Take a fresh look at your lifestyle.

جنكيز أكتار – هل عادت الديمقراطية إلى تركيا حقا ؟

0 40

أحوال تركية  – جنكيز أكتار* – 8/7/2019

ربما لا يوجد مفهوم تمت إساءة استغلاله على نطاق واسع مثل الديمقراطية. ففي يوم من الأيام، قدمت أنظمة الاتحاد السوفياتي السابق نفسها على أنها نصيرة الديمقراطية. كما تعشق الدول الأفريقية التي تشهد أوضاعاً مروّعة وضع كلمة “الديمقراطية” في أسمائها. وفي البرلمان الأوروبي، سمت الكتلة المؤسسة حديثاً والمنتمية إلى اليمين المتطرف نفسها باسم “الهوية والديمقراطية”. ويمكن وصف النظام في عُرف هؤلاء الناس بالديمقراطي طالما أن الناخبين ينتخبون أعداء الديمقراطية.

في الوقت نفسه، تخلو الدول ذات الديمقراطيات الناجحة من مثل هذا الإعجاب بالنفس ومحاولة تقديم نفسها بصورة معينة. ولا تقع تركيا ضمن هذه الفئة الأخيرة، ولو أن البعض يقولون إن الديمقراطية عادت فجأة إلى تركيا بعد الانتخابات المحلية التي أجريت في العام الحالي. وهناك سببان لهذا الافتراض.

أولاً، تعني حقيقة أن الانتخابات قد أجريت وفازت المعارضة برئاسة البلديات في خمس من المدن الست الكبرى في تركيا أن البلاد وجدت موطئاً لأقدامها في الديمقراطية من جديد. وما من أحد يكترث بأن الانتخابات لم تكن حرة ولا نزيهة؛ فهذا لا يهم طالما أن الديمقراطية قد عادت.

أما الافتراض الثاني فيتمثل في أن المعارضة ديمقراطية لمجرد أنها تعارض نظاماً سلطوياً.

ولكن، دعونا نبدأ بالافتراض الأول. ينشر المعلقون الموالون للحكومة، الذين يكتبون في الصحف الأجنبية، دعاية يقولون فيها إن انتصارات المعارضة في الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من شهر آذار (مارس) تثبت متانة الديمقراطية التركية. وحين ألغيت انتخابات إسطنبول على نحو يخلو من النزاهة، كرروا هذا الخطاب وقالوا إن نتائج الانتخابات المعادة في إسطنبول التي أجريت في الثالث والعشرين من شهر حزيران (يونيو) تبرهن على وجود الديمقراطية.

الأمر الأكثر سخافة واستحقاقاً للسخرية هو أن أولئك المدافعين لا يدركون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتبنى النظرية نفسها، فهو الذي قال: “لقد تجلت إرادة الشعب مرة أخرى، وربحت ديمقراطيتنا التي ترتكز على أساس متين من جديد”.

حين يستخدم الجميع كلمة الديمقراطية بسهولة شديدة، فإنهم يمكنون أردوغان من تقديم صورة ما يسمى بوحدة الهدف الوطني والعقيدة الوطنية إلى بقية العالم. وقد ركب أولئك الذين يتطلعون إلى الاستثمار والذين يزاولون أنشطة أعمال في تركيا الموجة على أمل أن تتمكن تركيا من حل مشاكلها ليتسنى لهم الاستفادة من هذا العهد الجديد المفعم بالأمل. وقد فرحوا بالنغمة المشتركة التي ترددها الحكومة والمعارضة بأن “تركيا ديمقراطية”.

إذن، هذه هي تركيا التي يعاني فيها الملايين –نعم الملايين– من المواطنين ويتعرضون للترهيب أو الإهانة، ويواجه فيها أولئك المفصولون من عملهم في القطاع العام الموت المجتمعي، والتي سُجن فيها الآلاف من دون سبب أو اضطروا إلى الفرار من البلاد والسعي وراء الحماية في دولة أخرى، والتي تفتقر إلى العدالة افتقاراً شبه كامل، ولا يصب فيها القانون إلا في مصلحة النظام. هذه هي تركيا نفسها التي يُشار إليها الآن بأنها ديمقراطية، والتي هي بلد هوى إلى أدنى المراتب على جميع مؤشرات الحقوق والحريات. عار عليكم!

بغض النظر عن الديمقراطيين المخلصين، الذين يأملون فقط في تدمير قلعة النظام بطريقة أو بأخرى من خلال التصويت في الانتخابات المحلية، دعونا نبدأ الآن في مناقشة ما يعنيه هذا الاحتفال المزري الذي تقيمه المعارضة بالديمقراطية.

