Take a fresh look at your lifestyle.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – إردوغان يخسر إسطنبول : الأسباب والتداعيات

0 147

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية  – بولنت علي رضا؛ وزينب يكلير* –  25/9/6/2019

فاز أكرم أوغلو؛ مرشح حزب الشعب الديمقراطي الذي دعمته معظم الأحزاب الأخرى المعارضة للرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي يقوده، في انتخابات الإعادة لمنصب عمدة إسطنبول التي أجريت في 23 حزيران (يونيو)، والتي فرضها تحدي حزب العدالة والتنمية للنتيجة الأصلية يوم 31 آذار (مارس)؛ حيث كسب أكرم أوغلو 54 في المائة من أصوات الناخبين في مقابل 45 في المائة حققها مرشح حزب العدالة والتنمية، بينالي يلدرِم. وألقى الفارق الذي زاد على 800.000 صوت بين المرشحين الضوء على حدة الانتكاسة الانتخابية التي مُني بها إردوغان وحزبه؛ حيث كانت الفجوة التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات بعد إعادة إحصاء الانتخابات السابعة 13.000 صوت فقط.

في انتخابات الإعادة، خسر حزب العدالة والتنمية الأصوات في مناطق إسطنبول كافة البالغ عددها 39، في حين تجاوز حزب الشعب الديمقراطي أصوات حزب العدالة والتنمية في 11 منطقة كان الأخير قد فاز فيها في انتخابات 31 آذار (مارس). لأن مثل هذه الفجوة التي لا يمكن جسرها لا تسمح لحزب العدالة والتنمية بخوض تحد آخر، لم يكن هناك أيضاً تكرار للجدل الذي أثاره تأخر وكالة الأناضول الرسمية غير المبرر في إعلان نتائج الانتخابات السابقة. وقد سلَّم يلدرم بالنتيجة في وقت مبكر من عد الأصوات، وتبعه إردوغان بإرسال تغريدة تهنئة قصيرة.

شكل انتصار إمام أوغلو هزيمة شخصية لإردوغان، بعد أن جسدت حملة إردوغان لدعم يلدرم المبدأ الأكثر أساسية في السباق باعتباره استفتاء على قيادته. وبعد أن كان قد اتهم مرشح حزب الشعب الديمقراطي علناً بسرقة الأصوات في الانتخابات السابقة، بينما يدفع من أجل إعادة تبين أنها كارثية في نهاية المطاف، والتي كان قد تنبأ بنتيجتها يوم 2 أيار (مايو) حين قال “من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية سيكسب بنسبة مائة في المائة”، يكون إردوغان قد ارتكب بوضوح خطأ سياسياً اختيارياً باهظ الكلفة.

مع أنه يدرك الآن بالتأكيد التداعيات السلبية لقراره الضغط من أجل انتخابات إعادة، ربما يشعر إردوغان بأنه لم يكن لديه بديل بالنظر إلى الأهمية الرمزية والمادية لإسطنبول. وبما أنه فقد أنقرة، العاصمة، إلى جانب عدد من المدن المهمة الأخرى مثل أضنة، وأنطاليا ومرسين في انتخابات آذار (مارس)، فإنه لم يستطع أن يتقبل، من دون خوض قتال، خسارة أكبر مدن تركيا، على الرغم من الرأي الموثوق الذي أكدته الاستطلاعات بأن المعارضة ستحقق فوزاً أكبر.

تشبه نتيجة انتخابات حزيران (يونيو) إلى حد كبير انتصار إردوغان نفسه، الذي لم يكن متوقعاً، كمرشح غير معروف كثيراً في انتخابات بلدية إسطنبول في العام 1994. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا السباق الذي جاء بعد ربع قرن لاحقاً مجرد تعثر أم أنه إيذان ببدء تحول تاريخي.

الطريق إلى الهزيمة الثانية

أثارت انتخابات 31 آذار (مارس) شكاوى والتماسات مباشرة ومستدامة من حزب العدالة والتنمية للجنة العليا للانتخابات، على أساس وجود مخالفات مزعومة في عملية الاقتراع. وبعد تأكيد فوز إمام أوغلو في 17 نيسان (أبريل) في أعقاب إعادة لإحصاء الأصوات، والذي سمح له بالانتقال إلى مكتب العمدة، أمرت اللجنة العليا للانتخابات يوم 6 أيار (مايو) بإعادة الاقتراع، لتلغي بذلك ولايته ويتم استبداله مؤقتاً بحاكم إسطنبول الذي عينه إردوغان، علي ييرليكايا في اليوم التالي. وكان قرارها رفض صلاحية التصويت لمنصب رئيس البلدية، بينما تقبل بنتائج الانتخابات الثلاث الأخرى للمناصب الأخرى في المدينة في الاقتراع نفسه تذكيراً بالقرار المثير للجدل الذي كانت اللجنة العليا للانتخابات قد اتخذته، والقاضي بالقبول بأوراق اقتراع غير مختومة خلال استفتاء العام 2017 بناء على طلب من حزب العدالة والتنمية خلال عملية إحصاء الأصوات.

