Take a fresh look at your lifestyle.

عقوبات ترامب : هل تُعدِّل “سلوك طهران الإقليمي” أم ترفع مستوى المواجهة؟

0 18

مركز الجزيرة للدراسات حسن أحمديان *- 18/9/2018

مقدمة

فَقَدَ الاقتصاد الإيراني تماسكه وتراجع مستوى الثقة الداخلية والخارجية به بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية في الثامن من أغسطس/آب 2018. وانحدرت تدريجيًّا مبيعات النفط الإيراني، کما خسرت العملة الإيرانية، الريال، ثلثي قيمتها في بضعة أشهر وتبدو بعيدة عن الاستقرار في المدي المنظور. بدأت كذلك موجة استجوابات لوزراء شملت الرئيس حسن روحاني بسبب ترهُّل الوضع الاقتصادي وموجة الغلاء وضعف إدارته في مواجهة التحدي. لقد أثَّرت هذه التطورات سلبًا على جزء مهم من مؤشرات الاقتصاد الإيراني. ورغم الفرص الجانبية التي تأتي بها العقوبات من دفع لعجلة الإنتاج وزيادة في السياحة الأجنبية، إلا أنه من المتوقع أن يزداد تأثير العقوبات السلبي مع فرض الرزمة الأكثر صرامة منها في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2018. بذلك يتحقق المطلوب أميركيًّا في الجزء الأول، أي استهداف الاقتصاد الإيراني بغية الضغط على طهران وحملها على القبول بطروحات واشنطن الإقليمية. تحاول هذه الورقة تسليط الضوء علي الجزء الثاني من المطلوب أميركيًّا، أي مدي وكيفية تأثير الضغط الاقتصادي علي سياسة إيران الإقليمية. فهل ستتراجع طهران عن “سلوكها الإقليمي” أم سترفع من مستوى التحدي؟ وکيف تؤثر سياسة ترامب على تواجد ونفوذ إيران في ساحات كالعراق وسوريا؟

عودة العقوبات المُشلَّة

لم يدُم الاتفاق النووي، الذي جمع لأول مرة منذ أربعة عقود، الولايات المتحدة بإيران؛ فقد نقض الرئيس دونالد ترامب التزام واشنطن به. كما أعاد فرض العقوبات الأميركية على إيران. وبعيدًا عن أسباب هذا الإجراء، فإن الواقع الماثل أمام حكومة روحاني يبقى واحدًا: ضغطًا متصاعدًا من قِبل واشنطن يضاهيه ضغط وتذمر داخلي من الوضع الاقتصادي وجدوى الاتفاق النووي. أعاد ترامب العقوبات الأميركية على إيران في حزمتين: بدأت الأولى في الثامن من أغسطس/آب 2018، وستليها الثانية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعدها بثلاثة أشهر. وتعاني طهران من سيكولوجية العقوبات التي تسبق وتوازي العقوبات ذاتها؛ إذ تُحرِّك الرساميل الخاصة من قطاع اقتصادي لآخر بغية الحفاظ على قيمتها أمام تراجع قيمة العملة الوطنية.

وتؤجج العقوبات الأميركية تلك السيكولوجية بسياسات تضرب محاور الاقتصاد الإيراني. تستهدف الحزمة الأولى من العقوبات تعاطي إيران بالدولار، والذهب والمعادن الثمينة وشراءها قطع غيار السيارات بالإضافة للطائرات المدنية وقطع غيارها (1). وستستهدف الحزمة الثانية صادرات إيران من النفط والصناعات البتروكيماوية. إنها “حرب اقتصادية” تريد من خلالها واشنطن فرض مطالبها على طهران وفق نائب الرئيس الإيراني (2). وبينما نسجت إدارة أوباما العقوبات المُشلَّة (crippling sanctions) بطريقة متدرجة، تبدو إدارة خَلَفه على عجلة من أمرها. فبحلول الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، ستفرض واشنطن أقصى ما کانت ستفرضه الإدارة السابقة لحمل إيران على قبولها التفاوض.

