Take a fresh look at your lifestyle.

ذا ميدل إيست آي – هل يستطيع كوربين تغيير السياسات البريطانية تجاه الشرق الأوسط؟

0 11

ذا ميدل إيست آي – مارك كورتيس * – 5/1/2019

إن الغموض السياسي الذي يحيط خطة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، يعني أن جميع الاحتمالات مفتوحة أمام ما قد يحدث خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.

لكن يبقى هناك احتمال بارز، هو أن تُجرى انتخابات عامة يُمكن أن تفضي إلى فوز “حزب العمال” بقيادة جيرمي كوربين، ما سيجعله رئيسا للوزراء.

ويكمن السؤال المركزي في حال حدوث هذا السيناريو، في مدى التغيير الذي سوف يحدثه كوربين في سياسة بلاده الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وهل سيقودها بعيدا عن دعم الأنظمة القمعية، وبيعها الأسلحة، ويتحدى المؤسسة في لندن، التي أعطت أولوية بالغة لهذه الاهتمامات على مر العقود المنصرمة؟

تقلق النخبة السياسية البريطانية، بشكل جدي، من أربعة بنود أعلن عنها حزب العمال في إطار السياسة الخارجية التي يطرحها.

الاختلافات حول إسرائيل

أول بند هو تعهد حزب العمال بالسماح لسكان جزر شاغوس بالعودة إلى موطنهم في المحيط الهندي، بعد أن طُردوا منها في سبعينيات القرن الماضي. حيث تُستخدم أكبر جزرهم، دييغو غارسيا، كقاعدة عسكرية أميركية أساسية للتدخلات في شؤون الشرق الأوسط.

وستتم محاربة طرح حزب العمال بشأن عودة هؤلاء إلى موطنهم، بشراسة، داخل النخبة السياسية المسيطرة في بريطانيا، التي لا زالت تواجه الشاغوسيين (أهل الجزر) في المحكمة، خصوصا أنها أبرمت اتفاقا مع الولايات المتحدة، يسمح للأخيرة بإبقاء قوتها العسكرية على الجزيرة حتى عام 2036.

والبند الثاني الذي سوف تقاومه النخبة، هو التزام حزب العمال بالإعلان الفوري عن الاعتراف بـ”دولة فلسطين”، بمجرد وصوله للسلطة، والذي دعا، أيضًا، في بيانه الانتخابي الأخير لإنهاء الحصار والاحتلال والاستيطان.

مع ذلك، تبقى سياسة حزب العمال تجاه إسرائيل مبهمة. وصرح كوربين في السابق، أنه سوف يوقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل إذا ما أصبح رئيسا للوزراء، مضيفا أنه يدعم حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى موطنهم الأصلي.

بل أن حزب العمال التزم الصمت في المدة الأخيرة، إزاء هذه السياسات، وهناك اختلافات جدية بين كوربين ووزيرة خارجية “الظل”، إميلي ثورنبيري (الداعمة لإسرائيل).  

(وزارة “الظل”، هي منصب يشغله أحد أعضاء المعارضة داخل البرلمان البريطاني، ليصب اهتمامه على أعمال إحدى الوزارات في الحكومة وتجري العادة أن “يترقى” الشخص الذي يشغل هذا المنصب، إلى وزير في حال شكلت المعارضة لحكومة أخرى).

وفيما ألمح كوربين في الماضي إلى أنه يدعم المقاطعة المُستهدفة لبضائع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، فإن ثورنبري ترفض ذلك بشدة، وتطالب فقط بوصم منتجات المستوطنات بـ”وضوح” مع الإبقاء على إمكانية بيعها.

بل يُمكن اعتبار منصب ثورنبري إشكاليًا بحد ذاته، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، قالت في مؤتمر لجماعة الضغط البريطانية الإسرائيلية “بيكوم”، إن إسرائيل “هي منارة الحرية والمساواة والديمقراطية”، لكنها أدانت، أيضًا، في مؤتمر حزبها في أيلول/ سبتمبر الماضي، حكومة بنيامين نتنياهو، “لسياساتها العنصرية وأفعالها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني”.

