Take a fresh look at your lifestyle.

معهد أبحاث الامن القومي الاسرائيلي : “مقاربة جماعية” في علاقات الاستخبارات – المسؤول، على المستوى الوطني، هل لها جدوى

0 134

بقلم: دودي سمانطوف وشاي هيرشكوفيتس، معهد أبحاث الامن القومي الاسرائيلي ٧-٢٠١٨م

مقدمة:

لقد كتب الكثير عن شبكة العلاقات المعقدة بين المسؤولين والعسكريين وبين رجال الاستخبارات. منذ العقد الرابع من القرن العشرين وعند انشاء المؤسسات الاستخبارية الوطنية، بدأت في الولايات المتحدة محاولات لوضع نظرية استخبارية في علاقتها مع الفضاء بين المسؤول والاستخبارات. اساس النقاش، في حينه مثلما هو اليوم، تركز حول سؤال الى أي درجة اقتراب على رجال الاستخبارات العمل مع المسؤولين وما هي العلاقة بين طموح رجل الاستخبارات في التأثير على اتخاذ القرارات وبين التزامه المهني الاول لخلق معرفة تعكس بقدر الامكان الواقع. بعد ذلك، اضيفت اسئلة مثل هل الالتزام المهني الاول لرجل الاستخبارات هو فقط خلق معرفة أو أنه يجب عليه أن يكون شريك فعال في تشكيل السياسة، وهل المعرفة الاستراتيجية هي نتيجة جهات بحث في جماعة الاستخبارات أم نتيجة حوار فيه يكون المسؤول مؤثر ومتأثر، وفي نهايته يتم خلق معرفة استراتيجية جديدة تمكن من بلورة سياسة وطنية.

منذ بداية المخابرات كمؤسسة رسمية هدفت ضمن امور اخرى الى توفير معرفة استراتيجية، تسأل اسئلة بخصوص جوهرها في المستوى الاستراتيجي. ما هو دورها في اتخاذ السياسات وتنفيذها؟ هل يقف امام نفسه، أي ينتج نتاج مفصول كما يبدو عن تشكيل الاستراتيجية الوطنية، أو أنه يستخدم، مثلما قال رئيس الاستخبارات العسكرية السابق يهوشفاط هركابي “مساعد للسياسة؟”. هذه الاسئلة تتعلق ببعدين. الاول، الصورة التي تنظر فيها الجهات خارج جهاز الاستخبارات الى دور وأداء الاستخبارات. الثاني، الطريقة التي يرى فيها جهاز الاستخبارات نفسه.

ما هي المعلومات الاستراتيجية

قبل أن ندخل الى متاهة العلاقة بين رؤساء جماعة الاستخبارات والمسؤولين يجدر تشخيص المعلومات الاستراتيجية كنتاج بحثي لجهات الاستخبارات ونتيجة للحوار بين الاستخبارات ومتخذي القرارات. وظيفة المعلومات الاستراتيجية هي مساعدة المسؤولين على بلورة رؤية، وتشكيل سياسة واتخاذ قرارات في مجال الامن القومي. عليها أن توفر تقديرات من اجل مساعدة وتمكين المسؤولين من فهم الواقع وادارة الاخطار واستغلال الفرص. على الاستخبارات ايضا تحدي السياسات الحالية عندما تتحدى الفجوات في فهم الواقع الاستراتيجي، في رسم الاتجاهات الاستراتيجية والقدرة على تقدير مكان من ينظر الى المحيط الاستراتيجي في المستقبل.

سؤال رئيسي سيقف في مركز هذا المقال يتعلق بزاوية الرؤية التي يجب أن تكون لدى رؤساء الاستخبارات عندما يأتون لتقديم معلومات استراتيجية: هل الاستخبارات عندما تأتي للحديث عن “الآخر” يمكن أن تبقى غير مبالية وأن تظل في “برج عاجي استخباري” عندما تتطرق الى سياسة المسؤول الذي تقدم التقرير له؟ هل تدخل المخابرات في السياسة من شأنه أن يعمي انظارها ويحرفها عن اعطاء معلومات استراتيجية ذات علاقة أو بالتحديد أن الانفصال من شأنه أن يؤدي الى أن تقديراتها ستكون غير ذات صلة، لأنه لن يتم استخدامها؟ هل الاستخبارات الاستراتيجية تتركز فقط في العمل الاستخباري، أو أن وظيفتها هي تمكين نقاش وتحريك حوار في نهايته تتبلور السياسة ويتم اتخاذ القرارات على المستوى الوطني؟.

المقاربات التقليدية لعلاقات المسؤول – الاستخبارات

المقاربة التقليدية تقول إنه على الاستخبارات البقاء بعيدة بقدر الامكان عن متخذي القرارات. وأن تكون غير مرتبطة بمصالحها، وإلا فانها تخاطر بتحولها الى جسم آخر، جسم من بين اجسام اخرى، في النقاش على السياسة. وبذلك هي تخطيء مرتين: الاولى، من شأنها أن تعرض صورة غير “واقعية” وأن تضلل مقرر السياسة. الثاني، ستفقد صلاحيتها باعتبارها الجهة الاولى التي تعرض “الواقع” في النقاش الاستراتيجي الذي يقوده متخذ القرارات. الممثلون الرئيسيون لهذه المقاربة، على الاقل في بدايتها، كانوا وليام دنوفن، الان دالاس وروسكو هيلين كوتر الثلاثة هم من آباء الاستخبارات الامريكية. لقد اعتقدوا أنه يجب على الاستخبارات الحفاظ على مسافة معينة (ولكن لا تكون منفصلة) عن عملية اتخاذ القرارات، وأن تنفذ تحقيق وتقدير غير مرتبط والامتناع عن اصدار حكم استخباري يكون “مفصل” للاعتبارات الايديولوجية والسياسية لمتخذ القرارات.