عودة “الزخم الثوري”

تراهن الإدارة الأميركية على ترکيع طهران بعقوباتها “غير المسبوقة على مدي التاريخ”(3). ولا يقلِّص افتقار العقوبات الجديدة لإطار ودعم دوليين كثيرًا من مفعولها. وقد بُنِيت السياسة المعادية لإيران علي فرضية مستخلصة منالاتفاق النووي تقول بتراجع طهران أمام الضغوط. هذا بينما ينقسم الإيرانيون بين الآخذين بهذه الفرضية والمعارضين لها، وهم الأغلبية، الذين يعتبرون عدول واشنطن عن سياسة تغيير النظام محفزًا رئيسيًّا لتوقيع طهران الاتفاق. تكمن أهمية المحفز الرئيسي في المساعدة على استشراف المستقبل. فإن کانت طهران بالفعل تتفاوض تحت الضغط، يُرجَّحُ عودتها للطاولة. أما إن کان ذلك نتيجة عدول أوباما عن سياسة تغيير النظام، يكون من غير المرجح خوض إيران أية مفاوضات جديدة.

ورغم صعوبة ترجيح أي من الفرضيتين، فإنْ أخذْنا إجماع النخب الحاكمة في طهران علي رفض التفاوض مع ترامب على محمل الجد، ستبدو احتمالات المواجهة أكثر ترجيحًا. وکما أدي الإجماع سابقًا إلي توقيع الاتفاق النووي في 2015، يبدو الإجماع ذاته متماسكًا علي ضرورة رفض الإملاءات الأميركية. أضف إلي ذلك نطق المرشد الأعلى بالكلمة النهائية: “حتي لو فاوضنا يومًا الولايات المتحدة، فإننا لن نفاوض هذه الإدارة) إدارة ترامب)”(4). وردد رئيس الجمهورية ووزير خارجيته ورئيس البرلمان ذاتَ المضمون بعبارات مختلفة. وکان قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، قد أيد هذا المنحي عند تأييده تهديد روحاني الولايات المتحدة من النمسا (5). وکان الإجماع نتيجة تخيير ترامب إيران بين التراجع أمام الشروط الأميركية أو مواجهة العقوبات.

يبدو واضحًا أن الإجماع والخطب الرنانة لن توقف مفعول العقوبات الأميركية. هذا ما يقوله منتقدو سياسة الحكومة الإيرانية (6)؛ إذ يروجون من هذا الباب لضرورة التفاوض مع ترامب بل ويري بعضهم في ذات التفاوض مصلحة لإيران (7). يروج بعض من أصحاب هذا المنحي کذلك ضرورة الانكفاء للداخل للابتعاد عن الضغوط الأميركية. يرد الفريق الثاني بأن ترامب لن يرضى إلا بتجريد إيران من استقلالها، بل ويذهب بعضهم إلي القول بأن واشنطن تستهدف إيران ووحدتها لا الجمهورية الإسلامية (8). ولأن القرار بيد المجموعة الثانية حاليًّا، فإن التحدي هو الخيار الإيراني أملًا بأن يُسعف طهرانَ الخلافُ بين واشنطن وباقي شركاء الاتفاق النووي الذي أتي مثلًا بوعد أوروبا بتصدير إيران مليون برميل من النفط يوميًّا کحدٍّ أدني(9). ويري أصحاب هذا الاتجاه ضرورة زيادة طهران نشاطها الإقليمي المناکف لواشنطن لردعها؛ لذلك سيبرز الوجه الآخر “للمقاومة والتحدي” في ملفات الشرق الأوسط.

