Take a fresh look at your lifestyle.

ظروف قاسية في السجون والمعتقلات الإسرائيلية وعدم تقيّد بقرارات وتوصيات قضائية ورسمية لتغييرها!

0 88

هشام نفاع – 20/6/2019

تحت عنوان “ظروف الاعتقال والسجن في منشآت السجون التابعة لسلطة السجون في السنتين 2017-2018″، نشر قسم الدفاع العام في وزارة العدل الإسرائيلية، تقريرا جديدا هو بمثابة جمْع وتركيز للمستخلصات الأساسية التي أظهرها خمسون تقريرا رقابيا أجريت حول ظروف الاعتقال والسجن في 29 منشأة سجن تابعة لسلطة للسجون، و13 منشأة اعتقال في داخل المحاكم.

للتوضيح، فإن قسم “الدفاع العام” وفقاً لما تنص عليه وثيقة تعريفه الرسمية، قد أنشئ “من أجل توفير مساعدة قانونية ذات جودة ومهنية لمتهمين ولموقوفين ذوي قدرة اقتصادية متدنية”. وتقول وزارة العدل الإسرائيلية إن “للدفاع العام وظيفة دستورية ذات أهمية من الدرجة الأولى، بالحفاظ على إجراء عادل في المجال الجنائي”. حيث “يشكل الحق في التمثيل عامة والتمثيل الملائم خاصة ضمانة مركزية لتحقيق العدل”.

يقول هذا القسم القضائي في تقريره الموسع إنه يُجري زيارات رسمية للسجون والمعتقلات المختلفة في إسرائيل منذ العام 1999. والزيارات هي جزء هام من وظيفته التي يقول إنها تسعى للدفاع عن حقوق الفرد عموما وحقوق السجناء خصوصا. ويشير إلى أن تقريره قيد البحث يستعرض مكامن الخلل التي كشفتها زيارات الرقابة في سجون ومعتقلات تابعة لسلطة السجون. وهي تطال مسائل متنوعة منها: الاحتجاز في ظروف العزل والفصل، الاكتظاظ القاسي، الاستخدام المفرط وغير النسبي للتقييد، قضايا تخص تأهيل السجناء، العلاج الطبي، ظروف التدفئة والتبريد والتهوية والإضاءة، ظروف النظافة والسلامة الصحية ومشاكل تفشي الحشرات والقوارض، الحق في وقت مخصص للتجوال في الهواء الطلق، الغذاء، حيازة الأغراض الشخصية الأساسية، خدمات متجر السجن ودرجة الفصل بين مجموعات سكانية مختلفة داخل السجون.

أما في الجزء الثاني فقد تم تناول مكامن الخلل في أقسام الاعتقال والاحتجاز الموجودة في داخل المحاكم حيث ينتظر السجناء والمعتقلون دورهم للمثول أمام القضاة. وابتداءً بفصل المقدمة يشير هذا القسم القضائي إلى وجود مكامن خلل تشكل انتهاكا للقانون، الأنظمة، الأوامر والقرارات الصادرة عن المحاكم، وبالتالي فقد تم تقديم تلك التقارير الى الجهات ذات الصلة ومنها المستشار القانوني للحكومة، وزير الأمن الداخلي، مفوضة سلطة السجون وجهات أخرى، قضائية على وجه الخصوص.

العزل إجراء منتشر في السجون دون تقيّد

في ما يتعلق بسياسة العزل يقتبس التقرير أنظمة وقوانين مختلفة تؤكد كلها أن هذا الإجراء يفترض أن يكون استثنائيا فقط بحيث يقتصر على حالات خاصة فقط، مع تحديد سقف زمني محدد لفترة مكوث معتقلين وسجناء في حالة عزل وفصل. والمدة القصوى التي تجيزها القوانين والأنظمة هي 7 أيام فقط. خلال هذه الفترة يمكث السجين وحيدا في خلية الاعتقال دون أن يحظى بإمكانية الخروج لجولة يومية في الهواء الطلق.