هذه المقاربة مدعومة ايضا من شيرمان كينت، على الاقل في بداية طريقه الاكاديمية، عندما كتب في 1949 أن الاستخبارات على المستوى القومي هي جسم “خدماتي”، وعليها الامتناع عن وصف المنتج الاستخباري بأحكام ذاتية كنتيجة للاتصال المباشر بين مستهلك الاستخبارات وبين منتج المعلومة. بهذا فقد صك كينت الرؤية التي تعتبر رجل الاستخبارات منتج والمسؤول مستهلك. أي وظيفتين منفصلتين جوهريا ووظيفيا. حسب كينت، الاستخبارات عليها أن ترد على طلب متخذ القرارات، لكن عليها الحفاظ على استقلالية وموضوعية في العملية الاستخبارية. في وصمه للعلاقات بين المنتج والمستهلك أكد كينت على عدد من الابعاد الاشكالية: أولا، لدى متخذي القرارات هناك شك مفهوم بالنسبة للمنتج الاستخباري. الامر ينبع من أن رجال الاستخبارات يميلون الى تحمل مسؤولية محدودة عن المنتج الاستخباري (خاصة في كل ما يتعلق بالتوقعات)، وهذا لا يساعد متخذي القرارات في الوثوق بالمعلومات التي يحصلون عليها. لهذا اعتقد كينت أن الاستخبارات يجب عليها ابراز دورها كمن ينظر من الخارج الى الظاهرة المبحوثة والقيام بذلك بصورة موضوعية، الامر الذي سيُمكن المسؤول من اتخاذ القرارات الصحيحة المتعلقة بالسياسة المطلوبة. القرب الشديد بين المنتج والمستهلك، قال كينت، هو الذي سيخرق موضوعية الاستخبارات وسيضر الثقة (المحدودة أصلا) التي يكنها الـ “مستهلك” لـ “منتج” المعلومات وتفسد الهدف الرئيس للاستخبارات. من اجل الحفاظ على اهميتها يجب على الاستخبارات ان تقيم مع ذلك درجة محددة من القرب من متخذ القرارات، لكن عليها الحفاظ على أن تكون قريبة جدا منه من اجل عدم فقدانها للموضوعية والاستقامة المهنية. لقد أحسن التعبير عن هذه المقاربة دنوفن الذي قال “يجب على الاستخبارات أن تكون منفصلة عن الاشخاص الذين تخدمهم  حتى لا يتم تشويه المواد التي تقدمها من قبل رؤى الاشخاص الذين يوجهون النشاطات الاستخبارية”.

شيرمان كينت اقترح بناء على ذلك، تنظيم العلاقة بين رجل الاستخبارات والمسؤول، حيث أنه في غياب قنوات اتصال مؤسسة ربما تخلق فجوات في التوقعات بين الطرفين. كما أنه خشي من أن متخذ القرارات سيفرض على الاستخبارات مهمات غير ممكنة الامر الذي سيؤدي الى مقاربة اعتذارية من جهة رجال الاستخبارات. لذلك يجب حسب رأيه خلق انظمة وتأسيس اجراءات عمل تمكن المسؤول من أن يوجه بصورة منظمة عمل الاستخبارات. توجيه كهذا يبني الثقة بين الطرفين ويمكن الاستخبارات من النجاح في مهمتها.

كينت طور نظرية “دائرة المخابرات” التي وصف فيها مواجهة بالحد الادنى بين رجال المخابرات وبين المستوى السياسي، حيث معظم عملية تطوير المعرفة والتفكير تتم داخل الاذرع الاربعة لجهاز الاستخبارات. كينت يصف عملية خطية ذات ست مراحل: الاولى، ظهور أو تشخيص مشكلة استراتيجية، الامر الذي يأتي من توجيه المسؤول أو عندما تشخص المخابرات (بواسطة التجميع) شيء خارج عن المألوف. الثانية، تحليل المشكلة، وهي مرحلة تتم في اوساط الاستخبارات نفسها. الثالثة، جمع المعلومات عن المشكلة بواسطة توجيه الجمع مرحلة تجري في اجسام البحث الاستخباري. الرابعة، تقدير المعطيات وفحصها من قبل الاجسام البحثية من خلال مقارنة الجديد مع المعروف. الخامسة، بلورة فرضية، أي القيام بتقدير استنادا للمعلومات التي جمعت. السادسة، عرض وطرح المنتج الاستخباري على المسؤول. في المرحلتين الاولى والاخيرة يجري لقاء بين عناصر الاستخبارات وبين المسؤول.

طوال الوقت تم اجراء محاولات لتطوير نظرية “دائرة المخابرات”، هذه المحاولات وضعت في اساسها مهنة خلق المعرفة كمشروع حصري تقريبا للمخابرات، وطبقا لذلك تم القيام بتعديلات وتحديثات. مثلا عاموس غوردون ووليام تيلر اضافا عاملين لنظرية الدائرة الاساسية لكينت ادارة وتنسيق. هذه تقف في اساس “دائرة المخابرات” كنوع من عجلة المسننات التي حولها تقف باقي العناصر الستة.

بعد ذلك تطورت المقاربة ما بعد التقليدية، التي استندت في الحقيقة على المقاربة التقليدية، لكنها لا تعتبر الاستخبارات المكون الوحيد، وحتى ليس بالضرورة الاكثر اهمية في عملية اتخاذ القرارات. جاك زولتنك قال، بفضل تعزيز العلاقة بين رجل المخابرات ومتخذ القرارات على خلفية حقيقة أن الاول يتنافس مع عناصر أخرى على اهتمام واصغاء الاخير. حسب موقفه، فان تقليص المسافة بين رجل الاستخبارات ومتخذ القرارات يعطي اهمية للاول ويمكنه من ان يفهم بشكل افضل تأثير المخابرات على عملية اتخاذ القرارات. الامر الذي بدوره يحسن عمل الاستخبارات.

المقاربة ما بعد التقليدية تعتقد أنه الى جانب وصف الواقع، على المخابرات أن تعرض امام متخذ القرارات ايضا التداعيات المستقبلية المحتملة لتطبيق السياسة. في موازاة ذلك تؤكد على الحاجة الى التمييز الواضح بين منتج المعلومات وبين من يستهلكها، وخاصة في كل ما يتعلق بالجوانب الهيكلية. هكذا مثلا زعم جون هويزنغا أنه توجد في الحقيقة ضرورة لوجود حوار متواصل بين الاثنين لأن الاستخبارات هي جزء لا يتجزأ من عملية اتخاذ القرارات، لكن على الاستخبارات أن تعرض صورة موضوعية بقدر الامكان بحيث لا تكون خاضعة لاعتبارات المسؤول.

