Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة من منظور فلسطيني في السياسة الأميركية وصفقة القرن

0 75

 

مركز الجزيرة للدراسات – هاني المصري * – 4/6/2018

مقدمة

غداة توليه سدة الرئاسة الأميركية، أعلن دونالد ترامب عزمه التوصل إلى صفقة نهائية للصراع المزمن في الشرق الأوسط. وقال إنه سيحقق ما فشل سابقوه في تحقيقه، وكلف صهره، جاريد كوشنر، بترؤس فريق “السلام”، معلنًا أن كوشنر إذا لم يستطع إنجاز هذه الصفقة، فلا أحد غيره يستطيع تحقيقها.

أُطلق على هذه الصفقة أسماء مختلفة من المؤيدين والمعارضين لها، مثل: “صفقة الحل النهائي”، “صفقة القرن”، “صفقة ترامب”، “صفقة الصفقات”، “الصفقة الإقليمية الكبرى”، “صفعة القرن”، “مؤامرة القرن”. وأعلنت الإدارة الأميركية في مرات عدة أنها ستطرح هذه الخطة/الصفقة، وحددت مواعيد في الخريف (2017) والشتاء (2018)، وربيع العام 2018، ولكن الصفقة لم تُطرَح حتى اللحظة.

مؤخرًا، قال خمسة مسؤولين أميركيين نقلًا عن وكالة “أسوشيتد برس”: إن الخطة ستُطرح في منتصف شهر يونيو/حزيران 2018(1)، في حين أشار ديفيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، إلى أنها ستطرح خلال الشهور القادمة(2).

هناك مؤشرات كانت تستوجب القلق والحذر الفلسطيني والعربي والدولي من هذه الخطة منذ البداية، وأهمها تعيين فريق أميركي برئاسة كوشنر للعمل من أجل إنجازها، أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه فريق “صهيوني متطرف” بكل معنى الكلمة، كونه لا يكتفي بتأييد إسرائيل، وإنما يؤيد “اليمين الصهيوني” تأييدًا أعمى، لدرجة أنه لا يوجد مبالغة في الوصف الذي أطلقه عليه الكثير من السياسيين والمعلقين بأنه يمثل إسرائيل أكثر مما يمثل الولايات المتحدة.

رغم ذلك، راهن العديد من المسؤولين الفلسطينيين والعرب على ترامب، ممن يطالبون برؤية نصف الكأس الملآن، وارتأوا الانتظار قبل الحكم على الصفقة حتى عرضها. ومبعث رهانهم الخاطئ أن ترامب أتى من خارج النظام الأميركي والنخبة التقليدية، وأقل ارتهانًا للوبي المؤيد لإسرائيل، لدرجة أنهم لم يمولوا حملته الانتخابية، عدا عن أن معظم اليهود انتخبوا منافسته، هيلاري كلينتون، في الانتخابات الرئاسية، متناسين أنه يستند في دعمه إلى ما هو أسوأ، وهم المحافظون الجدد و”المسيحيون الصهاينة”.

كما راهن هؤلاء على أن ترامب شخص لا يمكن التكهن بمواقفه، وعلى بعض التصريحات التي تحدث فيها عن التنازلات المتبادلة، وعلى الاهتمام الذي أبداه بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس؛ إذ كان من أوائل الزعماء والرؤساء الذين التقاهم.

في الحقيقة، لم ينبع هذا الرهان من رؤية نصف الكأس الملآن كما يزعمون، وإنما من العجز وعدم توفر القناعة والإرادة للمواجهة، ما أدى إلى عدم رؤية ما يحمله ترامب حقيقة، فهو كان واضحًا منذ البداية، فضلًا عن تجاهل الأهمية الحاسمة للرهان على الذات وعلى الأوراق والعوامل المضمونة والمعروفة بتأييدها للقضية الفلسطينية.

ما هي الصفقة؟

لم تُطرح الصفقة بشكل رسمي حتى الآن، وهناك ما يشير إلى أنها تتعرض لإجراء تعديلات باستمرار لم تغيِّر من مضمونها الأساسي، أي يتم رش بعض العسل على السم على أمل أن تُقبل، وذلك بعد الرفض الفلسطيني والعربي والدولي لها، الذي ظهر جليًّا بعد القرار الأميركي بنقل السفارة، لدرجة رفض 14 دولة من أصل 15 في مجلس الأمن لهذا القرار، فضلًا عن انعقاد القمة العربية، والقمة الإسلامية مرتين، للتأكيد على رفض هذا القرار، إضافة إلى رفضه من 128 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع تأييد 9 دول فقط له، من ضمنها إسرائيل والولايات المتحدة ودول أخرى صغيرة الحجم والأهمية.

