Take a fresh look at your lifestyle.

في الذكرى الرابعة والستين للنكبة “دروس وعبر”

0 35

الكاتب: أحمد قريع & 15/5/2012

منذ أن إجتاز شعبنا مرحلة الضياع والبكاء على الاطلال، وفظاعة المعاناة واللجوء والتشرد والحرمان والانقسام والتشتت، وتمزق الهوية الوطنية، إجتازها في عملية ثورية قادتها حركة “فتح” في الفاتح من يناير 1965، معلنة إنطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة، فتبدل حالنا إثر ذلك من وضعية لاجئين مهمشين إلى وضعية شعب ثائر، وأصبح يوم الخامس عشر من أيار مناسبة لتعزيز الارادة وزيادة الوعي، وتحصين الذاكرة، واستنهاض القوة الذاتية الكامنة، والتمسك بالثوابت الوطنية، ومقاومة الاحتلال والاقتلاع بكل السبل المشروعة، وفوق ذلك لانتزاع حقنا المشروع في الحرية والاستقلال.

فعلى مدار العقود الماضية، ونحن نستعيد في مثل هذا اليوم من كل عام ذكرى نكبة شعبنا المروعة، بالتأكيد على أننا باقون على هذه الأرض كبقاء جبالها وسهولها ووديانها، ومنزرعون في أرضها كأشجار الزيتون، وبالتأكيد على أننا ماضون، جيلاً بعد جيل، في مسيرة الكفاح والصبر والصمود على هذا التراب، رغم القهر والاضطهاد والميز العنصري والتنكر والمصادرات، راسخون كالجبال في وجه العواصف والأعاصير، محافظون على العهد وعلى القدس والحقوق التي لا تموت، ولا تتآكل بالتقادم أو بالخلل الحاصل في ميزان القوى مهما طال الزمان.

لقد كان صمود شعبنا أمام هذه المحنة الكبرى، وإعادة انبعاثه من تحت رماد النفي والسلب والشتات، معجزة كبرى في حد ذاتها تبعث على الفخر والاعتزاز. وكانت عملية استرداد الهوية الوطنية، وانتزاع الاعتراف بنا كشعب، ونيل الصفة التمثيلية، وتحقيق الحضور السياسي على خريطة الشرق الأوسط، ومراكمة سلسلة طويلة من الانجازات والمكتسبات والحقائق الكيانية، قصة نجاح هامة، رغم كل ما واجه المسار الطويل من مصاعب وعثرات وإخفاقات كانت تزيدنا إصراراً وتصميماً ومضاءاً وترفع من سوية المجابهة مع تعاقب الأجيال.

ومع أن ذكرى النكبة لهذا العام تأتي ونحن في أوضاع صعبة، بل هي الأكثر صعوبة، وقسوة من كافة الجوانب منذ سنوات، إلا أن ذلك لا يصيبنا بالجزع، ولا يفت فينا العضد، ولا يزيغ لدينا البصر، ما دامت إرادة شعبنا مستمرة في هذا الصمود الاسطوري، وما دامت جهودنا مستمرة وصادقة للتوحد في الجهد والارادة والكفاح والنهج والبرنامج، واثقين بأن كل إحتلال وكل استعمار مهما طال أمده إلى زوال، وندافع بالصدور العارية والإرادات الواعية عن حقنا العادل في الحرية والخلاص الوطني، ونواصل حمل الراية بساعدين قويتين لنسلّمها من بعد، يداً بيد، إلى الأبناء والأحفاد.

وبقينا هكذا معظم الوقت، نكابد مشاعر فقد الوطن، وعذاب التشرد واللجوء، ومعاناة حكم الاحتلال، إلى أن إنطلقت في الهزيع الأخير من الليل الطويل كوكبة من الرجال الأبطال الأفذاذ الصادقين الذين مضت الغالبية العظمى منهم شهداء عند ربهم يرزقون، يتقدمهم القائد الرمز الخالد الشهيد أبو عمار والقائد أبو جهاد، وأبو إياد، وعبد الفتاح حمود، وأبو السعيد، وأبو يوسف النجار وكمال عدوان وأبو الهول، وماجد أبو شرار، وجورج حبش، وأبو علي مصطفى، وأبو علي إياد، وابو صبري، وفيصل الحسيني وأبو نزار وأبو المنذر ود. سمير غوشة، وابو القاسم، والشيخ أحمد ياسين ود. عبد العزيز الرنتيسي ود. فتحي الشقاقي وبشير البرغوثي وغيرهم وغيرهم من القادة الأبطال الذين عبدوا الطريق.

