Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – ماذا سيأتي بعد “داعش”؟

0 568

فورين بوليسي –  دانيال بيمان* –  22/2/2019

لا شك في أن الولايات المتحدة ماهرة في استخدام القوة العسكرية لهزيمة الإرهابيين -ولكن، من دون خطة لتأسيس حوكمة نظيفة وكفؤة في المناطق التي حكمها تنظيم “الدولة الإسلامية” في يوم من الأيام، سوف يظل التهديد قائماً.

***

قبل أربع سنوات تقريباً، في حزيران (يونيو) من العام 2014، أعلن أبو بكر البغدادي عن إقامة دولة خلافة في العراق وسورية، وأعلن نفسه خليفة عليها. وسيطرت جماعته، التي أعاد تسميتها لتصبح “الدولة الإسلامية في العراق وسورية” للاحتفال بهذه المناسبة المصيرية، على أراض شاسعة بمساحة بريطانيا، يقطنها نحو 10 ملايين نسمة، بطريقة قزّمت كل إنجازات تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى.

من خلال أخذ النساء كرقيق جنس، ورعاية شن الهجمات الإرهابية، وتصوير عمليات قطع رؤوس الرهائن بالفيديو ونشرها، والدفع بقضيته بلا هوادة على وسائل الإعلام الاجتماعية، روع تنظيم “الدولة الإسلامية” العالم وأسَر انتباهه. وفي الولايات المتحدة، حلَّقت المخاوف من الإرهاب بطريقة ساعدت على دفع حملة دونالد ترامب الرئاسية. لكن ذلك كان في ذلك الحين. واليوم، ذهبت الخلافة مع سقوط آخر مناطقها في يد القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة. وثمة الكثير الذي ينبغي تعلمه من نجاح “الدولة الإسلامية” الأوليّ ثم سقوطها المتسارع.

يشكل احتلال الأراضي نعمة ونقمة بالنسبة للمجموعات الجهادية. فمن ناحية، كانت الخلافة شيئاً شبيهاً بأغنية حوريات البحر المغوية التي اجتذبت الجهاديين المحتملين، وجلبت عشرات الآلاف من المتطوعين من العالم العربي وأوروبا وآسيا الوسطى. وقد تمكنت “الدولة الإسلامية” من فرض الضرائب على الأراضي التي يستخدمها المزارعون وعلى المنتجات التي يزرعونها ويبيعونها؛ واستغلال احتياطيات النفط التي تحت سيطرتها، وتجنيد الشبان للقتال. ومكنتها هذه الموارد من بناء جيش أقوى وتحصيل ما تعادل قيمته ملايين الدولارات من العوائد كل شهر.

في ذروة قوتها، جمعت “الدولة الإسلامية” ما قد يصل إلى 800 مليون دولار من الضرائب سنوياً. وتمكن نشطاء التنظيم، الآمنين داخل حدود الخلافة، من التخطيط لشن العمليات الإرهابية مثل هجمات باريس في العام 2015، التي أودت بحياة 130 شخصاً، واستطاعوا تدريب وإلهام المجندين الآخرين لتنفيذ هجمات في بلادهم. ولعل الأهم من ذلك هو أن الخلافة حققت هدفاً جهادياً أساسياً: حكم السكان بموجب القانون الإسلامي الصارم.

كان جزء من السبب وراء نجاح الخلافة في البداية هو أنها أقيمت في قلب العالم العربي؛ حيث حصلت الحرب الأهلية الدائرة في سورية على اهتمام عالمي، على النقيض من المسارح الجهادية الأخرى التي لم تحصل على اهتمام مماثل، مثل الصومال واليمن والقوقاز. والأهم من ذلك أن الجهاديين في سورية تمتعوا بدرجة عالية من حرية العمل خلال السنوات الأولى من الصراع.

في البلدان الأخرى، كلما اكتسب الجهاديون قوة على المستوى المحلي بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، هرعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى دعم الحكومة المعنيّة ضدهم. وقد استغل الجهاديون، في العراق والصومال واليمن ودول أخرى، الحروب الأهلية المحملية. لكن المساعدات الأميركية لتلك الحكومات، وضربات الطائرات من دون طيار، وغيرهما من الإجراءات دفعتهم إلى التراجع واحتوتهم وعطلتهم. وقد لعبت فرنسا دوراً مماثلاً بعد أن استولى الجهاديون على الكثير من أجزاء مالي في العامين 2012 و2013.