يمكن تلخيص آخر ما تسرب عن مضمون الصفقة وفق ما نشره موقع “ديبكا” الإسرائيلي نقلًا عن مصادر وصفها بالمطلعة، بالنقاط الآتية:

•قيام دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة على نصف مساحة الضفة الغربية وكل قطاع غزة.

•احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية على معظم الضفة الغربية ومعابر الحدود.

•بقاء وادي الأردن تحت السيادة والسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

•ضم الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى الدولة الفلسطينية، باستثناء البلدة القديمة، التي ستكون جزءًا من “القدس الإسرائيلية”.

•”أبو ديس” العاصمة المقترحة للدولة الفلسطينية.

•دمج غزة في الدولة الفلسطينية الجديدة بشرط موافقة “حماس” على نزع السلاح.

•لا تتطرق الخطة إلى اللاجئين الفلسطينيين، ولكن سيتم إنشاء آلية تعويض وإدارة من قبل المجتمع الدولي.

•الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي، وفلسطين بسيادة محدودة كوطن للفلسطينيين.

•تتشارك فلسطين والأردن السلطة الدينية على الأماكن المقدسة في مدينة القدس(3).

وما هو غائب عن الخطة: “الاستعمار الاستيطاني”؛ إذ من المفهوم ضمنًا أن غالبية المستوطنات، بما فيها البؤر العشوائية، ستُضم إلى إسرائيل.

يشار إلى أن صائب عريقات نقلًا عن مصادر عديدة وزع ملامح الخطة الأميركية في يناير/كانون الثاني 2018، أي ما طرحه في اجتماع المجلس المركزي في 15 يناير/كانون الثاني 2018، أو ما جاء في التقرير السياسي الذي قدمه إلى جلسة المجلس الثوري لحركة فتح في 1 يناير/كانون الثاني 2018(4).

لم يقتصر الموقف الأميركي على التأييد “الأعمى” لليمين الإسرائيلي لقرار نقل السفارة، بل ترافق معه اتخاذ إدارة ترامب قرارات عدة تصب في نفس الاتجاه، وشملت: إغلاق مكتب منظمة التحرير بواشنطن، وتأكيد تصنيف منظمة التحرير منظمة إرهابية، وقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني التي تتعلق بخصم قيمة مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى من المعونات المقدمة للفلسطينيين (مشروع تايلور-فورس)(5)، والعمل على تمرير قانون يجرم مقاطعة إسرائيل، وقانون محاسبة الفلسطينيين، الذي فتح الباب على تشريع سلسلة من العقوبات على الفلسطينيين والمنظومة الدولية، إضافة إلى قرارات أخرى مثل قرار ترامب بقطع جميع المساعدات عن الفلسطينيين ما لم يقبلوا العودة إلى المفاوضات بالشروط الأميركية، وتقليص المساعدات عن وكالة الأونروا والسعي لإلغائها وتغيير صفة اللاجئ، فضلًا عن عدم التمسك بحل الدولتين حيث أشار ترامب إلى أنه لا يتمسك به، وإنما سيوافق على ما يتفق عليه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي(6).

الموقف الفلسطيني

وقع الموقف الفلسطيني تحت تأثير صدمة عنيفة عندما أعلن ترامب قراره بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، واعتبر الرئيس عباس “صفقة العصر صفعة العصر”، مؤكدًا التزامه “بحل الدولتين على أساس الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية على حدود العام 1967 ووقف الاستيطان، وعدم القيام بإجراءات أحادية”، وعلى الذهاب إلى مجلس الأمن حتى الحصول على العضوية الكاملة، ومواصلة الانضمام إلى المنظمات الدولية. كما شدَّد على “أننا لا نقبل أن تكون أميركا وسيطًا بيننا وبين إسرائيل ونريد لجنة دولية”. وأضاف: “إننا لن نقبل بما تريد أميركا أن تفرضه علينا من صفقات، وسنعيد النظر في علاقاتنا مع إسرائيل، كما نرفض المساس برواتب أسر الشهداء والأسرى والجرحى”(7).

