Take a fresh look at your lifestyle.

د. يوسف يونس يكتب – الارهاب وتهديدات الامن الاوروبي

0 1٬631

بقلم : د. يوسف يونس – نائب رئيس مجلس ادارة مركز الناطور للدراسات والابحاث

تعيش دول الاتحاد الأوروبي أوقاتاً شديدة الصعوبة بسبب تراكم المشاكل والتحديات الامنية التي تواجهها، والتي كشفت عن العديد من مواطن الخلل والثغرات في السياسات الامنية. وتتمثل هذه التحديات، بشكل رئيسي، في فشل أوروبا في التعامل مع انعكاسات الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة من جهة موجة من العمليات الإرهابية واستمرار تدفق المهاجرين غير الشرعيي.
وبدلا من الحديث عن مسألة الاندماج ودور المنظومة التربوية في مواجهة الفكر المتطرف، والجنوح نحو العنف والإرهاب، فإن المقاربة الأمنية هي سيدة الموقف، بالنظر لحجم وصدي العمليات الارهابية الأخيرة. حيث يحتاج الأمر إلي التوقف عند ثلاثة أبعاد أساسية لمسألة الإرهاب ومحاربته أوروبيا: التفاعل بين نماذج الإرهاب ، وإشكالية الاسلاموفوبيا، والمقاربة الأمنية بمضامينها ومحاذيرها.
وبينما تتحدث دوائر صنع القرار الأوروبية عن ضرورة ضبط الحدود والتعامل مع دول الجوار الجنوبي، ودعم الأطراف المستقرة منها لتلافي تدفق مزيد من المهاجرين، يعتبر البعض أن الأمر محاولة أوروبية لنقل المشكلة إلى الخارج والتمسك بالمنطلق الأمني في المعالجة، وهو الأمر الذي أثبت عدم نجاعته حتى الآن.
ولقد جاءت الدعوات الأوروبية الجديدة لتعزيز الأمن الداخلي الأوروبي عبر وضع مفهوم جديد للأمن، والدعوات الأخرى للتنسيق في مكافحة الإرهاب بين الدول الأعضاء، وتشجيع تبادل المعلومات الأمنية في ضوء التطورات الهامة التي طرأت على عمل المجموعات الارهابية سواء على صعيد حرية الحركة او التسلح أو الدعم اللوجستي، اضافة الى القدرات الالكترونية المتطورة لتلك المجموعات على صعيد تبادل المعلومات والتعليمات فيما بينها، ما ساعدها على اختراق الإجراءات الأمنية القائمة باستخدام خلايا صغيرة، ضمن تنظيمات لامركزية، والعودة إلى بعض الأساليب البدائية، كالتواصل بين الأعضاء في التنظيم شفوياً ووجهاً لوجه، واستخدام السكاكين بدل الأسلحة النارية، واستخدام المواد الكيميائية البسيطة المتوفرة في الأسواق لصناعة متفجرات بدائية.
وبينما تعمل السلطات الاوروبية على تعزيز الإجراءات الأمنية لتغطية الثغرات المحتملة، سواء من خلال الرقابة الصارمة على التحويلات المالية، ومراقبة شبكات الاتصالات، إضافة إلى وضع قوائم بالأشخاص «المثيرين للاهتمام». ولكن ما يبقى عصياً على الكشف أو المراقبة هو الأشخاص الذين ما زالوا في طور النيات أو الأماني. فقد كشفت الهجمات الإرهابية الاخيرة عن وجود ثغرات في الإجراءات الأمنية، في مواجهة المخاطر الإرهابية التي بات يمثّلها “التنظيمات الإرهابية”، خاصة انه وبالرغم من وجود معلومات عن الكثير من المشتبه بهم والذين يقيمون في أوروبا الا ان المشكلة تبقى قائمة في أولئك القادمين عبَر بوابة الهجرة التي حملت مئات الآلاف الى أوروبا وبدلا من ان تكون الأحداث القائمة في الشرق الأوسط فرصة لانتقال من يحملون أفكار تلك المجموعات الإرهابية المتشددة من أوروبا الى ميادين القتال في الشرق الاؤسط حدث العكس.
