Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – ترامب أخطأ في تشخيص الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

0 50

فورين بوليسي  –  خالد الجندي –  30/5/2019

هناك العديد من الأسباب للتشكك في ورشة العمل الاقتصادية التي اقترحتها إدارة ترامب في البحرين. أولاً، يبدو البدء بوضع خطة اقتصادية قبل طرح رؤية سياسية ببساطة سيراً في الطريق الخطأ وفي عكس الاتجاه. وكما أشار العديد من المحللين، من غير المرجح أن يأتي المانحون والمستثمرون المرتقبون عندما لا يكونون على معرفة بماهية النتيجة النهائية أو ما يُطلب منهم الاستثمار فيه.

* * *

بعد التأجيلات المتواصلة منذ أكثر من سنتين، أعلنت إدارة ترامب في شهر أيار (مايو) عن القطعة الأولى من الخطة التي طال انتظارها لاستئناف عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينة: سوف يعقد البيت الأبيض مؤتمراً دولياً يومي 25 و26 حزيران (يونيو) في العاصمة البحرينية، المنامة، من أجل ما قيل إنه تعزيز الاستثمار في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلَّين. وسوف يكون الهدف من ورشة العمل التي تستمر يومين والتي سُمِّيت “السلام من أجل الرخاء”، هو جمع عشرات المليارات من الدولارات في شكل التزامات من الدول العربية والأوروبية والآسيوية للمساعدة على تعزيز الاقتصاد الفلسطيني. أما المكوِّن السياسي من خطة السلام التي تعدها الإدارة -والتي يشرف عليها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبير مستشاريه- فلم يُكشف عنه بعد.

هناك العديد من الأسباب للتشكك في ورشة العمل الاقتصادية التي اقترحتها إدارة ترامب في البحرين. أولاً، يبدو البدء بوضع خطة اقتصادية قبل طرح رؤية سياسية ببساطة سيراً في الطريق الخطأ وفي عكس الاتجاه. وكما أشار العديد من المحللين، من غير المرجح أن يأتي المانحون والمستثمرون المرتقبون عندما لا يكونون على معرفة بماهية النتيجة النهائية أو ما يُطلب منهم الاستثمار فيه. وكان رؤساء أميركيون سابقون، من رونالد ريغان إلى باراك أوباما، قد حاولوا أيضاً تحسين “نوعية الحياة” للفلسطينيين من دون تحدي وجود الاحتلال الإسرائيلي مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، لم يسبق للفكرة القائلة إن ما يسمى بالسلام الاقتصادي يمكن أن يكون بديلاً عن أفق سياسي ذي مغزى وأن انتهت إلى خير، ببساطة.

من خلال التركيز على الاقتصاد، تكون الإدارة الأميركية قد أساءت تشخيص المشكلة بشكل أساسي. وكما أوضحت العديد من تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرها من التقارير، فإن أكبر العقبات أمام النمو الاقتصادي الفلسطيني هي القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والحصار المستمر لقطاع غزة. وبعبارات أخرى، فإن ما يفتقر إليه الفلسطينيون ليس التمويل، وإنما الحرية. وكما قال رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي، سام بحور، مؤخراً، فإن إحياء الاقتصاد الفلسطيني “لا يحتاج إلى خطة كبرى، ولا هو يحتاج إلى ورشة عمل كبيرة. إنه يتطلب أن ترفع إسرائيل حذاءها العسكري عن الجزء الاقتصادي من عنقنا على الأقل”. وعلى أي حال، مع رفض السلطة الفلسطينية وممثلي القطاع الخاص الفلسطيني بأغلبية ساحقة حضور ورشة عمل البحرين، لا يبدو أن هناك فائدة تذكر في عقد مؤتمر مصمم لمساعدة الفلسطينيين، والذي لا يحضره أي فلسطينيين.

لكن السبب الأكبر للشك في جدوى خطة الإدارة هو سجل الإدارة الخاص. فمنذ الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في كانون الأول (ديسمبر) 2017، والذي انقلبت به تماماً على 70 عاماً من السياسة الأميركية، وقيامها بإزالة قضية القدس المتنازع عليها بشدة من على الطاولة، أغلقت الإدارة مكتب البعثة الفلسطينية في واشنطن وألغت بشكل منهجي كل أشكال المساعدات الاقتصادية والإنسانية الأميركية إلى الفلسطينيين، في داخل الأراضي المحتلة وخارجها.