ورفض المجلس المركزي في اجتماعه، يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني 2018، قرار ترامب حول القدس، واعتبر أن الإدارة الأميركية بهذا القرار قد فقدت أهليتها كوسيط وراعٍ لعملية السلام، ولن تكون شريكًا في هذه العملية إلا بعد إلغاء القرار.

كما أكد المجلس رفض سياسة ترامب الهادفة لطرح مشروع أو أفكار تخالف قرارات الشرعية الدولية بحل الصراع، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، من أجل إنهاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من إنجاز استقلالها، وممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها، بما فيها العاصمة القدس الشرقية على حدود 67(8).

من جانبه، قال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات: إن هذا القرار “يشكِّل البداية لمرحلة أميركية جديدة في عملية السلام في الشرق الأوسط، يمكن تسميتها بـ”المرحلة الأميركية الجديدة-فرض الإملاءات”، وأن على كل من يريد السلام أن يوافق على ما ستفرضه أميركا، وأن من يعارض ذلك سيعتبر من قوى الإرهاب والتطرف المتوجب على القيادات السياسية في المنطقة طردها ومحاربتها. فالاعتدال “يعني قبول صفقة فرض الإملاءات التي تعتبر بامتياز تبنيًا كاملًا وشاملًا لمواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بفرض الأمر الواقع من خلال الاستيطان الاستعماري، ومصادرة الأراضي، وطرد السكان، والتطهير العرقي، وهدم البيوت، والاغتيالات والاعتقالات والحصار والإغلاق”(9).

أما موقف حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ومختلف الفصائل بشكل عام، فقد رفضت هذه الصفقة بشكل جذري. فكان هناك توجس مبكر من مجيء ترامب ورفض كامل لسياسته التي ابتدأت منذ اعتلائه سدة الرئاسة بالضغط على السلطة لوقف الموازنة المخصصة لعائلات الشهداء والأسرى، والتركيز على وقف ومحاربة “الإرهاب والتحريض الفلسطيني”، عدا عن وضع “حماس” و”الجهاد” وقادة منهما على “قائمة الإرهاب”، والتركيز على تطوير التنسيق الأمني المشترك، وعدم التطرق لكل ما تقوم به إسرائيل، خصوصًا بالنسبة للاستمرار والتوسع الرهيب في الاستعمار الاستيطاني، وتبني الرواية الصهيونية للتاريخ والأحداث، ودعوة الفلسطينيين للاعتراف بها كوطن للشعب اليهودي (ليس لليهود المقيمين فيها فقط، بل لليهود في العالم كله).

ويمكن أن نضيف سببًا إضافيًّا لرفض “حماس” لصفقة ترامب، وهو أنه مَثَّل في سياسته انقلابًا على السياسة التي اعتمدها أسلافه بشكل عام الذين تجنبوا نقل السفارة رغم صدور القانون الأميركي القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والمطالب بنقلها من تل أبيب إلى القدس، فضلًا عن انقلابه على سياسة سلفه، باراك أوباما، بشكل خاص، التي راهنت على “الإسلام السياسي المعتدل” لمحاربة ما سموه بـ”الإسلام المتطرف”.

ليس من الممكن للفلسطينيين ولا بمقدور قيادتهم القبول بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإخراجها من مائدة المفاوضات، ولا القبول بقرار نقل السفارة الذي يشي بحقيقة صفقة القرن، خصوصًا أنها ترافقت مع سلسلة من الخطوات التي تدل على أن إدارة ترامب لن تكرر محاولات أميركية سابقة بالاكتفاء بإدارة الصراع من دون المغامرة بمحاولة حله، مثلما فعل أوباما، ولن تبحث عن تسوية، وإن مختلة، لصالح إسرائيل كما فعل بيل كلينتون، وإنما تسعى لفرض “الحل الإسرائيلي” على الفلسطينيين، مراهنة على ضعفهم وانقسامهم، وعدم تبلور استراتيجية فاعلة لديهم أولًا.

كما تراهن إدارة ترامب على الوضع العربي المنقسم والغارق في صراعات داخلية، وبين محاور مختلفة يراهن بعضها على التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد “الخطر الإيراني”. وتترافق أيضًا “صفقة القرن” مع صراعات إقليمية بين دول تشمل إيران وتركيا وإسرائيل، بلا مشروع عربي ترفعه دولة بعينها أو مشترك يحمي مصالح وحقوق العرب، ويوقف حالة التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة التي يجري التعامل معها مثل الرجل المريض الذي يسعى كل طرف لأخذ أقصى ما يمكن من إرثه قبل أن يموت.