ومن ابرز أوجه الثغرات الامنية في دفاعات أوروبا نجد ضعف تبادل المعلومات بين وكالات الاستخبارات، وضعف نظم تتبع المشتبه بهم عبر الحدود المفتوحة، والقائمة الطويلة بالمتطرفين المحليين المفترض مراقبتهم، والتي يمكن وصفها بكونها ثغرات هيكلية هائلة مع عدم وجود حلول واضحة لتهديدات أكثر فعالية.
ومن الجدير بالذكر فان التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية يعتبر ضعيفا ، في ظل عدم وجود قائمة شاملة ومشتركة بالمتطرفين المشتبه بهم وجرى تصنيف معظمهم على أنهم تهديدات أمنية محتملة ، وآخرين كانوا حريصون على عدم إبراز أنفسهم أو إعطاء القانون ذريعة لإلقاء القبض عليهم. ولذلك استطاع المهاجمون التنقل بحرية وبشكل متكرر عبر حدود الاتحاد الأوروبي غير الخاضعة للحراسة.
ويكمن في أصل الفشل الاستخباراتي نظام أمن أوروبي مخصص للحماية من التهديدات الخارجية، وهو الآن غير مجهز تجهيزا جيدا، ويواجه تحديات متمددة من مواطنيه المتطرفين والمتمرسين على القتال. فقد تغير النموذج واصبح بحاجة إلى التأقلم مع التهديد الجديد». وبالرغم من ان الاتحاد الأوروبي زاد من ضوابطه في هذا الاطار الا ان فعاليتها لازالت محدودة للغاية. وتفتقر أوروبا إلى نظام تشخيص مشترك، حيث تغطي قاعدة البيانات الوحيدة المشتركة الأشخاص الذين لديهم سجلات جنائية فقط، وليس أولئك المشتبه في تدبيرهم مؤامرات متطرفة.
وكشفت الهجمات الارهابية التي نفذها “العائدون من مناطق التوتر في الشرق الاوسط” عن عدم الجاهزية للتعامل مع هذه المشكلة. وعلى الرغم من وضع العائدين على قائمة التهديد في أوروبا، يبدو أن المهاجمين لم يواجهوا صعوبة كبيرة في رحلات الذهاب والعودة بين الشرق الاوسط والأحياء المضطهدة في بروكسل وباريس، حيث جرى الإعداد النهائي للترتيبات الخاصة بالهجمات الإرهابية.

نماذج متقاطعة للإرهاب:
تواجه أوروبا التفاعل بين ثلاثة نماذج للإرهاب، تتداخل في تداعياتها الأمنية، والسياسية – الاجتماعية.
أ – النموذج الأول : التحاق أوروبيين من أصول عربية-إسلامية، بالتنظيمات “الارهابية”، وما لذلك من تهديد مباشر للأمن الأوربي خاصة مخاطر تنفيذ العائدين من ميادين القتال هجمات، كما حدث في بلجيكا وفرنسا، ويطرح هذا “النموذج” مشاكل عدة للدول الأوروبية:
1 – بعض هذه الدول التي تحارب الإرهاب، “تصدر” مقاتلين يدعمون صفوف تنظيمات إرهابية تحاربها قواتها المسلحة.
2 – عودة بعضهم إلي الدول الأوروبية بما يهدد أمنها، خاصة أن هؤلاء تلقوا تدريبا عسكريا في مسارح “القتال” التي مروا بها، وبالتالي الهجمات التي قد ينفذونها ستكون محكمة (من حيث الأداء والتنفيذ)، ومضرة للغاية من حيث الخسائر البشرية.
3 – التخوف من مشاركة هؤلاء وبفعالية -بحكم تجربتهم- في تجنيد شباب آخرين للقتال في الخارج، أو لتكوين خلايا “جهادية” مدربة لتنفيذ عمليات علي التراب الأوروبي.
4 – وجود هذه الظاهرة بحد ذاتها دلالة علي اختراق اجتماعي، وأمني ووجود خلايا تجنيد سرية ، سواء عن بعد (عبر الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي) أو عبر اللقاء المباشر.

