Take a fresh look at your lifestyle.

تجمعات فلسطينيي لبنان خارج المخيمات

0 160

محمود العلي 1/5/2019

شهد توزع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحولات جوهرية منذ النكبة عام 1948، فقد ارتبط بعدة عوامل، أبرزها توفير أماكن إيواء للاجئين وتقديم خدمات الإغاثة لهم. ومن المفيد التذكير بأن الخدمات، في بداية اللجوء، كانت تقدمها للاجئين الفلسطينيين هيئة الأمم المتحدة لإغاثة لاجئي فلسطين، حيث كانوا يقطنون عام 1951 في 126 مركزا في مختلف المناطق، وكان أكثرها في الجنوب اللبناني. وحسب بيانات إحصائية للمنظمة الأممية، هناك مواقع سكن عديدة كان اللاجئون مسجلين فيها إما تم إفراغها منهم أو جرى تعديل في هويتهم، بحيث اندمجوا في محيطهم، وأصبحوا جزءاً من البنية السكانية للموقع الذي قطنوا فيه. ومن الأمثلة على الأماكن التي تم إفراغها في بيروت دار الأيتام الإسلامية، التي كانت تضم 141 شخصاً، حيث كانت المساعدات تقدّم للمركز الذي استقبل الأيتام الفلسطينيين، وبقيت تقدم المساعدات حتى عام 1981. وقد غادر الأيتام المركز تباعا، ولم يبق فيه أحد. ومن نماذج الذين اندمجوا في المحيط بعض الذين قطنوا في جبل لبنان، كقاطني الحدث، وهم 375 فردا لجأوا إلى منطقة الحدث، ومعظمهم ممن اكتسبوا الجنسية اللبنانية. وكانت هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) قد أسست مدرسة عام 1959 في المنطقة، ثم أغلقت عام 1988، وتم نقلها إلى برج حمود. وهنالك 909 أفراد كانوا مسجلين في فرن الشباك، حيث بقي معظمهم في المنطقة، ومعظمهم اكتسب الجنسية اللبنانية.

وبالتالي، لا يعكس التوزيع الفعلي للاجئين في مراحل اللجوء الأولى الحالة الراهنة. كما أن مواقع إيواء عديدة تحولت إلى مراكز سكن ثابت، كالمخيمات التي بدأت “أونروا” في تأسيسها بالتعاون مع الدولة اللبنانية، إضافة إلى التجمعات التي كانت خارج إطار المخيمات. ومن المعلوم أيضاً أن التجمعات السكنية لم يجرِ قط الاعتراف بها من الدولة اللبنانية، أو من “أونروا” باعتبارها مخيمات رسمية. وبشكل عام، لزمت أكثرية اللاجئين الفلسطينيين السكن في المخيمات والتجمعات، إلى حين حصول قرارات من السلطات الرسمية أو تطورات أمنيه أدت إلى إجبارهم على تغيير أماكن سكناهم، ومن هذه التطورات الحرب الأهلية في لبنان. وبخلاف المخيمات الفلسطينية التي أسستها “أونروا” للاجئين، ومعترف بها من الدولة، فإن التجمع الفلسطيني أقيم على أملاك خاصة، أو على أملاك عامة غير مسموح رسميا السكن والإقامة فيها.

ويعرف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني التجمع السكاني الفلسطيني لأغراض إحصائية  

“لا يعكس التوزيع الفعلي للاجئين في مراحل اللجوء الأولى الحالة الراهنة”

بأنه مساحة (مكان) من سطح الأرض مأهولة بالسكان بشكل دائم، منفصلة جغرافيا عن أي تجمع مجاور لها، واعترف بها عرفيا وليس لها سلطة إدارية. وأما منظمة ثابت لحق العودة، فتعرّف التجمّع بأنه “منطقة جغرافية غير محدودة المساحة، غير معترف بها جغرافياً من الدولة اللبنانية أو أونروا، بحكم أنها غير شرعية، والأراضي التي يقيم عليها اللاجئون إما ملك للدولة اللبنانية أو أملاك خاصة، واللاجئون المقيمون في تلك التجمعات مهدّدون وبشكل دائم بالطرد من أصحاب الأرض أو الدولة اللبنانية نفسها، كما هو الحال مع القرار الذي صدر عن السلطات اللبنانية في العام 1998 بهدم منازل بعض المهجرين المقيمين في تجمع “درب السيم”، القريب من مخيمعين الحلوة للاجئين، لشق أوتوستراد رئيسي يربط بين مدينتي صيدا وصور في الجنوب.