إن هذا الواقع جعل بعض العرب يراهنون على الولايات المتحدة للوقوف إلى جانبهم ضد “الخطر الإيراني” و”تجاهل الخطر والعدو الإسرائيلي”، الذي لا يهدد فلسطين والفلسطينيين والدول المحيطة بفلسطين فقط، بل إن من أهداف المشروع “الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي” الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، حتى لو اقتضى ذلك تحالف بعض العرب مع إسرائيل على أساس القاعدة التي ليست دائمًا صحيحة، وهي أن “عدو عدوي صديقي”.

لقد اتخذ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، منذ صدور القرار الأميركي بنقل السفارة وحتى الآن، موقفًا رافضًا للخطة الأميركية ومجنِّدًا العالم كله ضدها. وفي هذا السياق، أوقفت القيادة الفلسطينية الاتصالات مع إدارة ترامب، وقدمت مؤخرًا طلب إحالة للوضع الفلسطيني بمجمله، مركزة على الاستيطان، إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهذه خطوة كبيرة وإن أتت متأخرة بما تدل عليه من توفر إرادة سياسية.

إن هذه الخطوة وغيرها من “الغضب الفلسطيني” على قرار ترامب، ومقاطعة المسؤولين الأميركيين لأغراض سياسية، وعدم اعتبار الإدارة الأميركية وسيطًا نزيهًا ليست كافية؛ إذ هناك عدة تحديات يجب على الفلسطينيين التعامل معها:

1.استعادة وحدة مؤسسات السلطة بعيدًا عن هيمنة وتفرد أي فصيل، وعلى أسس وطنية وديمقراطية توافقية، بما يضمن إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتضم مختلف ألوان الطيف الفلسطيني، ويراعي المصالح الخاصة، ويستجيب أساسًا للمصلحة الوطنية.

2. تغيير كيفية اتخاذ القرار، بحيث يُتخذ عبر المؤسسات وبصورة جماعية، كما يتطلب مراجعة بعض القرارات، وعلى رأسها ضرورة وقف الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة، لأنها تشكِّل انتهاكًا للحقوق الفردية والوطنية. مع التأكيد على أن العقوبات الجماعية على غزة أدت إلى عكس الغرض منها، فلم تذعن “حماس” لشروط السلطة، ولم تثر الجماهير ضدها، عدا عن أن القطاع يقترب -إن لم يكن اقترب فعلًا- من الانهيار أو الانفجار، الذي لن يؤدي إلى عودة سيطرة السلطة، وإنما قد يؤدي إلى الفوضى والفلتان الأمني وتعدد السلطات ومصادر القرار.

إن استمرار الانقسام الفلسطيني وضعف المؤسسات وانحصار القرار الفلسطيني بشخص واحد يسهل الضغط عليه لإخضاعه أو التخلص منه، واستمرار سيطرة “حماس” الانفرادية على قطاع غزة، وعقد مجلس وطني من دون مشاركة فصائل وقطاعات أساسية من غير بذل كل ما يلزم لمشاركتها، كلها أسباب لضعف الموقف الفلسطيني.

الموقف الإسرائيلي

رحبت إسرائيل بالقرار الأميركي بنقل السفارة، وبكل القرارات التي رافقته، أو لحقته، ويتصرف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع مفاعيل هذه القرارات بشكل مبالغ فيه وبلا تحفظ، لأنها تمنحه انتصارات تساعده على التخفيف، وربما الهرب من عواقب الفضائح التي تلاحقه، في حين أنه كان في السابق حذرًا ويستمع للتحذيرات الصادرة من أوساط أمنية وعسكرية إسرائيلية حول مثل هذه الخطوات وردود الأفعال الفلسطينية عليها.

