Take a fresh look at your lifestyle.

عماد شقور يكتب – وِليَم نصّار والحاج مطلق وعلي إسحق…

0 40

عماد شقور 11/7/2019

ثلاثة من فرسان بدايات الثورة الفلسطينية، والحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بشكل عام، غادروا عالمنا خلال الأسبوع الماضي. وسبقهم بأيام معدودة المناضل الكبير كمال الشيخ.

لكل واحد من هؤلاء المناضلين قصة وسيرة حياة جديرة بأن تروى، حيث يمكن لها، مجتمعة، أن تعطي صورة متكاملة لبدايات العمل الفدائي الفلسطيني، الذي انطلق في زمن صعب بالغ القسوة، لملايين الفلسطينيين كمجتمع وكشعب، وكعائلات وكأفراد أيضاً. لكن إطلاق حركة فتح، (يوم كانت العمود الفقري للثورة الفلسطينية المعاصرة، ولمنظمة التحرير الفلسطينية)، للعمل الفدائي وللكفاح المسلّح، غير اسم «الزمن الصعب بالغ القسوة»، في أحاديث وكتابات رعيل تلك الأيام، ليصبح اسمه «الزمن الجميل».

في ذلك «الزمن الجميل»، بدأت حكايات وليم نصار والحاج مطلق وعلي إسحق:

1ـ وليم نجيب جورج نصار، تعود أصوله إلى حَمولة أبو جغب، (إحدى الحمائل الأربع، التي تتفرع منها عائلات رام الله)، ولد في القدس لأبيه الفلسطيني المسيحي، وأمه اليهودية أوديت سرور. تعلم في القدس، وبعد إنهاء دراسته الثانوية، غادر إلى ألمانيا طالباً في إحدى جامعاتها، لاحقاً بذلك شقيقه الأكبر، الدكتور نبيل نصار، العضو في خلية حركة فتح الأولى في ألمانيا الغربية.

ولم يكد وليم يستقر في جامعته، حتى أصيب العرب في أسوأ هزيمة في تاريخهم القديم والحديث.. هي حرب حزيران/يونيو 1967، التي ما زالت آثارها وما ترتب عليها ماثلة حتى يومنا هذا.

يفترض المنطق العادي والسليم أن يكون وليم (نتيجة ما يوحي به اسمه وبيئته وعقيدته الدينية وأمّه)، أبعد ما يكون عن العمل السياسي، وأبعد من ذلك عن العمل النضالي، وأبعد من ذلك بكثير عن الحد النهائي للعمل النضالي، وهو العمل الفدائي.

لكن وليم لم يكن ابن بيئته العائلية المصغرة، بقدر ما كان ابن شعبه الفلسطيني ضحية النكبة. ودون أن يبلغ أحداً، غادر فور هزيمة حزيران/يونيو 1967 جامعته في ألمانيا إلى الجزائر، حيث التحق بأول معسكر فلسطيني للتدريب على الكفاح المسلح والعمل العسكري الفدائي وحرب العصابات. ومع انتهاء الدورة انتقل إلى سوريا، ملتحقاً بأولى القواعد العسكرية السرية لحركة فتح، استعداداً للانتقال تسللاً إلى فلسطين، بعد أسابيع قليلة فقط من نكسة حزيران، فدائياً يطبق ما تعلمه وتدرب عليه من عمل عسكري وفق قواعد حرب العصابات. لكن ذلك تأخر بعض الشيء لأنه أرسل في أول دورة عسكرية مكثفة في الصين، مع عدد محدود من كوادر فتح الأولى: أبو صبري ممدوح صيدم، وموسى عرفات (ابن عم الزعيم الفلسطيني الخالد، ياسر عرفات، والشقيق الأصغر للحاج مطلق، الذي سيلي التطرق إليه لاحقاً)، والحاج إسماعيل جبر، وجمعة مصباح غالي، وغيرهم.