في حين كان قرار اللجنة العليا للانتخابات، وعلى نحو متوقع، محلاً للتهكم من إمام أوغلو ومؤيديه، فإنهم اختاروا التركيز على كسب الانتخابات مرة أخرى بدلاً من النزول إلى الشوارع للاحتجاج. ولقيت مهمتهم التسهيل بلا شك وإلى حد كبير من التصور واسع النطاق لدى سكان اسطنبول، بمن فيهم البعض ممن لم يكونوا قد صوتوا لإمام أوغلو يوم 31 آذار (مارس)، بأن لديه سببا للتظلم وبأنه يستحق تصويتاً متعاطفاً.

كان التباطؤ والفوضى في عمل حزب العدالة الذي اتسم سابقاً بالسلاسة، قيد العرض خلال الانتخابات البلدية على مستوى البلد كله في آذار (مارس)، وكان عاملاً مهماً أيضاً في تحديد النتيجة. فقد عملت المشاجرات الفصائلية الداخلية، مصحوبة بنوع من “الإجهاد الذهني” داخل الحزب، والذي كان إردوغان قد لفت الإنتباه إليه، على تقويض حملة يلدرِم. ونتيجة لذلك، بالإضافة إلى فشله في تحقيق هدفه المعلن المتمثل في جلب ما يقدر بـ1.7 مليون ناخب الذين لم يكونوا قد صوتوا في آذار (مارس) إلى جانبه، فقد حزب العدالة والتنمية في الحقيقة بعض الناخبين لإمام أوغلو، حتى في المناطق المتدينة مثل فاتح وأيوب.

على الرغم من تألقه البياني من حين لآخر، لم يتمكن يلدريم من إخفاء صورة مرشح تم جره إلى انتخابات إعادة بلا رغبة. وأكدت مشاركته الضعيفة في المناظرة التلفزيونية بين المرشحين يوم 16 حزيران (يونيو) -وهي الأولى التي تتضمن مرشحاً من حزب العدالة والتنمية في العقدين اللذين قضاهما الحزب في السلطة تقريباً- والأحكام اللاحقة المتعلقة بتواطؤ مزعوم ومحسوبية تتضمنان مدير المناظرة، أكدت على غياب أي خطوة فعالة لتحقيق نتيجة معاكسة.

تجلت الطبيعة المرتجلة لحملة حزب العدالة والتنمية أيضاً في المحاولة الأخيرة للتأثير على أصوات الأكراد، والتي تقدر بنحو 15 في المائة من ناخبي إسطنبول، عن طريق إقناع حزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية بعدم الوقوف خلف أوغلو. وكان إصدار ونشر رسالة من زعيم حزب العمال الكردستاني السجين، عبد الله أوجلان، بهذا المعنى، بالإضافة إلى ظهور شقيقه عثمان غير العادي على شاشة التلفاز، مؤشرات على اليأس في صفوف حزب العدالة والتنمية عند اقتراب التصويت. وبالإضافة إلى الفشل في إقناع الناخبين الأكراد بتبديل الولاءات، حيدت هذه المقامرة أيضاً الهجمات السابقة على أوغلو كأداة لحزب العمال الكردستاني.

كان دخول إردوغان المتأخر إلى الحملة بعد السماح ليلدرم بأخذ زمام المبادرة مؤشراً على تعثر حملة مرشح حزب العدالة والتنمية. وبفشله في جعل يلدريم يعبر خط النهاية فائزاً في 31 آذار (مارس)، على الرغم من الجهود الشخصية التي أكد فيها باستمرار ثيمة البقاء القومي ضد أعداء تركيا الذين يدعمون مرشحي المعارضة، عاد إردوغان إلى تلك الثيمة في خطابات عديدة ومقابلات تلفزيونية في الأيام الأخيرة، والتي لم تُحدث كثيراً من التأثير الذي تمكن رؤيته.

على الرغم من أن نقاط ضعف عديدة في حملة حزب العدالة والتنمية أسهمت في هذه النتيجة، من الواضح أن حزب الشعب الديمقراطي تمكن أيضاً من فهم عدد من الأمور بشكل أفضل هذه المرة. ووقف سلوك إمام أوغلو المعتدل، مصحوباً بلغته الشمولية والإيجابية، في تضاد تام مع صخب إردوغان وخطابه الاستقطابي. كما ساعده تأكيده على خلفيته المحافظة أيضاً على توسيع نطاق جاذبيته ليتجاوز قاعدة حزب الشعب الديمقراطي. وبالإضافة إلى الاستفادة من قلق مواطني إسطنبول الحتمي من طول بقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم، تمكن إمام أوغلو من مواجهة محاولة إردوغان إضفاء العاطفة الوطنية على حملة الانتخابات، بينما يتمسك بتركيزه على عرض خطط لمعالجة المظالم المحلية القديمة لسكان إسطنبول.