تبنت القيادة الإسرائيلية ما قالته المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، بعدما شاهدت ردود الفعل الفلسطينية والعربية: “إن السماء لم تنطبق على الأرض”، انعكاسًا لتقدير أميركي-إسرائيلي بأن ردة الفعل الفلسطينية والعربية على القرار الأميركي ستستمر أسبوعًا إلى أسبوعين، أو كحد أقصى شهرًا أو شهرين، ثم تعود الأمور إلى مجاريها المعتادة. لم تتحقق توقعات هايلي بدليل أننا نقترب من نهاية الشهر السادس على القرار الأميركي -الذي أعلنه ترامب في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017- ولم تنته ردة الفعل الفلسطينية والعربية والدولية، وخصوصًا الفلسطينية، بل بلغت الذروة في مسيرات العودة، خصوصًا في يوم نقل السفارة (يوم 14 مايو/أيار 2018).

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: بقاء الوضع الراهن بتطبيق ما يمكن تطبيقه من دون طرح الخطة

يقوم هذا السيناريو على الاستمرار بعدم طرح الإدارة الأميركية لصفقة ترامب، لأنه لا يمكن طرحها من دون موافقة فلسطينية، ولو مبدئية عليها، أو على الأقل الاستعداد للتفاوض في ظل الحقائق الجديدة التي فرضتها الإدارة الأميركية وتريد شرعنتها أو فرض التعايش معها.

هذا السيناريو محتمل لأن الطرف الفلسطيني لا يمكن تجاوزه عندما يتعلق الأمر بحل يستهدف القضية الفلسطينية، فكيف يمكن إقامة حفل زفاف بلا عريس؟!

يمكن أن يساعد على استمرار الوضع الحالي أسباب عدة، منها:

أن إسرائيل في ظل التنافس داخل الائتلاف الحاكم واقتراب الانتخابات ومحاصرة نتنياهو بالفضائح، لن توافق على الخطة بكل تفاصيلها، ولا تفضل طرحها رغم انحياز الخطة الأعمى لإسرائيل، لذلك ذكر السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، أنه يتفهم رفض إسرائيل للخطة إذا حصل ولا يتفهم رفض الفلسطينيين لها(10). لذلك هناك محاولات لإيجاد مخارج لإسرائيل مثل أن لا توافق عليها عند طرحها، بل تقبل أن تكون أساسًا أو منطلقًا للتفاوض.

أن السلطة الفلسطينية لم تليِّن موقفها من الخطة الأميركية، بل زادت من حدة رفضها لها، بدليل إحالة الوضع الفلسطيني بكل قضاياه، وخصوصًا الاستيطان، إلى المحكمة الجنائية، وما يمكن أن يثيره ذلك من عقوبات أميركية جديدة ضد السلطة، مثل قطع المزيد من المساعدات، وإغلاق مكتب المنظمة بشكل كامل، لأنه أُغلق كمكتب تمثيل، في حين سُمح باستمراره لنشاطات تتعلق بعملية السلام.

كما يمكن أن يساعد على عدم طرح الخطة الآن، الحالة الصحية للرئيس، محمود عباس، التي ستؤخذ بالحسبان؛ إذ دخل المستشفى مؤخرًا مرات عدة، وهذا يستدعي بعض الحذر والتأني لمعرفة هل بدأت معركة خلافته أم لا، ومن الذي يمكن أن يخلفه، وما السياسة التي سيتبعها.

هنا، يمكن جدًّا أن نشهد محاولات أميركية-إسرائيلية، وربما عربية، للضغط أكثر على الرئيس عباس، للقبول بالمشاركة في المفاوضات من دون قبول للخطة، وهذا صعب حصوله، وإن حصل سيمهد لقبولها والتعايش معها. وإذا لم يوافق ستنتعش خطط لتجاوز السلطة وتشجيع قيادات جديدة ومساع لتسريع رحيله وإيجاد قيادة جديدة.

أن المعارضة الواسعة للصفقة فاجأت الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، ما يدفعهما إلى التريث قبل طرح الصفقة، فهما تصورتا أن “العرب” يمكن أن يقبلوا بالصفقة حتى لو رفضها الفلسطينيون، وأنهم -أي العرب- يمكن أن يضغطوا على الفلسطينيين لقبولها أو المضي فيها من دونهم، بحيث يحلوا محلهم في مفاوضات مع إسرائيل للتغطية على حلف أميركي-إسرائيلي-عربي ما، يؤمل تشكيله. فأي من العرب لا يمكن أن يتجاوز الفلسطينيين، خصوصًا إذا ظل الفلسطينيون موحدين ضد صفقة ترامب، لذلك أوصل حلفاء أميركا من العرب رسائل مباشرة وغير مباشرة للأميركيين بأن الطرف الفلسطيني مهم جدًّا حتى يستطيع العرب التحرك.