محورية الشرق الأوسط

بينما تعتبر واشنطن سياسة إيران مزعزعة لأمن واستقرار الشرق الأوسط وتبحث عن سبل لحمل طهران على تغيير سلوكها، ترى طهران في نشاطها الإقليمي ضرورة لأمنها القومي وإضافة لأمن المنطقة، کما تنظر للشرق الأوسط باعتباره الحيز الأمثل لمواجهة الضغوط الأميركية. وثمة انتقادات داخلية تلاحق هذه الرؤية؛ فقد جري تكرار شعارات مناوئة لسياسة طهران الإقليمية في عدد من المظاهرات كان آخرها في يوليو/تموز 2018. وبينما يرفض المتظاهرون استثمارات طهران الإقليمية، يرد معارضوهم بأن تلك الاستثمارات ليست کبيرة أصلًا إن قيست بأعداء إيران وأن الذود عن أمن إيران القومي أسمي من الحسابات المالية. ويتكرر ذلك الخلاف علي المستوى النخبوي؛ إذ يري البعض إمكانية الحد من کلفة السياسة الإقليمية عبر تقليص الالتزامات وبالتعاون الإقليمي مع واشنطن. بينما تري المجموعة الثانية، وهي صاحبة القرار، أن الکلفة والالتزامات الإقليمية ضرورية لردع التهديدات علي الأمن القومي لإيران، وتستدل بالاتفاق النووي لرفض جدوى التفاوض أملًا بالاتفاق مع واشنطن حول الإقليم.

ومع افتراض استمرار خيار المواجهة، وهو المرجح رسميًّا، فإن سياسة إيران الإقليمية وحلفاءها في “محور المقاومة” سيکونان أجزاء من منظومة “الصمود والردع.” تعول طهران علي حلفائها وأصدقائها في الالتفاف علي العقوبات المفروضة علي التعاطي بالريال الإيراني أولًا. وثمة تجربة مهمة في سنوات العقوبات المشلَّة في حقبة أوباما؛ إذ أسعف العراق -بقيادة نوري المالكي- طهران کثيرًا في الحد من تأثير العقوبات المالية وحصولها على العملة الصعبة (10). تطمح طهران بوضع مشابه في عراق اليوم؛ فخيار المواجهة يُحتم العمل علي تفعيل کل المنافذ للالتفاف علي العقوبات المالية. ويأتي العراق في المقدمة تليه باقي الدول الصديقة والحليفة لطهران.

وتعول طهران علي نفوذها الإقليمي في مواجهة التحدي العسكري والأمني للولايات المتحدة ثانيًا. ويتطلب ذلك تفعيل وزيادة قوة الردع الإيرانية داخليًّا وإقليميًّا. فداخليًّا، تعمل طهران علي زيادة دقة ومدي صواريخها لزيادة وطأتها علي الحسابات الأميركية. لذلك، ازداد استعراض صواريخ إيران في عمليات ضد “تنظيم الدولة” في سوريا (11) والحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق (12). أما إقليميًّا، فتعيد طهران تحديد أولوياتها وترکز جهودها الردعية علي الولايات المتحدة في حقبة ما بعد “تنظيم الدولة”. وجاء رد الجنرال قاسم سليماني علي تهديدات الرئيس ترامب بقوله: “أنا خصمك، فيلق القدس خصمكم” ليؤكد تركيز طهران جهودها الردعية في الإقليم (13). وسيکون، کما يبدو، “محور المقاومة” محوريًّا في خيار المواجهة. وسيأتي الردع الإيراني على الأرجح باستنزاف عسكري ومناكفة سياسية کما حدث في فترات سابقة.

تطويق التهديد في سوريا

خرج النظام السوري من عنق الزجاجة. وعلى خلاف المتوقع من خروج إيراني من سوريا، يحدد کل من موازنة القوي في الداخل السوري والعداء الأميركي المتصاعد لإيران مصير الوجود والدور الإيراني في سوريا. وفي مواجهة کليهما، تري طهران في روسيا شريکًا داعمًا لنسج طهران سياستي الموازنة والقوة الردعية.

