Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – كيف أعاد رئيسان أميركيان صياغة السياسة الأمريكية تجاه السودان

0 61

فورين بوليسي  –   بقلم جوستين لينش ، روبي جرامر  – 8/4/2019    

استيقظ العالم أمس على خبر إطاحة الرئيس السوداني عمر البشير، بعد أربعة أشهر من التظاهرات السلمية، بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي تقرير بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية يناقش الصحفيان جوستين لينش، وروبي جرامر الصراع السياسي في السودان. كيف تغيرت الاستراتيجية الأمريكية تجاه النظام الحاكم في الخرطوم، وكيف ساهم ذلك في التطورات الأخيرة؟

نظمت الحكومة السودانية باكر هذا العام حفل استقبال في فندق ويلارد بالعاصمة واشنطن، للاحتفال بذكرى يوم الاستقلال. مازح الضيوف أكبر دبلوماسي سوداني في الولايات المتحدة، محمد عطا، وهو رئيس سابق لجهاز المخابرات السوداني، ومتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

خارج الفندق، لوح حوالي 100 متظاهر بعلم السودان، وتظاهروا ضد عطا ورئيس الدولة عمر البشير. لشهور، غمرت موجة من الاحتجاجات الحاشدة السودان، متحديةً حكم البشير، الذي اضطر لشن حملات قمع عنيفة تسببت في مقتل 60 شخصًا على الأقل، واعتقال المئات، وفقًا لمنظمات حقوقية.

وكُتِّب على إحدى اللافتات: «توقف عن إطلاق النار على المتظاهرين السلميين في السودان». من موقعهم خارج فندق ويلارد، يستطيع المتظاهرون رؤية حدائق البيت الأبيض، إذ دبّر مسؤولو الولايات المتحدة تحولًا جذريًّا في السياسة المتبعة تجاه السودان، بدءًا من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، واستمرارًا في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب.

مؤامرة انقلاب

يقول الكاتبان إن الولايات المتحدة قادت على مدى عقود جهودًا لعزل السودان، وجعله منبوذًا على الساحة الدولية، مثلما هو الحال في حالة كوريا الشمالية وإيران. واتهمت واشنطن نظام البشير بالإرهاب، وارتكاب إبادة الجماعية في دارفور، وقالت إنه يتوجب محاكمته على جرائم حرب.

وأضاف الكاتبان أن الإدارات الأمريكية المتلاحقة فرضت عقوبات مدمرة على نظام البشير، وفي مرحلة ما، بحث المسؤولون الأمريكيون تدبير مؤامرة انقلاب مع المسؤولين السودانيين الذين يريدون إطاحة البشير.

لكن داخل فندق ويلارد في ليلة يناير (كانون الثاني) هذه، انضم للاحتفال برايان شوكان، القنصل العام للولايات المتحدة بالسودان، وعدد من الدبلوماسيين الأمريكيين الآخرين، وتواصلوا مع عطا والضيوف. وفي الشهر التالي، يشير الكاتبان إلى أن كبير مستشاري شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، سيريل سارتر، سافر إلى الخرطوم لمناقشة المرحلة التالية من التقارب، والتي تضمنت رفع السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، مقابل إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان وغيرها من القضايا.

مضيفين أنه في إطار العلاقة التي تزداد تقاربًا، شارك مسؤولو المخابرات والأمن السودانيون في مؤتمرات الحكومة الأمريكية؛ وأصبح التعاون الاستخباراتي وشيكًا، ورُفعت بعض العقوبات الأمريكية بوصفها جزءًا من المرحلة الأولى من عودة العلاقات الدبلوماسية.

وبحسب تقرير «فورين بوليسي» فقد ظل كبار المسؤولين في إدارة ترامب صامتين غالبًا حول قمع البشير للاحتجاجات، بعيدًا عن تصريحات القلق المتفرقة من وزارة الخارجية. وفي الوقت الذي اندلعت فيه التظاهرات في فبراير (شباط)، نشرت السفارة الأمريكية في الخرطوم صورًا على فيسبوك، لمقابلات بين دبلوماسييها، وممثلي شركة نفط أمريكية، يروجون لفرص عمل في السودان.

تحدٍ كبير

اعتقد الصحفيان مُعدا التقرير أن التظاهرات في السودان تحولت إلى أكبر تحدٍ لحكم البشير الذي استمر 30 عامًا، محتذين بتظاهرات الجزائر، التي دفعت بالرئيس المعمّر عبد العزيز بوتفليقة للتنحي الأسبوع الماضي.

توجه الآلاف إلى مراكز القيادة العسكرية في عطلة نهاية الأسبوع، داعين الجيش لإطاحة الرئيس، ويبدو أن عناصر من الجيش انفصلت وانضمت للمحتجين.

ينقل التقرير عن سارة عبد الجليل، وهي متحدثة باسم تجمّع المهنيين السودانيين، وهي مجموعة كانت تنظم التظاهرات، قولها إن أعضاء من جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، والمليشيات المتحالفة معه، استخدموا الذخيرة الحية ضد المتظاهرين في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين الماضي، ما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص على الأقل.

