Take a fresh look at your lifestyle.

كردستان العراق والمقاربة الجديدة في العلاقات الداخلية والإقليمية

0 77

مركز الجزيرة للدراساتلقاء مكي – 20/12/2018

يتعامل إقليم كردستان العراق بشكل متفائل ولكن حذر مع استعادة الدفء في العلاقة مع بغداد، وتعتقد أربيل أن الزيارة التي قام بها الزعيم الكردي، مسعود البرزاني، إلى بغداد، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ستغير نحو الأفضل الواقع الاقتصادي والمعيشي وكذلك السياسي في الإقليم، لكن ذلك لن يزيل على أية حال طابع التوجس الذي يحمله الكرد تجاه (شركاء الوطن). تمكن البرزاني خلال تلك الزيارة المفاجئة من كسر العزلة التي اختارها لنفسه بعد تداعيات الاستفتاء الكردي على الانفصال أو (الاستقلال) حسب تعبير الكرد، في سبتمبر/أيلول 2017.

ورغم أنه لم يعد يحمل أي منصب رسمي، سوى زعامته للحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أن الحفاوة التي لقيها البرزاني في بغداد، كانت تؤشر إلى اهتمام خاص بمكانته وبدوره المستقبلي الممكن في العملية السياسية، دون أن يكون هذا التطور مرتبطًا بالكامل بوجود صديقه القديم، عادل عبد المهدي، في موقع رئيس الوزراء.

في الغرف المغلقة في بغداد، “حظي البرزاني بحفاوة فاقت ما لقيه في الاستقبالات العلنية”، هذا ما ذكره أحد أعضاء الوفد المرافق للزعيم الكردي1، لكن هذه الحفاوة لم تقدم للبرزاني كل ما أراد، بل ولم توفر له أيضًا -حسب ما نُقل عنه- ضمانات بتنفيذ بغداد للاستحقاقات الدستورية التي لا تفتأ كردستان تطالب بها2، ومع ذلك فالكرد اعتبروا أن الزيارة ناجحة، فهي على الأقل فتحت الباب أمام تطبيع العلاقات، وتخفيف الأعباء المالية التي تحمَّلها سكان الإقليم لسنوات، لكنهم أيضًا لا يريدون المضي في العلاقة مع العاصمة من دون مقاربة جديدة، حتى ولو بدا أن ذلك قد لا يكون واقعيًّا.

ولا يمكن أن يكون انفتاح بغداد على البرزاني مجرد انتباهة مفاجئة لأهمية كردستان وزعيمها، ولن يكون موضوعيًّا التعامل مع عودة العلاقات مع أربيل، من غير حساب المعادلات الإقليمية، والتأثيرات الخارجية المباشرة، التي قد يكون لها تأثير حاسم -حسب بعض التحليلات- في التمهيد لزيارة البرزاني مقابل استحقاقات سيكون على إقليم كردستان تقديمها في المستقبل.

الحضور الكردي في المعادلة العراقية

منذ عام 2003، عُرف الكرد بأنهم شكَّلوا (بيضة القبان) في كل المعادلات السياسية التي كانت تجري في بغداد، فقد كان حضورهم الموحد في البرلمان تحت اسم التحالف الكردستاني بعدد مؤثر من المقاعد، يفرض نفسه على معادلات تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء وعلى التحالفات السياسية التي تلت كل انتخابات عامة جرت في العراق منذ العام 2005،وفي مجمل هذا الحضور مثَّل (التحالف الاستراتيجي) للكرد مع القوى السياسية الشيعية متغيرًا ثابتًا تحكم بتوجهات الكرد بشكل عام، وفي رؤيتهم للحصول على مصالحهم أو ما يعتبرونه (حقوقًا) لهم.

كان هذا التحالف قد نشأ منذ تسعينات القرن الماضي، من خلال العمل المشترك في إطار القوى المعارضة لنظام الرئيس الراحل، صدام حسين، وقد تأسس هذا التحالف على أساس مرجعيات سابقة تعود إلى الحرب العراقية-الإيرانية، حينما دعمت القوى الشيعية التابعة لإيران التحرك الكردي المسلح، وعمل الطرفان سوية بدعم من طهران ضد بغداد، وهو ما قدمته القوى السياسية الكردية لمواطنيها على أنه دعم شيعي للمطالب الكردية، وتعبير عن (مظلومية) مشتركة لكل من الطرفين على يد النظام3.

