Take a fresh look at your lifestyle.

محمد أبوالفضل يكتب – ما تبقى من مؤسسة الجامعة العربية

0 87

محمد أبوالفضل 11/3/2019

القمة العربية المنتظر انعقادها في تونس قبل نهاية مارس الجاري، ستعيدقدرا من الزخم المعنوي للجامعة العربية، غير أنها لن تعيد العافية الماديةلهذه المؤسسة، لأن القمم التي عُقدت السنوات الماضية تحولت إلى لقاءاتروتينية، يتجنب حضورها العديد من القادة والزعماء، لعدم جدواها علىالأرض، والابتعاد عن الدخول في تراشقات جديدة، بعد أن أصبحتالاجتماعات ساحة لتصفية الحسابات في بعض القضايا، والتعبير عنتوازنات القوى بين جدران الجامعة.

قمة تونس لن تختلف عن القمم التي جرت خلال السنوات الماضية، وقدتكون الدولة المضيفة حريصة على خروجها لبر الأمان بأقل خسائر ممكنة،وليس بحثا عن المكاسب العربية الممكنة، لأن الأجواء التي تحيط بهامشابهة تقريبا لسابقاتها، فمن غير المتوقع أن تتطرق لجوهر المشكلاتوالصراعات والنزاعات، ويرجح أن تكتفي بتكرار المواقف المعلنة والمتفقعلى الحد الأدنى منها، لكن هل هذه النتيجة كافية لاستمرار صرح فيحجم الجامعة العربية؟

الجدل يتردد قبل كل قمة عن فائدة الجامعة وأهميتها في حل القضاياالعربية، وتنسيق المواقف في الملفات المصيرية، وحتى القضية الفلسطينيةالتي كانت محل توافق نسبي عام لحقت بها الخلافات مؤخرا، وتجذرتتوجهات مع وضد التسوية السياسية وصورتها المطلوبة، ليس حبا أوغضبا مما هو مطروح للحل، لكن بسبب الظلال التي أرختها المسافاتالسياسية المتباعدة على حزمة من القضايا العامة، وما اصطحبته منمستجدات وأزمات.

اللقاءات التي جمعتني مع أحمد أبوالغيط الأمين العام للجامعة العربية فيالأسابيع الماضية، أكدت أن الرجل لا يزال متفائلا بالمؤسسة التي يتولىرئاستها، ويرى أن هناك ضرورة لاستمرارها، ويرد على من ينتقدون تراجعدورها بأنها حاصل جمع قوة الدول العربية، وإذا كانت الغالبية ضعيفةولديها مشكلات مركبة فمن الطبيعي أن تعاني الجامعة، وتتعثر في اتخاذمواقف حاسمة ترفعها إلى المستوى الذي تنتظره الشعوب.

إغلاق أبواب الجامعة العربية تماما هو حل غير مرغوب فيه لدى معظمالأعضاء، لأنهم لا يملكون البديل الجاهز، ودرجت قيادات بعض الدول علىالاستفادة من المؤسسة المترهلة في خدمة أغراض سياسية محددة

السفير أبوالغيط يلجأ أحيانا للحديث بدبلوماسية عندما يجد صعوبة فيالتعبير مباشرة عن حالة العجز التي تعاني منها الجامعة العربية، لكنه لاينكر أن ثمة ضغوطا وعرة من داخلها وخارجها تحول دون مواصلة هذهالمؤسسة العريقة لدورها بدرجة عالية من الحيوية السياسية، ويتمنى دوماتجاوز التعقيدات التي تحول دون ذلك.

أبوالغيط يدافع عن الجامعة كصرح عربي مهم، حتى لو كان دور هذاالصرح غير ملموس لكثيرين، ووجد في القمة العربيةالأوروبية التيعُقدت في شرم الشيخ الشهر الماضي طوق نجاة ضد من درجوا علىتوجيه انتقادات حادة لهذه المؤسسة، لأنها نجحت في مخاطبة الاتحادالأوروبي ووصلت إلى الصيغة التي أفضت إلى قمة يرى فيها مستقبلاواعدا، وتحمل إشارة إيجابية حول الآلية التي تملكها، وإذا تم توظيفهاجيدا يمكن أن تحقق فوائد جماعية.

قد يكون أبوالغيط وضع يده على بعض الجراح وقدم رسالة معنوية، تمنحمن في مثل منصبه دورا رمزيا، لكن لن يتم إعفاؤه من مسؤولية العمل علىتنشيط هذا الدور وتوسيع نطاقه وجني مكاسب، بما يمنح الجامعة أهميةكمؤسسة تنضوي تحت مظلتها الدول العربية، لأن الضجيج السياسيالذي يحدث في الغرف المغلقة ويجيده بعض الزعماء لن يكفي لجعلها قوةمؤثرة في التفاعلات الإقليمية.