وهناك استثناء في بعض السجون التي حددت أقساما معرّفة على أنها “تحت الحراسة” لكن التقرير يشير الى أن ظروف هذه الأقسام لا تختلف بجوهرها جدياً عن أقسام العزل العادية، أي أن التسمية لا تنتج اختلافا حقيقيا عن تلك الأقسام. وهذه الأخيرة منوطة أصلا بمساس قاس بحقوق السجين من ناحية الحريات والكرامة الشخصية. فالسجين في هذه الحالة تفرض عليه ظروف تمنعه من أي اتصال أو تواصل مع سجناء آخرين، مما يحمل تداعيات قاسية على وضعه النفسي وعلى احتمالات تأهيله واندماجه لاحقا في المجتمع بعد انتهاء فترة محكوميته.

يتضح من المعطيات التي تم جمعها من قبل ممثلي الدفاع العام أن قسما كبيرا من المشاكل التي سبقت الإشارة إليها في هذا الصدد ضمن تقارير وتوصيات سابقة، لم توجد حلول لها بعد. في قسم كبير من الحالات تم احتجاز سجناء بسبب وضعهم النفسي الصعب أي أن “الحل” الذي وفرته السجون كان بمثابة مفاقمة للمشكلة. وينوه التقرير بأن بعض الحالات افتقرت لتقييمٍ من قبل أخصائيين بشأن الوضع النفسي للسجناء، وتم اتخاذ القرار بشأن هذا السجين أو ذاك داخل سلطة السجون. جزء كبير ممن تم عزلهم كانوا يعانون من خطر “الإيذاء الذاتي” وعُرّفت ظروف سجنهم على أنهم “تحت الرقابة”، لكن الظروف هنا لم تختلف عن أقسام العزل أيضا، يؤكد التقرير.

الدفاع العام أكد ضرورة تطبيق توصيات “لجنة التوجيه لتقليص التقييد في إسرائيل”، والتي فحصت استخدام التكبيل والعزل لمعالَجين نفسانيين. ويقول إنه يجب تطبيق تلك التوصيات أيضا بخصوص المعالَجين النفسانيين القابعين تحت مسؤولية سلطة السجون والامتناع عن احتجاز سجناء كهؤلاء في ظروف عزل.

يتبين أن قسما من منشآت الاعتقال توفر درجة قليلة من النشاطات التثقيفية والتشغيلية لمن تم احتجازهم في ظروف فصل أو عزل. بل إن الوضع هو من السوء كالتالي: ما يتوفر من تلك النشاطات في أقسام الفصل والعزل محدود بشكل عام ولكن الكثير من السجون والمعتقلات لا توفر للسجناء أية منالية لتلك النشاطات. وهذا يعني حرمانهم من إطار واسع علاجي. فالقيام بمثل هذه النشاطات يقلل من شعور العزلة للسجين ومن شأنه تخفيف قسوة وضعه النفسي ودفع إمكانيات تأهيله. يوجّه التقرير نقدا إلى جهات تتجاوز سلطة السجون من خلال إشارته إلى أن هناك توصيات لضرورة وضع تشريعات وإقرار أنظمة للتخفيف من إجراء العزل وظروفه وهو ما لم يتم حتى الآن.

التهوية لم تُشغل والنافذة كانت مغلقة!

الوضع وفقا للتقرير يصبح أكثر تعقيدا حين يتعلق الأمر بقاصرين وهو ما يمارَس فعلا بسجن “أوفك”، وهو السجن المركزي للقاصرين. ويؤكد أن الضرر المترتب على العزل في حالة القاصرين هو أكبر بشكل ملموس. وهنا يشير التقرير إلى أن الزيارات التي أجراها والتوصيات التي قدمها لإدارة سجن “أوفك” قد تم تطبيقها بدرجة ما. لكنه يشير إلى أن بعض الشهادات من سجناء قاصرين دلت على ظروف احتجاز شبيهة بالعزل. أحد القاصرين قال إنه قد حكم عليه بالعزل مرات عديدة إحداها مثلا لأنه طرق نافذة خلية السجن أو سكب ماء في داخلها. في إحدى المرات وُضع في العزل لمدة 6 أيام ولم يُسمح له حتى بإدخال ثياب للتبديل، التهوية لم تُشغل ونافذة خلية العزل كانت مغلقة. وقد وصف شعوره هناك بأنه شعور رهيب بالاختناق. قاصر آخر تحدث عن ظروف مشابهة ولم تتوفر لديه حتى فرشة واضطر مع معتقل آخر للنوم على سرير حديدي.

