Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – نهاية “أوسلو” تعرِض فرصة

0 310

فورين بوليسي  –  خالد الجندي ؛ ولارا فريدمان* –  3/4/2019

يقف الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الآن عند نقطة انعطاف. عملية السلام التي ولدت قبل 26 عاماً في أوسلو، النرويج، ماتت رسمياً، ولم يعد خيار حل الدولتين مطروحاً على الطاولة -في هذا الوقت على الأقل. وبالإضافة إلى ذلك، تنتهج كل من إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو اليوم سياسات تهدف إلى إدامة السيطرة الإسرائيلية على جميع الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، والتي تغلق الطريق في النهاية أمام تطبيق حل متفاوض عليه على أساس الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويسلط انتهاج الدولتين هذه السياسات ضوءاً على اعتناقهما المشترك لمعاداة الليبرالية -وعلى نطاق أوسع، ازدرائهما المشترك للقانون الدولي، والحقوق الإنسانية، والنظام الليبرالي العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية.

هذه هي الأخبار السيئة. أما الأخبار الجيدة فهي أن انهيار عملية السلام فتح مجالاً لإجراء مناقشة مستحقة منذ وقت طويل في الولايات المتحدة حول العثور على طريق جديد للمضي قدماً في مسألة إسرائيل-فلسطين.

يأتي هذا التطور في لحظة مواتية إلى حد ما في السياسة الأميركية. ثمة اليوم دائرة شعبية متنامية ومنظمة حديثاً، والتي تركز على حماية حقوق الإنسان، والحقوق المدنية والكرامة الإنسانية، سواء في الوطن أو في الخارج، وتشمل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي كجزء لا يتجزأ من أجندتها.

وقد فهم السيناتور بيرني ساندرز هذا الواقع عندما اختار في مسار حملته الرئاسية في العام 2016 جعل الحقوق الفلسطينية والحاجة إلى تبني نهج أكثر إنصافاً لمقاربة الصراع محوراً ليساسته الخارجية، وهي خطوة حظيت بقبول حسن لدى قاعدة الحزب، وربما تكون قد حفزت مرشحين ديمقراطيين آخرين على تعديل مواقفهم الخاصة لتصبح أكثر اعتدالاً.

بالمثل، يُظهر انتخاب النائبتين الديمقراطيتين رشيدة طليب وإلهان عمر لعضوية الكونغرس، وكلتاهما تدعمان علناً حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل، أن هناك بعد أكثر من مرور 50 عاماً على الاحتلال و26 عاماً على عملية السلام الفاشلة، عدداً متزايداً من الساسة والناخبين الأميركيين الذين يريدون العثور على طريق جديد للمضي قدُماً بشأن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

كما أن العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي الذين يشاركون في السباق على منصب الرئيس في العام 2020 -بمن فيهم كوري بروكر، وكامالا هاريس، وإليزابيث وورين، وساندرز كمرشح مستقل- يشاهدون أيضاً هذا التحول كما ظهر بوضوح في شباط (فبراير) من رفضهم لمشروع قانون “تعزيز أمن أميركا في الشرق الأوسط”، الذي كان من شأن تمريره أن يمنح غطاءاً سياسياً للجهود الرامية إلى قمع حرية التعبير السياسي باسم محاربة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات. ومع أن ذلك التدبير مر في مجلس الشيوخ بأغلبية 77 صوتاً في مقابل 23، فقد كان الديمقراطيون منقسمين عملياً حول المنتصف، 24-22 بمن فيهم ساندرز. وكان مشروع ذلك القرار، الذي لم يتم تمريره في مجلس النواب، مدعوماً من لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (آيباك)، ومن قادة مجلس الشيوخ الديمقراطيين. لكنه لقي معارضة قوية من مجموعات شعبية، بما فيها حركة “امضِ قدماً”، MoveOn.org، و”جيه ستريت”، واتحاد الحريات المدنية الأميركي، وحركة “غير قابل للتجزئة” Indivisible، بالإضافة إلى عدد من الطلبة المنخرطين سياسياً في حرم الجامعات عبر كل أنحاء البلد.