اعتقد محللون ومسؤولون أمريكيون، وقت إعداد هذا التقرير وقبل تطور المشهد في السودان منذ صباح أمس الخميس بإطاحة الرئيس السوداني، أن البشير، الذي لا يزال يواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية وجرائم الحرب من المحكمة الجنائية الدولية، متمسك بخروج استراتيجي، وربما يأمر الجيش باستخدام قوة مميتة لفض الاحتجاجات.

وقال عبدالوهاب الأفندي، الدبلوماسي السوداني السابق، الذي يشغل الآن منصب عميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في معهد الدوحة للدراسات العليا: «إذا حدث هذا، فربما يقرر الجيش أنه يتعين عليه التخلص من البشير بدلًا من المتظاهرين».

علاقة معقدة

تُعرف علاقة واشنطن بالخرطوم، والتي تعود إلى فترة التسعينيات، بالسرية والتناقض معًا، وفقًا للتقرير، الذي أشار إلى أن الولايات المتحدة اتهمت الخرطوم في 1993 بأنها دولة راعية للإرهاب، وفرضت عليها عقوبات.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أنه عندما سعت واشنطن لعزل الخرطوم، حافظت وكالة المخابرات المركزية بهدوء على علاقاتها مع النظام السوداني، مستفيدة من التعاون المخابراتي في الحرب المتصاعدة ضد الجماعات الإرهابية في شرق أفريقيا.

ووفقًا لتقرير أكده مسؤلان أمريكيان سابقان، فخلال تدخل حلف الناتو عام 2011 في ليبيا، قدم السودان معلومات استخباراتية إلى الحلف، وأصبح قناة لنقل الأسلحة إلى المعارضة، كما زعم السودان أن لديه معلومات قيمة حول كبار قادة جماعة الشباب الإرهابية الصومالية، الذين تلقّى بعضهم تعليمهم في جامعة الخرطوم، بحسب تقرير «فورين بوليسي».

غير أن بعض مسؤولي الدفاع الأمريكيين شككوا في معلومات الخرطوم، وصرّح الجنرال المتقاعد دونالد بولدوك، نائب المدير السابق وقائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا: «لم أر أي قيمة في المعلومات الاستخباراتية السودانية على الإطلاق، في الواقع، سأكون مرتابًا وحذرًا في استخدام المخابرات السودانية في حال أعددنا لشيء ما».

لكن عندما قطع السودان علاقاته الاستخباراتية مع الولايات المتحدة في 2015 (لأسباب ما تزال غير واضحة)، دفع مسؤولو إدارة أوباما يقودهم رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية جون برينان، إلى التقارب، كما جاء في تقرير المجلة الأمريكية.

ويشير التقرير إلى أنه بعد بعض المداولات، بدأت خطة إسقاط العقوبات الأمريكية ضد السودان، وإزالة اتهامها بالإرهاب، في مقابل تحسين التعاون السوداني في مجال مكافحة الإرهاب، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، وغيرها من الأولويات. تبنى أوباما الخطة، وحذا ترامب حذوه، وبرزت كواحدة من مبادرات أوباما القليلة في السياسة الخارجية التي لم يعطلها ترامب.

سياسة معطلة

لكن مثل غيرها من القضايا في ظل حكم ترامب، تعطلت السياسة الأمريكية إزاء السودان بفعل عملية صنع القرار الفوضوية، والمناصب العليا الشاغرة في الحكومة، وفقًا لما قاله ثلاثة مسؤولين أمريكيين متابعين للشأن الأفريقي لمجلة «فورين بوليسي» شريطة عدم ذكر أسمائهم.

إذ خطط وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، لإلغاء منصب المبعوث الخاص للدولة في السودان وجنوب السودان في إطار حملته المشؤومة لإصلاح الوزارة، وظل كذلك أكبر منصب بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المتعلق بالقرن الأفريقي شاغرًا لأعوام.

في هذه الأثناء، يقول تقرير المجلة الأمريكية إن المسؤولين الأمريكيين كافحوا لإدراج السودان على أجندة السياسة الخارجية لرئيس سخر عام 2018 من الأمم الأفريقية واعتبرها «حثالة». ونقل التقرير عن هؤلاء المسؤولين قولهم إن التواصل مع البشير يستمر عبر الجمود البيروقراطي أكثر منه بالاستراتيجية الاستباقية.

وقال مسؤول كبير أمريكي سابق، طلب عدم ذكر اسمه، بحسب ما جاء في التقرير: «ما يحدث في السودان تحول كبير، ولا أحد يتابع ما يحدث، العملية السياسية عاطبة».

ونقل التقرير عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية قوله إنه من المهم استمرار المحادثات مع الخرطوم، وإن رد فعل البشير على الاحتجاجات كان مقيدًا نسبيًّا جزئيًّا بفضل انخراط الولايات المتحدة في الأمر، مضيفًا: «الحكومات الاستبدادية عادة ما تدافع عن نفسها بغلظة بصعوبة أكبر مما كان عليه الوضع بالنسبة للسودانيين، عبرنا عن احتجاجنا متى كان هناك تفاعل مفرط، واعتقالات تعسفية».