ب – النموذج الثاني : ظهور الإرهاب المحلي، أي انخراط مواطنين أوروبيين، من أصول عربية – إسلامية ، في تنظيمات ارهابية، وتنفيذ عمليات ضد بلدانهم. ففي السابق، كانت العناصر الإرهابية تأتي بالأساس من خارج أوروبا ، لكن ظاهرة الإرهاب المحلي استفحلت أخيرا، مما يجعل من الصعوبة بمكان محاربتها. فالأجهزة تتعامل مع مواطنين أوروبيين، وفي إطار دولة القانون، ومن ثم فمن الصعب مراقبتهم، وتقفي تحركاتهم بشكل محكم. لذا، من المطلوب أن توضع تشريعات جديدة لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية.

ج – النموذج الثالث : تمخض عن التفاعل بين هذه النماذج الفرعية للإرهاب ظاهرة جديدة، هي: الإرهاب الفردي المعزول. جرت العادة علي أن تكون الأعمال الإرهابية نتيجة انتماء أفراد إلي خلية أو تنظيم معين يجندهم ويغذيهم بالفكر الجهادي، ويزودهم بالدعم الضروري لتنفيذ عمليات خطط لها التنظيم، بعيدا عن التراب الأوروبي، لكن ينفذها بوساطة موفدين أو محليين. وهذا النوع من الإرهاب تعودت أجهزة الشرطة والمخابرات علي التعامل معه لإمكانية تحديد مسئولية وهوية الضالعين في العمليات بفضل “هرمية” الخلية، وتخصص كل واحد من أفرادها (تخطيط، دعم لوجيستي، تنفيذ…). إلا أن نمط العمل عرف تطورا في الآونة الأخيرة من حيث الأداء والنوعية، وهذا ما كشفته العديد من العمليات الارهابية الاخيرة من جهة قيام أفراد بعمليات، دون أن يكون وراءهم تنظيم محدد يدعمهم، بمعني أن التوافق – الاقتناع الأيديولوجي، بمنطق تنظيم ما ينشط علي آلاف الأميال من أوروبا، يكفي لتنفيذ عمليات إرهابية.

الارهاب والهجرة غير الشرعية:
اصبحت الهجرة غير الشرعية من أهم المواضيع التي يهتم بها النظام الدولي نظرا لارتباطها بالأمن من خلال العلاقة التي ربطت الهجرة غير الشرعية والإرهاب، وأصبحت تعتبر تهديدا على أمن واستقرار الدول المستقبلة للمهاجرين، خاصة الدول الأوروبية، اضافة إلى الانعكاسات المحتملة على كل مجالات الحياة الأوروبية الاقتصادية منها والاجتماعية ، الثقافية و السياسية.
ولقد حظيت الهجرة غير الشرعية باهتمام واسع و ذلك راجع للتحولات المستمرة التي تحدث في البيئة الدولية ، و قد أجمعت غالبية الدول في الاتحاد الأوروبي على رفض الهجرة غير الشرعية سواء القادمة من جزئها الشرقي أو تلك التي تأتي من الضفة الجنوبية للمتوسط ، رغم استثناء بعض الحالات التي تسمح فيها نفس هذه الدول بمرور انتقائي للكفاءات و الأدمغة المتميزة.
ونظرا لتفاقم الهجرة غير الشرعية أصبحت ظاهرة تثير قلق دول الاتحاد الأوروبي خاصة بعد الثورات العربية، التي أدت إلى نزوح كم هائل من الأشخاص نحو الدول الأوروبية هربا من الظروف التي يعانون منها في بلدانهم ، وسعيهم لتحقيق أمنهم ما أدى بذلك إلى حدوث مفارقة في الأمن حيث أنه في حين أن هؤلاء الأفراد يسعون جاهدين في تحقيق أمنهم أصبحوا يشكلون تهديدا لأمن غيرهم.