أن التطورات في الساحة السورية، واحتمالات المواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا التي قد تنزلق إلى حرب كبرى، تعزز التريث، لأن طرح الخطة سيعزز وجهة نظر المحور الإيراني-السوري وكل المعارضين للخطة الأميركية.

السيناريو الثاني: طرح الخطة بالرغم من كل العواقب

لا يمكن استبعاد هذا السيناريو كليًّا، لأن سياسات وقرارات إدارة ترامب تفتقر بصورة عامة إلى الحكمة والاتزان، وازداد الأمر بعد التعيينات الأخيرة في إدارته التي تكاد أن تُحكم “سيطرة المتشددين” في الإدارة الأميركية، ولأن ما يهم ترامب أكثر من أي شيء آخر الحفاظ على تأييد “المحافظين الجدد” و”المسيحيين الصهاينة”، وليس اليهود أساسًا، لأن حوالي 80% من اليهود الأميركيين عارضوا نقل السفارة، أو فضَّلوا تأجيل الخطوة إلى وقت لاحق بالتزامن مع محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، وذلك وفق استطلاع للرأي أجرته اللجنة اليهودية الأميركية في العام 2017(11).

يراهن الطرف الأميركي في حال نفذ هذا السيناريو على أن الفلسطينيين والعرب ليس لديهم بديل آخر، وأنهم إذا وجدوا أن هذا أمر واقع لا سبيل لتغييره سيتعاملون معه، كما يراهن أكثر على أن العرب سيمضون في خطوات يسبقون فيها الفلسطينيين.

ويمكن أن تطرح إدارة ترامب الخطة لتبرئة ذمتها، وتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية إضاعة الفرصة التي وفرتها، أي إن طرحها لا يعني في هذه الحالة التمسك بها، وإنما قد يشير إلى نهايتها مثل سابقاتها.

السيناريو الثالث: صرف ترامب النظر عن الصفقة كليًّا

هذا الاحتمال وارد لأن عوامل فشل الصفقة أكثر من عوامل نجاحها، وأن الانتخابات النصفية الأميركية على الأبواب، وهو ليس بحاجة إلى فشل يحدث عشيتها.

ويعزِّز هذا السيناريو أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أن تتضمن الخطة أي نقاط لصالح الفلسطينيين (العسل) لتسهيل بلع ما تتضمنه لصالح إسرائيل (السم). إن أقصى ما يمكن أن تتضمنه الصفقة إذا نجحت -ومن المستبعد ذلك- إقامة حكم ذاتي يمكن أن يسمى “دولة” ذات سيادة محدودة، مركزها في قطاع غزة. والمطروح في إسرائيل خطط مثل خطة “الأردن/فلسطين”، وخطة توسيع غزة على حساب سيناء، وخطة إقامة إمارات فلسطينية بدلًا من السلطة، وخطة الحسم، وكلها تستهدف إقامة “إسرائيل الكبرى”، بما تشمل معظم مساحة الضفة على أساس تبني معادلة مصادرة أكبر مساحة ممكنة من الأرض وأقل عدد ممكن من السكان، أي ليس مطروحًا دولة واحدة تضم الجميع، ولو في إطار “نظام أبارتهايد”.

فالمطروح إسرائيليًّا سيادة دولة واحدة لها من النهر إلى البحر، وليس إقامة دولة واحدة، وطرد ما يمكن من السكان الفلسطينيين إلى الأردن وغزة، وإلى مختلف أصقاع الدنيا، ومن تبقى منهم يعيش في معازل آهلة بالسكان منفصلة عن بعضها البعض، يمكن ربطها أو عدم ربطها بكيان سياسي واحد أبعد ما يكون عن الدولة، لأنه لا يملك من مقومات الدول شيئًا حتى لو سُمي “دولة”.

ما يعزز هذا السيناريو أن مركز الحل وفق صفقة ترامب سيكون في قطاع غزة، وحتى يتم ذلك يجب في الحد الأدنى استمرار معادلة “هدوء مقابل هدوء”، وصولًا إلى نزع سلاح فصائل المقاومة مقابل هدنة طويلة الأمد، أو سيطرة السلطة على قطاع غزة.