كما تمكن إمام أوغلو أيضاً من الاستفادة من السخط المتزايد بسبب العدد الكبير من اللاجئين السوريين في إسطنبول في سياق شكاواه العامة من المستويات العالية للبطالة في المدينة. وفي العملية، تمكن من تسليط الضوء على المخاوف الاقتصادية لدى الناخبين، والتي فشلت وعود إردوغان ويلدرم بقدوم أيام أفضل في التخفيف من حدتها.

التطلُّع قدُماً

مع انحسار نفوذ إردوغان على ما يبدو، تحول الزخم والحماس بعيداً عنه في هذه الآونة على الأقل. ومع تأكيد خسارة إسطنبول، سيتم الآن تحويل أكبر مدينة في تركيا من قلعة لحزب العدالة والتنمية إلى مركز للمعارضة، بينما ينهي إمام أوغلو وصاية أعضاء حزب العدالة والتنمية واسعة النطاق على المدينة، في حين يستهدف الروابط المالية لمؤسسات وشركات مفضلة معينة.

مع ذلك، وبقوله قبل الانتخابات أن إمام أوغلو سيواجه صعوبة في حكم إسطنبول، حتى لو أنه تمكن من الفوز، فإن إردوغان سيحاول بالتأكيد العثور على طرق لتقويض رجل كان قد قارنه يوم 19 حزيران (يونيو) بالدكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أطاح بالزعيم المنتخب محمد مرسي، بعد وقت تقصير من نعي الأخير علناً والإشارة إلى موته المفاجئ في السجن في مراسم جنازة رمزية. وكان أحد المجالات التي اقترح إردوغان إمكانية استكشافها هو محاكمة إمام أوغلو بتهمة إهانة حاكم أوردو خلال زيارة قام بها للمدينة أثناء الحملة الانتخابية.

حتى لو أنه يتساءل الآن عن كيفية التعامل مع معارضة كسبت شجاعة جديدة، فإن على إردوغان أن يبقي عينه أيضاً على الاحتمالية المتزايدة لحدوث أول انقسام مهم في صفوف حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه في العام 2001. وربما يميل قادة حزب العدالة والتنمية السابقون، مثل عبد الله غول، وعلي باباكان وأحمد داود أوغلو، الذين سبق وأن عبروا عن سخطهم من سيطرة إردوغان المطلقة على الحزب، حتى قبل انتخابات 23 حزيران (يونيو)، إلى التحرك والقيام بخطوتهم أخيراً.

على الرغم من أن رد إردوغان الحكيم على التعثر السياسي في إسطنبول وتداعياته الممكنة، سيكون تعديل حكمه من حيث الأسلوب والمحتوى إلى جانب خطابه، فإن السعي إلى إيجاد استراتيجية للتصالح مع منافسيه يتعارض مع ميله الطبيعي إلى مواصلة السير على طريق المواجهة الذي لطالما اختاره. وفي حين أنه سيجري بالتأكيد بعض التغييرات في حكومته ويقوم بتنظم الحزب بمجرد أن يحدد أولئك من مرؤوسيه الذين سيعتبرهم مسؤولين عن هزيمة 23 حزيران (يونيو) في إسطنبول، فإنه سيقوم بذلك وفقاً لجدوله الزمني الخاص وحساباته الخاصة. وفي أول خطاب ألقاه بعد الانتخابات أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية في الجمعية الوطنية التركية الكبرى يوم 25 حزيران (يونيو)، أعلن أنها ستكون هناك الآن مراجعة شاملة لجميع جوانب أداء النظام الرئاسي.

على الرغم من الجرح السياسي الذي صنعته انتخابات إسطنبول لإردوغان، من المهم ملاحظة أنه يحتفظ بالسيطرة الكاملة على عناصر صنع السياسة كافة على المستوى الوطني، وأنه لا يتعين عليه خوض أي انتخابات رئيسية أخرى قبل تلك المقررة في العام 2023. وسوف يحاول، عن طريق التركيز على القضايا الخارجية الرئيسية، صرف الانتباه بعيداً عن المشهد السياسي المحلي المضطرب والمشكلات الاقتصادية المتفاقمة. كما سيأمل إردوغان أيضاً في أن يمكنه ذلك من تأمين الدعم المحلي، بطريقة تشبه استفادته من استئناف الصراع مع حزب العمال الكردستاني لمساعدة حزب العدالة والتنمية على استعادة الأغلبية البرلمانية في انتخابات الإعادة التي أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2015، والتي كان قد خسرها قبل ستة أشهر. ومع ذلك، فإنه أصبح يعمل الآن في بيئة سياسية واقتصادية ودولية أكثر صعوبة؛ حيث تعمل المشاكل في كل من هذه المجالات على مفاقمة مثيلاتها في القطاعات الأخرى.

*بولنت علي رضا: زميل رفيع ومدير مشروع تركيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة. *زينب يكلير هي مساعدة بحث في مشروع تركيا في المركز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.