ومن الجدير بالذكر فقد لعبت أحداث 11 سبتمبر 2001 دورا مهما في التأثير على الهجرة غير الشرعية في أوروبا ، وهذا لأخذها بعدا دينيا ، إضافة للبعد الاقتصادي الذي اكتسبته قبل ذلك ، حيث برز توجه يربط بين الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب الدولي ، وانتشار أسلحة الدمار الشامل التي تتضاعف مع موجات الهجرة غير الشرعية على الدول الاوروبية وما ينتج عنها من تداعيات ، وبذلك فقد ربطت هذه المواضيع كلها بالأمن الأوروبي وشكل دخول العالم كله في إطار ما يعرف بالحرب على الإرهاب مع الولايات المتحدة الأمريكية بصفة عامة وأوروبا بصفة خاصة دافعا إلى تحصين أمنها الداخلي بالدرجة الأولى خاصة أنها تعد هي الواجهة الأساسية و الأولى لغالبية المهاجرين غير الشرعيين ، وبذلك فقد أصبح الإتحاد الأوروبي ينظر إلى ظاهرة تدفق المهاجرين غير الشرعيين على أنها مصدر كل المخاطر وتشكل تهديدا على الأمن الأوروبي وهذا ما يؤدي إلى انتشار وتفاقم ظواهر أخرى مثل: الجريمة المنظمة ، تجارة المخدرات ، التطرف الديني والعرقي، ما يؤدي إلى انتشار حالات اللاستقرار والأمن والتوترات .. ويمكن اختصار تلك التهديدات في النقاط التالية :
الإخلال بالنواحي الأمنية: نظرا لكون المهاجرين غير الشرعيين لا يحملون هويات إثبات الشخصية ، فهذا ما يعني أنه في حالة ارتكابهم للجرائم لا يمكن التعرف على المرتكب الحقيقي لهذه الجرائم و بالتالي تفشي المشاكل و المجرمين في المجتمعات الأوروبية.
الإخلال بالوضع الاقتصادي: رغم أن المهاجرين غير الشرعيين يعتبرون أهم مصدر لليد العاملة الرخيصة ، إلا أن هذا في حد ذاته يعد مشكلا أساسيا و خللا في سوق العمل الأوروبية ، باعتباره منافسا قويا للأيدي العاملة المحلية ، و ذلك نتيجة لانتشار العمالة العشوائية غير الضرورية و ذات الإنتاجية المنخفضة وظهور سوق ظل موازية للعمالة المتسللة التي تقبل بأجور أقل و كذا شروط قاسية للعمل ، إضافة إلى زيادة تفشي البطالة في الدول الأوروبية نتيجة لتفشي اليد العاملة الرخيصة التي تقبل القيام بالأعمال الشاقة.
مشكلة الأقليات : إن نهاية الحرب الباردة و ما حملته من تغيرات في الساحة الدولية ، أدت إلى تصاعد الأفكار القومية التي خلقت العديد من الحروب و النزاعات داخل حدود الدولة الواحدة و بالتالي فتأثير الهجرة غير الشرعية على النمو الديموغرافي و كذا الواقع السكاني في أوروبا قد يؤدي إلى خلق أقليات تطالب بحقوقها ما يعني أن الهجرة غير الشرعية أصبحت بذلك أزمة و مشكلة تهدد أوروبا في عقر دارها. حيث أن تعرض المهاجرين غير الشرعيين للإقصاء من الحياة الاجتماعية و سوء المعاملة و التهميش يِؤدي بالأفراد إلى المطالبة بحقوقهم نتيجة للأوضاع المتردية التي يعيشونها ، هذا ما أدى إلى بروز العنصرية حيث أصبح المهاجرون غير الشرعيون يلامون على كل ما يحدث من مشاكل سواء التعامل بالمخدرات ، الجريمة المنظمة و تفشي ظاهرة التسول ، و قد أخذت الأحزاب اليمينية المتطرفة تستغل هذه الكراهية ما أدى إلى زيادة التشديد و التعقيد منذ سنة 1975.
مشاكل النفقات: زيادة النفقات لدول الإتحاد الأوروبي، و ذلك من حيث تشديد الإجراءات على الحدود و ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين و احتجازهم و إعادة تسفيرهم ما يؤدي بالدول الأوروبية إلى تحديد ميزانية كاملة لمثل هذا النوع من العمل.
