Take a fresh look at your lifestyle.

جيفري دي. ساش يكتب – انسحاب ترامب من سورية فرصة لإحلال السلام

0 63

جيفري دي. ساش* – 12/1/2019

نيويورك – قوبِل إعلان الرئيس دونالد ترامب عن انسحاب القوات الأميركية من سورية بإدانة شبه كاملة من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. ولا يحدثنا هذا الإعلان بالكثير عن ترامب بقدر ما ينبئنا عن رؤية مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية التي تتسم بضيق الأفق.

يظهر التيار الرئيسي لكل من الحزبين السياسيين أحكاماً انعكاسية مؤكدة، مفادها أن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على وجود قواتها في مختلف أنحاء العالَم من أجل منع الخصوم منشغل الفراغ؛ وأن المؤسسة العسكرية الأميركية ربما تحمل المفتاح لنجاح السياسة الخارجية؛ وأن خصوم أميركا أعداء حاقدون عنيدون لا جدوى من استخدام الدبلوماسية معهم. وربما يكون انسحاب ترامب من سورية مقدمة لحرب إقليمية موسعة؛ ومع ذلك، يمكن عن طريق الخيال والدبلوماسية أن يتحول الانسحاب إلى خطوة حاسمة على الطريق الوعر نحو تحقيق السلام في المنطقة.

كانت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية تبرر وجود أميركا في سورية خطابياً بوصفه جزءا من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ومع هزيمة داعش وتشتته في الأساس، يتحدى ترامب الآن مدى صدق تصريح المؤسسة. لكن المؤسسة أعلنت، على نحو مباغت، الأسباب الفعلية وراء التواجد الأميركي الموسع. وقد تعرض تحرك ترامب للانتقاد باعتبار أنه كفيل بإعطاء مزايا جيوسياسية لسورية بشار الآسد، وروسيا فلاديمير بوتن، وإيران علي خامنئي، في حين أنه يعرِّض إسرائيل للخطر، ويشكل خيانة للأكراد، ويتسبب في إحداث عِلل أخرى لا ترتبط بداعش في الأساس.

كان هذا التحول مفيداً في الكشف عن أغراض أميركا الحقيقية في الشرق الأوسط، والتي هي ليست غامضة على الرغم من كل شيء، باستثناء حقيقة أن خبراء التيار الرئيسي، والمنظرين الاستراتيجيين في المؤسسة الأميركية، وأعضاء الكونغرس، لا يميلون إلى ذِكر هذه الأغراض في صحبة مهذبة. لم تكن الولايات المتحدة في سورية (أو في العراق، وأفغانستان، واليمن، والقرن الأفريقي، وليبيا، وأماكن أخرى في المنطقة) بسبب داعش. بل إن تنظيم داعش جاء نتيجة للوجود الأميركي وليس سببا له. وكانت الأغراض الحقيقية تتلخص في فرض الهيمنة الإقليمية الأميركية؛ وكانت العواقب الحقيقية كارثية.

نادراً ما ذُكِرَت حقيقة الوجود الأميركي في سورية. ولكن بوسع المرء أن يجزم عن يقين بأن الولايات المتحدة لم تكن منزعجة بشأن الديمقراطية في سورية أو أي مكان آخر في المنطقة، كما يتبين لنا بوضوح من احتضانها الدافئ لأنظمة استبدادية في المنطقة. وقد قررت الولايات المتحدة دعم تمرد يسعى إلى الإطاحة ببشار الأسد في العام 2011 ليس لأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا متلهفين على الديمقراطية في سورية، بل لأنهم قرروا أن الأسد يمثل عائقاً لمصالح الولايات المتحدة الإقليمية. وكانت خطايا الأسد واضحة: فهو متحالف مع روسيا، وهو يحصل على الدعم من إيران.

لهذه الأسباب، أعلن الرئيس باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن “الأسد يجب أن يرحل”. وقررت أميركا وشركاؤها الإقليميون، بما في ذلك إسرائيل، وتركيا، وحلفاء آخرين في المنطقة، تزويد التمرد المناهض للأسد بالأسلحة والخدمات اللوجستية والتدريب والملاذ. ووقع أوباما على قرار رئاسي (عملية خشب الجميز)، الذي يدعو وكالة الاستخبارات المركزية إلى العمل مع الأطراف الحليفة في المنطقة من أجل الإطاحة بالأسد. لكن أوباما، الذي كان حريصاً على تجنب المعارضة الشعبية القوية في الولايات المتحدة لحرب أخرى تقودها الاستخبارات المركزية مع إرسال قوات أميركية إلى ساحة المعركة، اختار دعم الجهاديين بدلاً من ذلك. بيد أن الغرض من العملية السورية كان واضحاً: تثبيت نظام سوري يحمل كل الود لتركيا والحلفاء الآخرين، وحرمان روسيا من حليف، ودفع القوات الإيرانية إلى الخروج من سورية. وكان كل شيء واضحاً للغاية من منظور الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والآخرين.