عموما هنا أيضا يلاحظ نقص في نشاطات التثقيف والعلاج في أقسام العزل وهي تكاد تقتصر على لقاءات مع عاملة اجتماعية. تقرير الدفاع العام يقول إن عدد عقوبات العزل عمليا قد ارتفع عام 2018 مقارنة بعام 2017. ويؤكد أن وضع قاصرين في غرف ضيقة فارغة وسط انقطاع تام عما يحدث خارجها دون أي اتصال مع الأسرة أو جهات أخرى وبدون لوازم شخصية ومواد قراءة، هو أمر غير لائق ويتطلب تغييرا جذريا.

يصف التقرير زيارة لسجين تم احتجازه في العزل على خلفية وضعه النفسي في انتظار إجراء فحص من قبل أخصائي نفسي. قيل لممثلي القسم القضائي إن السجين يمكث هناك منذ أسبوع ولكن من غير المعروف متى سيُجرى الفحص النفساني له. والسبب هو أن الأخصائية النفسية التي تعمل في هذا السجن تزوره مرة في الأسبوع فقط، ولا تتمكن لكثرة عدد الحالات وضيق الوقت من لقاء جميع السجناء ممن يحتاجون للفحص. لقد كانت خلية العزل في وضع متدنٍ جداً، الجدران متقشرة وأرضيّة بلاط المسطبة مكسرة وملوّثة. وعانى المكان من إهمال قاس حيث كانت بقايا الطعام متناثرة والمرحاض ملوث. واتضح من سجلات القسم أنه لم يسمَح للسجين بالخروج طيلة ساعات اليوم ولم يخرج لجولة يومية في باحة السجن. وفقاً للتقرير، صحيح أن السجين قال لوفد الدفاع العام إنه غير معني بالخروج من خلية العزل، لكن أعضاء الوفد أكدوا أنه من غير اللائق مواصلة وضع سجين في هذه الظروف بسبب النقص في جهاز الخدمات النفسية.

أقسى ظروف الاكتظاظ في السجون التي يقبع فيها السجناء والمعتقلون الأمنيون

مسألة خطيرة أخرى تميّز وضع السجون هي الاكتظاظ العالي الذي تؤكده تقارير الدفاع العام مرة تلو الأخرى. يقتبس التقرير قرارا للمحكمة العليا من العام 2017 جاء فيه: “إن مساحة العيش المادي للسجين تشكل إحدى احتياجاته الأكثر أساسية والأكثر وجودية. من الضروري في جميع الجوانب أن تتوفر مساحة للسجين يتمكن فيها من ممارسة حياته ضمن المحدوديات النابعة من سجنه. هذه المسألة تقع في قلب كرامة الإنسان وفي بذرة حقه”.

أما الواقع فهو مختلف تماما. وفقا لتقارير سلطة السجون فإن مساحة العيش المتوسطة المتوفرة للسجين هي 3 أمتار مربعة فقط. وهو أمر يخالف جميع المعايير المكتوبة في الكثير من الأنظمة التي تأمر بألا تقل عن 5ر4 متر مربع. على سبيل المقارنة مع الدول التي تحب دولة إسرائيل أن تقارَن بها “بوصفها ديمقراطية”، فإن الحد الأدنى للمساحة المخصصة للسجين في منشآت السجن الإسرائيلية بعيدة جدا عن المعيار المعمول به في تلك الدول الغربية، إذ أن المساحة التي توفرها تلك الدول للسجين والمعتقل في منشآتها تتراوح ما بين 6-12 مترا مربعا، وبالمعدل فالمساحة المخصصة للسجين هي قرابة 9 أمتار مربعة.

هنا أيضا ينظر تقرير الدفاع العام بشكل منظوماتي إلى هذه القضية، مؤكداً أنها تتعلق بعدم تطبيق توصيات وقرارات صدرت عن المحكمة الإسرائيلية العليا، إذ أن الدولة طلبت تأجيل مواعيد تنفيذ تلك القرارات التي أمرت بضبط مسألة الاكتظاظ وتوسيع المساحة المتاحة للسجين.