وبغضِّ النظر عن مصداقية هذا الطرح، فقد أدى غرضه بتسويق (التعاطف) الشيعي مع الكرد، وهو ما استثمره الأميركيون، بتعزيز التعاون بين الطرفين ضمن إطار معارضة النظام، وتبدَّى بشكل خاص في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية السابقة في ديسمبر/كانون الأول 2002، حينما جرى الاتفاق على تقاسم النفوذ في (عراق المستقبل) قبل بضعة أشهر من الغزو الأميركي، وتم في وقت لاحق باعتماد قوات الاحتلال الاميركي بعد الغزو على الطرفين بشكل خاص سياسيًّا وأمنيًّا، مقابل تمكينهما من تنفيذ أجندات متعددة الاتجاهات لصالحهما تتوزع ما بين السياسي والاقتصادي والأمني والجغرافي والديمغرافي.

من خلال هذه الفرصة التاريخية، تهيأ للكرد أن يحققوا كثيرًا من أهدافهم المعلنة؛ حيث توسعوا بعد العام 2003، ليسيطروا عمليًّا على مناطق خارج الرقعة الجغرافية لإقليم كردستان، سميت بالمناطق (المتنازع عليها)، من دون معارضة واضحة أو حاسمة من السلطة المركزية التي هيمن عليها الشيعة، حتى العام 2008 حينما نشبت أزمة حادة بين أربيل وبين رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، وصلت حد التلويح باجتياح عسكري لمناطق تسيطر عليها البيشمركة، وتعتبر بعض الكتابات الكردية ذلك التاريخ أنه الموعد الذي انهار فيه التحالف مع الطبقة السياسية الشيعية4.

في مرحلة لاحقة، أعادت المصالح أربيل الى المشهد السياسي العراقي، ولكن من دون ضمانات بالثقة، وفي صيف عام 2014 استثمر إقليم كردستان انهيار الجيش العراقي أمام تنظيم الدولة وانسحابه من كركوك لتسيطر البيشمركة على المدينة الأثيرة لدى الكرد، دون معارضة من بغداد التي كانت تحت صدمة تقدم التنظيم. وبعد أشهر من ذلك، تحدث البرزاني عن (حدود الدم) التي تصبح حقًّا جغرافيًّا للإقليم5، وهو ما توسع لاحقًا ليشمل المزيد من الأراضي خارج الحدود الإدارية لكردستان، وتتمثل بمساحات واسعة في جميع المحافظات المحاذية للإقليم، وهي: ديالى وصلاح الدين ونينوى فضلًا عن كركوك، وذلك قبل أن تعاود قوات الحكومة المركزية السيطرة عليها بعملية عسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 2017، دفعت الكرد مرة أخرى إلى حدود 2003.

ما زال ذلك التراجع العسكري يمثل انتكاسة كبيرة عند الكرد، فهم يعتبرون أن تلك الأراضي (المتنازع عليها) بحكم الدستور كانت حقوقًا لهم حصلوا عليها بفرض الأمر الواقع وتطبيق الدستور بالقوة، بعدما وجدوه “من غياب دولة المواطنة وعدم سيادة القانون وبعد أن قامت بغداد بتطبيق انتقائي للدستور”6 بتجاهل تطبيق المادة 140 منه، وهذه بالطبع رؤية قد تجد بين سياسيي بغداد من يرد عليها، لكن وبرغم النشوة الظاهرة بعودة العلاقات الحالية مع بغداد، إلا أن النخب الكردية تؤكد أنها لن تنسى أن دبابات القوات الحكومية العراقية وصلت في خريف 2017 إلى بوابات أربيل، وكانت تنوي السيطرة عليها لولا “مقاومة البيشمركة والتدخل الأميركي”7، بل إن بعضهم يقارن هذه الأحداث بالانتكاسة الكبيرة التي تعرضت لها الحركة الكردية المسلحة في ربيع عام 1975 حينما انهارت بعدما توقفت إيران عن دعمها إثر اتفاقية الجزائر مع العراق.