أما في سورية، فقد عنت طبيعة نظام بشار الأسد التي اعتنقت العدوانية والإبادة الجماعية أن لا تُهرع واشنطن لإنقاذه.

في الواقع، بدا في السنوات الأولى من الحرب أن الولايات المتحدة ستكون أكثر احتمالاً لقصف النظام من قصف الجهاديين. وتحدث الرئيس الأميركي في ذلك الحين، باراك أوباما، وزعماء الدول الحليفة علناً عن إسقاط الأسد. ولم يكن إلا عندما بدأت “الدولة الإسلامية” في ذبح الأيزيديين وبدا أنها تزحف إلى بغداد، حين تدخلت الولايات المتحدة ضدها.

وعندما جاء ذلك التدخل، كان كارثة على “الدولة الإسلامية”، حيث أظهر المخاطر التي تنطوي عليها السيطرة على الأراضي. وقد حاول تنظيم الدولة الإسلامية الدفاع عن خلافته، لكنه فقد عشرات الآلاف من مقاتليه، وكذلك العديد من مخططيه ومروِّجيه. وكان هؤلاء المقاتلون شجعاناً ومتماسكين، ولم تسقط الخلافة في البداية. لكنها تراجعت باطراد مع ذلك، بطريقة أظهرت أنه ليس في إمكان، حتى مجموعة جهادية ذات موارد جيدة، أن تكون نداً للقوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.

الآن، لم يذهب تماماً ذلك القبول الذي تمتعت به “الدولة الإسلامية”، لكنه تضاءل بعد أن لم تعد المجموعة فائزاً يمكنه أن يتباهى بإقامة دولة يسود فيها قانون الله. وأصبح المجندون الغربيون، من أمثال شيماء بيغوم البريطانية وهدى مثنى الأميركية، الذين كانوا قد غادروا بلدانهم ليعيشوا في الخلافة ودعوا إلى شن هجمات على الغرب، أصبحوا يلتمسون الآن العودة إلى ديارهم.

لطالما خبر تنظيم القاعدة، رفيق “الدولة الإسلامية” ومنافسه اللدود، هذا التوتر. كان أسامة بن لادن قد وضع الخلافة دائماً نصب عينيه كهدف نهائي، لكنه أدرك أن إعلانها قبل الأوان، وقبل أن تتوفر سبل الدفاع عنها بطريقة مثالية، سوف يخلق ببساطة هدفاً ينصب عليه الغضب الأميركي.

وكان خليفته، أيمن الظواهري، حذراً أيضاً، لكنه بدا أكثر تعاطفاً على المستوى العلني، نظراً للشعبية التي تمتعت بها “الخلافة” بين المجندين المحتملين. والآن، في العام 2019، يبدو أن حذر بن لادن كان عملاً حكيماً.

كان مما أثار دهشة الكثيرين الذين أفزعتهم عمليات قطع الرؤوس التي قام بها تنظيم “الدولة الإسلامية” والطبيعة الوحشية لحكمه، أن الخلافة تمتعت بالشعبية في كثير من الأحيان لدى أولئك الذين كانوا تحت حكمها. وكما هو الحال مع حركة الشباب في الصومال، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن، وحركة طالبان في أفغانستان، وغيرها من الجماعات، لم تكن هذه الشعبية آتية من أيديولوجيتها، وإنما من قدرتها على الوفاء بالأهم من بين وظائف الحكومة: توفير القانون والنظام، وتقديم الحد الأدنى المعقول من الخدمات الاجتماعية.

في أطروحته المسماة “إدارة التوحش”، دعا المحلل الجهادي أبو بكر ناجي إلى استخدام العنف الإرهابي لخلق مناطق من الفوضى في بلد ما. وبعد ذلك، سوف تتسلم الجماعات الجهادية زمام الأمور وتكسب دعم الشعب المنهك بواسطة جلب القانون والنظام. وقد اتبع تنظيم الدولة الإسلامية هذا المخطط. وكما زعم أحد رجال شرطة “الدولة الإسلامية في العراق”، فإنه “إذا نجحنا في تحقيق العدالة، فقد كنا نعرف أننا سنفوز بقلوب الناس”.