الموازنة أولًا: خلَّف انكسار “تنظيم الدولة” حضورًا أميركيًّا وترکيًّا على التراب السوري. وبعد أن کان تركيز إيران والهدف من حضورها في المرحلة السابقة الحفاظ على النظام السوري، تغيَّر بعد ضمان بقاء النظام إلي موازنة اللاعبين المؤثرين في سوريا ما بعد “تنظيم الدولة”. بذلك، انتقل الاستراتيجي الإيراني من التركيز على الحرب ضد تنظيمات كجبهة فتح الشام “جفش” و”تنظيم الدولة” إلي موازنة القوي التي يصعب للجيش السوري موازنتها دون مؤازرة حلفائه وعلى رأسهم إيران: ترکيا وحلفائها والولايات المتحدة وشركائها (14). أضف إلي ذلك، الدعم الإيراني للجيش السوري في التخلص من الجيوب المتبقية في عمق الأراضي المسيطر عليها، وهو جزء من عملية الموازنة عبر التخلص من المعارك الثانوية.

بالنسبة لتركيا، تحاول طهران بمعية الشريك الروسي التماس طريق وسط يعالج قلق أنقرة ويعود بإدلب إلي سيادة الدولة السورية. ورغم وجود غير سبب للتشكيك باحتمالات مثل هذا الحل، إلا أن الأغلبية من استراتيجيي ونخب السياسة الخارجية الإيرانية تبدو متفائلة إزاء براغماتية أنقرة. ولهذا التفاؤل أسباب؛ فقد قبلت ترکيا عمليًّا بالعودة للمربع الأول ومراجعة حلم إسقاط النظام بدخولها عملية الآستانة مثلًا. وقد أتت قمة طهران، في السابع من سبتمبر/أيلول 2018، لتوضح مدي جدية الدول المشارکة في إيجاد حل لإدلب رغم خلافاتها البادية للعلن. وفي کل الأحوال ستستمر عملية موازنة ترکيا في الشمال السوري حتي التوصل لتسوية في إدلب.

الردع ثانيًا: مع تزايد التهديدات الأميركية ضد إيران واتخاذها خطوات عدائية في سوريا وغيرها، تتأهب طهران لمرحلة ما بعد إدلب. فإن کانت عودة سيادة الدولة السورية على إدلب أمرًا مهمًّا بحد ذاته، إلا أنه يتسم بأهمية أيضًا لإنهائه آخر بؤرة صراع قبل الحرکة باتجاه شرق الفرات. فسيخلق استعادة إدلب ثنائية بين الأراضي المسيطَر عليها من قِبَل الدولة السورية والأراضي “المحتلة أميركيًّا”. کما سيرص صفوف شركاء الآستانة ويرکز اهتمامهم على شرق الفرات باعتباره آخر التحديات وعلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة احتلال. ولاهتمامها بدرء التهديد الكردي، تعلم طهران أن ترکيا سترحب بهذا التحرك شريطة التوصل لحل يضمن الحد الأدنى من مطالبها في إدلب. وبالإضافة لتركيا، تراهن طهران على أن تحويل التركيز من إدلب إلي شرق الفرات سيزيد من إمكانيات موسكو في المناورة أمام واشنطن ولذلك سترحب به روسيا أيضًا.