منذ بداية عهد المخابرات القومية في اسرائيل، فان المقاربة التقليدية كانت هي السائدة فيها. رجال اكاديميا واستخبارات عادوا وأكدوا الحاجة الى بقاء  المخابرات “نقية” وأن تعكس بصورة موثوقة الواقع دون أن تكون نابعة من اعتبارات المسؤول السياسية. حسب رأيهم الواقع رغم تعقيداته فانه يمكن كشفه بواسطة تطوير الجمع. لهذا فان دور رجل الاستخبارات على المستوى القومي هو أن يحلل الواقع وتقديم هذا التحليل لمتخذ القرارات.

كما قلنا، ليس فقط رجال الاستخبارات هم الذين يتمسكون بهذه المقاربة. يمكن تشخيصها ايضا في اوساط عدد من المسؤولين. الواقع الاسرائيلي هو واقع فريد في هذا السياق لأنه احيانا كان المسؤولون الاسرائيليون ذوي تجربة عسكرية وأمنية مثل موشيه ديان واسحق رابين وعيزر وايزمن واريئيل شارون واهود باراك. عدد منهم فضلوا احيانا أن تقدم المخابرات معلومات خام، وتقلل من التحذير ولا تتدخل في اتخاذ القرارات. آخرين منهم اعتقدوا أنه لأن المسؤولية ملقاة عليهم فانه من الافضل أن يقيموا المعلومات بأنفسهم دون فلترة رجال الاستخبارات. اضافة الى ذلك، سلسلة حالات فشل استخبارية مؤلمة، المنقوشة في تاريخ اسرائيل، ولجان  التحقيق التي جاءت في اعقابها خلقت لدى متخذي القرارات وعي بأنه ليس دائما يمكنهم التحلل من المسؤولية عن القرارات التي اتخذوها حتى لو كانت اتخذت بتوصية من رجال الاستخبارات. لهذا السبب ايضا يميل متخذي القرارات الى التعاون مع تقديرات الاستخبارات بحذر ولا نقول بتشكيك.

ظاهرة اخرى يمكن ملاحظتها في اسرائيل هي ميل عدد من المسؤولين الى عدم اشراك الاستخبارات في المبادرات السياسية. امثلة على ذلك، مبادرة السلام مع مصر، مسيرة اوسلو، الانسحاب من لبنان والانفصال عن قطاع غزة. يمكن أن سبب ذلك هو السرية الشديدة والرغبة في ابقاء دائرة الشركاء في السر قليلة بقدر الامكان من اجل منع التسريب. ولكن ربما أن هذا الامر يعبر عن عدم رغبة المسؤولين في رؤية المخابرات شريكة في اتخاذ القرارات وبلورة الاستراتيجية.

الاشكالية في المقاربة التقليدية

المقاربة التقليدية ترى في المعلومات بشكل عام وفي المعلومات الاستخبارية بشكل خاص أمر “حقيقي” اذا كانت تشكل وصف دقيق للوضع، و”صحيح” اذا كان يصف باخلاص وضع الامور كما هي “حقيقة”. هذا الامر يتعلق بتمثيل محدود وتمثيل واسع وتمثيل طبيعي ملموس وتمثيل مجرد. وهو يشكل توسيع لمفهوم “معرفة واقعية”. ايضا توسيع لمجالات معرفية وأكثر تجردا. ادعاء اساسي في الانتقاد للمقاربة التقليدية هو أنه خلافا للبيئة التكتيكية التي فيها المعرفة هي عالمية، فانه في البيئة الاستراتيجية لا يمكن فصل المعرفة عن العارف، وخلال ذلك من زاوية نظره ومن مصالحه.

من اجل التدليل على ذلك يجب علينا النظر الى مشكلة معلوماتية من العالم التكتيكي مقابل مشكلة معلوماتية من العالم الاستراتيجي. مسألة تكتيكية من شأنها أن تكون تموضع وحدة دبابات في نقطة معينة. الاجابة على هذا السؤال هي قاطعة وتامة وتستند الى قاعدة حقائقية: هل الوحدة توجد في هذه النقطة المعينة أم لا. السؤال ليس قابل للتفسير والتحليل لأن كل من ينظر اليه بدون علاقة مع هويته يمكنه أن يرى فصيلة الدبابات بواسطة صور الاقمار الصناعية. بناء على ذلك الحديث يدور عن معرفة عالمية.

مسألة في المستوى الاستراتيجي يمكنها أن تكون: “هل نظام الخصم مستقر؟”. الاجابة على ذلك هي تحليلية ومرتبطة، ضمن امور اخرى، بنية سائل السؤال ومصالحه وزاوية نظره وسياسته. هل يقصد الاستقرار السياسي، الاقتصادي أو الاجتماعي؟ هل قصده الاستقرار أو عدم الاستقرار، بمعنى تغيير زعيم أو كل نظام الحكم؟ أي جانب من استقرار النظام للخصم هو المهم بالنسبة للسائل، لمجرد كونه عنصر من عناصر تغيير الوضع الاستراتيجي؟ هل سائل السؤال هو رئيس الدولة (مثلا رئيس سوريا الاسد أو رئيس مصر السيسي)، الذي من ناحيته الاستقرار هو مسألة بقائه أو جهة خارجية (مثلا اسرائيل أو الولايات المتحدة)، هي التي من ناحيتها الاستقرار يمكن أن يكون مرتبط بتطبيق اتفاقات السلام أو استقرار في منطقة كاملة (مثلا الشرق الاوسط)؟.

خلافا لوجود أو عدم وجود دبابات في مكان معين فان الاستقرار كمسألة استراتيجية مرتبطة بالطبع بزاوية نظر الناظر والتفسير الذي يعطيه لها. اذا اخذنا اسلوب نظام الحكم الاسرائيلي فهو يعتبر من قبل اسرائيليين كثيرين مستقر، حتى لو كان متوسط عمر الحكومات الاسرائيلية يبلغ اكثر من سنتين بقليل. مقابل ذلك فان ناظر اجنبي من شأنه أن يرى النظام الاسرائيلي بأنه يعاني من عدم استقرار مزمن، الامر الذي يحول الاستثمار فيه كاستثمار خطير.