يعترف سكان مدن مثل الموصل -من أولئك الذين لم يفروا من ديارهم عندما وصل مقاتلوا التنظيم، بأن حكم “الدولة الإسلامية” الوحشي حسَّن الخدمات، مثل توفير الكهرباء ومكافحة الجريمة. وقد أدرك المهندسون الحكوميون الذين غالباً ما كانوا يأخذون رواتبهم، لكنهم يعملون في وظائف أخرى في ظل الحكومة العراقية، أن التواجد في مكان العمل كان التحرك المهني الأكثر أماناً مع وجود “الدولة الإسلامية” في السلطة. وقد كسبت “الدولة الإسلامية” قلوب جزء من السكان بهذا الأداء، وكانت أكثر قدرة على استخراج الموارد نتيجة لذلك. ومع تلاشي ذكرى وحشية “الدولة الإسلامية” وعودة القادة الفاسدين وغير الأكفياء إلى تولي زمام الحكم، سوف ينظر بعض العراقيين والسوريين على الأقل بتوق إلى زمن كانت فيه المصابيح تظل مشتعلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، برهنت هذه المشاكل في الحكم أنها السم القاتل الذي يهدد جهودها لمحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط وما وراءه. ومنذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، طورت الولايات المتحدة آلة قتل واسعة وفتاكة، تقوم بتدمير صفوف الجماعات الإرهابية بانتظام. فما الذي يمكن القيام به بعد أن أصبحت الضربات العسكرية أكثر صعوبة؟ لقد خلق أمراء الحرب الوحشيون والأنظمة الفاسدة مناطق من الفوضى، ولم تجد الولايات المتحدة وصفة لاستبدالهم بحكومات قوية عالية الأداء، والتي يمكنها الحفاظ على النظام من دون تدخل الولايات المتحدة. وفي أفغانستان والعراق -وربما الآن في سورية- تقوم السلطات المحلية الضعيفة والفاسدة وغير الكفؤة بتمكين الجماعات المحلية المتشددة من معاودة الظهور بعد الهزيمة.

مع ذلك، تظل جهود مكافحة الإرهاب جديرة بأن تُبذل. ومن منظور الجماعات الإرهابية، فإن الصراعات المحلية ممتدة وطاحنة، وتتطلب تخصيص موارد واهتمام مستمرين. وبالدرجة الأولى، يقاتل “داعش” وفروعه في ليبيا وشبه جزيرة سيناء في مصر وبلدان أخرى -مثل نظرائهم من القاعدة في أماكن أخرى- ضد الحكومات المحلية أو أمراء الحرب، وليس ضد الولايات المتحدة. وقد يجلب التدخل الأميركي للحلفاء المحليين بعض الراحة، لكن التركيز على الإرهاب الدولي يصبح أكثر صعوبة في هذه الظروف. كما أن هذه الصراعات الدنيوية المحلية تظل أقل احتمالاً لإثارة خيال المتطوعين الأجانب المحتملين.

الآن، تكافح إدارة ترامب، مثل إدارة أوباما من قبلها، لتخمين كيفية تحقيق التوازن بين اليقظة والمشاعر الانتصارية. ويخطئ ترامب، بكونه ترامب كما نعرفه، في الجانب المتعلق بالانتصارية، ويتباهى بهزيمة “الدولة الإسلامية” -بما يثير الذعر في مجتمع مكافحة الإرهاب، الذي يريد البقاء في سورية بهدف إبقاء الضغط مستمراً على التنظيم.

من المناسب انتقاد تباهي ترامب باعتباره سابقاً لأوانه، لكن من المهم أيضاً إدراك أن تنظيم “الدولة الإسلامية” قد تضرر بشدة، وأن هزيمة الخلافة تشكل نقطة تحول محتملة. فقد جفّ تدفق المقاتلين الأجانب، ويجعل فقدان الأراضي من الأصعب كثيراً تنظيم هجمات إرهابية دولية. كما أن الظروف غير العادية التي سمحت للخلافة بأن تزدهر لفترة وجيزة قد لا تتكرر قريباً، ومن غير المحتمل أن ينشط “داعش” قريباً بالمستوى السابق نفسه، أو أن تظهر جبهة أخرى تجتذب الانتباه نفسه الذي اجتذبه الصراع في سورية.

لا شيء من هذا، بطبيعة الحال، يعني أن الإرهاب الجهادي قد وصل إلى نهاية. ما تزال جاذبية أيديولوجيا تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة قوية، وسوف تتابع أعداد صغيرة من الأتباع في الغرب حمل السيف. لكن التهديد اليوم أصبح أقل خطورة مما كان عليه في العام 2014، وينبغي أن يدرك صانعو السياسة أن نجاحاً جزئياً في مكافحة الإرهاب ربما يكون أفضل ما سيحصلون عليه في الوقت الراهن.

*أستاذ في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، وزميل رفيع بمركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينغز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.