في المجمل، ثمة أمل بأن يتحول “تحالف إسطنبول” الذي يضم حزب الشعب الجمهوري -أكبر أحزاب المعارضة في تركيا- إلى “تحالف من أجل الديمقراطية” على مستوى البلاد بأكملها، وهو أيضاً مطمح من مطامح الحركة الكردية. ولكن، مع مَن، وعلى أساس أي برنامج مشترك؟

لقد حان الوقت لإعادة النظر في أداء أحزاب المعارضة حتى الآن في دعم الديمقراطية، وإلى أي مدى يمكن اعتبارها أحزابا ديمقراطية.

هل ان حزب الشعب الجمهوري الذي انضم إلى مبادرة “روح يني قابي” لحزب العدالة والتنمية –وهي دعوة من أردوغان إلى الوحدة الوطنية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة– حزب ديمقراطي؟ هل يمكن اعتبار حزب الشعب الجمهوري ديمقراطياً في الوقت الذي سمح فيه الحزب للنظام على نحو غير مباشر بسجن السياسيين الأكراد؟ مع الأسف، تخلو جعبة هذا الحزب من أي برنامج سوى الكلام الفارغ.

كذلك حزب السعادة الإسلامي، المنافس الأصغر لحزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان، يرأسه محام دافع عن مرتكبي واحدة من أشد الفظائع في تركيا، مذبحة سيواس في العام 1993 التي لقي فيها 35 شخصاً حتفهم، ومعظمهم من الأقلية العلوية الكبيرة في تركيا. وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض من حزب الشعب الجمهوري، لم يزعم هذا الحزب قط أنه يسعى إلى تحقيق الديمقراطية.

وينطبق نفس الشيء على حزب الصالح القومي. فليس لدى ميرال أكشينار، المرأة المتشددة التي تولت منصب وزيرة الداخلية في منتصف تسعينات القرن العشرين، ولا حزبها أي نية لتعزيز الديمقراطية في البلاد. وما الهجوم على اللاجئين السوريين الذي وقع في الأيام الأخيرة بمنطقة كوتشوك تشكمجه في إسطنبول، والذي لعب فيه حزب الصالح المناوئ للسوريين دوراً غير مباشر، إلا مثال واضح على أن رحم هذا الحزب لن يخرج ذرة من الديمقراطية.

بالإضافة إلى ذلك، يتوقع البعض أن حزباً جديداً سيشكله أعضاء بارزون سابقون في حزب العدالة والتنمية سوف ينضم إلى صفوف المعارضة. وتشير التقارير إلى أن الحزب الجديد سيهدف إلى إحياء حزب العدالة والتنمية القديم وإعادة الحركة إلى سيرتها الأولى عبر الإصلاحات الديمقراطية والعودة إلى النظام البرلماني وإعادة ترسيخ الفصل بين السلطات، وكذلك من خلال ضمان إقامة اقتصاد سوق يعمل بكامل طاقته. ليس من الصعوبة البالغة أن نشهد فشل هذا الحزب في جمع وإعادة بناء حتى أصغر جزء من أطلال تركيا بأولوياته ومبادئه “حسنة النية”، فما بالك في جلب الديمقراطية إلى البلاد.

ما يزال الكسل حليفنا، ولذلك نسعى إلى إيجاد بدائل سياسية عبر الانتخابات ونأمل في حلول من خلال زعماء جدد. هذا القدر من “التقديس الأعمى للانتخابات والزعماء” يعطي وزناً خرافياً لتلك المؤسسات. ويعتقد الناس أن الديمقراطية تعني تغيير من يتولون السلطة من انتخابات إلى أخرى. وبهذا المنطق، يكون المعيار هو هزيمة أردوغان الذي يحكم البلاد منذ فترة طويلة والذي سئم الناس منه وتعبوا.

هل من الممكن حقاً خلق واقع ديمقراطي بهذه الكلمات الرنانة في أعقاب الانتخابات ومع هذه المعارضة؟

ألا تنذر تلك الأصوات المتعالية التي تقول بأن تركيا “عادت إلى الديمقراطية” بتقويض مقاومة النظام السلطوي كونها لا تثير إلا مجرد حالة من الأمل والخمول؟

ألم يحن الوقت لاتباع سبل أخرى أكثر جسارة لمقاومة النظام الشمولي، والتي تتعدى حدود التقديس الأعمى للانتخابات، والتساؤل: “كيف وجدنا أنفسنا في هذا الوضع من الأساس”؟

*كاتب تركي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.