مشاكل اجتماعية: ارتبطت ظاهرة الهجرة غير الشرعية بالعديد من المشاكل كتجارة المخدرات القادمة من بعض دول الشرق الأوسط ، شمال إفريقيا ، أفغانستان ، شرق أوروبا و أمريكا اللاتينية المتجهة نحو أوروبا الغربية من خلال التنقل عبر : روسيا ، تركيا و جنوب البحر المتوسط. كما ترتبط هذه الظاهرة بمشاكل أخرى انتشرت بكثرة في المجتمع الأوروبي و أصبحت بذلك تهدد استقراره و أمنه و التي تمثلت في شبكات التجارة بالبشر و الدعارة. هذه الشبكات تعمل على المستوى الدولي ، و تضم أفراد من جنسيات مختلفة سواء بذلك من دول المنشأ و كذا العبور و أيضا دول الوصول و ذلك من خلال التشارك مع عصابات الجريمة المنظمة كما ترتبط الهجرة غير الشرعية بجرائم التزوير ، الرشوة ، الاختلاس، و جرائم الاعتداء على الأشخاص ، الأموال.

الامن الاوروبي والتوتر في الشرق الاوسط وشمال افريقيا:
يشكل شبح حصول هجرة جماعية من شمال افريقيا كابوسا للمسؤولين الاوروبيين، الذين ما زالوا يواجهون استمرار موجات اللاجئين بالرغم من الاتفاق بين الاتحاد الاوروبي وتركيا بخصوص ضبط الهجرة الغير شرعية عبر الاراضي التركية باتجاه اوروبا ، والذي انعكس في وجود صعوبات حقيقية على طريق الهجرة عبر اليونان، ما سيؤدي الى اعادة تفعيل خط الهجرة البديل القادم من شمال افريقيا وعزز احتمالات ان يشهد جنوب البحر المتوسط تدفقا للمهاجرين.
وهناك تخوفات من احتمالات قيام التنظيمات الارهابية باستغلال تلك المنطقة كمنصة نحو اوروبا لارسال مقاتليها الى عمق الاراضي الاوروبية مستغلين موجات المهاجرين تكرارا لسيناريو سابق عندما تم ادخال مقاتلين من سوريا والعراق عبر الاراضي التركية الى عمق اوروبا مستغلا الاوضاع السائدة في تلك المنطقة.
وجاءت هذه التحركات لتعكس تزايد طبيعة التهديدات التي بات يشكلها هذا التنظيم وخاصة في هذه المنطقة التي كانت تشكل “الحضن الدافىء” لاوروبا لتتحول الى “الحضن الساخن” بما يحمله من تواجد هذا التنظيم الارهابي من تهديدات سواء على صعيد ما يشكله من ثغرة لعمليات الهجرة الغير مشروعة عبر شمال افريقيا الى اوروبا، مما يفتح المجال ايضا امام انتقال العشرات من العناصر الارهابية التابعة للتنظيم الى اوروبا لتعمل كخلايا نائمة بانتظار تعمليات التنظيم للعمل في التوقيت الذي تراه مناسبا.
وبالرغم من بعض التوجهات الغربية التي ترى في استمرار الازمة الليبية فرصة لها لضمان السيطرة على السوق البترولية من خلال نظام البيع خارج السوق بالتنسيق مع الكثير من المليشيات المحلية والقبلية المتصارعة في ليبيا. وما يعزز هذه الفرضية العراقيل التي تضعها اطراف دولية مختلفة على محاولات اقامة حكومة ليبية مركزية مدعومة بجيش مركزي قوي قادر على السيطرة على الاوضاع في ليبيا وانهاء حالة الفوضى القائمة. وبينما يبدو بالفعل ان هناك نجاحا لتلك الاطراف في توجهاتها الا ان الكوارث الناتجة عن تلك السياسة كان اكبر بكثير مما يمكن تصوره خاصة على المدى المتوسط والمدى الطويل فالقنبلة الموقوتة انتقلت الى عمق اوروبا التي باتت تعاني من مخاطر الارهارب وتقدم قدراته النوعية بفضل الامكانيات المالية الهامة الناجمة عن لعبة البترول في داخل ليبيا.