لکن هل بمقدور طهران الوثوق بروسيا في ظل الضغوط المتصاعدة؟ ثمةنقاش إيراني حول مدي عقلانية الوثوق بالشريك الروسي في سوريا؛ فهناك من السياسيين والمفكرين الإيرانيين من يبنون على الواقع التاريخي للقول بأن روسيا ستترك طهران تواجه مصيرها إن هي واجهت ضغطًا أميركيًّا أو أمْلَتْ عليها مصالحها ذلك. أما المجموعة الثانية فتتكلم عن أن روسيا بوتين مختلفة ولم تنقض عهدًا التزمت به لإيران حتي الآن. وتري هذه المجموعة في تخوين الروس دعاية مصدرها الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب متانة العلاقة بين الدولتين وما أنجزتاه في سوريا. ويبدو أن إيران الرسمية أكثر ميلًا للفئة الثانية. کما أن خطاب “التحول شرقًا” (Shift to the East) الذي يركز عليه المرشد الأعلى يقول بمتانة العلاقة بروسيا فالصين. والواضح أن تعويل طهران على الشراکة مع روسيا في مواجهة التهديد الأميركي سيستمر في المرحلة المقبلة.

بشکل عام، تستخدم طهران الحضور العسكري الأميركي في سوريا لردعواشنطن عبر إثقالها بأعباء يأتي بها تركيز شركاء الآستانة على شرق الفرات بعد إنهاء الوضع القائم في إدلب. لذلك، يزداد تركيز طهران يومًا بعد يوم على الوجود الأميركي في سوريا. ولا تتراجع أولوية استعادة دمشق إدلب؛ إذ تعتبرها طهران وحلفاؤها بوابة الخطوة الأخيرة “شرق الفرات”، کما وصفها الرئيس روحاني في قمة طهران الأخيرة (15). لكن الهدف أصبح شرق الفرات والنشاط مستمر لتهيئة الظروف لتحققه.

إعادة التموضع في العراق

زادت مواجهة بغداد لـ “تنظيم الدولة” من مستوى وقوة الحضور الإيراني في العراق. وفي خضم دعمها العراق، أسهمت طهران في تصميم وتدريب قوات الحشد الشعبي على نموذج قوات الحشد (بسيج) الإيرانية. وکان جليًّا أن لحلفاء طهران في العراق دورًا محوريًّا في الحشد الشعبي، قيادة ومتطوعين. وفي سبيل إيلاء الحرب ضد “تنظيم الدولة” الأولوية غضت الولايات المتحدة الطرف عن توطيد العلاقات العسكرية الأمنية بين طهران وبغداد إبَّان الحرب المشتعلة في عدة محافظات عراقية. وکان للتحالف الذي قادته واشنطن للحرب ضد الإرهاب دور في زيادة براغماتيتها في التعاطي مع الحضور الإيراني في العراق. فبالرغم من تفنيد البلدين للتقارير والأخبار، کان لابد من شيء من التنسيق -بشكل مباشر أو غير مباشر- لمنع التصادم على أقل تقدير. وبين التنسيق وغض الطرف عن وجود الآخر، أبدت تلك المرحلة مستوي جديدًا من التفاهم بالترکيز على مكافحة الإرهاب وردم الخلافات المعتادة بين الدولتين.

انحدار المرونة أولًا

أضفت حقبة ترامب على السياسة الإيرانية صبغة أکثر عداء للولايات المتحدة في المنطقة بشكل عام؛ فلا مفاوضات نووية يلتقي خلالها صانعو قرار البلدين ولا حرب ضد “تنظيم الدولة” تجمعهما على هدف مشترك. ولذلك ينحدر منسوب المرونة إزاء الحضور الأميركي في سياسة إيران الجديدة. وبينما کان لإدارة الرئيس باراك أوباما دور مهم في تقليص مخاوف طهران من عودة بضعة آلاف جندي أميركي للعراق على المستوى العسكري، لا ثقة اليوم إطلاقًا بوجود قوات أميركية على مقربة من الحدود الإيرانية ولا طريق للتعاطي مع هذا التهديد دون ردعه ومحاولة إزالته بالتالي. وتعول طهران كثيرًا على حلفائها في الحشد الشعبي وخارجه لإنهاء الحضور الأميركي في العراق؛ فإن کانت الحرب ضد “تنظيم الدولة” مدعاة لعودة بضعة آلاف من الجنود الأميركيين، فإن الخطر قد زال. فقد کان تهديد “تنظيم الدولة” يُحتم على طهران القبول بتسويات تنهي الخلافات المرحلية وتؤدي إلي زيادة التركيز علي مكافحة الإرهاب. أما الآن، فلا مبرر لبقاء تلك القوات وفق الرؤية ذاتها.