منذ آب (أغسطس) 2018، قامت إدارة ترامب بالإنهاء التدريجي لأكثر من 200 مليون دولار من المساعدات المخصصة للمشاريع الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما ألغت مساهمتها السنوية، التي بلغ متوسطها حوالي 200 مليون دولار، إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التي قدمت الرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الخدمات للاجئين الفلسطينيين منذ العام 1949. وفي 13 أيار (مايو)، حذر المسؤولون في وكالة الغوث من أن أكثر من مليون فلسطيني في غزة قد يعانون من الجوع قريباً ما لم يقم المجتمع الدولي بجمع نحو 60 مليون دولار في الشهر المقبل.

الافتراض القائل إن إدارة ابتعدت تماماً عن أي شيء قد يفيد الفلسطينيين واتبعت سياسات ألحقت ضرراً مباشراً بالفلسطينيين العاديين، سوف تقود الآن الجهود الدولية الرامية إلى تشجيع الاستثمار في الفلسطينيين أو العمل من أجل تحسين حياة الفلسطينيين، ليس أقل من خديعة. في واقع الأمر، بينما كان لدى المسؤولين الأميركيين دائماً نقطة عمياء معينة غير مرئية عندما يتعلق الأمر بالاحتياجات والتطلعات الفلسطينية، لم تظهر أي إدارة أميركية في أي وقت قدراً كبيراً من العداء تجاه الفلسطينيين وسبل عيشهم مثل الذي تُظهره إدارة ترامب.

وهكذا، في حين أن فريق ترامب لا يستطيع لعب دور وسيط سلام، فإنه يستطيع -في الحقيقة- أن يلعب دور المفسد. وقد لا تقدم عملية سلام يقودها ترامب الكثير من المكاسب للفلسطينيين، لكنها يمكن أن تتسبب لهم بآلام كبيرة.

لعل مما يزيد الأمور تعقيداً أن هذا التحدي يأتي عند نقطة تاريخية منخفضة في الحركة الوطنية الفلسطينية. وقد أدى إعلان ترامب الخاص بالقدس وما تلاه من تخفيضات في المساعدات إلى تقويض أكثر من أربعة عقود من استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية، التي استندت حصرياً إلى عملية سلام تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وعلى الرغم من الحديث عن العودة إلى الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى، فإن محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ليس لديه “خطة ب”.

في الوقت نفسه، ونظراً لخسارة المساعدات الدولية، فضلاً عن احتجاز إسرائيل لجزء من عائدات الضرائب الفلسطينية منذ شباط (فبراير)، فإن الحديث يدور الآن حول متى، وليس ما إذا، كانت السلطة الفلسطينية يمكن أن تنهار. ويجب أن يثير زوالها المحتمل قلق جميع الأطراف التي لها مصلحة في السلام في المنطقة: إنه يعني نهاية التعاون الأمني الإسرائيلي-الفلسطيني في الضفة الغربية، وهو ما يثير شبح تصاعد العنف وعدم الاستقرار. ويمكن أن يضع هذا الوضع الضفة الغربية على قدم المساواة مع غزة، حيث أدت الانقسامات المستمرة بين فتح وحماس من أجل السيطرة على القطاع والحصار الإسرائيلي المفروض منذ 12 عاماً، إلى جانب الإغلاق القسري المفروض من مصر، إلى اندلاع العنف المتكرر.

إذا كان الفلسطينيون يأملون في التغلب على العاصفة المقبلة، فإن أفضل أمل لديهم هو رصّ صفوفهم. ولا يمكن للفلسطينيين البدء في كسر الحصار الخانق على غزة إلا بإنهاء الانقسام السياسي المنهك بين حماس وفتح. وسوف يتيح لهم ذلك أيضاً أن يُنظر إليهم كمحاور موثوق على الصعيدين الإقليمي والدولي، وربما يمكنهم من الشروع في عملية صياغة استراتيجية وطنية جديدة. وعلى الرغم من أن المصالحة الفلسطينية قد لا تكون كافية لمنع أي كارثة وشيكة، فإن أي كارثة كهذه ستكون مضمونة تماماً في سياق استمرار الانقسام. وإذا لم يكن ثمة شيء آخر، فينبغي للفلسطينيين أن يستعدوا لانتقام محتمل من جانب إدارة ترامب إذا ما أثبتت ورشة المنامة -أو، على الأرجح، عندما تثبت- كونها ناقصة ومبتورة الأطراف.

*زميل رفيع غير مقيم في معهد بروكينغز ومؤلف الكتاب الصادر حديثاً بعنوان: “البقعة العمياء: أميركا والفلسطينيون، من بلفور إلى ترامب”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.