أما في الحد الأقصى، فمطلوب من “حماس” الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، و”محاربة الإرهاب”، وهدم الأنفاق، خصوصًا الهجومية، وتسليم الأسرى والجثامين الإسرائيلية، وهذا ما لا تقبل به. فحماس تريد الحفاظ على سلطتها مقابل هدنة طويلة الأمد مع بعض المرونة، لا تصل إلى نزع السلاح والاعتراف بإسرائيل، وهذا ما لا تقبله إسرائيل بدورها، لأنها لا تريد القطاع مكانًا لاستيراد وتطوير السلاح وتحكمه سلطة تنادي بإزالتها، وأقصى ما يمكن أن تقدمه هو تسهيلات وتخفيف للحصار في هذه الحالة.

ومن جهة أخرى، إذا تواصل تشديد الحصار على القطاع يمكن أن يؤدي إلى انهياره أو انفجاره في وجه إسرائيل، وكلا الاحتمالين غير مرغوب بهما، لأن البديل عن حكم “حماس” في ظل عدم جاهزية السلطة انتشارُ الفوضى والفلتان الأمني وتعدد السلطات ومصادر القرار وخطر امتدادها إلى الضفة، في حين أن استمرار الوضع الحالي الذي لا يعيش فيه القطاع ولا يموت ويتواصل الانقسام ويتعمق مريح جدًّا لإسرائيل.

خاتمة

قد يكون وضع الفلسطينيين صعبًا ولا يملكون خيارات كثيرة، إلا أنهم يعتقدون جازمين أن القبول أو التعايش مع صفقة القرن أو مع الوضع الحالي أسوأ بكثير وليس بديلًا مقبولًا، لأن إسرائيل، بوجود صفقة ترامب أو عدمها، تمضي في فرض الحقائق “الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية” على الأرض بغرض استكمال خلق أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي أكثر وأكثر هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليًّا، فعدد المستوطنين بلغ مع بداية هذا العام 824 ألف مستوطن(12)، وسيصل -حسب المخططات الإسرائيلية- إلى مليون مستوطن خلال عامين، وهناك مخططات إسرائيلية لإقامة مليون وحدة استيطانية خلال عشرين عامًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هاني المصري، مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية- مسارات.

مراجع

(1)  “خطة أميركية للسلام تطرح بعد رمضان”، قناة الحرة، 18 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 19 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/S74Vpv

(2)  “فريدمان: أشعر بالتوجس من بعض أفعال الرئيس عباس و(صفقة القرن) خلال أشهر”، دنيا الوطن، 24 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 25 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/EC4SvJ

(3)  “الإعلام العبري: “صفقة القرن” تشمل 9 بنود، أبرزها دولة فلسطينية محدودة السيادة وأبوديس عاصمتها”، وكالة وطن للأنباء، 22 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018): https://goo.gl/TAWdJ1

(4)  انظر: “التقرير السياسي الذي قدمه صائب عريقات إلى اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح”، أمد للإعلام، 2 فبراير/شباط 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018): https://goo.gl/LcRSFv

(5)  “الخارجية الأميركية تقدم آلية لقطع المساعدات عن الفلسطينيين”، القدس، 25 مارس/آذار2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/7D9mwK

(6) “ترامب: حل الدولتين ليس الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”، الغد، 15 فبراير/شباط 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/6w7vj2

(7)  انظر: “كلمة الرئيس في اجتماع المجلس المركزي بتاريخ 14 يناير/كانون الثاني “2018، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 14 يناير/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/8nMk84

(8)  للمزيد: انظر: “قرارات المجلس المركزي المنعقد يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني 2018″، وكالة وفا، 15 يناير/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018): https://goo.gl/wBBLWp

(9)  التقرير السياسي الذي قدمه صائب عريقات، مصدر سابق.

(10)  “واشنطن: رفض إسرائيل لخطة ترامب مقبول ومشروع لكن رفض الفلسطينيين لها غير مقبول ونحذرهم”، رأي اليوم ، 24 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 25 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/tWVjHc

(11)  “محتجون يهود في واشنطن ينددون بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس”، رويترز، 15 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2018):https://goo.gl/9xma9L

(12)  إسحاق، جاد، وخليلية، سهيل، “منظومة الاستيطان الإسرائيلي: أبعادها وآلية مواجهتها، ورقة مقدمة إلى المؤتمر السنوي السابع (نحو خطة نهوض وطني لمواجهة المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية)”، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، البيرة، 11و12 مايو/أيار 2018.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.