وينظر الكرد إلى ما حصل في أكتوبر/تشرين الأول العام 2017 على أنه يؤكد وجود “كمٍّ هائل من الحقد والكراهية ضدهم، وهو ما أيقظ شعورًا كاد أن يضعف أو يخف، وهو أنه لا خيار للعيش المشترك”8. واستعادت تلك الأحداث مشاعر سائدة تصف خضوع كردستان لسيطرة النظم المتوالية في بغداد بأنها “استعمار داخلي”؛ الأمر الذي استدعى من الكرد الركون في مختلف المراحل إلى أطراف خارجية من (الأصدقاء) “بعدما تعبنا من الإخوة” على حد وصف أحد المسؤولين الكرد9.

ورغم أن بغداد ركزت سهامها بعد الاستفتاء على شخص مسعود البرزاني، فإن الرجل الذي اعتزل الظهور العام والمناصب الرسمية، ظل الرقم الصعب الوحيد في إقليم كردستان، لاسيما بعد وفاة ندِّه القوي، جلال الطالباني، في خريف عام 2017، وتمكن خلال العام الذي ظن فيه كثيرون أنه انتهى سياسيًّا، من قيادة حزبه (الديمقراطي الكردستاني) إلى نتائج مهمة في الانتخابات العامة بحصوله على أعلى عدد من المقاعد بين الكرد (25 مقعدًا)، وبعد ذلك بخمسة أشهر فاز الديمقراطي الكردستاني بأكثر من 40% من المقاعد في انتخابات برلمان إقليم كردستان متقدمًا على الجميع.

كانت هذه النتائج تقدم مؤشرًا واضحًا على قوة البرزاني، وضرورة التفاهم معه وليس عزله، إن كان هناك من يريد تعاون الكرد في التفاعلات السياسية والأمنية الراهنة في العراق والمنطقة، فكان استقباله في بغداد جزءًا من هذا الفهم، وفي إطار عملية تبادل للمنفعة جرت برعاية إيرانية.

اللاعب الإيراني من جديد

تتعامل طهران بجدية بالغة مع التهديدات الأميركية، لكنها تعتقد أن “المدى الذي يمكن أن تصله القوة الأميركية هو الذي يحدد العلاقة مع إيران”10، وهي لذلك تبني تكتيكاتها على أساس منع واشنطن من تحقيق وجود مؤثر وضاغط في المنطقة، ولاسيما في العراق، وهكذا تضطر إلى التفاهم معها بدلًا من قتالها. ولتحقيق هذه الغاية، كان من المهم لإيران أن تحاصر المصالح الأميركية في العراق، وأن تخلق لنفسها المزيد من مصادر الضغط والحلفاء، لاسيما إن كان هؤلاء من بين القوى المحسوبة أصلًا على الجناح الأميركي تاريخيًّا. وفي هذا المفترق بالذات تدخلت إيران لدى البرزاني مستغلة أزمته مع كل من الولايات المتحدة وتركيا، حليفتيه التقليديتين، لتمنحه فرصة إعادة إنتاج نفسه سياسيًّا، ولتفك الحصار الحكومي المالي والسياسي عن إقليم كردستان، فتحصل بالمقابل على موطئ قدم في أربيل، وتقنع في نفس الوقت مزيدًا من الفرقاء في العراق، بأنها الطرف الحقيقي صاحب الكلمة والقرار في هذه البلاد وليس الولايات المتحدة.

غير أن الأمر يتعدى بالتأكيد الجانب المعنوي، فطهران بلغت بالفعل ما كانت تسعى إليه من تأمين طريق بري يصل بينها وبين ضفاف البحر المتوسط. حدث ذلك عمليًّا منذ نهاية مايو/أيار 2017، حينما أعلن أبومهدي المهندس، وهو أحد أكثر الشخصيات العراقية قربًا من إيران، سيطرة قوات من الحشد الشعبي العراقية على الحدود مع سوريا بعد طرد تنظيم الدولة من قرى أيزيدية في مناطق غربي الموصل11.