القنبلة الملوثة السلاح المستقبلي للجماعات الارهابية:
بدأت مساعي تنظيم القاعدة لامتلاك أسلحة الدمار الشامل في اطار اهداف التنظيم لتدمير النظام العالم الراهن الذي يهمن عليه الغرب لاسيما الولايات المتحدة المسيطرة على مقدرات الأمور، وتهيئة المجال للإطاحة بالنظم المتردية التي تحكم العالم العربي والإسلامي. ونظرًا للأهمية القصوى لتلك الأسلحة ، فإن مسألة تنظيم وإدارة الأبعاد التسلحية غير التقليدية للتنظيم تُوكل للمستويات العليا، هذا فضلاً عن استئثار القيادات باختيار مواقع وتوقيت العمليات الإرهابية التي من المخطط قيام التنظيم بها. وهناك ثلاثة مؤشرات هامة على سعى الجماعات الإرهابية للحصول على اسلحة الدمار الشامل ، هي:
في بداية 1994 بدأت محاولات تنظيم القاعدة للحصول على اليورانيوم من السودان، وبحلول 1996 أعلن أيمن الظواهري عن سعيه للحصول على أسلحة نووية من دول الاتحاد السوفيتي السابقة، وفى عام 1998 قام أسامة بن لادن بالتأكيد على أن الحصول على أسلحة الدمار الشامل يعد من صميم أهداف التنظيم لحماية العالم الإسلامي. وفي 1999 قام أيمن الظواهري بتجنيد “أحمد رءوف” وهو أحد البيولوجيين المتطرفين الأفغان من أجل تطوير برنامج للأسلحة البيولوجية، وحتى 2001 أقام تنظيم القاعدة عديدًا من معسكرات التدريب على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في أفغانستان على يد كل من “أبي خباب المصري” الملقب باسم “مدحت مرسي” وهو الذي يعتبر زعيم كبار مصنعي القنابل الكيماوية في تنظيم القاعدة وأيضًا “أبو مصعب السوري”، هذا بالإضافة إلى تأكيد “عبد العزيز المصري” الخبير الكيميائي والأب الروحي للبرنامج النووي للقاعدة عن قيامه بتجربة نووية تفجيرية في الصحراء. وأعلن “الظواهري” عن إمكانية حصول أي فرد عادى على أسلحة الدمار الشامل إذا كان يملك 30 مليون دولار بمجرد اللجوء إلى منطقة آسيا الوسطى أو الاتصال بأحد العلماء في دول الاتحاد السوفيتي السابقة، حيث توجد كميات كبيرة من القنابل والأسلحة الذكية. ويضاف إلى ذلك شبكة الإمداد النووي بين العالم النووي “عبد القدير الخان” الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني. وقامت جماعة متطرفة بقيادة “أبي مصعب الزرقاوى” في منتصف عام 2002 بتجارب على استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في معسكر شمال شرق العراق، وفى يوليو من العام ذاته كشفت قناة سى إن إن الإخبارية تجارب كانت تتم على الحيوانات من قبل جماعة “أبي خباب المصري” حيث يستخدم فيها غازات سامة فتاكة مثل السيانيد الخام، الريسين، الخردل، والبلوتنيوم. مع بدايات عام 2003 تم اعتقال سبعة من شبكة الزرقاوي في لندن حاولوا تدبير عمليات باستخدام غاز الريسين في محطة مترو الإنفاق بالعاصمة البريطانية لندن.
السمة الغالبة للنهج الذي يتبعه تنظيم القاعدة للحصول على أسلحة المار الشامل هو العمل بأسلوب الشبكة المتخصصة أي يقوم كل فرد بجزء معين في العملية حيث يقوم البعض بدراسة الموقف وإعداد التقارير. فضلاً عن إيمانهم بأن الفشل في أحد مراحل العملية لا يعني الفشل والتدمير الكامل للعملية بأثرها، أخذًا في الاعتبار إمكانية حدوث انتكاسات وضرورة تفادي الوقوع في أيدي أجهزة الاستخبارات التابعة لأية دولة.