الانتصار للحلفاء ثانيًا

أثَّرت الضرورة المرحلية للحرب ضد “تنظيم الدولة” والثقة الضئيلة التي وُلدت في ظل المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في تفهم مشترك لحضور کل من الدولتين في العراق وضرورة توحيد الساحة العراقية عبر دعم رئاسة وزراء حيدر العبادي. انتهت تلك الحقبة کما انتهت ضروراتها المرحلية؛ فلا مجال لتسوية مشابهة لتلك التي أتت بالعبادي لرئاسة الوزراء في 2014 مثلًا. تحدد طهران أولوياتها العراقية اليوم وفق العلاقة المتأزمة مع واشنطن فإن کانت رئاسة وزراء العبادي ضرورة مرحلية، انتهت بالنسبة لطهران تلك الضرورة بعد أن رمت واشنطن لغة التفاهم جانبًا. لذلك، وعلى خلاف المرحلة السابقة، لن تتراجع طهران عن دعم حلفائها. ورغم قلة التعليقات الرسمية، إلا أن الواضح أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام المتحالفين مع واشنطن. لذلك، ورغم إعلانها أن انتخاب رئيس للوزراء شأن عراقي، دعمت طهران -وما زالت- تدعم حلفاءها أمام دأب حيدر العبادي لولاية ثانية لتسرُّع الأخير في قبول العمل بالعقوبات الأميركية على إيران (16). فثمة خط أحمر يُرسم اليوم في العراق: ستقف طهران في وجه المتحالفين مع واشنطن وتدعم من يناكفها بکل ما أوتيت من قوة.

ولكن، کيف ستؤثر سياسة إيران على علاقتها بالعراق؟ خاصة وأن ثمة موجة تذمر شعبي من الدور الإيراني في العراق بدت واضحة في سبتمبر/أيلول 2018، عندما أُحرقت ونُهبت القنصلية الإيرانية في البصرة. ثمة إجابتان لمجموعتين من النخب الإيرانية يمکن تقسيمهما لرأي الأقلية والأكثرية: تري الأقلية أن الدور الإيراني في العراق يصطدم اليوم بالولايات المتحدة والسعودية وليس بمقدوره الصمود لفترة طويلة، أي في المدي المتوسط أو البعيد ستُجبَر إيران على القبول بتراجع نفوذها وعلاقتها القريبة مع العراق. يستشهد هؤلاء بالتذمر الکردي والسني بالدور الإيراني في العراق بالإضافة لحرق القنصلية الإيرانية في البصرة والمظاهرات المناوئة لإيران. وفي المقابل، ترفض أغلبية السياسيين والمفكرين الإيرانيين هذا الاتجاه قائلين بأن العلاقات الثنائية قطعت شوطًا لا يمکن بسهولة تخريبه، أي إن العلاقة عبرت مرحلة الخطر وأصبحت عضوية بين الشعبين. يشير هؤلاء إلي زيارة 1.2 مليون عراقي إيران في خمسة الأشهر الأولى من عام 2018 مثالًا لتلك العلاقة. کما يرون في زيارة الملايين من الإيرانيين العراق سنويًّا للمشاركة في الأربعينية الحسينية وتثمين أغلبية العراقيين لدور إيران في الحرب ضد “تنظيم الدولة” وتحالفات طهران مع أهم الأحزاب والتحالفات السياسية، ضمانًا لمستقبل العلاقات. وبين هذا وذاك، يبدو أن حرق القنصلية الإيرانية في البصرة، إنْ کان مقصودًا، أتي بخلاف النتائج المرجوة بتقليص حظوظ عبادي لولاية ثانية.