كان ذلك التطور في حينه علامة فارقة في مخطط إيران للربط بينها وبين البحر المتوسط بطريق بري مسيطَر عليه من قبل ميليشيات تابعة لها، وقد تحقق لها ذلك بالفعل حتى قبل انهيار تنظيم الدولة في الموصل، لكن واحدة من المشاكل التي ظلت تهدد هذا النجاح الإيراني الاستراتيجي، هو موقف قيادة إقليم كردستان غير الودي مع إيران، وقدرة قيادة الإقليم التي طالما كانت مقرَّبة من الأميركيين والأتراك على تهديد الممر الإيراني الجديد في المنطقة، أو على الأقل توفير نقاط انطلاق للولايات المتحدة لتقوم بذلك.

وحسب معلومات من مصادر كردية، فإن “البرزاني ما بعد الاستفتاء قد أخذ الدرس من علاقاته ما قبل الاستفتاء عندما توجه فعلًا لضمان جبهته الخلفية (إيران) بعدما عمل اجتماعات سرية مع قاسم سليماني الذي وعد بدوره البرزاني بالعودة قويًّا إلى بغداد، وهو ما حصل فعلًا، فعاد كما كان رغم ما قيل وسيقال من أوامر بالقبض عليه من بغداد نتيجة إجراء الاستفتاء، وبعدما أبلغت القيادات الشيعية الكرد المعادين للبرزاني في بغداد، بأن أية علاقة لبغداد مع كردستان تكون عبر البرزاني وليس غيره”12.ورغم أن تدخل سليماني بشكل شخصي في الترتيب لزيارة البرزاني إلى بغداد لم تتأكد من أي مصدر رسمي سواء في بغداد أو أربيل أو طهران، فإن من الواقعي تمامًا افتراض أن هذه الزيارة لم يكن لها أن تحظى بهذا القدر من الحفاوة على الأقل، بدون ضغط إيراني مباشر، لاسيما أن أحد أبرز السياسيين المقربين من إيران، وهو هادي العامري، كان في استقبال الزعيم الكردي إلى جانب رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي.

لكن أي ثمن يمكن أن يدفعه الكرد إقليميًّا أو دوليًّا مقابل هذا الرهان؟ حتى الآن لا يبدو أن أربيل يمكن تدفع شيئًا، هذا إن لم تحصل على مزيد من المكافآت، فالولايات المتحدة، وهي الطرف الذي يمكن أن يتسبب بحرج أو حتى أذى للكرد، تبدو وكأنها ليست في وارد إدراك ما يجري حولها، وما زالت تتلمس طريقها في العراق، وكأنها تسير في الظلام، وربما هي لم تعِ بشكل جدي حقيقة ما يمكن أن تخسره، إذا ما أصبحت أربيل أكثر قربًا من طهران، والأمر ذاته يكاد أن ينطبق على تركيا التي لم تعالج حتى اللحظة علاقتها التي ساءت مع البرزاني عقب الاستفتاء، وهي رغم استقبالها ابن أخيه رئيس الوزراء، نيجرفان البرزاني، في أنقرة، إلا أن مفاتيح السياسة في كردستان العراق، وفي جزء مهم من التجمعات الكردية في عموم الإقليم ما زالت في يد مسعود البرزاني، وهو واقع لن يتغير في المدى المنظور على الأقل لمجرد أن تركيا تريد ذلك.

والأمر ذاته ينطبق على الداخل العراقي؛ حيث أصبحت العلاقة المباشرة مع إيران بالنسبة للبعض سياقًا وظيفيًّا للحراك السياسي أو الأمني، كما أنها لدى بعض آخر تعامُل مع أمر واقع تكرس خلال السنوات الماضية وما عاد بالإمكان تخطيه، وقد تمكنت إيران باستخدام القوة الخشنة وبجدية بالغة منذ عام 2003، من فرض حضورها ونفوذها مقابل ضعف وتشتت الأطراف المنافسة سواء كانت الولايات المتحدة أو الأطراف العربية أو حتى تركيا، وهذا الواقع الذي قد يستمر حتى حين، يتعامل معه السياسيون السنة والشيعة وجزء من الكرد، فيما كان البرازاني قبل هذا الوقت من بين أقل الأطراف العراقية حماسة للعمل ضمن شبكة المصالح الإيرانية، رغم الإغراءات والتهديدات، وهو على سبيل المثال زار السعودية في ديسمبر/كانون الأول 2015 في أوج النزاع السعودي-الإيراني، رغم علمه بما تقدمه تلك الزيارة من رسالة سلبية إلى إيران، لاسيما أنه لم يقم بزيارة مماثلة إلى طهران.