وأضاف أن عملية إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمضي قدمًا، لكن ببطء. ورد على سؤاله بشأن توضيح التوقيت: «يتراوح الأمر بين ستة أشهر و10 أعوام».

حثّ معاوية شداد، من نشطاء المجتمع المدني في السودان، الذي اعتُقل في فبراير بتهمة التظاهر، الولايات المتحدة على اتخاذ موقف أقوى لدعم الاحتجاجات، وقال في حوار أجري عبر الهاتف مع مجلة «فورين بوليسي»: «اخرجوا رجاءً، اخرجوا لدعم هذه الثورة».

يضغط المشرعون الأمريكيون، أصحاب الرأي في قرار رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، على إدارة ترامب لاتخاذ موقف أقوى من حقوق الإنسان في الدولة.

ونقل تقرير «فورين بوليسي» عن مسؤولين في وزارة الخارجية قولهم في رد على طلب للتعليق على ما يحدث في السودان، وذلك قبل التطورات الأخيرة: «نواصل الضغط على الحكومة للاستماع إلى الشعب السوداني بدلًا من اعتقاله وقمعه، نأمل أن تُسمَع أصوات الشعب السوداني، وتُقاد عملية من أجل تغيير وإصلاح ملموس». وأشار المسؤول إلى أن إصلاح العلاقات الرسمية الأمريكية- السودانية، يتوقف على التقدم في مجال حقوق الإنسان والحرية الدينية، وغيرها من القضايا.

وفي مقابلة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد لمجلة «فورين بوليسي»، إن الدولة الراعية للإرهاب «وصمة» ظالمة، جعلت من الصعب تأمين الدعم لتخفيف عبء الديون الخارجية لمساعدة اقتصاد الدولة المنهك. كما زعم أن الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية ضد السودان «ثبت بطلانها»، وأن «فصل دارفور أُغلق بالفعل». إلا أنه في الواقع، قُتل أكثر من 300 ألف شخص في الصراع في دارفور، وسُبيت النساء من قوات أمن الحكومة.

وبحسب تقرير المجلة فقد تعرض عطا رئيس جهاز المخابرات السابق لانتقادات بسبب دوره في انتهاكات حقوق الإنسان في السودان. ففي ديسمبر (كانون الأول)، أرسل اثنان من كبار أعضاء مجلس الشيوخ خطابًا إلى إدارة ترامب، يدعوان إلى طرده من الولايات المتحدة. وقال مسؤول أمريكي لمجلة «فورين بوليسي»: «حقيقة أنهم أرسلوا رئيس مخابراتهم السابق إلى هنا تقول الكثير حول نظرتهم لعلاقتنا». على الرغم من انتقادات المشرعين، يبقى عطا أكبر دبلوماسي سوداني في الولايات المتحدة.

الصراع داخل النظام

ونقل التقرير عن أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي، وأستاذ في كلية فليتشر في جامعة تافتس، «كان الصراع (في الواقع) مشكلات داخلية في النظام، خاصةً التنافس بين جهاز المخابرات والجيش».

ويُنظر لرئيس المخابرات السوداني صلاح قوش على نطاق واسع على أنه مدبر الإبادة الجماعية في دارفور، والآن القمع ضد المتظاهرين، وفقًا لتقرير المجلة الأمريكية. وعُيّن قوش بدعم من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. خصومه كبار جنرالات الجيش، الذي يلوم بعضهم البشير على وضع السودان المنبوذ دوليًّا، وفقًا للمسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين.

غير البشير قيادات الجيش مرارًا خلال العام الماضي، وتُفصّل وثيقة خاصة بالمخابرات السودانية حصلت عليها المجلة أوامر بالمراقبة ضد قيادات عسكرية.

تقول مجلة «فورين بوليسي» إن ذلك ربما يقدم التنافس لمحة عما سيحدث في العصر الجديد.

وقال دي وال، الأستاذ في تافتس: «عندما يكون لديك نظام معقد قائم على المحسوبية، تصبح إطاحة الرئيس كاستئصال زعيم كارتل مخدرات، إذ ينشب التنافس بين أعضاء الأوليجاركية الحاكمة، والذي يمكن أن يصبح حربًا أهلية».

وأضاف: «القضية في السودان ليست الاستبداد في مواجهة الديمقراطية، هل لديك نظام أوتوقراطي جيد التنظيم، أو تحالف من قادة الأمن، أو فوضى؟ الأسوأ هو التنافس المتاح للجميع دون قواعد».

وبحسب تقرير المجلة فبعض المسؤولين والخبراء قلقون من أن السودان ربما يعاني من الفوضى والعنف نفسهما الذي أصاب ليبيا بعد سقوط معمر القذافي عام 2011. وقال جود ديفيرمونت، كبير المحللين السابقين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بوكالة الاستخبارات المركزية، «يلوح الخوف من ليبيا أخرى بالتأكيد في أفق هذه المشكلة، الخدعة هي كيف تطيح بالبشير دون تفكيك الدولة؟».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.