مشكلة اخرى تثور من المقاربة التقليدية تتعلق بنظرية “دائرة المخابرات” التي تم وصفها سابقا. إن مفهوم “جمع” (معلومات استخبارية) في هذه المقاربة يشكل منارة لتجميع حقائق في مكان ما بصورة غير مرتبطة. حيث تكون مهمة رجل الاستخبارات هي جمعها. من خلال زاوية الرؤية هذه فان مفهوم “تحليل” يعبر عن الفكرة التي تقول إن رجل المخابرات يجمع اجزاء المعلومات في صورة واسعة وكاملة عن “الواقع الحقيقي”. حسب المقاربة التقليدية فان العمل الاستخباري يشبه الفسيفساء وليس فيه تقريبا مكان للتحليل الذاتي، باستثناء التقدير الذي يشكل استكمال المناطق الفارغة في الفسيفساء. بناء على ذلك فان ممارسة العمل الاستخباري القومي الذي يميز العلاقات بين رجل المخابرات والمستوى السياسي، هي عملية منفصلة وأحادية الجانب. رجل الاستخبارات مطلوب منه تقديم تقديره بشكل عام في بداية النقاش أو ينقل استنتاجاته بصورة استعراض مكتوب. أي، تقدير بحثي للعدو يسبق النقاش في بلورة سياسات تجاهه. حسب هذه الرؤية، في المحيط الاستخباري الاستراتيجي فان التقدير الاستخباري يسبق العمل السياسي، بالضبط مثلما يحدث في ساحة المعركة، التي فيها المعرفة الاستخبارية يسبق العمل.

المقاربة التعاونية

العلاقة الوثيقة بين رجال الاستخبارات ومتخذي القرارات الامريكيين خلال ستينيات القرن العشرين، وعدد من حالات الفشل الاستخبارية في السبعينيات أدت الى تغيير طريقة المقاربات التي تدعو للفصل الواضح والمتشدد بين الاستخبارات ومتخذي القرارات. حالات فشل استخبارية تتعلق بحرب فيتنام وتسريبات للاعلام عن عمليات استخبارية حساسة واكتشاف ان الـ سي.آي.ايه تقوم بعمليات دون مصادقة وابلاغ المستوى السياسي ادت الى اقامة لجان تحقيق اعادت فحص عمل اجهزة الاستخبارات الامريكية وبلورة مقاربة جديدة في عمل المخابرات، ومن اجل هذا المقال سنسميها “المقاربة التعاونية”. الاعتراف بوجود مناطق نشاط مخفية لاجهزة المخابرات الامريكية دون معرفة المستوى السياسي، أدت باعضاء اللجان الى التوصية ليس فقط بمأسسة الاشراف، بل ايضا انشاء اجهزة لتوطيد العلاقة بين الاستخبارات والمسؤولين. حسب مقاربتهم يجب تطوير قناة تواصل مباشرة وشخصية واحيانا غير رسمية بين رجال جمع المعلومات وبين مستهلكيها. لأن العلاقة بين الطرفين هي ودية في اساسها، لهذا يجب ان تكون بينهما علاقة عمل قريبة يتم تنظيمها بواسطة ميكانيزم تنظيمي والتأكيد من نقل المعلومات بصورة ذات اتجاهين.

من المهم الاشارة الى أن المؤيدين الاساسيين للمقاربة التعاونية، البروفيسور فلمور كاندل من جامعة يال نشر في 1949 قبل سنوات كثيرة من تحول هذه المقاربة الى مقاربة مشهورة، مقال بعنوان “وظيفة المخابرات” ناقش فيه الادعاءات التي طرحت في كتاب شيرمان كيم. حسب كاندل فان وظيفة المخابرات هي مساعدة متخذ القرارات للتأثير على الواقع وتشكيله. لذلك هو لم ير أي عيب في العلاقة القريبة بين الاثنين وان كان قال إنها ضرورة ومرغوبة. مثل كيم ايضا كاندل آمن بأنه يجب على متخذ القرارات أن يكون هو الذي يوجه رجل المخابرات، ولكن خلالا لكيم واصل القول إن الاستخبارات تساعد متخذي القرارات في التأثير على الواقع، بهذا فانها تنير امامهم كيف يؤثر ما يجري في العالم وكيف يمكنه التاثير على الامن القومي. لذلك فان رجل المخابرات لا يستطيع ان يفصل نفسه عن زاوية الرؤية له هو نفسه، لأنها تشكل جزء لا يتجزأ من مهمته.

روجر هلسمان، احد واضعي نظرية الاستخبارات الامريكية، أيد المقاربة التي طرحها كاندل وقال إنه يجب تشجيع الاستخبارات على فحص كيف تؤثر قراراتها على الفضاء الممكن الموضوع امام متخذ القرارات. هلسمان قال إنه لا يمكن أن يكون رجال المخابرات منفصلين عن الذين يعملون لصالحها. حسب اقواله، رجال المخابرات يعملون لصالح متخذي القرارات ويخدمون اهدافهم من خلال تزويدهم بالارضية الضرورية لتقدير الوضع واتخاذ القرارات. هذا خلافا للوضع المعكوس الذي احسن وصفه روبرت جيرفس “من السهل الحفاظ على استخبارات نقية عندما تكون غير ذات صلة”.

وليام برانز ايضا اعتقد أن نتاج المخابرات يجب أن يكون قابل للاستخدام بالنسبة لمتخذ القرارات، لذلك على مجتمع المخابرات ان يعرف جيدا من المستهلك له. من اجل فهم ذلك على رجل المخابرات ان يكون قرب متخذ القرارات. حسب اقوال برانز فان الحاجة الى متخذ القرارات هي في فحص الحزمة الضوئية التي توجه جهود الجمع والبحث، حيث يتواجد الى جانبها نظام من التغذية الراجعة من متخذ القرارات على نتاج الاستخبارات التي وصلته.

