Take a fresh look at your lifestyle.

فاينانشال تايمز – “هل يمكن لسوريا إعادة البناء مع” بقاء “الأسد في السلطة” ؟

0 31

 فاينانشال تايمز 16/2/2019

سبع سنواتٍ من الحرب خلفت دمارًا هائلًا في البنية التحتية والاقتصاد السوري، ستصعب مع عملية إعادة الإعمار بحسب ما رأته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، التي توقعت أن تستغرق تلك العملية سنواتٍ طويلة قبل أن تعود البلاد إلى سابق عهدها. ففي عام 2011، انطلقت التظاهرات المُؤيِّدة للديمقراطية من ريف درعا لتنفجر في سوريا ويقمعها النظام بعنف. وطالبت الولايات المتحدة آنذاك بأن يتنازل رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السلطة، ووُقِّعَت العقوبات الدولية بعد فترةٍ وجيزة.

وفي خِضم «الحرب الأهلية» الدائرة عام 2012، سيطرت جماعات المعارضة على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي السورية وجزءٍ من مدينة حلب. وحُمِّل النظام مسؤولية هجمات بالأسلحة الكيماوية على ضواحي دمشق عام 2013، قبل أن يُهدِّدَ الغرب بالتدخل العسكري دون تحرُّكٍ فعلي. وفي عام 2014، اجتاح تنظيم داعش -التنظيم السني الأقوى والأكثر تشدُّدًا في سوريا- الحدود ليحتل أجزاءً من العراق. ودفع ذلك بروسيا، حليفة النظام السوري، إلى زيادة تدخُّلها العسكري وشن أول غاراتها الجوية على مناطق المعارضة في عام 2015. وفي العام نفسه فتحت ألمانيا أبوابها أمام اللاجئين السوريين إثر انتشار الأزمة في كافة أرجاء أوروبا.

وبحلول عام 2016، تضافرت القوات الموالية للنظام والمقاتلات الروسية والميليشيات المدعومة من قِبَل إيران لشن حملةٍ ضاريةٍ على المعارضة في حلب. وحُمِّل النظام المسؤولية عن المزيد من الهجمات بالأسلحة الكيماوية عام 2017، مما دفع القوى الغربية إلى شن غاراتٍ جويةٍ على قوات النظام إبان استعادتها السيطرة على المناطق المُحيطة بحمص ودمشق. وفي عام 2018، استعادت القوات الموالية للنظام المنطقة الجنوبية الغربية التي سيطرت عليها المعارضة وتركت محافظة إدلب الشمالية لتكون آخر معاقل المعارضة.

المعركة السورية المقبلة

وفي تقرير نشرته «فاينانشال تايمز» أمس الأحد، أعده كل من كلو كورنيش وآسر خطاب وأندرو إنجلاند، تحدَّثت الصحيفة إلى مدير شركة مشروباتٍ غازيةٍ بدأت إنشاء مصنعها داخل منطقةٍ صناعيةٍ على مشارف دمشق، بالقرب من مدينة دوما بالغوطة الشرقية التي تُسيطر عليها المعارضة، في أوائل عام 2017. وقال مُدير الشركة وهو شاب سوري، طلب عدم ذكر اسمه، إن الموقع «لم يَكُن باهظ الثمن، لكنه كان خطيرًا».

وأشارت الصحيفة إلى أن مدينة دوما قريبةٌ للغاية من دمشق، لدرجة أن الثُوار الذين يُحاربون نظام الرئيس بشار الأسد كانوا يقصفون العاصمة السورية بمدافع الهاون، مما جعلها معقلًا رئيسيًا للمعارضة إبان «الحرب الأهلية». ووصفت المُحصِّلة النهائية في دوما بأنها كانت «وحشيةً للغاية». إذ استمر الحصار والحرب الجوية المدعومة من روسيا، ضد قوات المعارضة المُسيطرة على المدينة والآلاف من سُكَّانها، لمدة شهرين حتى أبريل (نيسان) عام 2018. واتُّهِمَ الجيش السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية، إذ أشارت التقارير إلى أن 70 شخصًا لقوا حتفهم من جراء غاز الكلور في حادثةٍ واحدة. وإجمالًا، لقي قرابة 1600 شخص حتفهم في هجوم الغوطة الشرقية. ودمرت القنابل الأحياء والمصانع.