يشير التقرير بشكل مباشر إلى أوضاع الأسرى الأمنيين حيث تم التعهد (دون تطبيق) بتوسيع ترتيبات التسريح الإداري، إجراء عمليات ترميم وبناء في الأقسام، إقامة مخيّمات للأسرى الأمنيين وتخصيص سجن منفرد لمن تمت إدانتهم بمخالفات المكوث في حدود إسرائيل بدون تصريح. بعد طلبات الإرجاء المستمرة من قبل جهات الدولة الرسمية حددت المحكمة شهر أيار 2020 لبدء المرحلة الثانية لإجراء التغييرات التي حددتها، وكانت قد بدأت المرحلة الأولى في آخر شهر نيسان الماضي، كما يُفترض. أي أن حدوث تغيير ملموس ما زال بعيداً بسنوات!

يؤكد تقرير الدفاع العام أن الاكتظاظ في السجون الإسرائيلية يشكل مساسا قاسيا وخطيرا بحقوق السجناء. ولقد نقل ممثلو الدفاع العام أنهم عادوا من 16 منشأة سجن واعتقال إسرائيلية بانطباع مفاده أن حالة وظروف الاكتظاظ قاسية بل خطيرة في عدد من الأقسام. وأقسى ظروف الاكتظاظ “كانت في السجون التي يقبع فيها سجناء جرت إدانتهم بمخالفات أمنية”، كما يقول التقرير حرفياً. وهنا يوصي بأن يتم أخذ هذه السجون التي يقبع فيها أسرى فلسطينيون عملياً، ضمن تعديل التشريعات التي جاءت لتوسيع منظومة التسريح الإداري التي تهدف لتوفير حل فوري لمشكلة الاكتظاظ، الى جانب التوصيات الأخرى ذات الصلة، ويؤكد أن هذا نابع من كون قرار المحكمة يسري على جميع السجناء والمعتقلين بما يشمل “الأمنيين”.

بعض أقسام المعتقلات والسجون الإسرائيلية “غير لائقة  لمكوث البشر فيها”!

يشير تقرير “ظروف الاعتقال والسجن في منشآت السجون التابعة لسلطة السجون في السنتين 2017-2018″، الذي نشره قسم الدفاع العام في وزارة العدل الإسرائيلية، الى وجوب توفير الرعاية الصحية والعلاج الطبي للسجناء والمعتقلين، والأمر منصوص عليه في قانون الاعتقالات وفي أنظمة سلطة السجون. لكن الفحص الذي أجراه مراقبو قسم الدفاع العام في 15 سجنا ومعتقلا قد كشف شكاوى واسعة بين السجناء من عدم تلقي رعاية طبية لائقة.

وبالتفصيل: هناك شكاوى عن نقص في عدد الأطباء وعن معاملة سيئة يتلقاها السجناء في بعض العيادات أحياناً، هناك أدوار قليلة لتلقي علاجات مختلفة، إجراء العلاج الذي يبدأ بمُسعف يقرّر تحويل عدد محدود جدا فقط من الحالات لعيادة متخصصة أو مستشفى خارجي، هناك تأخير طويل في توفير أدوار لإجراء فحوصات أولية (مثل فحوصات دم وبول)، وتوجد فترات انتظار تفوق 3 أشهر في بعض الحالات لتلقي نظارات طبية بعد أن كانت جهات طبية قد قررت وجود مشاكل نظر لدى السجناء. أحد السجناء اضطر لانتظار 9 أشهر حتى بدأ بتلقي علاج لمشاكل وأوجاع ظهر مبرحة (“ديسك”). وهناك خلل عام في كل ما يتعلق بتوفير رعاية وعلاجات لسجناء وسجينات يعانون من مشاكل نفسية. في بعض السجون وُجد أن غرفة الانتظار الملحقة بالعيادة مكشوفة للبرد شتاء وللقيظ صيفا، علماً أن السجناء كثيرا ما يضطرون للانتظار لأوقات طويلة.