تبني هذه المقاربة من قبل رؤساء المخابرات الامريكية يمكن رؤيتها في الاقوال التي قالها روبرت غايتس بعد وقت قصير من تعيينه في وظيفة مدير الاستخبارات الوطنية للولايات المتحدة، غايتس شدد على الحوار المفتوح الذي يجب اجراءه بين الاستخبارات والمسؤولين، لا سيما على ضوء حقيقة أنه ليس هناك طرف من المشاركين في النقاش الاستراتيجي محصن: “لا يوجد لاحد احتكار للحقيقة، جميعنا نتعلم امور جديدة كل يوم… يجب اجراء حوار، على كل مشارك أن يكون منفتح على افكار جديدة، وآراء بديلة مؤسسة جيدا يجب أن تجد تعبيرها”. غايتس قال إن التواصل بين رجال المخابرات ومتخذي القرارات هو نطاق يجري فيه الطرفين حوار ويخلقان معا معرفة، وليس حدث أحادي الجانب خطي فيه فقط تقوم المخابرات بنقل معلومات للمسؤول: “الحاجة لجعل متخذ القرارات يقرأ نتاجاتنا الاستخبارية لا يجب عليها ان تعرض للخطر موضوعيتنا وليس في ذلك ما من شأنه ان يشير الى ان علينا تحديث تقديراتنا، العكس هو الصحيح. المغزى هو ان علينا خلق نقاش سليم ومتزن في المسألة. اذا كنا نعرف ان متخذ القرارات لديه رأي معين حول موضوع معين، رأي مختلف عن تقديرنا، لا يجب علينا الابتعاد عن مقاربته، بل بالتحديد التطرق الى نقاط القوة والضعف فيه، وتضمينها في وقائع وشرح كيف توصلنا اليها”. خلافا لشعبيتها تربح المقاربة في اسرائيل. المقاربة التعاونية تحظى بتأييد اقل، ويبدو أن معظم مؤيديها ينتمون بالتحديد الى جانب رجال الاستخبارات. تلك الجهات تميل الى التشويش على البعد الاجرائي الرسمي الذي ينظم تعاون كهذا وتشدد على الثقة بين الطرفين كمدخل للتعاون وعلى فكرة المسؤولية المشتركة. ايضا قادة كبار في مجتمع المخابرات الاسرائيلي مؤخرا، مثل رئيس قسم التحقيق في الاستخبارات العسكرية السابق ايتي بروم، يؤكدون على أن مهمة رجال الاستخبارات لا تقتصر على توضيح الواقع وطرحه امام المسؤول. حسب رأي بروم، رجال المخابرات يجب ان يكونوا مشاركين ايضا في عمليات تشكيل السياسة على المستويات المختلفة.

في شهادة رئيس جهاز المخابرات العسكرية السابق، الجنرال افيف كوخافي، أمام مراقب الدولة الذي حقق في عملية “الجرف الصامد” في غزة في 2014، أكد على أن القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين لا يجب أن يكونوا مصغين سلبيين لتقديرات الاستخبارات. حسب رأيه عليهم أن يأخذوا دور في عملية الاحتكاك مع الاستخبارات وأن يكونوا شركاء في تحليل المعلومات وتفسيرها. حسب رأيه كرئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية اشار الى أن الحوار مع المسؤولين يغني جهاز المخابرات، وأكد على أن جهات التقدير حتى لو كانت ترتكز الى مصادر جيدة، يجب أن تكون مكشوفة للانتقاد.

من بين المؤيدين البارزين للمقاربة التعاونية يمكن الاشارة الى رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق موشيه يعلون الذي شغل ايضا وظائف قيادية رئيسية في الجيش الاسرائيلي (رئيس المنطقة الوسطى ورئيس الاركان وفي الحكومة). يعلون اشار في مقابلة اجريت معه مؤخرا الى أن عمليات دراسة وتفكير مشتركة بين المستوى السياسي والمستوى الاستخباري ضرورية لتطوير استراتيجية مناسبة، وأنه هو نفسه اتبع اسلوب تعاوني فيه جرى الحوار ليس بصورة تراتبية وبدون مراسيم، سواء في اطار وظائفه في الجيش أو عندما تولى وزارة الدفاع. يعلون اشار الى أنه رغم ذلك ليس دائما يستطيع المستوى السياسي كشف الروايات للمستوى العسكري الاستراتيجي بشكل عام، ولمستوى الاستخبارات بشكل خاص. ومن حقه الحفاظ على غموض استراتيجي. في هذه الحالات مطلوب من المستوى الاستخباري تطوير قدرة على حل نوايا المستوى السياسي ووجهته كي يستطيع توجيه موارد الاستخبارات بصورة تساعده على بلورة استراتيجية مناسبة.

المقاربة النظرية لنموذج العلاقات المطلوبة بين رجل الاستخبارات ومتخذ القرارات تنطلق من نقطة تسمى “مقاربة تعاونية”. هذه المقاربة ترتكز الى الافتراض الاساسي الذي لا يرى في العمليات الاستخبارية تعامل مع الواقع الموضوعي غير المرتبط بمن ينظر اليه. ونتيجة لذلك نحن لا  نرى في مشروع الاستخبارات “مؤسسة لفحص الواقع المقطوع عمن ينظر اليه. في نظرنا فان اهداف الناظر الاستخباري، عالم قيمه، مصالحه الاستراتيجية وحتى مجرد اختياره النظر في موضوع بحث معين لا غيره –  كلها تشكل اطار ضروري للطريقة التي يتم فيها تفسير الواقع من قبله. لذلك نحن نعارض النظرية التي ترى في تطوير المعرفة عن المحيط أو عن خصوم، مشروع حصري للاستخبارات، ونحن لا نرى في النتاج الاستخباري عملية اخيرة في مسيرة الاستخبارات أي “نتاج موضوع على طاولة المستهلك”، بل نقطة بداية لحوار وتطوير معرفة مشتركة.

مقاربتنا تؤكد على ثلاثة ابعاد في وظيفة وأداء الاستخبارات على المستوى الوطني: أولا، الابتعاد عن رؤية المخابرات كجهة مخصصة لفحص الواقع بواسطة “كشف الحقيقة”، ببساطة لأنها لا توجد في المستويات الاستراتيجية. ثانيا، ترك معيار وكأن جودة التقدير الاستخباري على المستوى الاستراتيجي يتم فحصها على ضوء قدرتها على طرح الواقع الموضوعي، وتقديره استنادا الى درجة القدرة على اتخاذ القرارات. ثالثا، التركيز على ضرورة التعاون بين المسؤول ورجل الاستخبارات لتطوير المعرفة، وكذلك خلق شروط لحوار مفتوح ضروري لتطوير المعرفة على المستوى القومي من اجل بلورة سياسة واخراجها الى حيز التنفيذ.