خلق هذا النقاش الموسع فرصة غير مسبوقة لتصور مقاربة جديدة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتي تكون قائمة على ما يتطلبه الأمر لتحقيق سلام قابل للديمومة، والذي يخدم مصالح الولايات المتحدة ويعتنق القيم الأميركية على حد سواء، في احترامٍ لرفاه الشعوب في المنطقة، بدلاً من اعتماد ما كان يعتبر نفعياً من الناحية السياسية.

على الرغم من أن إدارة ترامب تواصل تأجيل الإعلان عن خطة السلام التي طال الحديث عنها، فإن هناك العديد من العناصر المهمة لنهج الرئيس ترامب والتي أصبحت معروفة مسبقاً، بما في ذلك القرارات الخاصة بقضايا رئيسية في الصراع مثل القدس، واللاجئين، ولم يعد خيار إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة “على الطاولة”. وقد اعترفت الإدارة الآن علناً بقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالأرض التي استولت عليها بالقوة، ملغية فعلياً قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 وصيغة “الأرض مقابل السلام التي ارتكزت عليها عملية السلام لأكثر من نصف قرن. وقد رأينا هذا أول الأمر في مسألة القدس –حيث يكون ترامب قد نقض باعترافه بالمدينة عاصمة لإسرائيل من دون اتفاق سياسي سياسة أميركية تعود وراء إلى ما قبل تأسيس دولة إسرائيل- ثم قرارة في وقت أقرب بخصوص الاعتراف بضم مرتفعات الجولان. ويبدو واضحاً أن الخطة، إذا ما تم الإعلان عنها أساساً، لن تكون صالحة كبداية.

ولكن، بينما قد يكون من المغوي أن نعزو الحالة المؤسفة التي آلت إليها عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية بالكامل إلى سياسات إدارة ترامب، فإن عملية السلام التي قادتها الولايات المتحدة كانت قد جنحت واصطدمت بالعقبات قبل وقت طويل من وصول ترامب.

منذ بداية عملية أوسلو في العام 1993، عارضت الإدارات الأميركية المتعاقبة من كلا الحزبين السياسيين رسمياً سياسة الاستيطان الإسرائيلية ودعت إلى إنها احتلال إسرائيل، تماشياً مع مبدأ الأرض مقابل السلام وهدف إقامة دولتين، في حين انتهجت في الوقت نفسه سياسات قوضت عملياً كل هذه الأمور. وتمكن رؤية نتائج هذا التناقض في النمو الهائل للمستوطنات الإسرائيلية طوال فترة عملية السلام، حيث ازداد عدد المستوطنين في الضفة الغربة من نحو 280.000 عند بداية العملية في العام 1993 إلى أكثر من 630.000 اليوم.

هذه الحقائق الصارخة أنتجت رود فعل متفاوتة جداً من حزبي أميركا السياسيين الرئيسيين. ففي حين صنع الجمهوريون، بجميع المظاهر، سلامهم -ولو أنه غير مرحب به- مع السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية -حتى أنهم ذهبوا إلى حد إنكارهم الرسمي لوجود الاحتلال، وفقاً للبرنامج الديمقراطي في العام 2016- فإن الديمقراطيين يصبحون أكثر انقساماً باطراد حول كيف -أو حتى ما إذا كانوا- سيتعاملون مع القضية. وفي الحقيقة، يخشى الكثيرون داخل الحزب الديمقراطي من أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يقسم الحزب ويصبح بمثابة عقب أخيل سياسي يمكن أن يلحق الضرر بفرص الحزب بينما يتجه إلى انتخابات العام 2020.