سعى تنظيم القاعدة للتعاون لتكوين أسلحة الدمار الشامل مع جماعات إرهابية أخرى مما يدل بشكل أو بآخر بأنه ليس تنظيم القاعدة وحده هو الجماعة الإرهابية التي تسعى لامتلاك وتطوير هذا النوع من الأسلحة الفتاكة، وإنما هي رغبة عامة لدى هذا النوع من الجماعات.
وبالرغم من فشل تنظيم القاعدة في الوصول الى تحقيق تلك التوجهات والمخططات ونقلها الى الامر الواقع ولم تحدث تلك الهجمات غير التقليدية، مما يُدل على عدم قدرة تنظيم القاعدة على التوصل إلى تلك التكنولوجيا المتقدمة في ظل تكثيف سبل ووسائل واستراتجيات الإرهاب الأمر الذي أعاق التنظيم عن المضي قدمًا نحو تطوير هذا النوع من الأسلحة الفتاكة.
ومع ظهور تنظيم داعش اعاد انبعاث التخوفات من احتمالات إمتلاك ألأرهابيين لمواد نووية أو جرثومية أو أشعاعية وأستخدامها في شن هجمات أرهابية في هاجسا يفوق مخاوف أندلاع حرب نووية عالمية. فالتكنولوجيا المتوفره حاليا تمكن الأرهابيين من الحصول على المواد النووية والجرثومية والمواد المشعة بكل سهوله وخاصة اصبحت التكنواوجيا الحديثة بأيدي تنظيم الدولة الأسلامية “داعش”.

الخلاصة :
باتت أوروبا تنظر إلى الهجرة عبئا عليها بعد أن فشلت في إدماج المهاجرين في مجتمعاتها، إذ أن التفجيرات التي حدثت وضعت الجاليات الإسلامية في أوروبا في مأزق كبير ، وذلك نتيجة لوضعهم تحت منظار الشك والاهتمام الجماعي بالإرهاب ، هذا ما جعل من الدول الأوروبية تسن قوانين استثنائية بما يسمى ” مكافحة الإرهاب “، لذا فقد كان من الطبيعي أن يزداد التعامل العنصري مع المهاجرين غير الشرعيين في أوروبا، وذلك من خلال شحن الرأي العام اتجاه المهاجرين، بغرض تبرير إصدار قوانين ضدهم.
اقتصار معالجة الظاهرة الارهابية وتداعياتها على المفاهيم الامنية لن يكتب له النجاح فالاوضاع الاجتماعية المعقدة التي يعيشها المهاجرون في داخل اوروبا وتكون مجتمعات منعزلة عزز من احتمالات وفرص تكون البيئة المعادية التي من الممكن ان تنطلق منها الكثير من العمليات الارهابية التي تستهدف امن واستقرار البلدان الاوروبية في تكرار لواقع مماثل في الكثير من الدول العربية والاسلامية التي انطلق من خلال واقع اجتماعي واقتصادي فاشل وغير متوازن وغير عادل العديد من المجموعات الارهابية التي ضربت بعنف العديد من تلك البلدان لسنوات طويلة اثرت بصورة سلبية على واقع امن واستقرار وتنمية تلك البلدان.
التركيب السيكولوجي والاجتماعي لعناصر مجموعات داعش يضع علامات استفهام كثير حول النجاحات الاستراتيجية التي تمكنهم من التوسع جغرافيا والاستيلاء على مناطق شاسعة ذات اهمية استراتيجية سواء في العراق او سوريا او ليبيا اضافة الى الدقة التي ميزت العمليات الارهابية التي نجحوا في تنفيذها مؤخرا في داخل اوروبا فالكثير منهم انطلقوا من خلفيات اجتماعية معقدة علاوة على انعزالهم عن مجتمعاتهم وفشلهم في التكيف معها وعجزهم عن تحقيق نجاحات حقيقية في حياتهم العملية وهو ما يمكن اعتباره مؤشرا على وجود جهات خارجية استطاعت استغلال تلك الظاهرة وتلك العناصر لتوجيهها باتجاه يخدم مصالح خارجية.