فورعودته من دورة الصين، ألحّ وليم على الدخول في دورية عسكرية إلى فلسطين لممارسة العمل الفدائي والاستقرار وإعداد قواعد ارتكاز. وإثر وصوله إلى القدس، انطلق مع زميله كمال النّمّري، يوم 1968.2.18 لتنفيذ عملية فدائية في محيط مدينة القدس، قرب قرية أبو غوش، حيث هاجما موقعاً إسرائيلياً، فقتلا أحد حرّاس الموقع، ودمرا عدداً من الآليات الإسرائيلية. لكن، لم يمض وقت طويل حتى اكتشفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مكان اختباء وليم وكمال، فألقت القبض عليهما، وأصدرت المحكمة العسكرية الحكم عليهما بالمؤبد وعشرات أخرى من السنين (!!).

بعد أشهر من ذلك، دخل والدا وليم إلى القدس، وطلبا زيارة ابنهما وليم في السجن، وعندما وصلا بوابة السجن، أخذ أحد الضباط الإسرائيليين السيدة أوديت سرور نصار، جانباً، وأبلغها أنه من مكتب وزير الدفاع موشي ديّان، وعرض عليها الرجوع إلى عقيدتها الدينية السابقة، اليهودية، ويتم اعتبار وليم يهودياً ويطلق سراحه. لكن أوديت رفضت العرض، مؤكدة أنها لن تتخلى عن زوجها وابنتها ليان وابنها نبيل، وإنها تأمل أن يتم الإفراج عن ابنها وليم بطريقة أخرى.

كان الالتحاق بفتح وبالعمل الفدائي يعني العطاء والاستعداد للتضحية من أجل فلسطين حد الاستشهاد

بعد يوم واحد من عملية أبو غوش العسكرية، نشرت الصحف الإسرائيلية قول موشي ديان: «فتح مثل بيضة في يدي، متى شئت كسرها كسرتها». لكن بعد شهر وثلاثة أيام من عملية أبو غوش، وفي يوم 1968.3.21، شنّت إسرائيل هجوماً واسعاً على قواعد فتح في محيط قرية الكرامة في الأردن، وفوجئت القوات الإسرائيلية بصمود وشراسة مواجهة الفدائيين لها، وتصدي مدفعية الجيش الأردني بقيادة الراحل الكبير مشهور حديثة للقوات الإسرائيلية، فانسحبت هذه القوات إلى الضفة الفلسطينية، متخلية عن عدد من آلياتها العسكرية في أرض المعركة، وأخذ الفدائيون، (الذين سقط من بينهم 97 شهيداً)، بعض تلك الآليات العسكرية الصالحة، وجابوا بها شوارع العاصمة الإردنية، عمّان، في استعراض كبير أعاد رفع المعنويات التي كانت في الحضيض بسبب نكسة حزيران/يونيو المشينة، وأصبحت حركة فتح على كل لسان، وشكلت معركة الكرامة من جهة، وإغراق البحرية المصرية للمدمرة الإسرائيلية «ايلات»، دافعاً لانطلاق «حرب الاستنزاف» وانطلاق حرب تشرين/أكتوبر 1973 لاحقاً.

غداة معركة الكرامة، عقد ديان مؤتمراً صحافياً، أشاد فيه بجرأة مقاتلي فتح، ورد على سؤال لصحافي إسرائيلي ذكّره بما قال عن فتح قبل أربعة أسابيع، وكان رد ديان الذي لا يُنسى: «الحمار وحده لا يغير رأيه».

بعد 12 سنة من الاعتقال، وفي صيف 1980، تم الإفراج عن وليم نصار في عملية تبادل، حيث أفرجت فتح عن الجاسوسة أمينة المفتي، مقابل إفراج إسرائيل عن وليم نصار وأبو علي، مهدي بسيسو.