الحروب لتغيير الأنظمة

البند الثالث في بيان سياسة حزب العمال الخارجية، الذي سوف تقاومه المؤسسة السياسية في بريطانيا، هو معارضة كوربين لتغيير الأنظمة الأجنبية بتدخل عسكري بريطاني.

فقد عارض كوربين التدخل العسكري البريطاني في كوسوفو عام 1999وفي العراق عام 2003 وفي ليبيا عام 2011 وسورية عام 2015، وقد وصف هذه التدخلات بأنها “غزوات واحتلالات كارثية، فشلت في الشروط التي وضعتها، ودمرت البلدان والمناطق وجعلت بريطانيا والعالم أجمع، مكانا أكثر خطورة”، كما أنه ربط بين هذه الحروب التي شنتها بلاده، وبين تصاعد وتيرة “الإرهاب” داخل البلاد.

وينبثق عن هذا التوجه، إجراءان سياسيّان في حزب العمال، الأول يتلخص برغبة الحزب خلق وزارة لـ”السلام”، والتي ستعمل من خلال وزارة الدفاع ووزارة الخارجية لتعزيز جهود الأمم المتحدة في حل الصراعات؛ والثاني هو رغبة الحزب بالدفع في قانون جديد تحت عنوان “قانون سلطات الحرب”، والذي سيُلزم الحكومة باتخاذ موافقة برلمانية قبل أن تقوم بأي عملية عسكرية.

محاسبة بلير عن حرب العراق

أما القضية الرابعة التي سوف تواجهها النخبة السياسية البريطانية بكل ما لديها من قوة، ورغم أنها لا زالت سياسة غير رسمية في الحزب، هي تلميح كوربين بأنه يريد محاسبة رئيس حزب العمال السابق الذي شغل منصب رئيس الوزراء الأسبق، توني بلير، وشخصيات بارزة أخرى، قضائيا، بالحرب على العراق عام 2003.

ويُعتبر هذا الأمر خطًا أحمر للنخبة السياسية البريطانية، والتي لن تسمح بمرور هذه المحاسبة، خصوصًا أنها تقع في لب سياسة بريطانيا الخارجية، فسُمح بشكل تقليدي، لرؤساء الوزراء في بريطانيا، بالقتل دون محاسبة.

هل يحاكم كوربين بلير؟

لكن تحدي حزب العمال للنخبة قد ينتهي إلى حد كبير، حيث أنه، وكما تكون العادة في مثل هذه الأمور، قليلة هي البنود الأخرى ضمن سياسات الحزب الخارجية المعلن عنها، التي سوف تمثل حيادا جديا عن سياسات الحكومة الحالية.

وعلى سبيل المثال، فإن موقف الحزب من تصدير الأسلحة للسعودية، لا يقضي إيقافها بشكل كامل، بل “تعليقها” في انتظار نتائج التحقيق الذي تقوده الأمم المتحدة في انتهاكات القانون الدولي في اليمن.

الصفقات تستمر كالعادة

في الحقيقة، إن موقف حزب العمال من تصدير الأسلحة، يكاد يكون مُطابقا لموقف الحكومة (الحالية). ويقول، ببساطة، إن إيقاف تصدير الأسلحة يأتي “عندما يكون هناك قلق من استخدامها لانتهاك القانون الإنساني الدولي”، ما يفتح المجال أمام تصدير الأسلحة البريطانية للأنظمة القمعية، باشتراط عدم استخدامها (في القمع المحلي)، ولن تكون هناك قائمة سوداء تشمل الدول التي لن تتلقى الأسلحة البريطانية.

قال وزير “الظل” من أجل السلام، فابيان هاميلتون، لموقع “ميدل إيست آي” عام 2017، إن صادرات الأسلحة سوف تذهب “للدول التي لديها تاريخ طويل في استخدام الأسلحة لأغراض دفاعية فقط”، وأنه سوف تُحظر الصادرات إلى دول مثل الإمارات والبحرين والكويت ومصر.

وفي حين أن إشكالية موقف الحزب من تصدير الأسلحة سوف تكون مختلفة في حال تطبيق هذا الحظر، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه سياسة رسمية أم محض تصريحات. وصرح هاميلتون، أيضًا، أن جميع صادرات الأسلحة يجب أن يُوافق عليها مسبقا من قبل لجنة برلمانية.