هذا الواقع ربما يتغير اليوم، من خلال استثمار إيراني للنفوذ والحضور الطاغي في بغداد، ولوضع الإقليم وعزلته، وهو أمر قد يكون له مستقبلًا تأثير على طبيعة الانخراط الكردي في الملفات الداخلية والإقليمية، وقد تكون الولايات المتحدة وتركيا من بين أبرز الخاسرين في ذلك، دون حساب للأطراف العربية التي لم تستثمر أصلًا كما يجب في العلاقة مع كردستان العراق.

المقاربة الكردية الجديدة

لا يتعامل الكرد بمنطق واحد مع سائر الملفات السياسية المطروحة في بغداد، وهذا الأمر ليس جديدًا، لكنه اتخذ بعد استفتاء سبتمبر/أيلول 2017 بُعدًا مختلفًا تمثل بخصومة، بل بعداء بين طرفي القوة في كردستان: الحزب الديمقراطي الكردستاني المهيمن في أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني المهيمن في السليمانية. كانت الخلافات بين الطرفين، ولاحقًا بينهما وبين حركة التغيير، تخضع للتقنين والسيطرة، لاسيما في مجلس النواب العراقي؛ إذ طالما شكَّلت القوى الكردية تحالفًا مؤثرًا يتكلم بصوت واحد، لكنها وجدت نفسها بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، متأثرة بشدة بتداعيات الاستفتاء والخلافات الجسيمة التي حدثت، والتي وصلت حد اتهام مسعود البرزاني لخصومه بالخيانة بسبب المعلومات عن دورهم في انسحاب البيشمركة من كركوك وتسهيل دخول القوات الحكومية إليها.

بطبيعة الحال، كان (الخبر الجيد) للكرد في ظل انقسامهم البيني، أن الحال ذاته بات ينطبق على الجميع، حيث انقسم السنة والشيعة أيضًا بين عدة تيارات، وبالتالي لم يعد التحالف الطائفي أو العرقي في البرلمان الحالي على الأقل جزءًا من سياق العمل السياسي. وقد استثمر البرزاني فوز حزبه بأعلى عدد من المقاعد بين الكرد، سواء في انتخابات مجلس النواب العراقي او البرلمان الكردي، ليذهب الى بغداد وفي جعبته ما هو أكثر من التوصية الإيرانية؛ حيث بات بمقدوره أن يفرض نفسه كجزء مؤثر من آلية اتخاذ القرار في بغداد، وفي ذلك هو سيعوض على الأقل، خسارة سباق التنافس على منصب رئيس الجمهورية الذي حظي به في نهاية المطاف برهم صالح، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، على حساب مرشح الديمقراطي، فؤاد حسين، الذي تولى لاحقًا وزارة المالية.

ويبدو أن ذلك لن يكون نهاية المطاف في استفادة مسعود البرزاني من عودته السياسية إلى بغداد، فهو يريد استثمار هدنته مع الإيرانيين لضمان الموافقة الضرورية من جانب بقية القوى الكردية ولاسيما طرفي القوة في السليمانية (حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير) على قيامه في مطلع ديسمبر/كانون الأول الحالي (2018) بترشيح كل من ابن أخيه، نيجرفان البرزاني، لرئاسة إقليم كردستان، وكذلك ترشيح ابنه مسرور لرئاسة وزاء الإقليم. يدرك البرزاني بطبيعة الحال أن إيران تحظى بنفوذ واسع في السليمانية، وهو تأثير تقليدي مهم على الاتحاد الوطني ومن بعده حركة التغيير التي انشقت عنه في عام 2009. ولذلك، فلم يكن من قبيل المصادفة المحضة أن يُشرك البرزاني ابنه، مسرور، ضمن الوفد الذي رافقه إلى بغداد، كما أن ترشيحه للمنصب بعد عودته إلى أربيل كان أيضًا جزءًا من عملية الاستفادة من الزخم الجديد الذي اكتسبته العلاقات مع كل من بغداد وطهران، لتمرير صفقة الحكم الجديدة في أربيل، والتي سيتسلم فيها الجيل الثالث من العائلة البرزانية مقاليد الحكم في الإقليم.