هذه التجربة التي مر بها وتعرض لها وليم نصار، جعلت منه أيقونة في نظر الفلسطينيين، ودفعت كثيرين في ذلك «الزمن الجميل»، الذين كانوا يتعاملون بـ«أسماء حركية»، بدل أسمائهم الحقيقية، في زمن العمل السّري، إلى اختيار اسم وليم كاسم حركي لهم.

2ـ الحاج مطلق، وهذا أيضاً اسم حركي للراحل الكبير، أحمد عرفات القدوة. عرفته بعد أيام قليلة من وصولي إلى معسكر الهامة، إلى الغرب من العاصمة السورية دمشق، وهو المعسكر الأول لحركة فتح. يومها جاء الحاج مطلق قادماً من السعودية، حيث كان يعمل مدرِّساً هناك. جاء للتفرغ للعمل الفدائي في حركة فتح التي كان عضواً فيها منذ تأسيسها قبل ذلك بنحو أربع سنوات، وبعد انطلاق عملها الفدائي بسنتين. يوم تعارفنا، وكنا مجموعة كبيرة في إحدى غرف المعسكر، لفتّ انتباهه عندما قيل له إنني قادم من الأرض المحتلة 1948. بعد قليل جاء إليّ حاملاً حقيبة يد كبيرة، وقال لي: «الرسول قبل الهدية». مازحته: لكني مسيحي!. قال: هذا يُلزمني أكثر. وفتح حقيبته ورأيتها مليئة بأقلام حبر وساعات ثمينة. تناول منها قلم باركر بريشة من ذهب وأهداني إياها. قبلتها. وحاول إهدائي ساعة ذهبية فرفضت.

كان الالتحاق بفتح وبالعمل الفدائي يعني العطاء والاستعداد للتضحية من أجل فلسطين حد الاستشهاد. لم يكن الالتحاق يعني توقع الأخذ وتبوّؤ المراكز والمناصب. تسلم الحاج مطلق مسؤوليات مهمة، كثيرة ومتشعّبة. لكن أكثر ما يُسجّل له أنه أنشأ وأسس «الإدارة العسكرية»، التي تم بفضلها حفظ تاريخ وحقوق عشرات الآلاف من الفدائيين في فتح وفصائل الثورة الفلسطينية.

3ـ علي إسحق، عضو اللجنة التنفيذية السابق، شركسي من قرية الريحانية، اعتقلت السلطات الإسرائيلية والده، وتعرض لمحاكمات في إسرائيل، كان محاميه محمد نمر الهواري. ثم اختفى وهو في السجن. لم تقدم إسرائيل لابنه علي ولعائلته أي تفسير مقنع عن اختفائه.

في فلسطين قريتان شركسيتان فقط: الريحانية وكفر كَما. يبلغ عددهم ما لا يزيد عن عشرة آلاف نسمة. وتفرض إسرائيل التجنيد الإجباري على الذكور بينهم. رغم كل ذلك، ورغم أن الفلسطينيين الشركس أقل عدداً من أن يقال عنهم إنهم أقلية قومية، لم أسمع أنا، ولم يسمع غيري، حسب اعتقادي، أي ملاحظة تقول، مثلاً، كيف يكون شركسي عضواً في اللجنة الأعلى في هرم السلطة الفلسطينية. نال الراحل الكبير علي إسحق كثيراً من عبارات المديح، وأصابته عبارات نقد.. لكن لم يكن بينها أي إشارة إلى تغلغل العنصرية والتمييز لدى كل من هم في منظمة التحرير الفلسطينية، ولدى من تمثّلهم منظمة التحرير.

لن أنهي هذا المقال قبل تسجيل ملاحظة: إذ توفي الحبيب وليم نصار، علمت من زوجته ساندرا، أن وصيته اقتصرت على طلب أن يدفن ببدلة عسكرية. «شكراً» للصديق صلاح شديد، رئيس هيئة المتقاعدين العسكريين الفلسطينية، الذي حرص على تلبية وصية وليم نصار.

*كاتب فلسطيني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.