عودة اجواء الحرب الباردة اعاد اوروبا الى قلب الاحداث مجددا لتتحول الى ساحة للصراع بين الاقطاب الدولية وفتح الباب لعودة الارهاب مجددا ليضرب العديد من الدول الاوروبية مستغلا الاوضاع المتوترة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا والتي اصبحت بمثابة “الحضن الساخن” لاوروبا نتيجة افواج الهجرة غير المشروع والتي حملت معها الكثير من التهديدات الارهابية سواء من خلال تسلل عناصر ارهابية الى داخل اوروبا مستغلين افواج المهاجين او من خلال انتقال ابناء الجاليات العربية والاسلامية من اوروبا للمشاركة في العمليات الجهادية في مناطق التوتر تلك ومن ثم العودة بخبراتهم العملياتية الى اوروبا .
سيظل تنظيم “داعش” يتحين الفرصة لتنفيذ عمليات ارهابية كبرى في أوروبا بما يخدم المصالح الدولية المتعارضة والاطراف المحركة لتلك المصالح ويبدو ان القدرات العسكرية التي بات يمتلكها هذا التنظيم جعلت التخوفات متزايدة من احتمالات قيام التنظيم بتنفيذ عمليات اكثر انتشارا واكثر دموية قد يستخدم فيها قدرات واسلحة غير تقليدية خاصة وانه بات بالفعل يمتلك الكثير المقومات التي تساعده على انجاح تلك التوجهات.

التوصيات :
المعركة الحالية التي يخوضها العالم ، بصورة عامة ، واوروبا بصورة خاصة في مواجهة الارهاب والذي بات محوره الرئيسي متمثلا في هجمات تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” باتت مرشحة للتوسع لتشمل مناطق ودول كثيرة باتت مهددة باحتمالات وقوع عمليات ارهابية في داخلها.
عدم تنفيذ تنظيم داعش تنفيذ عمليات ارهابية باستخدام الاسلحة الغير تقليدية حتى الان لا يستوجب اغفال جهوده المتواصلة في مجال تطوير قدراته في هذا المجال اضافة الى جهوده المتواصلة لتنفيذ عمليات ارهابية كبيرة باستخدام اسلحة غير تقليدية توقع الكثير من الضحايا بما يتناسب مع توجهات التنظيم الاكثر دموية.
العزلة التي يعيشها المهاجرون في داخل اوروبا فتحت المجال امام تنظيم داعش للتحرك في اوساط المهاجرين الذين لازالوا عاجزين عن الاندماج في المجتمعات الاوروبية بالرغم من تعاقب الاجيال والتي وصلت في بعض الاحيان الى الجيل الثالث الذي لازال يعيش على هامش المجتمعات في عزلة اجتماعية وثقافية وفكرية استغلها “تنظيم داعش” الذي نجح في نشر افكاره الارهابية في اوساط تلك المجتمعات وخاصة الشبابية واستقطاب العشرات من الشباب لصالح نشاطاته الارهابية.
كشفت العمليات الارهابية التي نجح تنظيم “داعش” في تنفيذها في داخل العديد من الدول الاوروبية مدى هشاشة الامن الاوروبي وفقدانه لزمام المبادرة في مواجهة التنظيم الذي بات يتحرك بحرية مستغلا العديد من الثغرات الهيكلية التي يعاني منها الامن الاوروبي.
التنسيق والتعاون بات ضروريا مع اطراف اقليمية تمتلك قدرات امنية ميدانية قادرة على متابعة واختراق خلايا تنظيم داعش في العديد من مناطق نشاطاته وهو الامر الذي يتطلب فتح محطات استخبارية متقدمة وعدم الاكتفاء بالمتابعة عن بعد فالخطر القادم يبدو اكثر واعظم مما يتصور الكثيرون.
الافتقاد الى المعلومات والافكار الخلاقة في مواجهة الافكار الارهابية التي يحملها تنظيم داعش كشفت الحاجة الى اقامة مراكز المعلومات والدراسات الشرق اوسطية المتخصصة في المجالات الاستخبارية والقادرة على تقديم المعلومات والتصورات التي تفتقدها اجهزة الاستخبارات الاوروبية في مجال شؤون الجماعات الارهابية .

– انتهى –

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.