ونقل تقرير الصحيفة عن مُدير الشركة الموالي للنظام، الذي أُدرِجَ أحد أقاربه على قوائم الشخصيات المستهدفة بالعقوبات، قوله إنه «اعتاد مشاهد إطلاق النار» إبان أسوأ حصارٍ عرفته المدينة. ورغم ذلك، واصلت الشركة أعمال البناء. وأضاف، مُتجاهلًا المخاطر على عامليه: «الحياة لم تتوقف في سوريا». وبعد أشهرٍ قليلة، بدأ إنتاج المشروبات الغازية داخل مصنعٍ يرمز للمعركة السورية المقبلة -إصلاح الاقتصاد المُتهدِّم للبلاد المقصوفة، وفقًا لما أوردته الصحيفة.

فقر مدقع واقتصاد قائم على الحرب

وتقول «فاينانشال تايمز» إن الحرب الطاحنة التي استمرت لثمانية أعوامٍ أضرَّت بمدن سوريا الصناعية وشلت حركة قواها العاملة، فضلًا عن الفقر المُدقِع والحرمان اللذين قوَّضا انتصارات النظام العسكرية الواضحة. ورغم خوف الغالبية من انتقاد النظام، لكن نقص الغاز الطبيعي هذا الشتاء أثار موجةً من الاستياء ودفع بعض السوريين للتساؤل عن أسباب تدهور وضعهم الاقتصادي. إذ قال أيمن، 52 عامًا، الذي يعمل في متجرٍ بدمشق: «التجارة ضعيفة. ظننا أن كل شيءٍ سيتحسَّن لمجرد أنهم حلَّوا الأزمة، لكن حدث العكس».

وبحسب الصحيفة فقد زادت المصالح الدولية المتضاربة من تعقيد مهمة إحياء الاقتصاد، مشيرة إلى أن روسيا وإيران حليفتي الأسد حولتا دفة المعركة العسكرية لصالحه، لكنهما لن تخصِّصا مواردًا لإعادة إحياء البلاد. فضلًا عن الدول الغربية التي عقدت العزم على إضعاف النظام من خلال تشديد العقوبات وحظر تمويل مشاريع إعادة الإعمار الضخمة.

ورغم نجاح حملة النظام العسكرية في استرداد معظم أجزاء سوريا خلال العامين الماضيين، ترى الصحيفة أن الحرب كبَّدت البلاد خسائر تُقدَّر بنصف مليون قتيل، وأسفرت عن أكثر من ثلاثة ملايين شخصٍ يعيشون بإعاقاتٍ دائمةٍ وأكبر أزمة نازحين منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل فرار أكثر من نصف سكان سوريا -البالغ تعدادهم 21 مليون نسمة عام 2010- من منازلهم. ومع انحسار القتال، لا تزال بعض المحافظات تَعُجُّ بالعنف -مثل إدلب، آخر معاقل المعارضة.

ووسط هذا، تقول الصحيفة البريطانية إن رجال الأعمال المقربين من النظام مُتَّهمون بالتربُّح من الصراع، مضيفة أن النُقَّاد يخشون من أن الأموال التي ستأتي من خارج البلاد لإعادة الإعمار -والتي يُقدَّر أن فاتورتها تتراوح بين 250 مليار دولار وفقًا للأمم المتحدة و400 مليار دولار وفقًا للنظام- ستُساهِم في زيادة ثرائهم ليس إلَّا.

ولفت تقرير «فاينانشال تايمز» إلى أن نسبة السوريين الذين يُعانون الفقر المُدقِع، أي يعيشون على أقل من 1.9 دولار يوميًا، تضاعفت منذ عام 2011 لتصل إلى 69% بحسب دراسةٍ مدعومةٍ من قِبَل الأمم المتحدة. أما نسبة الأعمال التجارية التي أُغلِقَت أو نُقِلَت إلى خارج سوريا منذ عام 2009، فوصلت إلى قرابة 56% بحسب إحصائية البنك الدولي. بلغت نسبة البطالة 50% بحلول عام 2015، وفقًا لأحدث الإحصائيات، رغم استقرارها تحت نسبة 10% فقط عام 2010.

وارتفعت تكاليف المعيشة وساد الركود الأجر وانخفضت القوة الشرائية للشعب، مما يعني أن السوريين يُعانون لتحمُّل تكلفة السلع الأساسية بحسب تقرير الصحيفة. إذ قال أحمد، رجل الصناعة السوري: «لقد نفدت خيارات الحكومة. والجميع يقولون إن عام 2019 سيكون عامًا سيئًا بالنسبة لسوريا على المستوى الاقتصادي، وسيُعاني الناس نتيجةً لذلك».

