Take a fresh look at your lifestyle.

د . إبراهيم فريحات يكتب – التحدي والتحدي الأكبر لحكومة محمد اشتية

0 8

بقلم  د . إبراهيم فريحات* – 15/3/2019

لأسباب مشروعة ومنطقية، يدور الكثير من النقاش حول حكومة الدكتور محمد اشتية وقدرتها على “إعادة غزة الى حضن الشرعية الوطنية” كما أشار كتاب تكليفه الصادر من الرئيس محمود عباس. فالانقسام أرهق الجميع وحوله الى كابوس وطني ربما جعل الفلسطينيين يرون كل شيء آخر من خلاله، فمن الطبيعي أن يتركز كل هذا الاهتمام على الانقسام ويجعلهم يتساءلون كيف سيعيد اشتية غزة الى “الشرعية الوطنية”، ومنذ متى كانت غزة أصلاً خارج هذه الشرعية، وهي كباقي أجزاء الجسد الفلسطيني في الوطن والشتات مشرعة للعمل الوطني أصلاً. التحدي الأكبر لحكومة اشتية وللمجتمع الفلسطيني من الانقسام رغم أهمية انهائه هي حملة تجويع وتركيع الشعب الفلسطيني الأمريكية التي يقودها بالإضافة الى الرئيس ترامب صهره جيرد كوشنر والممثل الأمريكي الخاص للمفاوضات الدولية

جيسون غرينبلات والسفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان. هذه الحملة استعرت مؤخراً وستبقى وتيرتها بتزايد مستمر حتى الانتخابات الامريكية القادمة في نوفمبر ٢٠٢٠ أو أن يهزم هذا الثالوث قبل ذلك أو يستسلم الفلسطينيين ويوافقون على ما يعرف بـ “صفقة القرن” والذي جاء رفضهم لها كسبب رئيسي لهذه الحملة غير المسبوقة على الأقل منذ اتفاق أوسلو ١٩٩٣. فإنهاء الانقسام اذاً هو تحدٍ لحكومة اشتية، أما صياغة برنامج عملي وواقعي قادر على مقاومة وهزيمة حملة الإدارة الامريكية لتجويع الشعب الفلسطيني فهو التحدي الأكبر.

تهدف الحملة الامريكية لتكثيف الضغوط على الشعب الفلسطيني وتجويعه ومحاربته بلقمة عيشه حتى يوافق في نهاية المطاف على السلام الاقتصادي وقبول ما يعرف بـ “صفقة القرن” والتي تضمن له مساعدات اقتصادية بقيمة حوالي ٢٥ مليار دولار. فكيف للفلسطينيين ان يقبلوا الصفقة وهم بوضع اقتصادي مقبول، وعليه فقد كان لا بد من تجويعهم كما يخطط جرينبلات ومجموعته. هناك تسلسل منطقي لتطور قرارات السياسة الامريكية تستند لمؤشرات حقيقية تقود الى مثل هذا الاستنتاج. فسلسلة الضغوط الأمريكية يمكن رؤيتها بوقف المساعدات عن الاونروا، ووقف المساعدات لغير اللاجئين، واغلاق مكاتب الوكالة الامريكية للتنمية في فلسطين ودمج القنصلية الامريكية بالسفارة في القدس ثم أخيراً باقتطاع ما يعادل رواتب الاسرى والشهداء من الميزانية الفلسطينية، رغم علمهم فيما سيفضي اليه مثل هذا القرار وانه لا يوجد قائد فلسطيني سيوافق على اقتطاع هذه المخصصات حتى لو كان المبلغ الذي سيدفع للأسرى والشهداء هو آخر دولار تمتلكه القيادة الفلسطينية.

تدفع مخصصات الاسرى والشهداء منذ عقود وفي ظل أوسلو ولا يوجد أي جديد في ذلك ولكن ان يتم القيام بالخصومات من الميزانية الفلسطينية في هذه اللحظة بالذات فهذا يقول الكثير عن السياسة العامة التي تنتهجها حكومة نتنياهو بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية. وللحقيقة، فمن يراقب الحساب الخاص بـ غرينبلات سيلحظ فوراً السياسة الممنهجة التي تتبعها إدارته لتجويع الشعب الفلسطيني.

هذا للأسف يعني أن مسلسل الضغط لن يتوقف عند هذه المرحلة. فالإجراءات العقابية وسياسة التجويع ستستمر مما ينذر بتطورات مشابهة ستضاعف معاناة الفلسطينيين.