وبغضِّ النظر عن المكاسب التي تحققت للكرد من زيارة مسعود البرزاني إلى بغداد، فإن المهم في المقاربة الكردية الجديدة في العلاقة مع السلطة الاتحادية في العاصمة، يتمثل -حسب المصادر الكردية- في عنصرين أساسيين على الأقل13: 1- أن يكون هناك توزيع جديد للسلطة، من خلال تأكيد الطابع الفيدرالي (الحقيقي) للدولة، وأن يكون دور الكرد في السياسة العراقية قائمًا على أساس الشراكة بين حكومة الإقليم وبين الحكومة المركزية، وليس فقط من خلال حضور الساسة الكرد في السلطة المركزية التشريعية أو التنفيذية.

2- اعتراف بغداد بـ(المكاسب) التي حققها الإقليم منذ عام 1991 سواء كانت ذات أساس دستوري وقانوني أو كانت تحققت بحكم الأمر الواقع، ويشمل ذلك الوضع الميداني والعسكري والاقتصادي وكذلك العلاقات الخارجية، وسيكون هذا الاعتراف أساسًا للاستقرار وتجنب التصادم مستقبلًا.

وبعيدًا عن حسابات بغداد وفرص التعامل مع هذين العنصرين، فإن الظاهر أن المقاربة الكردية الجديدة ستفرض سياسة أكثر حذرًا في التعاطي مع التعقيدات العراقية الداخلية، وربما ستعتمد إلى حد ما على وجود عادل عبد المهدي في رئاسة الحكومة كفرصة لتحقيق استقرار في العلاقات، على أمل أن تقتنع بغداد بالمطالب الكردية التي قد تبدو بعيدة عن التحقق استنادًا إلى التجارب السابقة في العلاقة بين الطرفين.

المراجع

1- السياسي الكردي مسعود حيدر، مقابلة خاصة مع الكاتب في أربيل بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

2- عبد الحكيم خسرو نقلًا عن حوار مباشر مع مسعود البرزاني، مقابلة خاصة مع الكاتب في أربيل بتاريخ 1 ديسمبر/كانون الأول 2018.

3- فرست مرعي، الكرد بين السنة والشيعة، العراق نموذجًا، الجزيرة نت، 23 مايو/أيار 2007، (تاريخ الدخول:15 ديسمبر/كانون الأول 2018): https://goo.gl/qXc5FS

4- كفاح محمود، سياسة الحكومات العراقية تجاه الكرد منذ إعلان الدولة العراقية حتى الاستفتاء، مركز الجزيرة للدراسات، 2 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2018): http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/09/180902101932470.html

5- برزاني: الحدود الجديدة تُرسم بالدم في العراق وسورية واليمن، الحياة، 6 فبراير/شباط 2015، (تاريخ الدخول 18 ديسمبر/كانون الأول 2018): https://bit.ly/2EujecQ

6- مسعود حيدر، مصدر سابق.

7- المصدر السابق.

8- كفاح محمود، سياسة الحكومات العراقية تجاه الكرد منذ إعلان الدولة العراقية حتى الاستفتاء، مركز الجزيرة للدراسات، 2 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2018) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/09/180902101932470.html

9- ريناد منصور، كيف ساعد الأكراد في إعادة الولايات المتحدة إلى العراق، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 29 يونيو/حزيران 2015، (تاريخ الدخول 18 ديسمبر/كانون الأول 2018): http://carnegie-mec.org/2015/06/29/ar-pub-60577

10- قناة العالم، تهديات ترامب والقراءة الخاطئة، 4 فبراير/شباط 2017، (تاريخ الدخول: 18ديسمبر/كانون الأول 2018): https://bit.ly/2SVuuDm

11- إيران تسير قدمًا في إنشار ممرها البري إلى البحر المتوسط، BBC عربي، 31 مايو/أيار 2017، (تاريخ الدخول: 19 ديسمبر/كانون الأول 2018): http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40098393

12- أحمد الزاويتي، البرزاني يسير على بساط بغداد بعد رفضه السير على بساط زاخو، الجزيرة نت، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 19 ديسمبر/كانون الأول 2018): https://goo.gl/y3Agb3

13- عبد الحكيم خسرو، مصدر سابق.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.