من الحقائق الى التفسيرات

مثلما ذكرنا، المعرفة المطلوبة لتشكيل استراتيجية ناجحة هي معرفة مجردة، التي تصنف في السياق الملموس وتعبر عن فكرة وتفسير وليس عن معرفة حقيقية. خلافا للمعرفة الاستخبارية في المحيط التكتيكي، فان الاستخبارات على المستوى القومي يتم تطويرها من قبل رجل الاستخبارات نفسه، ولا يتم استقبالها كمعرفة استخبارية. التحدي الذي يقف امام الاستخبارات حسب هذه المقاربة يختلف في هدفه عن دوره في المقاربة السابقة: ليس الحصول على معرفة حقائقية، بل اعطاء تفسير ومعنى للظواهر التي تجري لدى الخصم، كقاعدة لحوار مثمر مع المسؤول، من اجل أن يشكل هذا وسيلة لبلورة سياسة. في معظم الحالات اعطاء هذا التفسير لا يوجد في الطرف الآخر، ويشكل تحليل ذاتي لنا للخصم. اضافة الى ذلك لا يمكن فحصها بحكم “صحيح أو غير صحيح” لأنها تعبر عن نظرية محتملة فقط جاءت لخدمة بلورة سياسات ملموسة وليس سياسات عملية.

يجدر التأكيد على أن انتقال المخابرات من حقائق الى تفسيرات لا يعني أن المخابرات تترك صعيد الحقائق. التفسير في المحيط الاستراتيجي يرتكز على حقائق على المستوى التكتيكي. في الانتقال من الموضوعية الى موضوع ذا اهمية على الاستخبارات أن تحذر من التنازل عن الاستقامة المهنية لمن ينظر الى الحقائق، وحتى أنه يحظى بفضل ذلك على افضلية على الشركاء الآخرين في النقاش الاستراتيجي. في هذا السياق الاستخبارات تحظى بافضلية مزدوجة: هي ذات مقاربة متميزة واحيانا حصرية على مستوى الحقائق. هي من القلائل الذين يجلسون حول طاولة النقاش العادية في عملية تطوير المعرفة المهمة جدا لاتخاذ القرارات.

من النزاهة والتجرد الى الموضوعية

رغم أنه تسمع احيانا مقاربات تشدد على الموضوعية على حساب النزاهة وحتى تستبعد من البداية القدرة على الوصول الى التجرد، إلا أن الرأي السائد في اوساط قادة الابحاث في مجتمع المخابرات الاسرائيلية، مثل الامريكية، يؤيد السعي الى الوصول الى التجرد، أو للاسف المناورة بينها وبين الموضوعية. هكذا على سبيل المثال في موقع سي.آي.ايه يتم التأكيد على الحاجة الى تحقيق نزيه: “رجال ادارة البحث لـ سي.آي.ايه يساعدون في تقدير استخباري موضوعي دقيق ومجرد يرتكز الى كل المصادر الاستخبارية، وفي كل ما يتعلق بمجمل أوجه الامن القومي والسياسة الخارجية. هذا التقدير يقدم للرئيس ومجلس الوزراء وكبار رجال الدولة من متخذي القرارات”. كما قلنا، فان التوق الموضوعي للمعرفة الاستخبارية هو حسب رأينا أمر عقيم، لأن المعرفة والعلم يكونا الى الابد نسبيين ومرتبطين بالناظر. بناء على ذلك نحن نطلب الابتعاد عن المبدأ الذي يبحث جودة المخابرات في سياق فكرة النزاهة واستبداله بمبدأ الموضوعية وعلاقته بعملية اتخاذ القرارات. مبدأ الموضوعية والعلاقة كمعيار لفحص الاستخبارات امام متخذي القرارات على المستوى الوطني، تم عرضه جيدا من قبل غوش كرفل وانطوني اولكوت، اللذان قالا إنه مطلوب “جميعة تربط بين الاستخبارات ومتخذي القرارات” في اطارها تكف الاستخبارات عن أن تكون مزودة للمعلومات فقط وتبدأ في أن تكون مزودة للمعرفة والافكار. هذا الامر يحتاج تغيير مزدوج. أولا، على متخذي القرارات “الوقوف وكشف سياستهم امام الاستخبارات”، و”أن يسألوا اسئلة على اكثر من المعطيات. ثانيا، على رجال الاستخبارات أن يكونوا مشاركين في بلورة التوصيات والتغلب على خوفهم من ذلك، الذي يمنع دمج تداعيات نشاطات قواتنا مع تقديراتهم. حسب مقاربة كرفل واولكوت، في هذه الظروف من الحوار والتعاون لن يعود بالامكان الحديث عن نجاحات في السياسة أو عن فشل استخباري. لأنهما متضافران الواحد مع الآخر. تغيير آخر ينبع من الحاجة الى تعلم السياسات وتنسيق تقديرات الاستخبارات مع الحاجات النابعة من هذه السياسة. وحسب تعبير كرفل واولكوت “مطلوب من الاستخبارات أن تعطي ما هو مطلوب وليس ما هو موجود. رجل الاستخبارات الجديد يجب عليه تعلم قبول اهداف سياسية واستراتيجية باعتبارها شرعية وجديرة”. تطوير نموذج كهذا من الاستخبارات الذي يندمج في تشكيل السياسة، من شأنه أن يؤدي الى وضع من التوتر بينها وبين متخذ القرارات. حسب كرفل واولكوت في الحالات التي فيها رجل الاستخبارات لا يتماهى مع السياسات المقترحة، عليه الاستقالة. لأنه يوجد خطر في غياب توتر بين الطرفين، الاستخبارات ستتحول الى اداة في يد السياسي، كما ادعي ضد تقديرات الاستخبارات الغربية في تعاملها مع العراق في 2003. وحسب رأيهما فان الانجاز الرئيسي لهذه المقاربة، الى جانب تحويل الاستخبارات الى موضوعية، هو انه سيكون لمتخذي القرارات اذا ارادوا شريك يستطيعون معه “النقاش وسؤال اسئلة وبلورة سياسة مناسبة”.