كانت النكبة كارثة كبرى، ونقطة انكسار حادة في حياة شعب صودرت أرضه، وتمزق نسيجه، وتوزعت جموعه على دروب المنافي، وضاعت أبسط حقوقه، وتم إنكاره بالكامل، وغير ذلك الكثير مما لا تزال تحتفظ به الذاكرة الجماعية، من صور بؤس، ومشاهد اضطهاد وتمييز، ومحاولات تغييب وترويع وتجهيل وإفقار، إلى أن انفجر البركان، وانطلقت الثورة وتقاطرت مواكب الشهداء، وصنعنا ملحمة الثورة والانبعاث كطائر الفينيق من تحت الرماد.

ولا تتسع هذه المناسبة لاستعراض مسيرة الكفاح على مدى العقود الماضية، ولا حتى استذكار سائر محطاتها المضيئة أو انتكاساتها المريرة، إلا أننا اليوم نستطيع أن نجمل ذلك كله في حقيقة أساسية لا لبس فيها، وهي أننا اليوم لسنا كما كنا عليه قبل نحو ستة عقود وأكثر، لسنا ذلك الشعب المضيّع الذي لا حول له ولا قوة. بل على العكس من ذلك، فنحن اليوم نقبض على مصيرنا الذاتي بأيدينا، نصمد ونقاوم، ونضع اللبنات الأولى لفجر حريتنا، ونراكم المداميك فوق بعضها البعض لاستكمال مشروعنا الاستقلالي، ونعمل بلا كلل لعودة اللاجئين الفلسطينيين لأرضهم وممتلكاتهم وبناء دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف التي لا بديل عنها ولا بديل لها.

غير أننا ونحن نسترجع شريط الذكريات الطويل في هذه المناسبة الأليمة، ونستعيد وجوه العديد العديد من الشهداء الأبطال، وصور الكثير الكثير من القادة الذين صنعوا ثورة بساط الريح وعاندوا المستحيل، كي يظهروا بدمائهم الزكية فجر يوم فلسطيني مجيد، وينيروا بأرواحهم الدرب الطويل، فإن علينا ألا نغفل حقيقة أن مشوار كفاحنا لا يزال صعباً وطويلاً، وأن الحقوق المشروعة لم ينجز منها سوى أقل القليل، وأن الأخطار التي كانت كبيرة لا تزال كما كانت كبيرة، وربما هي أكبر الآن مما كانت عليه بالأمس القريب.

فنحن اليوم نقف وجهاً لوجه أمام هجمة احتلال أشد وحشية وضراوة مما كانت عليه في أي وقت مضى، تنهب الأرض وتقيم المستوطنات الاستعمارية، تهود القدس وتزور التاريخ وتغير المعالم والآثار وتهدد المقدسات، وتقيم جدار فصل عنصري متوحش وتهدم المنازل، تجتاح وتقتل وتحاصر وتدمر، غير آبهة باتفاقيات أو قانون أو شرعة دولية، تمضي من تطرف شديد إلى تطرف أشد، تتعبد في محراب القوة، وتسند ظهرها إلى تحالف إستراتيجي أعمى مع الدولة العظمى في هذا العالم، تستخدم الخلل الشديد في موازين القوة لتغلق علينا الدروب مرة أخرى، وتجردنا من حقوقنا غير القابلة للتصرف وفق الشرعية الدولية والمرجعيات القانونية المشروعة.

وفي مقابل ذلك كله، فنحن اليوم نعاني الحصار بكل أشكاله، ونجابه الاستيطان الاستعماري بأبشع صوره وممارساته، ونكابد من آثار الانقسام العامودي في الوضع الفلسطيني بقدرية مفرطة، فيما عملية المفاوضات في غرفة الانعاش، وحل الدولتين في خطر أكيد تتآكل، والواقع الإقليمي والعربي من حولنا يزداد إنشغالاً في أوضاعه الداخلية، والاهتمامات الدولية انصرفت إلى مسائل أخرى أكثر التهاباً، ومناطق أبعد وراء المحيطات، ونحن على ما نحن عليه نراوح في المكان ذاته، نتلاوم فيما بيننا وننتظر المعجزات في زمن لم تعد تحدث فيه المعجزات أبداً.

