Take a fresh look at your lifestyle.

عميره هاس تكتب- من هو المتطرف

0 31

هآرتس – مقال – 10/2/2019

بقلم: عميره هاس

اسلوب التعبير لعوفر كسيف لن يثنيني عن التصويت مرة اخرى للقائمة المشتركة، كما أنه لم يزعج المحادثات الودية بيننا في الماضي، لكن هناك امر واحد لا يمكنني اعتباره ثورة غضب في الفيس بوك: السهولة التي قرر كسيف أنه تجري هنا ابادة شعب أو ابادة شعب زاحفة، وبعد ذلك السهولة التي تنازل فيها عن هذه الاقوال، وقال لمن اجرت معه المقابلة، رفيت هيخت “هل تعرفين، اتركي ابادة شعب، يوجد هنا تطهير عرقي” (“ملحق هآرتس”، 8/2). اذا كانت توجد ابادة شعب، زاحفة أم لا، فهذا أمر لا يتم تركه، لا في مقابل ولا في الحياة الخاصة والعامة. هذا ليس امرا نقرر يوم أنه يجري وبعدها بسبب تغير الظروف الشخصية (الانتخاب كممثل اليهود في قائمة حداش) نتنازل عنه. هذه رخاصة التطرف.

من السهل علي التماهي مع الفظاظة والاستفزاز الموجود في تصريحات كسيف في الماضي. هي تدل على أنه قد مل من محاولة اقناع اليهود في اسرائيل بمعارضة سيطرتنا على الفلسطينيين – محاولة كانت احد اهداف “حداش” منذ اقامته، المحاولة فشلت، لكن عبء الاثبات لا يقع على حداش أو كسيف، بل على المجتمع اليهودي. الفلسطينيون في جيوبهم (ايضا في القرى الفلسطينية المخنوقة في اسرائيل، بعد أن صودرت كل اراضيها) لا يهمون المجتمع اليهودي.

اذا كان كسيف قد فقد كل أمل في احتمالية العمل في المجتمع الاسرائيلي، كان يجب عليه عدم الترشح للكنيست، وربما حتى عدم مواصلة التعليم في اسرائيل. كثيرون منا في اليسار يعيشون هذا التناقض: بين الاعتراف المؤلم بأن الجمهور اليهودي يحث الخطى نحو اليمين لأن هذا مجدي له ماديا ومعنويا، وبين محاولة الاستمرار في طرح معلومات وفهم ربما تنجح في خرق السور الوطني المتطرف.

رجال اليمين يستطيعون رمي شعار واحد يكون مفهوم من قبل سامعيهم على الفور، ويتم ضمه الى المجموعة المعتادة من الاكاذيب والصور النمطية التي يقصفوننا بها من كل اتجاه. خلافا لهم، نحن في اليسار بحاجة الى الكثير من الكلمات كي نفكك الصورة الكاذبة، واعتراض الاكاذيب والطرق لاخفاء المعلومات. هذا صحيح بخصوص المراسلين الذين بيننا، وصحيح ايضا بالنسبة للسياسيين من اليسار.

“ابادة شعب” هي ابادة مقصودة أو تقليص عددي تدميري لمجموعة عرقية كاملة. “ابادة شعب” ليست فقط التي نفذت ضد اليهود. قتل الشعوب كان جزء من الـ دي.ان.ايه لكل نظام كولونيالي استيطاني. هذه هي اللحظة التي فيها السكان الاصليين في دولة معينة وقفوا عاجزين تماما امام مخططات الغازي للتوسع والسيطرة على مواردهم واراضيهم، امام تفوقه العسكري، وحشيته وعنصريته. اسرائيل  تثبت كل يوم بأنه صدق من قال من بداية القرن الماضي إن المشروع الصهيوني هو كولونيالي واستيطاني. التفسير بأن النازية وتداعياتها، التي دفعت للهجرة الى البلاد كتلة حاسمة من اليهود الذين لم يكونوا صهاينة قبل ذلك، تفقد مع مرور السنين قيمتها. اسرائيل رفضت تماما الفرصة التي منحها اياها الفلسطينيون في اتفاق اوسلو – وقف توسعها الاستيطاني ووقف تطور عقلية شعب السادة. في الـ دي.ان.ايه للكولونيالية اليهودية ليس هناك ابادة شعب، بل طرد جماعي للفلسطينيين من وطنهم ومن بيوتهم (أنا امتنع عن التعريف الدارج “تطهير عرقي” لأنه يستند الى مفهوم الاستقواء للغازي: “تطهير” من خلال تشويه المعنى الايجابي لهذا المفهوم). الجيوب الفلسطينية المنسية التي خلقتها اسرائيل على جانبي الخط الاخضر هي تسوية بين الرغبات نصف الخفية لاخلاء البلاد من سكانها الفلسطينيين وبين الاعتراف بأن هذا الامر غير ممكن لاسباب جيوسياسية. في اسرائيل يتعزز معسكر اليمين، المسيحاني والاستيطاني، الذي يعتقد أن هذا الامر ممكن أو يجب تحويله الى امر ممكن. دورنا في اليسار ليس التنافس على التطرف اللفظي أو النقاش حول المستقبل: هل سيكون هناك طرد جماعي آخر، هل سيتطور الى قتل جماعي. دورنا هو احباط هذا السيناريو المقيت.

اسرائيل فككت المجتمع الفلسطيني على جانبي الخط الاخضر الى عدة اجزاء، وضد كل واحد منها هي تمارس سياسة مختلفة من القمع والتدمير المادي والنفسي. كل هذا كجزء من خطتها لالغاء وجود الفلسطينيين كجماعة. رغم قياداتهم الفاشلة، إلا أن الفلسطينيين يشعرون كجماعة ويبحثون عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. لا يجب علينا الذهاب بعيدا حتى مفهوم “ابادة شعب” من اجل القول إن نسب الفقر المرتفعة في اوساط الفلسطينيين مواطني اسرائيل هي نتيجة سياسات، وأنه في قطاع غزة خلقت اسرائيل بشكل وحشي ومحسوب ظروف حياة لا تحتمل، وجبال من الكوارث للبيئة والصحة الجسدية والنفسية لمليوني شخص. ولكن الفلسطينيين لم يختفوا، وهم يواصلون التكاثر حتى تحت سياسة التدمير الاسرائيلية. هم ايضا ليسوا مفعول به، بل فاعل ايضا. وشروط الكوارث للصحة هي ايضا من نصيب ملايين بني البشر – فلاحين وعمال وشعوب اصلية – في دول اخرى كثيرة في العالم. يجدر بنا، نحن اليسار، أن نحلل ونكشف الاهداف السياسية وتوازنات الربح التي تقف خلف هذه الجرائم المنهجية – تحليلات ستكون سارية المفعول قبل وبعد الدخول الى الكنيست.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.