ولكن، كما هو واقع الحال مع عمليات تغيير النظام التي تقودها الاستخبارات المركزية الأميركية دوماً، انتهت العملية إلى الفشل الذريع. ولم تتردد روسيا في تحدي التهويش الأميركي، فسارعت إلى دعم الأسد، ووفرت له إيران كذلك دعما حيوياً. ومن ناحية أخرى، أفضت حرب الوكالة التي أشعلت شرارتها الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى مقتل أكثر من 500 ألف مقاتل ومدني وتشريد ما يزيد على عشرة ملايين سوري حتى يومنا هذا، فضلاً عن أزمة لاجئين كبرى في أوروبا ما تزال تبعاتها تزعزع أركان السياسة في الاتحاد الأوروبي. ثم كان انفصال طائفة من الجهاديين عن أخرى لتأسيس تنظيم الدولة الإسلامية. وفي أعقاب انتشار مقاطع فيديو مروعة صورت قطع رؤوس أميركيين وأسرى آخرين، قرر أوباما التدخل في العام 2014 عن طريق شن هجمات جوية وإرسال بعض القوات الأميركية لدعم هجوم بقيادة الأكراد على معاقل داعش.

من منظور ترامب، لم يكن تثبيت نظام سوري ألعوبة في يد الولايات المتحدة لطرد روسيا وإيران في نهاية المطاف يمثل أهمية مركزية للأمن القومي الأميركي، فضلا ًعن استحالة تطبيق ذلك عملياً. وهنا كان ترامب محقاً، على سبيل التغيير.

لا شك في أن انسحاب الولايات المتحدة بترتيب أحادي الجانب من شأنه أن يخلق كارثة أعظم. فقد تغزو تركيا شمال سورية لسحق القوات الكردية؛ وربما تنزلق روسيا وتركيا إلى مواجهة بالغة الخطورة. وقد تشن إسرائيل حرباً ضد القوات الإيرانية في سورية. وفي حقيقة الأمر، تشكل في المنطقة بالفعل تحالف صامت ضد إيران. بل وقد تتوسع الحرب السورية لتتحول إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط. وكل هذا محتمل إلى حد مفزع.

بيد أن هذه السيناريوهات ليست حتمية على الإطلاق. فالدبلوماسية الناجحة ليست مستحيلة، إذا أدركت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية ولو لمرة واحدة أن الدبلوماسية القائمة على الأمم المتحدة، وليس الحرب، ربما تكون الطريق الأكثر حكمة. وتحت رعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (في ظل موافقة أساسية من جانب الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة)، يمكن الاتفاق على ست خطوات لترسيخ سلام أرحب، وليس إذكاء نيران حرب أوسع نطاقاً.

أولا، ترحل عن سورية كل القوات الأجنبية (بما في ذلك الجهاديين الذين تدعمهم دول في المنطقة، والقوات المدعومة من تركيا، والقوات الروسية، والقوات المدعومة من إيران). وثانياً، يدعم مجلس الأمن سيادة الحكومة السورية على أراضي البلاد كافة. ثالثاً، يعمل مجلس الأمن، وربما قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، على ضمان سلامة الأكراد. ورابعاً، تلتزم تركيا بعدم غزو سورية. خامساً، تُسقِط الولايات المتحدة العقوبات التي تفرضها على إيران. وأخيراً، تتولى الأمم المتحدة جمع التمويل اللازم لإعادة إعمار سورية.

قد تقايض إيران الخروج من سورية في مقابل إنهاء العقوبات الأميركية؛ وربما تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل بإنهاء العقوبات المفروضة على إيران في مقابل انسحاب إيران عسكرياً من سورية؛ وقد توافق تركيا على ضبط النفس إذا أعلن مجلس الأمن بوضوح أنه لن يسمح بوجود إقليم كردستاني انفصالي؛ وربما توافق روسيا وإيران على الانسحاب من سورية ما دامت الأمم المتحدة تدعم حكومة الأسد، فضلاً عن إنهاء العقوبات المفروضة على إيران. ومن الواضح أن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تضر حقاً بالاقتصاد الإيراني، لكنها تفصل الولايات المتحدة عن بقية العالَم وتخفق في تغيير السياسة الإيرانية الداخلية. وربما يوافق ترامب على رفع العقوبات في مقابل انسحاب القوات الإيرانية من سورية.

وربما يكون بوسعنا أن نرسم صورة أكبر، حيث يتلخص مفتاح السلام في الشرق الأوسط في التعايش السلمي بين الأتراك والإيرانيين والعرب واليهود. وكانت العقبة الأكبر منذ التوقيع على معاهدة فرساي في نهاية الحرب العالمية الأولى تتمثل في تدخل القوى الكبرى مثل بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة عند نقاط مختلفة. والآن حان الوقت للسماح للمنطقة بتدبر وإدارة شؤونها بنفسها، من دون التعلق بوهم أن القوى الأجنبية قادرة على تمكين خصم أو آخر من تجنب تقديم التنازلات، ومع الحرص على وقف التدفقات الهائلة من الأسلحة القادمة من الخارج. وعلى سبيل المثال، تتوهم الدول الحليفة في المنطقة أن الولايات المتحدة قد تسارع إلى إنقاذ الموقف على حساب إيران من دون الحاجة إلى تسوية أو تنازل. ولكن، بعد قرن كامل من التدخل الاستعماري الغربي، حان الآن وقت التنازلات والحلول الوسط والتسوية السلمية من جانب القوى الأجنبية تحت مظلة الأمم المتحدة والقانون الدولي.

*أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسات والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا، وهو مدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة. تشمل كتبه “نهاية الفقر”، و”الثروة المشتركة”، و”عصر التنمية المستدامة”، و”بناء الاقتصاد الأميركي الجديد”، ومؤخراً “سياسة خارجية جديدة: ما وراء الاستثنائية الأميركية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.