إزاء ذلك كله، فإنني وكغيري من أبناء شعبنا وفي ذكرى النكبة الأليمة التي تتكرر منذ أربعة وستين سنة، أدعو إلى العمل الجاد لإنهاء الانقسام بكل وسيلة ممكنة، والتمسك بالثوابت الوطنية، والتوافق على أرضية مشتركة لإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني وتحديد أهدافه وبرنامجه، وآليات عمله، والعمل بلا كلل لإستنهاض الهمم والطاقات الكامنة، بالصبر والصمود والمقاومة بكل أشكالها المشروعة والملائمة، ومواصلة البناء على ما تحقق وحمايته، والسعي إلى استعادة الزمام ما أمكن، وتوسيع دائرة المشاركة في القرار، وتعزيز الحضور السياسي والفعاليات الشعبية، ومعاودة الهجوم الدبلوماسي على كافة الجبهات وفي كافة المحافل الاقليمية والدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة.

ولعل أثمن ما يمكن لنا التركيز عليه في هذه الآونة غير المواتية، لإعادة فتح الدروب المغلقة من جديد، وكسر سائر المعيقات، وإعادة إنتاج عملية سلام حقيقية مثمرة وإعادة النظر في آليات عملها وإدارتها، والعمل على تعظيم الفرص المتاحة على قلتها، وتقليل المخاطر وهي كثيرة جداً، وتعميق الوعي الشديد بالضرورات الموضوعية اللازمة كشرط لاجتياز هذه المرحلة الكسيفة، والعمل دون تردد على وضع إستراتيجية فلسطينية جديدة، تراعي ذلك كله وتقوم على تغيير الاتجاه دون تغيير الأهداف، وتسمح بإعادة التموضع السياسي في إطار أشمل من لعبة المفاوضات.

ولعل أول ما تقتضيه مثل هذه الإستراتيجية هو الشروع في حوارات داخلية جادة، تفضي إلى تجديد البنى الوطنية القديمة، وتغيير الأدوات والآليات التقليدية بما يتوافق مع المتغيرات، وتوسيع الهوامش الضيقة المتاحة بعد، ومد البصر إلى أبعد مما يتراءى لنا في الأفق القريب، وفوق ذلك كله إعادة ترتيب البيت الوطني الفلسطيني بكل مفرداته ومكوناته دون خوف وتردد أو تسويف، وذلك على هدي مبدأين اثنين: أولهما التمسك بالحل الدائم والعادل والشامل، وثانيها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

بكلام آخر، وفي ذكرى النبكة فإنني أدعو بإلحاح إلى الاتفاق والتوافق والتركيز على مسألة تثبيت الوجود الوطني الفلسطيني على أرض الوطن وتوفير متطلباته كأولية ينبغي لها أن تتصدر جدول الأعمال الفلسطيني الآن قبل غد، وذلك من منطلق الإدراك أن مرحلة زمنية قد انقضت بما لها وما عليها، وأن رهانات كثيرة قد سقطت، وأن التطورات المحيطة بنا لا تهب رياحها وفق ما نشتهيه، لا سيما في ظل مناخات الربيع العربي الذي وضع الهم الفلسطيني على هامش حراكه الشعبي، ولو مؤقتاً، وعلى ضوء انشغال المجتمع الدولي باهتمامات أخرى ملحة، وقضايا أكثر سخونة من درجة حرارة القضية الفلسطينية في هذه المرحلة.

 ومع أن مسألة تثبيت الوجود الوطني الفلسطيني ومتطلبات تحقيقها تحت كافة الظروف هي اليوم موضع عناية وبحث معمق لنخبة متخصصة من الأكاديميين والكوادر والمفكرين الفلسطينيين، حيث يجري العمل عليها وفق خطة منهجية، فإنني أرغب اليوم في القول، على هدي النقاشات الداخلية العميقة حول هذه المسألة الحيوية، أن الإنسان الفلسطيني هو العنصر الأساسي الأكثر أهمية والاحتياط الاستراتيجي الذي لا بديل عنه، والرافعة التاريخية الكبرى للقضية الوطنية جيلاً بعد جيل، الأمر الذي يدعونا إلى إثارة مسألة تثبيت الوجود الوطني الفلسطيني هذه على أوسع نطاق ممكن، من خلال الإدراك المسبق أن فاعلية العنصر البشري الذاتي هي العامل المرجح دائماً في موازين علاقات القوة المتغيرة، وأن العمل على توفير متطلبات تثبيت الوجود الوطني الفلسطيني وحمايته ودعم صموده على الأرض هي أحدى أهم واجبات القيادة الوطنية الحالية وبعيدة المدى.