وترى الصحيفة البريطانية أن العاصمة دمشق كشفت عن التباينات الصارخة بين النخبة المنعزلة وبقية الشعب، إبان اختفاء الطبقة المتوسطة في الكثير من المناطق. إذ تتناقض واجهات المحلات الناصعة ومقاهي الشيشة المزدحمة في المناطق الغنية مع طوابير الخبز المُدعَّم والأشخاص الذين يُحاولون استبدال أنابيب الغاز الفارغة.

ونقلت عن ريما القادري، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، قولها: «الموارد المالية محدودةٌ ولكن … نحن نُوجِّه أكبر قدرٍ من التمويل المتوافر لاستعادة الإنتاج وإعادة إحياء الاقتصاد السوري»، مضيفة أن هذا الدعم يشمل القطاعين الزراعي والصناعي، مع منح الأولوية لتمويل المشاريع متناهية الصغر والشركات الصغيرة ورُوَّاد الأعمال، دون أن تُفصِح عن أرقامٍ مُحدَّدة.

ولا تتوافر بياناتٌ دقيقةٌ عن محافظات سوريا التي مزَّقتها الحرب، لكن البنك الدولي قدَّر الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2011 و2016 بقرابة الـ226 مليار دولار، أي ما يُعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 بحسب الصحيفة البريطانية. ويقول مروان، رجال الأعمال الدمشقي: «يُعَدُّ حصولي على ثلثي أو ثلاثة أرباع العقود فقط نجاحًا لأن هدف السنوات السبع الماضية كان البقاء على قيد الحياة. إذ أفلست العديد من الشركات».

وبحسب تقرير «فاينانشال تايمز» فقد ظهرت طبقةً جديدةً من رواد أعمال الحرب إبان انهيار الشركات الشرعية، وتربَّح أولئك من تهريب الأسلحة والناس والمخدرات والسيطرة على التجارة بين النظام وجبهات المعارضة. وترى الصحيفة أن أكبر دليلٍ على اقتصاد الحرب من هذا النوع هو الشاحنات التي تحمل الفولاذ الملتوي والبراميل الصدئة عبر أحياء الغوطة الشرقية المُتهدِّمة. إذ قال عمار يوسف، الاقتصادي المُؤيِّد للنظام: «أصبحت إعادة تدوير مخلفات الحرب من أكثر الصناعات شيوعًا الآن. وتصنيع الفولاذ المُستخرج من بقايا المنازل المتهدمة هو أحد أمثلة ذلك».

ونُفِّذَت عمليات النهب على يد المليشيات من جميع الأطراف، فقد فُكِّكَت الكثير من الأسلاك النحاسية داخل المباني وأُذيبت لدرجة أن منتجات النحاس أصبحت رابع أكبر صادرات سوريا في عام 2014 بحسب البنك الدولي. وقدَّر يوسف حجم اقتصاد النهب بقرابة 800 مليون دولار/سنويًا.

وقال فارس الشهابي، مالك مصنع المنتجات الدوائية وعضو البرلمان الذي يرأس غرفة الصناعة بمدينة حلب -التي كانت أحد معاقل المعارضة: «هناك بعض قادة الحرب الذين جنوا الكثير من الأموال. وجنوا أموالهم تلك من حوائج الناس … ولا أحد يُحِبُّ رؤية المافيا وهي تزدهر». وقال مروان، وهو مالك شركة، إن الساسة تطرَّقوا لتلك القضية لكنه يشكو «تجاهل النظام للأمر. إذ إنه يُكافئ رجال الأعمال والساسة المحليين ورجال الاستخبارات وسائر الأجهزة المؤيدة للنظام بهذه الطريقة».

إعادة الإعمار تحت مظلة الأسد

أدَّت التظاهرات الحاشدة التي طالبت بالوظائف والديمقراطية في عام 2011 إلى إطاحة الزعماء الديكتاتوريين في الوطن العربي، إذ تغيَّرت الأنظمة الحاكمة في تونس ومصر، وأسقطت أعمال معمر القذافي في ليبيا. أما في سوريا، فقد كان الأسد عازمًا على حماية حكم عائلته الممتد منذ أربع عقودٍ بحملة قمعٍ وحشية. وبحلول عام 2014، عاث تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فاسدًا في كافة أرجاء سوريا والعراق انطلاقًا من قاعدته في الرقة.