من ثنائية قطبية – منتج/ مستهلك الى تعاون

المسؤول يحتاج الى شريك كي يستطيع هو والاستخبارات وجهات اخرى الوقوف على قيود ونقاط ضعف اللاعبين في المحيط الاستراتيجي وأن يشكل بناء عليها سياسة أو استراتيجية ناجحة. إن مهمة بلورة الاستراتيجية هي اذا مهمة مشتركة بقيادة المسؤول التي يوجد للاستخبارات دور مميز فيها (إن لم يكن حصريا) لأنها هي التي عليها أن تحضر للنقاش تفاهمات وتفسيرات حول المحيط الاستراتيجي. ومع ذلك فان المعرفة التي تجلبها الاستخبارات ليست معرفة بحد ذاتها (كما وصفت في “دائرة الاستخبارات” لكانت)، بل تجري عمليات مشتركة من تطوير المعرفة وبلورة التفاهمات. إن اعتبار الفهم الاستخباري للمحيط كموضوع قائم بحد ذاته بدون أن يعبر عن ادراك الناظر يخلق نقص هام.

ازاء ما قيل آنفا فان بلورة شبكة تفاهمات استراتيجية ازاء ساحة أو خصم يجب أن تتم بشكل مشترك على ايدي رجال مخابرات ومسؤولين. نحن نريد اذا الانفصال عن الثنائية التقليدية التي تميز بين منتجي المعلومات ومستهلكيها والنظر اليهم على الاقل بالمستوى النظري كشركاء حتى لو لم يكونوا متساوين. نحن لا نقترح أن ننفصل عن رؤية “دائرة المخابرات” لكانت بالكامل، لكن حسب رأينا فان المرحلة الاولى والاخيرة لها يجب تنفيذها من خلال لقاء قريب ومتبادل بين الاستخبارات والمسؤول. والذي يحول نموذج العلاقات الى علاقات متبادلة.

الجدول التالي يلخص التمييز بين المقاربة التقليدية والمقاربة التعاونية الفعالة التي نتمسك بها.

مقارنة بين المقاربة التقليدية والمقاربة التعاونية

المقاربة التقليدية

المقاربة التعاونية

ماذا تريد أن تعرف؟

ماذا تريد انجازه؟

تركز التهديدات

تركز على الفرص

تتطرق الى الماضي

تتطرق للمستقبل

تميل الى أن تكون تكتيكي

يجب أن تكون استراتيجي

نتاج

مسيرة، حوار

تبحث عن مقارنات وتحليلات

تحاول تشخيص المتميز

تهتم بالموضوعية

تهتم بالعلاقة والروابط

ردود

مبادرة، فعالة جدا

منطوي على الذات

منفتحة على الخارج

تميل الى التركيز على ما تشوش

تسمح بفحص ما نجح ايضا

انظمة كبيرة، المزيد من القوة البشرية، الخبرة، برامج واسعة

مرنة، متكيفة، أقل تراتبية واكثر تشابكا

مجموع

ادراك – فهم

الاشكالية في تطبيق المقاربة التعاونية

يبدو أن المقاربة التعاونية هي ممارسة مقبولة في الاحتكاك بين رجال الاستخبارات وبين القادة العسكريين مثل ضابط استخبارات القيادة الذي هو جزء لا يتجزأ من مجموعة التعلم التي يقودها قائد المنطقة. مع ذلك، على مر السنين تبرز صعوبات حقيقية في تنفيذ المقاربة التعاونية على المستوى الوطني. أي في اللقاء بين رجال الاستخبارات وبين المستوى السياسي. نحن نقدر أن سبب ذلك يكمن في خصائص سلوكية وبنيوية سواء من جانب المسؤول أو من جانب رجل الاستخبارات، وفي التوترات الخاصة بالمحيط الوطني.

في المحيط الاستراتيجي يوجد توتر اساسي بين وجهة نظر رجال الاستخبارات الذين عدد منهم يهتم بوصف المستقبل وبين وجهة نظر المسؤول الذي ينوي تشكيل المستقبل. المسؤولون يعتقدون في الغالب أن رجال المخابرات يميلون الى توسيع مجال عدم اليقين في العالم الذي فيه يعمل المسؤولون بدل تقليصه. المسؤولون يحتاجون الى حلول في حين أن التقدير الاستخباري يضع امامهم في الاساس التحديات. وتقريبا لا يضع امامهم حلول. اضافة الى ذلك، رجال الاستخبارات يميلون الى وضع تحفظات على تقديراتهم ورسم الكثير من السيناريوهات التي تصور على الاغلب بصورة غامضة. المسؤولون معنيون على الاغلب بأن تقدم لهم الاستخبارات تنبؤات، لكن ضباط الاستخبارات الذين يتمسكون بمكانة الانبياء لا يمكنهم أن يكونوا شركاء مخلصين للمسؤولين بكل ما تعنيه الكلمة.

احد القيود الرئيسية الاخرى الذي يقف امام تطبيق وجهة النظر التعاونية ينبع من أن المسؤول غير معني بشكل عام باشراك الاستخبارات في اعتباراته ونواياه الخفية: هو يخشى من السريب، واحيانا لا يريد أن يتحدوه، ويفضل رؤية معينة وغير معني بأن يشكك بها جسم مهني. مشكلة اخرى تتعلق بعدم وجود لغة مشتركة بين المسؤول ورجل الاستخبارات، حيث أنه من ناحية المسؤولين لغة الاستخبارات غير واضحة، أو للاسف لا تعبر عن مستوى اليقين الضروري لهم من اجل ادارة الاخطار.