خلاصة القول، أن ذكريات يوم النكبة، على مرارتها وبشاعة صورها المحفورة عميقاً في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ينبغي لها أن تبعد عنا اجترار آلام الحزن والإحباط، وأن تمنعنا من خفض الآمال وسقف المطالب والتوقعات، وعدم الاستسلام للدعوات اليائسة، ورفض الانجرار وراء الخيارات البائسة، بل تحتم علينا بالمقابل، الاعتماد على مضاء الروح الفلسطينية التي لم تنكسر تحت أشد الضربات التاريخية، والتعويل على صمودنا الأسطوري على هذه الأرض المباركة، والتمسك بمبادئ الشرعية الدولية، وفوق ذلك كله الاستثمار في بناء الإنسان الفلسطيني، وتعظيم قدراته على الصمود، ورفع سويته في المواجهة التي لا تزال طويلة بعد.

وهكذا، فإن إسرائيل في هذه الآوانة ليست تلك التي كانت قبل أكثر من ستة عقود، إذ برغم كل عجرفتها السياسية ورجحان قوتها الاقتصادية والعسكرية، وتحالفاتها الكبيرة والوازنة، فإنها شديدة القلق على نفسها، كثيرة الخوف على مستقبلها بعد أن تغير الواقع العربي والاقليمي في غير صالحها، وسقط من قاموسها كل تلك الميزات التي بالغت وتفاخرت بها طويلاً من الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، الى الجيش الذي لا يقهر، الى الحرب الاستباقية الخاطفة، الى الجبهة الداخلية الآمنة، وغير ذلك الكثير من الحقائق الجديدة والمتغيرات المستجدة.

وفي المقابل فقد قطع شعبنا الفلسطيني على مدى العقود الطويلة الماضية، شوطاً مهماً جداً على طريق إنبعاثه وتحققه، عبر أشد المصاعب والكمائن والحرائق، وكسر العديد من المسلمات التاريخية حول ذوائه ونيسانه، وأنتقل من فضاء التاريخ الى حيز الجغرافيا، وأمتلك الكثير من روافع إعادة بنائه الكياني، وصار طرفاً معترفاً به على أوسع نطاق دولي، وبات يدق بيدين قويتين أبواب الخلاص والحرية والاستقلال.بب

لقد بات لدينا الآن مخزون هائل من التجربة الكفاحية، وقدر طيب من الخبرات السياسية المتراكمة، فجيل الأبناء أكثر وعياً وعلماً وصلابة من جيل الآباء، ونحن اليوم أكثر ثقة بالنفس مما كنا عليه بالأمس، وصار لدينا خطاب سياسي أوضح، ولغة أنضج، ومرجعية سياسية لا يمكن القفز عنها، وعلاقات اقليمية ودولية أوسع، نتساوق مع قيم هذا العصر ومثله العليا، ننخرط أكثر فأكثر في ثورة الاتصالات والمعرفة، وفوق ذلك نمتلك مفتاح السلام حتى وأن كنا لا نمتلك مفتاح الحرب، نكافح كل مخططات الاقتلاع والتهجير، ونعمل بلا كلل لتحقيق حقوقنا وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وإننا ندرك أن الطريق الطويل لا يزال طويلاً بعد، وأن المصاعب الشديدة لا تزال مصاعب أشد، الأمر الذي ندعو فيه أنفسنا إلى المبادرة من تلقاء الذات، وبدون ضغط وإكراه، إلى إنهاء الانقسام وإعادة توحيد الصفوف، إلى الوفاء لمواكب الشهداء والأسرى الأبطال، إلى إعادة النظر في المقاربات والبدائل والخيارات، وتجديد دماء سائر الشرعيات وتفعيل مختلف المؤسسات، وفوق ذلك كله إلى تعظيم الاستثمار في الانسان الفلسطيني وتثبيت وجوده وصموده على هذه الأرض، أرض الآباء والأبناء والأجداد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.