وبعد عقودٌ من سياسات الاقتصاد المُغلَّق التي وضعها والد الأسد والتي أدت إلى تأسيس شبكات محسوبيةٍ قويةٍ ومُستقلةٍ عن الحكومة، ألمح الأسد إلى خطواتٍ مؤقتةٍ تُمهِّد الطريق للانفتاح الاقتصادي قُبيل الانتفاضة، وسَّعت من فرص رأسمالية المحاسيب بدلًا من إعادة توزيع الثروات، وهو النظام الذي يقول الناقدون إنه تفاقم بفضل الصراع، بحسب تقرير «فاينانشال تايمز». وقال حسن، مالك شركة، إن النظام لم يُرخ قبضته عن الصناعات الأساسي مثل النفط والبناء: «كانت كل القطاعات الاستراتيجية وستظل تحت سيطرة النظام أو الأشخاص المرتبطين بالنظام».

وتتوقع الصحيفة أن تواجه الدول المُهتمة بإرساء قواعد الاستقرار في سوريا مُعضلةً هي: كيف تُساعد الشعب على إعادة الإعمار دون تعزيز قوة النظام الذي رفضه الكثيرون عام 2011؟

وتُعارض الولايات المتحدة والدول الأوروبية فكرة تطبيع العلاقات أو تخفيف العقوبات الاقتصادية الكاسحة المفروضة على دمشق نتيجة انتهاكات حقوق الإنسان، بحسب الصحيفة. في حين ترغب موسكو أن تُشارك الدول الغربية في تحمل نفقات إعادة الإعمار، لكنها تحتفظ بسيولةٍ كافية في انتظار التوصُّل إلى تسويةٍ سياسية. وهو أمرٌ استبعدته الصحيفة في ظل هزيمة المعارضة. إذ قال سام هيلير، من مجموعة الأزمات الدولية: «دمشق حساسةٌ تُجاه أي عمليةٍ سياسيةٍ تحت رعايةٍ دوليةٍ، في حال كانت تُهدِّدُ استمراريتها وبقاءها».

وبحسب «فاينانشال تايمز» فالدول العربية -التي دعَّمت الكثير منها الجماعات المنشقة التي حاولت الإطاحة بالأسد في أول الأمر- تميل إلى جانب دمشق الآن، رغم الجهود التي تبذلها جماعات الضغط السياسي الغربية. وتأمل دول لبنان والأردن المجاورة أن تُساعد إعادة إحياء التجارة على تخفيف الضغوطات الاقتصادية المحلية، في ظل استضافتها لقرابة 1.6 مليون لاجئ سوري. وترغب دول الخليج في التصدِّي للنفوذ الإيراني على أعتابها، مما يزيد التكهُّنات بأنها ستستخدم أموال النفط لشراء النفوذ في صورة مشاريع إعادة الإعمار.

وتتوقع الصحيفة أن تسيطر البراغماتية ستُسيطر على الأوضاع، في ظل الفوضى التي تُعاني منها سياسة الرئيس دونالد ترامب في ما يتعلَّق بالشرق الأوسط، وفي خِضَم الشكوك حول سرعة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. إذ أصبح الرئيس السوداني عمر البشير، الذي يُعاني تظاهراته المُعارِضَة الخاصة الآن، هو أول زعيمٍ عربيٍ يزور دمشق منذ مقاطعة جامعة الدول العربية لسوريا عام 2011. وأعادت الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في دمشق واستضافت وفدًا تجاريًا سوريًا يقوده قُطبُ صناعة الفولاذ محمد حمشو، المُدرَجِ على قائمة العقوبات. وتنتوي البحرين أيضًا إعادة فتح سفارتها، في حين فتحت الأردن ممرًا تُجاريًا أساسيًا مع سوريا أواخر العام الماضي.

وحذَّر إيميل حكيم، الزميل البارز في شؤون أمن الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، من أن تلك الإستراتيجية «ستُوفِّر مكاسب اقتصاديةً للنظام، مما سيُغذي الاقتصاد المفترس» لكنها لن تُدِرَّ أي عوائد سياسية، بحسب الصحيفة.

عقوبات اقتصادية كاسحة

فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقوباتٍ على الواردات مثل بعض أنواع الوقود منذ عام 2011، فضلًا عن بعض الأفراد السوريين المُتَّهمين بدعم النظام ماليًا. وضاعفت بروكسل تلك الضغوطات في يناير (كانون الثاني) المنقضي حين أصدرت تدابير جديدةً بحق 11 رجل أعمال. ومرَّر الكونجرس الأمريكي تشريعًا يُوسِّع نطاق العقوبات الحالية لتشمل المواطنين غير الأمريكيين الذين يتعاملون مع نظام الأسد.