حصل الأمر نفسه مع بعض قاطني المنطقة العليا في تجمع القاسمية، في أثناء حرب حركة أمل والفصائل الفلسطينية المعارضة للتدخل السوري في لبنان عام 1986، وطردت أسرةٌ نافذة تمتلك الأرض في المنطقة بعض العائلات، بدعم من حركة أمل حينها. وهذا ما تم، حيث عاش المهجرون مرحلة أخرى من التهجير إلى بقية المخيمات والتجمعات، ويمنع البناء أو الترميم في تلك التجمعات، ولا حتى في أوقات الطوارئ، إلا بترخيص من ثكنات الجيش اللبناني. وترى مؤسسة الفافو للدراسات الدولية التطبيقية في النرويج أن التجمعات يتكون كل واحد منها من 25 عائلة أو أكثر يعيشون معاً في ما يشبه الحارة أو الجيرة المعروفة بالتجمعات. وتتكون هذه التجمعات من مجتمعات لاجئين، متجانسة نسبيا، كالقرى الصغيرة، أو الأسر التي تعيش في المبنى السكني نفسه، يتكون من عدة طبقات في الشارع نفسه.

تنوع التجمعات

والحقيقة أن التجمعات الفلسطينية في لبنان ليست نتاجاً للأزمة السورية الناتجة عن دخول سورية إلى لبنان وصدامها مع المقاومة الفلسطينية. وفيما يفيد بعضهم بأن ظهور التجمعات الفلسطينية الأولى في لبنان يعود إلى الفترة التي تلت النكبة الفلسطينية (1948 – 1950)، فقد تشكلت معظم التجمعات الأخرى خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، نتيجة الاقتتال وتدمير المخيمات والتوسع الديمغرافي. وفي المقابل، يلفت آخرون إلى أن التجمعات الفلسطينية في لبنان تأسست في مرحلتين: الأولى بين عامي 1948 و1956، وهي نفسها التي أسست فيها المخيمات. الثانية بين عامي 1974 و1989، وشهدت تنوعا فائقا في طبيعة التجمعات، فقد ارتبطت ديمومتها أو تدميرها أو تأسيسها إما باعتداءات الكيان الصهيوني، كتدمير مخيم النبطية عام 1974، أو بمفاعيل الحرب الأهلية أو حروب المخيمات، حيث جرى إنهاء تجمعات، وتشكيل تجمعاتٍ، لم يدم بعضها طويلا، نتيجة الحروب  

“مواقع إيواء عديدة تحولت إلى مراكز سكن ثابت، كالمخيمات التي بدأت “أونروا” في تأسيسها بالتعاون مع الدولة اللبنانية”

الأهلية، فيما بقيت تجمعاتٌ أخرى قائمة، ولكنها مرهونة بقرارات الدولة وإجراءاتها. ويمكن تسمية المرحلة الثانية من تأسيس التجمعات بتجمعات اللاجئين المهجّرين، لأنهم أرغموا على ترك منازلهم التي كانت تأويهم في المرحلة الأولى للجوء. وفيما تحصي المؤسسة النرويجية “الفافو” حوالى 45 تجمعا للاجئين الفلسطينيين في لبنان، تفيد مؤسسة ثابت لحق العودة بأن عدد هذه التجمعات، استنادا إلى دراسة كانت قد أعدتها في مارس/ آذار 2007، يبلغ 58 تجمعا، وجرى تحديثها في نهاية يناير/ كانون الثاني 2011. وحسب دراسة للمجلس النرويجي للاجئين، بالتعاون مع مؤسسة البريمير إيرجنس، عن حاجات التجمعات الفلسطينية في لبنان عام 2009، فإن عدد هذه التجمعات بلغ 42، كما ورد في دراسة مؤسسة الفافو عام 2003. وعملت الهيئتان على متابعة أوضاع السكن والمياه والنظافة الصحية في 39 تجمعاً منها.

ومن المفيد الإشارة إلى أن الجماعات الفلسطينية الموجودة في بعض المناطق، على الرغم من وضع عددها في إطار التجمعات، ميدانيا لا تشكل إطارا موحدا يتواصل فيه اللاجئون مع بعضهم، ويشكلون وحدة اجتماعية متجانسة، على الرغم من تعدادهم الذي يفوق 25 أسرة، كحالة 326 أسرة موجودة في حي الفاكهاني، وحالة 217 أسرة في قصقص، والجماعتان مقيمتان في بيروت. وقد تم رصد تعداد التجمعين في البحث الميداني الأولي عن التجمعات الفلسطينية، في سياق محاولة الوصول إلى معطيات موحدة ودقيقة عن التجمعات الفلسطينية في لبنان، والتي دفعت الهيئات المعنية، ومنها لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، ومركز الإحصاء الفلسطيني، ومؤسسة التنمية الدولية، بالتعاون مع مركز حقوق اللاجئين – عائدون، إلى التدقيق بداية في عدد التجمعات الفلسطينية الموجودة وتكوينها، وعدد العائلات فيها، وجمع بيانات ومعلومات ديمغرافية مستندة إلى الخرائط عنها، استنادا إلى تعريف “الفافو” التجمع باعتباره مرحلة أولى، تمهيدا لإجراء الإحصاء الميداني المعمق لعدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في التجمعات التي تم رصدها. وقد أجري هذا البحث خلال عام 2017، واعتبر التجمع هو المساحة الجغرافية خارج المخيمات الرسمية التي تقطن ضمن نطاقها 15 عائلة فلسطينية فأكثر.