من ناحية الغذاء، في 5 منشآت احتجاز، معظمها معتقلات، سُمعت شكاوى حول نوعية الطعام المقدم للمعتقلين وكميته وتقديمه بارداً، خصوصا وجبات الفطور. بعض السجناء شكوا من مشاكل وأوجاع في جهاز الهضم جراء ذلك. وكذلك نقل سجناء شكاوى عن عدم توفير ماء بارد في أشهر الطقس الحار.

من حيث توفير تجهيزات التدفئة والتبريد وجد مراقبو قسم الدفاع العام مشاكل ونواقص في 19 منشأة احتجاز. غالبية غرف السجن ليست مزودة بأي تكييف مما يجعل الحرّ لا يُطاق، وفي أفضل الأحوال هناك “هوّايات” ليس بمقدورها توفير حل حقيقي. وفي حالات كثيرة يترافق الأمر مع تجهيزات تهوية سيئة واكتظاظ كبير مما يضاعف معاناة السجناء.

فيما يتعلق بشروط النظافة والصيانة، وجد الدفاع العام “أوضاعاً مزرية” في 19 منشأة احتجاز كما قال التقرير. يشمل هذا: التلوّث والجدران المتقشّرة والبلاط المكسّر وشبكات الماء المعطوبة والتجهيزات الكهربائية التي تشمل أسلاكا ومقابس مكشوفة بما يشكل خطراً على السجناء. في بعض المواقع، وخصوصا الأقسام المغلقة المخصصة للعزل والفصل والرقابة، سُمعت شكاوى من سجناء عن وجود حشرات وجرذان وبق وصراصير. ونقل المراقبون في بعض الحالات أنهم شاهدوا بأعينهم أقساماً وغرفاً تزحف فيها الصراصير. لهذا وصفوا عددا من تلك المواقع على أنها “لا تليق بمكوث البشر فيها”.

معايير كونية لحماية السجين وكرامته بكونه إنسانا

ليست حقوق السجناء مسألة تحددها الدول وفقا لأهوائها فقط. هناك مواثيق ومعاهدات دولية ملزمة بهذا الخصوص، يجب على الدول التي وقعتها وأقرتها أن تلتزم بها. إقرار معايير كونية لحماية السجين وكرامته جاء إقرارا بكون السجين إنسانا حتى لو خالف القوانين ومهما بلغت خطورة ذلك، ويبقى من واجب الدول تطبيق هذه المعايير بحيث تكون الحياة في السجون أقرب قدر المتاح للحياة الحرة – كما تصف الأمر وثائق أممية ذات صلة.

تنص القاعدة الأولى من “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدّنيا لمعاملة السجناء” على أن “يعامَل كلُّ السجناءِ بالاحترام الواجب لكرامتهم وقيمتـهم المتأصلة كبشر. ولا يجـوز إخضـاع أيّ سـجين للتعـذيب أو المعاملـة أو العقوبـة القاسـية أو اللاإنسـانية أو المهينـة، وتـوفَّر لجميـع السـجناء حمايـة مـن ذلـك كلـه، ولا يجـوز التـذرع بـأي ظـروف باعتبارهـا مسـوغاً لـه. ويجب ضمان سلامة وأمن السجناء والموظفين ومقدمي الخدمات والزوار في جميع الأوقات”.

بينما تنصّ القاعدة الثالثة على أن “الحـبس وغـيره مـن التـدابير الـتي تفضـي إلى عـزل الأشـخاص عـن العـالم الخـارجي تدابير مؤلمـة مـن حيـث أنها تسـلب الفـرد حقَّـه في تقريـر مصـيره بحرمانـه مـن حريته. ولـذلك لا ينبغي لنظـام السـجون، إلاَّ في حـدود مـبررات العـزل أو الحفـاظ علـى الانضـباط، أن يفـاقم من المعاناة الملازمة لمثل هذه الحال”.