يحسب لاختيار الدكتور اشتية في هذه المرحلة بالتحديد أنه الفلسطيني الذي يجمع ما بين الخلفية العلمية بدراسته للدكتوراة في الاقتصاد والخبرة العملية على ارض الواقع بقيادة المجلس الاقتصادي الفلسطيني لأكثر من عشرين عاماً بالإضافة الى القيادة السياسية في اللجنة المركزية لحركة فتح. ولكن هذا لوحده لا يشفع له أمام التحديات الاقتصادية التي ستفرضها سياسة تجويع الشعب الفلسطيني الامريكية. الخيارات للأسف ليست كثيرة وغير مشجعة فحالة العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني ليست كالمعتاد حيث يسود الموقف الرسمي العربي حالة من الضبابية في الموقف من صفقة القرن ومن غير المعلوم للعامة مستوى التنازلات التي تم تقديمها على مذبح “مواجهة الخطر الإيراني.”

لا يفترض أن يتفاجأ الدكتور اشتية كثيرا إذا نظر حوله، فلن يجد الدعم المالي العربي الذي اعتادت عليه القيادة الفلسطينية سابقاً. ومن يدري فلربما كان اختفاء المساعدات هذه هو جزء من السياسة العامة لحملة التجويع حتى يوافق الفلسطينيين على الخطة الامريكية ويزول الحرج عن القيادة العربية ان وافقت فيما بعد. لا أحد يعلم الحقيقة، ولكن بالنسبة للدكتور أشتية فعليه ان يعلم أن عليه أن يأتي بالبرنامج العملي الواقعي لمقاومة سياسة التجويع وتوفير الحلول الاقتصادية للشعب الفلسطيني، فهو رئيس الوزراء الآن، والمطلوب منه بالإضافة الى “إعادة غزة الى حضن الشرعية الوطنية” ان يوفر وسائل الصمود للشعب الفلسطيني للاستمرار برفضه القاطع لصفقة تصفية القضية الفلسطينية التي يقودها ترامب.

وللإنصاف، فالحكومة الجديدة لوحدها لن تستطيع مقاومة الهجمة الأمريكية الاشرس منذ ثلاثة عقود. فالشعب الفلسطيني هو صاحب كلمة الفصل وهو الوحيد القادر على مواجهة سياسة تصفية قضيته. وبما أن جوهر الهجمة الأمريكية هو اقتصادي بالخالص، فعلى المجتمع الفلسطيني تطوير برنامج مقاومة اقتصادي، يستند بالأساس على تنمية وتطوير الاقتصاد غير الرسمي في الأراضي المحتلة.

وقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية وحجز أموالها سيكون له الأثر البالغ على الاقتصاد الرسمي، أما سياسة الاقتصاد غير الرسمي والتي يتم تنميتها ذاتياً من قبل المجتمع الفلسطيني فانها تهدف الى تعزيز الصمود مهما بلغت الضغوط، ولن يكون بمقدور إسرائيل أو غرينبلات ملاحقة الاقتصادات غير الرسمية. ونعني بذلك تطوير المبادرات الزراعية والخدماتية الفردية وغيرها، والتي لا يعتمد تطويرها او الاستثمار فيها على موافقات إسرائيلية أو إجراءات تحد من وجودها. فعلى سبيل المثال، على كل من يملك قطعة ارض أن يستثمر بها فيفلحها ويزرعها، ومن لديه القدرة على الاستثمار في الثروة الحيوانية أن يسارع الى ذلك، وبالنسبة للشباب المتعلم فعليه التواصل مع قطاع الخدمات العالمي الذي أصبح يوفر مجالات واسعة جداً من العمل في قطاعات الاتصالات واللغات والعلاقات العامة والسياحة وغيرها الكثير، وجميع هذه الخدمات لا تحتاج الا الى جهاز كمبيوتر وشبكة انترنت. لقد أفقد عصر العولمة المكان أهميته حتى بالنسبة لسوق العمل العالمي، وعلى الشباب الفلسطيني الاستفادة من هذا التغير في حركة السوق الدولية لتطوير استراتيجية صمود.

سيهزم الفلسطينيون ترامب وإدارته وحملتهم، ولكن عليهم أن يعملوا بجهد من أجل تحقيق ذلك. انهاء الانقسام بالتأكيد سيساعد على ذلك ويجب دائماً أن يكون أولوية، ولكن الحملة الأمريكية اليوم هي أخطر بكثير من الانقسام لا بل أن أنها ببساطة أخطر ما تتعرض له القضية الفلسطينية منذ عقود وهي بتصاعد مستمر حتى الانتخابات الامريكية العام القادم على الأقل.

كان قدر الدكتور اشتية أن يكون عنوان المرحلة الآن، ولكن لن يشفع له ان البند الأول في كتاب تكليفه تشكيل الحكومة ينص على “استعادة غزة الى حضن الشرعية الوطنية”، فالهجمة الامريكية تستدف الجميع بمن فيهم غزة والضفة واللاجئين، لا بل الوجود الوطني الفلسطيني، ولا يوجد هناك أولوية للشعب الفلسطيني ولرئيس حكومته اليوم قبل مقاومتها.

* أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، ومحلل في «شبكة السياسات الفلسطينية».

5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.