أعداد وتوزيعات

وقد قسمت التجمعات إلى نوعين: المحاذية للمخيمات، وهي امتدادات للمخيمات الرسمية، بفعل الحروب والتهجير والحاجة إلى التوسع مع ازدياد الأعداد، مثل المناطق المحاذية لمخيم نهر

“أصبحت المخيمات في بيروت أماكن تجمع الفقراء من لبنانيين وسوريين”

البارد، شمال لبنان، أو منطقة صبرا في بيروت. التجمعات الأخرى هي المناطق التي يوجد فيها الفلسطينيون ضمن أحياء القرى والمناطق الممتدة على مختلف الأراضي اللبنانية، مثل تجمع جل البحر في منطقة صور، أو في مدينة صيدا القديمة، ووادي الزينة، في منطقة الشوف (جنوب بيروت). وقد أظهرت نتائج التعداد أن حوالى 55% من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في التجمعات الفلسطينية والمناطق المحاذية، مقارنة بـ45% في المخيمات، حيث بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في التجمعات المحاذية للمخيمات 37652 فرداً، وفي التجمعات الأخرى 57847 فرداً من مجموع اللاجئين، والذين بلغ عددهم 174422 شخصاً، حسب التعداد الذي أجرته لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني.

وفيما كانت تشير بيانات “أونروا” إلى وجود 52% من اللاجئين المسجلين لديها في المخيمات من حوالي 480.000 لاجئ، فإن الأبحاث الجديدة تشير إلى تراجع عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في المخيمات بشكل واضح. والملفت أن قاطني المخيمات من اللاجئين الفلسطينيين، والتي أسميها المخيمات المفتوحة في بيروت، والتي أسست لاحتضان اللاجئين الفلسطينيين، أصبحوا أقلية، قياساً بقاطنيه من سوريين ولبنانيين، إذ لا يتم لفت النظر هنا إلى العدد القليل من فلسطينيي سورية والجنسيات الأخرى التي تسكن المخيمات، للإشارة إلى أنها لم تعد مخيمات فلسطينية إلا لفظياً. فمخيم برج البراجنة، مثلاً، الذي يبلغ مجموع قاطنيه 18351 فرداً، يحوي 8219 فرداً من اللاجئين الفلسطينيين، أي نسبة 44% من قاطنيه، مقابل 8790 سورياً، أي 47.9%، و529 لبنانياً، أي 2.9% من قاطنيه. أما مخيم ضبية الذي مجموع قاطنيه 1772 فرداً، ففيه 758 فرداً من اللاجئين الفلسطينيين، أي نسبة 42.8%، مقابل 690 لبنانياً، أي نسبة 38.9%، و276 سورياً أي نسبة 15.6% من قاطنيه، ومخيم مار الياس الذي مجموع قاطنيه 1767 فرداً، فيه 748 فرداً من اللاجئين الفلسطينيين، أي نسبة 42.3%، مقابل 690 سورياً، أي 39%، و161 لبنانياً، أي 9.1%. أما مخيم شاتيلا، الأسوأ نسبة للمخيمات الأخرى، والذي يحوي 14010 أفراد، فبقي فيه 4156 فرداً من اللاجئين الفلسطينيين، أي نسبة 29%، في مقابل 8064 سورياً، أي 57.6%، و1155 لبنانياً، أي نسبة 8.2%.

وتفيد هذه المعطيات بأن المخيمات الفلسطينية في بيروت لم تعد فعلياً كذلك، بل أصبحت، في أحسن الأحوال، أماكن تجمع الفقراء من لبنانيين وسوريين، على الأغلب، يجدون في المخيمات ملاذاً لحالات الفقر، بعيداً عن الصورة النموذجية للمخيم، باعتباره مكانا يجمع الفلسطينيين الفقراء، لأن أكثرهم هاجروا وغادروا البلاد، بسبب عدم إعطائهم حقوقهم المدنية والإنسانية للعيش الكريم، وغياب مشروع وطني كفاحي، بإيجاد طموح لديهم في العودة إلى وطنهم فلسطين. وما أظهرته الدراسة الميدانية لهيئة الحوار اللبناني الفلسطيني عن العدد المحدود للاجئين الفلسطينيين الموجودين فعلياً في لبنان وبقوا فيه مؤشر واضح على تناقص عددهم مع التسهيلات التي تقدم للفلسطينيين بشكل غير منظور للهجرة إلى الخارج، وهم في أثناء محاولاتهم الهجرة إلى بلاد اللجوء الجديدة قد يفتقدون العيش الآمن الذي لم يعد متوفراً في بلاد الغرب، كما كان يحصل مع لاجئي السبعينيات والثمانينيات.

*عن العربي الجديد

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.