القمم واللقاءات الوزارية التي تعقدها الجامعة، داخلها أو مع كياناتأخرى، تتراوح بين السياسة والاقتصاد والأمن وغيرها من المجالاتالصاعدة في العلاقات الدولية، ولن تؤدي إلى ضخ الدماء في عروقها،فهذه المسألة تحتاج لمبادرات خلاقة وترتيبات وخطوات تتكيف مع المعطياتالراهنة في العالم، بكل ما تحمله من تطورات في المفاهيم والتحركاتوطرق التعامل بمرونة مع المفاجآت الصادمة.

التباين الحاصل بين من مع الجامعة العربية ومن هو ضدها خفتت حدتهمؤخرا، ولم تعد الدول والأشخاص والدوائر العربية معنية بغلق أو إصلاحهذه المؤسسة، وكأن الجميع أصبح مرتاحا للحالة التي وصلت إليها(موجودة وغير موجودة في آن واحد)، ولقي هؤلاء في الصيغة الخاملة التيوصلت إليها ملاذا ضمنيا يعفيهم من المسؤولية السياسية، لعدم قدرتهمعلى التطوير أو الهدم.

التطوير يتطلب إرادة قوية ورغبة في تبني طروحات تؤدي إلى الغايةالمنشودة، وفي نموذج الجامعة من المفترض أن تكون على قدر التحدياتالتي تتعرض لها دولها، فرادى وجماعات، الأمر الذي يصعب الوصول إليهمع زيادة هوة الخلافات، والعجز الذي أصاب غالبية الهياكل، وجعلالبعض يراها منتدى سياسيا يجتمع على مضض مرة واحدة كل عام، ولنيحدث ضررا من عدم الاجتماع أصلا.

الدول التي طالبت بالتطوير والإصلاح، بصرف النظر عن أهدافها، لم تعدتجرؤ على النطق بذلك، وكأن اليأس أصابها وعجزت عن الحصول علىاستجابة واسعة لصيحاتها، كما أن تبني هذا النوع من الأفكار أوقعها فيخلاف مع دول تريد المحافظة على هذا الكيان في صورته السائلة، أي لاهو مؤسسة تقوم بدورها كما يجب، ولا ينهار بما يضع على عاتق الأعضاءأعباء سياسية مضنية.

إغلاق أبواب الجامعة العربية تماما هو حل غير مرغوب فيه لدى معظمالأعضاء، لأنهم لا يملكون البديل الجاهز، ودرجت قيادات بعض الدول علىالاستفادة من المؤسسة المترهلة في خدمة أغراض سياسية محددة، فقدتحولت إلى أداة معنوية للمعاقبة والمجاملة عند صدور بعض القراراتالموجهة إلى أعضاء أو خصوم.

ضغوط وعرة من داخل الجامعة العربية وخارجها تحول دون مواصلة هذهالمؤسسة العريقةضغوط وعرة من داخل الجامعة العربية وخارجها تحولدون مواصلة هذه المؤسسة العريقة

الهدم أيضا يفتح المجال أمام تخلي بعض الدول عن التزاماتها الرمزية،ويقدم لها مبررات كافية للتحالف مع قوى إقليمية غير عربية، ويؤدي إلىتكوين تكتلات مختلفة، تعيد ظلال ما حدث في ثمانينات وتسعينات القرنالماضي، عندما تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي ومجلس التعاونالعربي والاتحاد المغاربي، وبعدها مشروع دول إعلان دمشق، ولم يصمدسوى الأول لخصوصيته المعروفة، وحتى هذا الكيان بدأ يتأثر عقب نشوبأزمة مع قطر، جراء تبني توجهات تتعارض مع مصالح دول رئيسية فيالمجلس الخليجي.

الخط العام الواهن والذي تسير فيه الجامعة العربية صمد أمام الكثير منالرياح السياسية والأمنية التي هبت الفترة الماضية، لكنه مستبعد أنيصمد طويلا مع زيادة التشققات بين الدول العربية وتراجع أهمية المصالحالمشتركة، في مقابل تعاظمها مع دول غير عربية، ولذلك قد تعود نداءاتالإصلاح والهدم مرة أخرى بطريقة أكثر شراسة.

الحالة التي تخيم على مؤسسة الجامعة العربية وجعلت البعض يقبل بهاعلى مضض لن تدوم مع تنامي التحديات التي تواجهها المنطقة، بعد أنحولها العجز في التعامل مع الأزمات إلى عقبة أمام من يمتلكون خططافي التعاطي مع المشكلات الإقليمية، لأن استمرار الانسداد سوف يصبحعائقا عند من يريدون التأقلم مع التطورات الجارية في العالم.

لن يتبقى من الجامعة سوى ذكريات مريرة، وكانت الاجتماعات التي تعقدفي مدن عربية مختلفة شاهدة على حجم الغضب الذي يعتمل في النفوس،بما تطلب بذل جهود مضاعفة لتحجيمه، وحصد أولوية تفوق ما حصدهالاهتمام بالقضايا التي لها علاقة مباشرة بالأمن القومي العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.