وليست هذه المخاوف بلا أساس تماماً. فخلال حملات الانتخابات النصفية للعام 2018، تم تسليح القضية ضد مرشحين مثل ستيسي أبرامز في جورجيا، وأندرو غيلوم في فلوريدا، وسينثيا نيكسون في نيويورك، وسكوت والاس في بنسلفانيا. وقد تعرضت أبرامز للتعنيف بسبب تصويتها بـ”لا” على مشروع قانون يتعلق بحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات في الولاية بسبب مخاوف تتعلق بحرية التعبير؛ وتعرض غيلوم للنقد لأن لديه أنصاراً يدعمون حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات؛ وهوجمت نيكسون لأنها وقعت التماساً يدعم الفنانين الإسرائيليين الذين رفضوا الأداء في إحدى المستوطنات؛ وتعرض والاس للتوبيخ الشديد لأنه ترأس صندوقاً أعطى النقود للقضايا التقدمية، بما في ذلك بعض المجموعات التي تدعم حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات.

ومنذ ذلك الحين، رأينا نوع التمحيص المفرط الذي يخضع له مسؤولون منتخبون، والذين يُنظر إليهم على أنهم غير متعاطفين مع إسرائيل، بمن فيهم النائبة عمر، التي يوصف كل تصريح أو تغريدة تصدر عنها بأنها دليل على معاداة السامية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لعبارة غير مختارة بعناية أو كلمة متهورة أن تتسبب لصاحبها بألم بالغ وأن تخضع لتسييس مقيت لاختطاف دورة الأخبار لأيام أو أسابيع (إن لم لكن لوقت أطول)، وهو ما يؤدي كله إلى التسبب بخسائر سياسية ويعمل على صرف الانتباه عن قضايا أخرى مهمة للحزب.

لكن هذه التحولات في المشهد السياسي الأميركي ما تزال في مهدها، والنتيجة بعيدة كل البعد عن اليقين. وبالنظر إلى الصعوبات السياسية المرتبطة بتحدي السياسات الإسرائيلية والبؤس الكامل الذي يسِم نهج ترامب، يبدو أن الكثيرين من مؤسسة الحزب الديمقراطي يعتقدون بأن أفضل خياراتهم هو مضاعفة الدعم لسياسات حقبة ما قبل ترامب، بينما يفرضون في الوقت نفسه قيوداً على المعارضة والنقاش. ويجسد مشروع قانون طرحه الحزبان مؤخراً في مجلسي النواب والشيوخ هذا النهج، والذي يُرفق إعادة صياغة خاطئة للسلام وحل الدولتين بإدانة قاسية لأولئك الذين يغامرون بقطع خطوط حمراء معينة في النقاش ويعبرون عن احتجاجهم عن طريق الانخراط في حملات مقاطعة إسرائيل أو تأييدها.

ولكن، عندما يتعلق بالمعارضة والاحتجاج، فإن الجنِّي الذي خرج لا يُمكن أن يُعاد إلى القمقم. لم تعد الحالة الراهنة تمثل فضاء آمناً سياسياً، والذي يستطيع معه القادة الديمقراطيون أن يأملوا واقعياً بالتراجع لتجنب التعرض للهجمات.

في حين أن انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية، أو الدعوة إلى المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل تبقى شؤوناً نشطة إشعاعياً على المستوى السياسي في واشنطن، فإن آراء ساندرز وعمر تظل مندرجة إلى حد كبير في التيار الديمقراطي والأميركي العريض الأوسع. ووفقاً لاستطلاع حديث أجراه شبلي تلحمي من جامعة ميريلاند، على سبيل المثال، فإن 40 في المائة من الأميركيين و56 في المائة من الديمقراطيين يؤيدون فرض عقوبات على إسرائيل رداً على استمرار نشاطها الاستيطاني.

في واقع الأمر، أصبحت القيادة الديمقراطية تذهب باطراد إلى فقدان التوازن في صفوف الحزب، الذين لم تعد عناصر كبيرة منهم راغبة في القبول بسوء معاملة إسرائيل للفلسطينيين أو بالدعم الأميركي المالي والسياسي والعسكري والدبلوماسي غير المشروط لإسرائيل بينما تنخرط في سياسات تنتهك المبادئ الديمقراطية، وقواعد حقوق الإنسان، والقانون الدولي. وقدمت التعبئة على المستوى الشعبي لمعارضة مشروع القانون المناهض لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات في بداية العام 2019 مثالاً آخر، وكذلك حال الدخول شبه الثابت للتدابير المؤيدة لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات في حرم الجامعات في جميع أنحاء البلد.