لقد تعهد حزب العمال أيضا، بـ”مراجعة جميع اتفاقيات التدريب والمعدات مع الأنظمة القمعية، لضمان عدم التورط البريطاني في إساءة معاملة المدنيين”، وهذا أمر مرحّب به، لكنه من غير الواضح مرّة أخرى، ما إذا كانت هذه “المراجعة” ستؤدي إلى تغيير جذري بعلاقة بريطانيا الوطيدة بالأنظمة القمعية.

قد تُبشر وعود الحزب بتعيين مستشاري حقوق إنسان في السفارات البريطانية حول العالم، ببعض التغييرات السياسية (بالعلاقة مع الأنظمة القمعية)، لكن يمكنها، أيضًا، وعلى النقيض من ذلك، أن تُلمع الصفقات الربحية كالعادة.

والأسوأ من ذلك، هو موقف الحزب من الصناعة العسكرية التي يصفها بأنها “ذات ريادة عالمية”، ويتعهد “بالاستمرار في دعم التنمية والابتكار فيها”، وبما أن هذا يشمل إنتاج الأسلحة المخصصة للتصدير، فإن بريطانيا، التي تعد ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم، سوف تسعى باستمرار إلى أسواق جديدة. في ضوء ذلك، من غير الواضح إلى أي مدى سيذهب التزام حزب العمل بتشجيع التنوع الدفاعي.

تدعم وزيرة دفاع “الظل” في حزب العمال، نيا غريفيث، الصناعة العسكرية بدرجة مماثلة لحكومة المحافظين، وفي الوقت ذاته، حاول الحزب، أيضًا، التفوق على الحكومة في دعم الإنفاق على الجيش، مطالبا بأن يُنفق ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج القومي على الأمن، بحجة أن “تخفيضات إنفاق المحافظين جعلت أمن بريطانيا في خطر”.

وفي حال انتخاب كوربين، فإنه سوف يكون أول معاد للإمبريالية، يُفوز بالسلطة في دولة غربية كبيرة، وتأمل النخبة في حال حدوث هذا السيناريو، أن تبقى وجهة نظر كوربين المتمثلة بـ”علينا أن نفكر مجددا بدورنا في العالم”، في إطار التعبيرات البلاغية، لكنها قد تكون جديّة جدا.

تكمن المشكلة الحقيقية في مدى التزام كوربين الشخصي والمتجذر في فكرة الأممية وحقوق الإنسان، مقابل مؤسسة بريطانية عازمة على إيقافه. ويُمكن رؤية هذه العدائية تجاه كوربين بوضوح، في حملات التشهير التي شنتها وسائل إعلام بريطانية ضده على مدى العاميين المنصرمين، بل أن ذلك وصل إلى حد تهديد جنرال في الجيش، بالانقلاب على كوربين في حال “فشل” في دعم سياسات الجيش الحالية.

لكن كوربين لا يواجه الإعلام التقليدي ونخبة “الحكم الدائم” فحسب، ففي داخل حزبه، يصطف مؤيدي رئيس الحزب الأسبق، بلير، والذين دعموا الحربين على العراق وليبيا، ولطالما دعموا الأنظمة القمعية، وتصدير الأسلحة، والسياسة الخارجية الأميركية، بطرق مشابهة لتلك التي اتبعها المحافظون، برغم الخطاب الحزبي الرنان الذي ينادي بـ”الأممية”.

وهذا يعني، أنه في حال انتخاب كوربين رئيسا للوزراء، سوف يضطر لمواجهة ثلاث قوى. ولا يمكن وضع سياسة خارجية بريطانية تدعم حقوق الإنسان بصدق، إلا في حال انطلاق حركة مكثفة وواسعة النطاق من الدعم الشعبي العام عبر الاستفادة الكاملة من وسائل الإعلام البديلة والتضامن الدولي وتحدي المؤسسة البريطانية بشكل أكثر فاعلية.

*مارك كورتيس هو مؤرخ ومحلل مختص بالسياسة الخارجية البريطانية والتنمية الدولية ومؤلف ستة كتب، آخرها طبعة محدثة من الشؤون السرية: “تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتطرف”.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.