خلاصة

مع إعادة فرض العقوبات الأميركية وعودة سياسة تغيير النظام إلي واشنطن بعد إنهاء التزامها بالاتفاق النووي لعام 2015، واجهت طهران خيارين: التراجع أمام المطلوب أميركيًّا أو تحدي واشنطن بمضاعفاته المؤرِّقة. ويبدو، کما جاء في الورقة، ترجيح طهران خيار التصدي لواشنطن تعويلًا على دعم باقي شركاء الاتفاق النووي من جهة واستنادًا لقدرات إيران الردعية من جهة أخري. لذلك، بدل الانكفاء للداخل أمام الضغط الأميركي والصعوبات الاقتصادية، تزداد طهران نشاطًا لدرء التهديدات. ويأخذ التصدي صورة ردع داخلي عبر زيادة دقة ومدي الصواريخ المصنَّعة في إيران وردع إقليمي عبر مواجهة واشنطن في الساحات الإقليمية. وتُولِي طهران الشرق الأوسط اهتمامًا واضحًا في العملية الردعية. فبالإضافة لتوظيفها المنافذ المالية الموجودة في الشرق الأوسط للالتفاف على العقوبات المالية، تعيد طهران تموضعها في العراق وينحدر بذلك منسوب المرونة لديها إزاء حضور وتحرك واشنطن والمتحالفين معها في العراق. ويزداد بالتالي دعم طهران لحلفائها في مواجهة أخطار المرحلة المقبلة، واحتمال صعود حكومة موالية لواشنطن بشكل خاص. أما في سوريا، فتقوم طهران بالإضافة لعملية الموازنة أمام حضور القوات التركية والأميركية على التراب السوري، بعملية ردع تقوم على أولوية إنهاء التركيز على إدلب وتحويله إلي شرق الفرات بغية الضغط على واشنطن. بشكل عام، يزداد نشاط طهران الإقليمي، ويبقى السؤال: هل يزداد الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط لاحتواء إيران؟ لا تبدو طهران مهتمة بالإجابة حاليًّا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*حسن أحمديان- باحث وأستاذ جامعي إيراني، متخصص في العلوم السياسية.

مراجع

(1)  “The Return of U.S. Sanctions on Iran: What to Know”, Council on Foreign RelationsAugust 2018, (Accessed on 11 September 2018): https://www.cfr.org/article/return-us-sanctions-iran-what-know

(2)  “آمريکا عليه ما جنگ اقتصادي به راه انداخته است” (أميركا بدأت حربًا اقتصادية علينا)، ايسنا، 20 شهريور 1397، (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2018):

https://www.isna.ir/news/97062010002/آمريکا-عليه-ما-جنگ-اقتصادي-به-راه-انداخته-است-در-شرايط-دشوار

(3)  “Pompeo Declares Economic War on Iran”, The Atlantic, 21 May 2018, (Accessed on 14 September 2018):

 https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/05/pompeo-declares-economic-war-on-iran/560795/

(4)       “ديدار اقشار مختلف مردم با رهبر انقلاب” (ملاقاة المواطنين مع قائد الثورة)، دفتر حفظ ونشر آثار حضرت آيت الله العظمي خامنه اي، 22 مرداد 1396، (تاريخ الدخول: 14 سبتمبر/أيلول 2018): http://farsi.khamenei.ir/news-content?id=40243

(5)      “پيام قدرداني سردار سليماني از رييس جمهور روحاني به دليل مواضع اخير وي در خصوص صدور نفت و رژيم صهيونيستي” (رسالة تقدير من الجنرال سليماني للرئيس روحاني على مواقفه الأخيرة من تصدير النفط للكيان الصهيوني)، اطلاعات، 1 تير 1397، (تاريخ الدخول: 14 سبتمبر/أيلول 2018):

http://www.ettelaat.com/mobile/?p=86302&device=phone

(6)      انظر مثلًا:

“از پيشنهاد ترامپ استقبال کنيم/ مذاکره، تحريم‌ها را قطع مي‌کند”(لنرحب بمقترح ترامب/ المحادثات توقف العقوبات)، ايسنا، 10 مرداد 1397، (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2018):https://www.isna.ir/news/97051005367/از-پيشنهاد-ترامپ-استقبال-کنيم-مذاکره-تحريم-ها-را-قطع-مي-کند

“فرصت پيشنهاد مذاکره ترامپ را دريابيم” (لندرك مقترح ترامب للتفاوض)، ديپلماسي ايراني، 10 مرداد 1397، (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2018):

http://irdiplomacy.ir/fa/news/1978181/فرصت-پيشنهاد-مذاکره-ترامپ-را-دريابيم

(7)       “در مذاکره با ترامپ شايد هم بازنده نباشيم” (في المحادثات مع ترامب قد لا نكون خاسرين) ديپلماسي ايراني، 13 مرداد 1397، (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2018): http://www.irdiplomacy.ir/fa/news/1978228/در-مذاکره-با-ترامپ-شايد-هم-بازنده-نباشيم

(8)       “ظريف: مي خواهند ايران را نابود کنند” (ظريف: يريدون إبادة إيران)، همشهري آنلاين، 3 تير 1397، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2018): http://www.hamshahrionline.ir/details/408814

(9)      “تضمين فروش يک ميليون بشکه نفت در روز” (ضمان بيع مليون برميل نفط يوميًّا)، اسبوعية مثلث، 11 تير 1397، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2018):

http://www.mosalas.ir/بخش-بين-الملل-5/26159-تضمين-فروش-يک-ميليون-بشکه-نفت-در-روز

(10)   انظر: “العراق وجدل العقوبات الأميرکية علي إيران” مرکز الجزيرة للدراسات، 16 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2018): http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/08/180816105527325.html

(11)   کدام موشک ويژه سپاه ديرالزور سوريه را هدف گرفت؟” (ما هو صاروخ الحرس الخاص الذي استهدف دير الزور في سوريا؟)، تسنيم، 29 خرداد 1396، (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2018): https://www.tasnimnews.com/fa/news/1396/03/29/1440415/کدام-موشک-ويژه-سپاه-ديرالزور-سوريه-را-هدف-گرفت-حمله-شبانه-به-داعش-با-چاشني-غافلگيري-آمريکا-و-اسرائيل

(12)    “چرا سپاه به حزب دموکرات کردستان حمله کرد” (لماذا هاجم الحرس الحزب الديمقراطي الكردستاني؟)، الف، 18 شهريور 1397، (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2018): https://www.alef.ir/news/3970618102.html

(13)    “پاسخ تند سردار سليماني به ترامپ: من حريف تو هستم” (رد سليماني الحاد على ترامب: أنا غريمك)، فرارو، 4 مرداد 1397، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2018):https://fararu.com/fa/news/368714/پاسخ-تند-سردار-سليماني-به-ترامپ-من-حريف-تو-هستم

(14)    Payam Mohseni & Hassan Ahmadian, “What Iran Really Wants in Syria”, Foreign Policy, 10 May 2018, (Accessed on 12 September 2018): https://foreignpolicy.com/2018/05/10/what-iran-really-wants-in-syria/

(15)   “روحاني در نشست خبري اجلاس سه جانبه تهران: آمريکا به دنبال دخالت هاي جديد در سوريه است” (روحاني في مؤتمر صحفي لقمة طهران الثلاثية: أميركا تسعى لتدخل جديد في سوريا) خبرگزاري جمهوري اسلامي، 16 شهريور 1397، (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2018): http://www.irna.ir/fa/News/83025685

(16)   “العبادي: العراق لا يتعاطف مع العقوبات علي إيران لکن سيلتزم بها”، رويترز، 7 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2018): https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1KS1QC

10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.