لقد اعتمدت الجمعية العامة قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء في كانون الأول 2015 بوصفها “قواعد نيلسون مانديلا” في إشارة الى سجين الحرية الأشهر من جنوب أفريقيا. وهذه القواعد، تقول الجمعية العامة، هي ثمرة خمس سنوات من المشاورات الحكومية الدولية، وتمثل مواءمة تاريخية للنسخة الأصلية (1955) مع القانون الدولي والممارسات الجيدة لإدارة السجون. وهي تعمل من أجل تطبيق تلك القواعد على السجناء الذين يزيد عددهم عن 10 ملايين سجين في مختلف أنحاء العالم، وحبسهم في ظروف آمنة ومأمونة وإنسانية.

ويتضح من التقرير كما يقول قسم الدفاع العام في ملخص نشره على موقعه، إنه “على الرغم من جهود سلطة السجون لتحسين ظروف السجن وتحسين مكامن الخلل التي أشرنا إليها في تقارير سابقة، ما زالت تتم في إسرائيل انتهاكات قاسية لحقوق السجناء. ألوف السجناء محتجزون في ظروف عيش غير لائقة، في منشآت قديمة بعضها لا تصلح لإقامة البشر فيها وفي ظروف صحيّة متدنية. الكثير من السجناء وخصوصا القاصرين منهم، معرضون لسياسة مشددة من العقوبات المهينة بواسطة العزل والفصل، والاستخدام غير النسبي للتقييد”.

ويؤكد القسم أن “المستخلص الأكثر إثارة للقلق يتضح من التعامل مع السجناء الذين يعانون مشاكل نفسية، ويتم في حالات كثيرة احتجازهم تحت ظروف الفصل والرقابة التي لا توفر حلولا لأوضاعهم – بل من شأنها مفاقمتها. ففي بعض الأحيان تمارس ضدهم أساليب زجر بشكل غير نسبي وخلافاً لموقف الجهات المهنية في المجال، أي جهاز العلاجات النفسية”.

ويقول رئيس قسم الدفاع العام د. يوآف سبير: “يعكس التقرير واقعاً قاسياً لا يمكن تجاهله بخصوص ظروف السجن التي يتم فيها احتجاز معتقلين وسجناء في إسرائيل. هذا واقع يمس بالسجناء جسدياً ونفسياً، لكنه بما لا يقل عن ذلك يمس أيضاً بالمصلحة العامة المشتركة للمجتمع بأسره، لأن ظروف السجن اللائقة واجراءات التأهيل الواسعة، توجد لها مساهمة حاسمة في خفض المخالفات الجنائية المتكررة. لقد أدت تقارير الدفاع العام الرقابية الى تحسينات كثيرة في ظروف السجن في اسرائيل على مر السنين. ونأمل أن تتم معالجة مكامن الخلل المفصلة في التقرير، وأن يولى اهتمام لائق لجميع المسائل التي تتطلب تصحيحاً”.

أخيراً، يقتبس التقرير قرارا صادراً عن المحكمة العليا عام 1986 كتبه رئيس المحكمة السابق آنذاك أهرون باراك وجاء فيه: “فعلا، إن الاحتجاز يفرض بحكم جوهره سلباً للحرية، ولكن ليس من شأن هذا إضفاء شرعية على انتهاك كرامة الإنسان. يمكن إجراء احتجاز يحافظ على كرامة الإنسان لدى السجين. لا يفترض بجدران السجون أن تفصل بين السجين وبين صورته الإنسانية… من المحظور أن تتحول غرفة السجن الى قفص… لن نكون إنسانيين ما لم نضمن مستوى إنسانياً للسجون لدينا. من المحظور تحقيق غايات العقاب بواسطة إهانة كرامة السجين وإنسانيته”.

إن هذا الموقف القضائي النظري النقيّ الذي اتخذته أعلى هيئة قضائية اسرائيلية قبل أكثر من 3 عقود، يتناقض تماماً مع وضع مستمر يعاني فيه سجناء من العزل والتقييد ونقص الرعاية الطبية والاكتظاظ والتلوّث والجرذان والصراصير! لا مبالغة في القول إن درجة تطوّر نُظم الدول وسلامتها وديمقراطيتها يجب أن تُقاس أيضاً وفقاً لوضع سجونها واحترام كرامة سجنائها.

*عن مركز مدار

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.