من المرجح أن تؤدي الجهود لخنق النقاش ونزع الشرعية عن الأصوات المعارضة في كل الأحوال إلى تسليط الضوء على الانقسامات الداخلية ومفاقمتها فحسب؛ وبدلاً من تجنب الهجمات، فإن مثل هذه الأنشطة سوف تؤججها.

الطريق إلى الأمام: نهج قائم على القِيم

كانت إدارة الولايات المتحدة لعملية السلام قد انهارت مسبقاً بشكل أساسي قبل وقت طويل من تولي ترامب منصبه. وعن طريق الفشل في تحديث الديناميات التي تعرِّف الصراع وتديمه -خاصة احتلال إسرائيل المستمر والذي لا يكف عن التعمق- ساعدت الوساطة الأميركية على ترسيخ الوضع الراهن بينما تعزز -بل وحتى تعمل على مأسسة- اختلال التوازن الهائل بين طرفي الصراع. ولا يمكن للسياسات المبنية على الإنكار -سواء كان ذلك من خلال المحاولات المبذولة لطمس واقع الاحتلال الإسرائيلي أو رفض تحديه- أن تحقق النجاح. وسوف يتطلب طريق أكثر مسؤولية للمضي إلى الأمام -من الولايات المتحدة، وإسرائيل والفلسطينيين- اعتناق نهج جديد متأسس في القانون الدولي وفي الأعراف والقيم العالمية. وبين هذه المبادئ الأساسية يجب أن تكون المساواة، واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، والمساءلة المتبادلة، والتي يعززها التزام صريح بتبني قرار مجلس الأمن رقم 242 وقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة، وكذلك القوانين الدولية لحقوق الإنسان، كما هو منصوص عليها في المعاهدات والمواثيق المختلفة. ووفق مثل هذا النهج، فإن الجهود لتعزيز السلام والأمن وحق تقرير المصير لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين سوف تأتي من هذه المبادئ والقرارات والقوانين -بدلاً من أن توجد في توتر دائم معها.

ينبغي أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لهذا النهج الجديد أيضاً خلق مجال سياسي للطيف العريض من الآراء السياسية القائمة حول فلسطين-إسرائيل والدفاع عنه؛ ويجب رفض الجهود التي تبذل لقمع انتقاد إسرائيل أو إخماد حرية التعبير السياسي التي يحميها الدستور، بما في ذلك حملات المقاطعة.

يمكن أن يبقى -بل ويجب أن يبقى- تحقيق حل أصيل قائم على أساس الدولتين، والذي يشمل إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، هو النتيجة المرغوبة؛ ولا يمكن أن يكون السعي إلى تحقيق هذه النتيجة غطاء للاحتلال الدائم وحرمان الفلسطينيين. وبالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي أن يحول التركيز على تقسيم الأراضي النظر عن تأمل الحلول العادلة الأخرى، مثل الكونفدرالية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وشكل من أشكال السيادة المشتركة، أو دولة واحدة ثنائية القومية.

سوف يكون تحدي عقود من التفكير السائد في مسألة فلسطين-إسرائيل شأناً غير مريح سياسياً بطبيعته. ومع ذلك، فإن أفول عملية أوسلو يجعل من إجراء مثل هذه الإعادة للفحص ضرورة؛ فهذه أزمة لا يستطيع القادة السياسيون للولايات المتحدة أن يتجنبوها، وفرصة لا ينبغي أن يفوتوها.

*خالد الجندي: زميل بحث غير مقيم في معهد بروكينغز، ومؤلف الكتاب الصادر حديثاً: “البقعة العمياء: أميركا والفلسطينيون من بلفور وحتى ترامب”. لارا فريدمان: رئيسة مؤسسة سلام الشرق الأوسط، وموظفة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.