علاوة على ذلك ليس دائما توجد علاقة مباشرة بين تقدير الاستخبارات وبين اتخاذ القرارات. احيانا القرارات وخصوصا الهامة منها يتم اتخاذها بصورة منفصلة عن تقدير الاستخبارات، والعامل المركزي الذي يدعو الى اتخاذها لا يتعلق بالتفاهمات التي تعرضها الاستخبارات بالنسبة للمحيط واللاعبين، بل يعبر عن اعتبارات اخرى تنبع من زاوية رؤية المسؤول. علاوة على ذلك، احيانا يتم اتخاذ قرارات بصورة معاكسة لتقديرات الاستخبارات حيث أن الاختلاف في وجهة نظر رجل الاستخبارات والمسؤول من شأنه أن يؤدي الى تفسيرات مختلفة، ولا نقول متناقضة، للوضع.

نوع آخر من المشكلات ينبع من حقيقة أن متخذ القرارات يتغذى من العديد من مصادر المعلومات عن المحيط الاستراتيجي التي في معظمها ليست استخبارية. هذا الامر صحيح بالاساس في الوقت الحاضر الذي فيه كل واحد يمكنه أن يصل الى بحر المعلومات والتحليلات المختلفة. حيث تكون للمسؤول فيها مصادر خاصة به. المسؤول يستطيع سؤال نفسه واحيانا بحق ما هي القيمة المضافة للاستخبارات عن التحليلات البديلة، التي يستطيع الحصول عليها مباشرة، وربما هي تشبه اكثر وجهة نظره.

اضافة الى ذلك، غالبا يوجد للمسؤول افضلية على الاستخبارات في فهم النظام الاستراتيجي وخاصة عندما يدور الحديث عن مسؤول له تجربة وعلاقات شخصية مع مسؤولين آخرين في العالم. المسؤول يظهر بشكل عام فهم عميق للطريقة التي يدار بها النظام العالمي، وهذا الامر من شأنه أن يسبب له أن لا يرى في الاستخبارات شريكة وخاصة عندما تؤكد هذه على وجهات نظر تهديدات عسكرية وتؤكد اقل على الفرص السياسية.

موضوع اخير من شأنه التصعيب على التعاون بين المسؤول والاستخبارات هو طبيعة جدول العمل السياسي للمسؤول المعني بمعرفة مجتمعات مدنية واقتصاد وثقافة. هذا خلافا لرأي الاستخبارات التي ركزت كما اسلفنا على التهديدات العسكرية. هذه الفجوة يمكن أن تصعب على المسؤول أن يرى في الاستخبارات كشريك، حتى لو اراد ذلك.

حتى الآن وصفنا اساسا الصعوبات والعقبات التي تدعو المسؤول لعدم رؤية الاستخبارات كشريكة. في نفس الوقت هناك عقبات ايضا لدى رجال الاستخبارات، التي من شأنها أن تمنعا من رؤية نفسها كشريكة للمسؤول. هذه العقبات تنبع على سبيل المثال من التمسك الشديد بالمقاربة التقليدية في اوساط رجال الاستخبارات وتميز النتائج الاستخبارية. في حالات كثيرة هؤلاء لا يشجعون الحوار، بل يريدون وصف “الاسطر الاخيرة”، وفي حينه تكون مصاغة على الاغلب بصورة غامضة.

إن تضافر عقبات هذه العقبات في الاتجاهين وفي الاساس غياب الاعتراف المتبادل من الطرفين بأنه في المقاربة التعاونية توجد فرصة حقيقية لحوار استراتيجي مفتوح بين المسؤول والاستخبارات، يحول تطبيق هذه المقاربة الى عملية صعبة جدا على التنفيذ.

الخلاصة

هناك عقبات غير بسيطة تقف امام تطبيق فكرة جميعة بين الاستخبارات ومتخذي القرارات: عدم رغبة متخذي القرارات في الانكشاف و/ أو الالتزام بسياسة، خوفهم هو من التسريبات والتراث البيروقراطي والمنهجي. مباديء ديماغوجية من علاقات منتج مستهلك التي ما زالت سائدة في الخطاب الاستخباري القومي، وكذلك السعي الى موضوعية “متخيلة” تشكل هي ايضا عوائق هامة.

التغيير في نموذج العلاقة بين الاستخبارات والمسؤول يوجد في مهده. يبدو أن فكرة علاقة تعاون بين الطرفين هي الاتجاه الصحيح الذي بناء عليه يجب تشكيل هذه العلاقة بهدف اعطاء رد جيد على تحديات الساعة التي يقف امامها من يشكلون السياسة ورجال الاستخبارات على حد سواء. الشرط الضروري لخلق هذا التغيير هو “الرغبة في التغيير”، كما احسن وصف ذلك ببساطة كاربل واولكوت.

من اجل تطبيق المقاربة التعاونية بين المسؤول وبين الاستخبارات يجب التعرف عليها ورؤية الامكانية الجديدة الكامنة فيها. ربما تكون غير مناسبة لكل المسؤولين، لكن الذين تناسبهم مطلوب منهم بذل جهود كبيرة لتطبيقها. افتراض أن الجهات الاستخبارية معنية بتشجيع الحوار المفتوح من المسؤولين، مطلوب منهم تقديم منتجات لهم لا تتفاخر بأنها “تتوقع المستقبل” بمستويات استراتيجية، لأن توقعات كهذه فقط تخلق بعدا بينهم وبين المسؤول. المنتجات التي ترسم فضاءات محتملة وتسمح للمسؤول بادارة أخطار يرفعون احتمال أن يروا في رجال الاستخبارات شركاء.

من ناحية المسؤول اذا كان معنيا بتغيير نمط علاقاته مع رجال الاستخبارات فيجب عليه خلق شروط لحوار مفتوح معهم ويمكنهم من اسماع آراء مختلفة ومتحدية. المسؤول مطلوب منه خلق علاقات ثقة مع الاستخبارات واشراكها بقدر الامكان في خططه وافكاره. رجل المخابرات من جانبه يجب عليه الرد على هذه الثقة بأن يحافظ على اسرار المسؤول والامتناع عن التسريب.

التعاون بين الاستخبارات والمسؤول على المستوى الاستراتيجي ليس امرا مفهوما بحد ذاته. ومطلوب بذل جهد كبير من الطرفين من اجل تطبيقه. اضافة الى ذلك توجد في تعاون كهذا امكانية كامنة لحوار جديد حيث يساهم، سواء في بلورة استراتيجية افضل أو استغلال افضل للاستخبارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.