمية.

ولكن في ضوء الامكانيات الكامنة يشتد السؤال حول رغبة الصين في استخدامها في سوريا من الناحية العملية. عموما، تمتنع الصين عن المخاطرة في استثماراتها ومصالحها في الخارج، سواء لاسباب اقتصادية أم خوفا من التأثير السلبي على مكانة الحزب وصورته، في الصين وفي العالم بشكل عام. فبعد أن حصل في اثناء الهزة الاقليمية في الشرق الاوسط ان اكتوت الصين بضياع استثماراتها في ليبيا واضطرت لان تخلي مواطنيها من اليمن ايضا، فانها لن تسارع لان تعرض نفسها لمخاطر اخرى قبل أن تستقر سوريا وينتهي القتال فيها.

مثلما في اماكن كثيرة اخرى في ارجاء العالم، في سوريا ايضا ينمو الامل والاوهام بشأن “مبادرة الحزام والطريق”. فقد قال مستشار الرئيس السوري مؤخرا ان “طريق الحرير ليس طريق حرير اذا لم يمر عبر سوريا، العراق وايران”. ولكن الجغرافيا تسمح بطرق اكثر راحة وقصرا الى اوروبا  – من ايران مباشرة الى تركيا – بينما المرور غير الضروري في العراق وفي سوريا ينطوي على مخاطر امنية زائدة من ناحية الصين. وبموجب ذلك، رغم أن السفير الصيني في العراق وصفها كاحدى الدول العربية الاولى التي انضمت الى مبادرة “الحزام والطريق” فان الصين تستثمر في العراق بالاساس في مجال الطاقة وليس في البنى التحتية، بخلاف الاستثمارات المكثفة في البنى التحتية في جارتها ايران. صحيح ان لسوريا موانيء على شاطيء البحر المتوسط، ولكن ميناء طرطوس اجر منذ الان لروسيا لمدة 49 سنة، بينما حصلت الصين على عقود سيطرة و/أو تفعيل في موانيء كثيرة اخرى، وبينها السويس، طرابلس، حيفا، اسطنبول وبيراوس.

الى جانب تحفظ حكومة الصين، فان الشركات الصينية ايضا لا تسارع الى العمل في سوريا، ولم تفعل ذلك حتى قبل الحرب. في العام 2010 بلغت الاستثمارات الصينية في سوريا 16.6 مليون دولار فقط. وحتى 2015 هبطت الى 11 مليون دولار. والتحديات التي ستكون امام الشركات الصينية في سوريا هي تحديات كثيرة: يضاف الى المخاطر الامنية تحديات التشريع، عدم الاستقرار السياسي، التسويف وانعدام النجاعة، التي تزايدت فقط في سنوات الحرب. كما يقلق الشركات الصينية ايضا الاسترداد المتوقع لاستثمارها، مقارنة بالنموذج الصيني لـ “الاستثمار من خلال القروض”، هناك تخوف معقول من الا تتمكن سوريا من تسديد القروض التي تحصل عليها. هناك شركات صينية وافقت على ان تحصل على الدفع بالنفط وبالبضائع، ولكن هذا النموذج لا يسمح باستثمارات واسعة.

يمكن ان نلخص فنقول انه من ناحية اقتصادية فان التوقعات بدور صيني هام في اعمار سوريا بعد الحرب مبالغ فيها، مثلما لخص الوضع نائب رئيس اتحاد العلاقات الصينية العربية بقوله: “الوضع الحالي في سوريا ليس مناسبا لاستثمارات واسعة النطاق”.

المستوى السياسي والعسكري

تقوم الصين باعمال دبلوماسية في سوريا، تعكس الاهتمام المحدود جدا من جهتها في مستوى العلاقات هذا. فقد عينت الصين مبعوثا خاصا الى سوريا، واعربت عن استعداد للتوسط بين الاطراف الصقرية، وفي 2016 استضافت في بيجين، على انفراد، ممثلي الحكومة السورية وممثلي المعارضة. على المستوى العسكري بلغت الصين عن تأهيل قوات لجيش الاسد في سوريا في 2016، بارسال مستشارين عسكريين الى سوريا في نيسان 2016، وفي بداية 2017 واعلنت مرات عديدة عن نيتها ارسال مساعدة عسكرية وانسانية عبر القوات الروسية في سوريا.

من ناحية تفاصيل النشاطات الصينية في سوريا، يتبين أن اساسها رمزي وخطابي. بينما فعلها العملي ضيق ونفوذها هامشي. على المستوى العسكري، فان المستشارين الصينيين الذين ارسلوا الى سوريا اهتموا بمواضيع عديدة: الطب والنقليات. كما أنه بخلاف الشائعات التي نشرتها محافل المعارضة امتنعت الصين عن ارسال قوات للقتال ضد مقاتلي الجهاد الايغوريين في سوريا، واساس ردها على التهديدات من جانبهم يتم في داخل الاراضي الصينية وفي اعمالها الامنية هناك. على المستوى الانساني، انحصرت المساعدة الصينية لسوريا بالوعد بعدة عشرات ملايين الدولارات، التي من الصعب ان نعرف اذا ما ومتى تحقق، وبالف كيس أرز، توفر مقياسا ممتازا للشهية الصينية لفعل ذي مغزى في سوريا.

في السياق السوري تتعامل الصين وفقا لقرار “احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى”. وهذا عمليا معناه الاسناد لنظام الاسد. وفي الامم المتحدة ساندت الصين روسيا في دعم الرئيس الاسد واستخدمت الفيتو في ستة من اصل سبع قرارات طرحت في مجلس الامن لشجب استخدام السلطات السورية القوة ضد مواطنيها. وجرى التصويت السابع في نيسان 2017 بعد لقاء الرئيسين ترامب وشي والذي طلبت فيه الولايات المتحدة شجب سوريا على استخدام السلاح الكيميائي. امتنعت الصين في هذا التصويت بينما استخدمت روسيا الفيتو. هذه الحالة تدل على أن الصين لا تقف تلقائيا الى جانب روسيا، ولكنها تفكر وفقا لوضع علاقاتها مع امريكا.

يقول باحثون صينيون من جامعة شنغهاي موجزين الدور السياسي للصين في سوريا بانه “دور محدود” محفوظ لنزاعات هامشية في النظرة الاستراتيجية لمصالح الصين التجارية وتتمثل في “ابداء الحضور الرمزي”.

في ضوء صورة المصالح الصينية ومزايا سياستها في المنطقة، والوضع الامني في سوريا، لا مجال لتوقع دور كبير للصين في الاستثمارات او في مشاريع البنى التحتية في هذه الدولة في المدى المنظور. وفي ذلك من الصعب ان نجد خطورة على اسرائيل الا اذا ساهمت استثمارات الصين في سوريا في تثبيت تواجد ايران فيها، كشريكة استراتيجية مركزية للصين في الشرق الاوسط. على اسرائيل أن تركز على التهديدات الايرانية، والتنسيق مع روسيا والتعاون مع حليفتها الولايات المتحدة، فيما يتضح ان الصين تترك الملعب لكليهما. وفي موضوع علاقات اسرائيل مع الصين يوجد الموضوع السوري في اسفل سلم الاولويات  المشترك بينهما،ومعقول ان يبفى هناك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.