لكن رجال الأعمال السوريين الذين يزعمون أنهم لا علاقة لهم بالنظام قلقون من أن العقوبات المُوسَّعة قد تُضِرُّ بأي شخصٍ مُشاركٍ في إعادة الأعمار، بحسب الصحيفة البريطانية. وقالوا إن البنوك حظرت تحويل الأموال حتى لا يتمكَّنوا من الحصول على مُعدَّاتٍ أوروبيةٍ مثلًا إلَّا عن طريق نقل الأموال باستخدام الشبكات المالية غير الرسمية بتكلفةٍ باهظة.

واستبعدت الصحيفة أن تُخاطر شركات البناء الخليجية بإثارة غضب أمريكا. ولم تتضح بعد هوية المشاركين في إعادة إعمار سوريا من الأجانب، في ظل انعدام رغبة حلفاء النظام في الإنفاق وتخوُّف الصين من الاستثمار.

ونقل تقرير الصحيفة عن ستيفن هايدمان، مُدير قسم دراسات الشرق الأوسط بكلية سميث الأمريكية، قوله إن تلك العقوبات تُلائم أباطرة الأعمال الذين يتمتَّعون بعلاقات مُقرَّبةٍ من النظام، مضيفًا أن «شبكات رامي مخلوف تتمتَّع بأدواتٍ أكثر تُمكِّنه من التحايل على العقوبات» بفضل موارده الكبيرة وعلاقاته الرسمية العميقة. واستغل مخلوف، ابن عم الأسد المُدرج على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، علاقاته لبناء إمبراطورية في الاتصالات والعقارات بحسب الصحيفة.

ورأت «فاينانشال تايمز» أن الأعمال التجارية ستكون صعبة للغاية، حتى في غياب العقوبات. إذ وصف مُلَّاك الشركات السوريين الذين يتردَّدون على بيروت ولندن وباريس مناخًا تجاريًا موحلًا وحقل ألغامٍ من التحديات: بدايةً من فقدان العمال المهرة والفساد المستشري، ووصولًا إلى البنية التحتية المسحوقة وأجهزة الدولة العنيفة والمفترسة. وقال حسن، مالك إحدى الشركات، إن النزاعات القضائية «تطلَّب منك بعض الفساد لتحصل على حقوقك».

وتشكو الشركات من ارتفاع الضرائب رغم ضعف آدائها أو عدم جنيها للأموال الكافية، وفق الصحيفة، بدايةً من التبرعات الإلزامية ووصولًا إلى المنظمات غير الحكومية التي تتصرف وكأنها أحد أذرع الدولة غير الرسمية، فضلًا عن عمليات الفحص الجمركي المتزايدة والتي تُشبه الابتزاز.

وفي الوقت ذاته، لفتت الصحيفة إلى أن الشركات الإيرانية والروسية، مثل شركة سترويترانسغاز، مُتَّهمةٌ بالتربُّح من الموارد الطبيعية الرئيسية في سوريا والحصول على عقود الفوسفات والنفط والغاز الطبيعي والكهرباء المُربحة. وحين سُئِلَ أحد رُوَّاد الأعمال عن فرص نجاح التجارة في سوريا الآن، أجاب قائلًا: «لقد قُسِّمَت الكعكة بالفعل».

وحتى في حال عودة أصحاب الأعمال، فالموظفون قد رحلوا دون رجعةٍ على الأغلب -«هربوا أو ماتوا» كما تقول الفكاهة المحلية بحسب الصحيفة، التي أشارت إلى أن أسهم التجنيد الإجباري للرجال الذين تخطَّت أعمارهم 18 في استهلاك القوى العاملة الماهرة.

وترى الصحيفة البريطانية أن مدينة حلب، أكبر منافسي دمشق، تعكس حجم الجهود اللازمة لإصلاح الاقتصاد السوري. إذ دمَّر القصف والنهب مئات المصانع داخل أكبر معاقل صناعة النسيج في البلاد سابقًا. وقدَّر البنك الدولي أن إزالة 14.9 مليون طن من الحطام داخل المدينة سيستغرق قرابة الست سنواتٍ من العمل المتواصل.

وتقع إدلب، التي يُسيطر عليها المُقاتلون الجهاديون حاليًا، غرب حلب. لذا ما يزال الأمن بعيد المنال في حلب، بحسب الصحيفة، رغم الانتصارات العسكرية للنظام. إذ اعترف الشهابي بأنه من الصعب جذب رجال الصناعة إلى البلاد مرةً أخرى: «سيُخبرك الكثير من الناس أنهم لا يشعرون بالأمان حتى الآن».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.