Take a fresh look at your lifestyle.

“جند الإسلام”.. وجهة الجهاديين لتجاوز هزائهم في سيناء

0 40

هشام النجار ١٧-٩-٢٠١٨

بدا من الواضح أن الجماعات الإسلامية في مصر ترسم لنفسها خرائط طريق جديدة بعد العملية الشاملة  ضدها، ويتجلى ذلك من البيان الأخير الذي أطلقته جماعة “جند الإسلام” في سيناء والمنشور على موقع “منبر سيناء” على تطبيق تليغرام في 25 أغسطس الماضي، وفيه أعلن ا لتنظيم، المعروف بولائه لتنظيم القاعدة، فصل قائده أحمد العرجاني، وبعض الموالين له تحت زعم “عدم التزامه بسياسة الجماعة وضوابطها”.

فهم المتابعون لهذا الملف أن هذا التطور داخل تنظيم “جند الإسلام” يشير إلى وجود ترتيبات لمعاودة الظهور والنشاط، بعد الضعف الذي ضرب منافسه على الأرض وهو تنظيم “ولاية سيناء” (أنصار بيت المقدس سابقا والموالي لداعش) الذي خاض ضده جولات صراع وصلت إلى حد الاقتتال.

حرص “جند الإسلام” خلال المرحلة الماضية على مواصلة فترة كمونه التي كانت مفروضة عليه من تنظيم ولاية سيناء، حيث ألزمه الأخير بعدم القيام بعمليات داخل حيز الولاية المكانية له، الأمر الذي صب في مصلحة القاعدة في النهاية، وفي ذات الوقت سعى إلى استقطاب عناصر منشقة عن ولاية سيناء، مستفيدا من حصانته النسبية من الاستهداف المباشر، على خلفية حرصه على تحسين علاقته بالسكان المحليين بدعوى تحريم تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم على خلاف داعش.

ويعد التنظيم من أخطر التنظيمات التكفيرية المسلحة، فمنذ بدايات ظهوره تحت اسم “التوحيد والجهاد” منفذا تفجيرات طابا وشرم الشيخ (بجنوب سيناء) عام 2005 بقيادة خالد مساعد مؤسس الفكر التكفيري بسيناء، وهو يظهر مقدرته على التعامل مع التحديات بقدر من المرونة وتبني تكتيك المناورات وتعدد الخيارات والبدائل، كما يتميز عن داعش بتحييد القبائل والمدنيين ليظل قادرا على استقطاب عناصر جديدة وضمان الحاضنة المحلية.

استعادة نشاط القاعدة في سيناء ترتبط برغبة شخصية لدى الظواهري نفسه، والذي يعتبر بلده الأصلي (مصر) محور نشاطه

أسس قادة التنظيم خلايا إرهابية عنقودية تعتنق فكر القاعدة، استطاعت القيام بعمليات نوعية ضد قوات الجيش والشرطة، أقواها تفجير مبنى المخابرات الحربية برفح في سبتمبر عام 2013، مع الاحتفاظ بقدرته على التخفي والكمون وانتهاج استراتيجية تجعله قادرا على الاستفادة من أخطاء داعش وسخط أهالي سيناء عليه وعدائهم له، كذلك عدم رضاء البعض عن طبيعة السياسة التي تنتهجها الدولة المصرية في حربها ضد الإرهاب، والتي أضرت بشكل غير مباشر بمصالح بعض القبائل.

لم يكن اختفاء “جند الإسلام” منذ عام 2015 سلبيا، بل استغله لبناء نفسه وتنمية قدراته، بشكل أقلق تنظيم داعش الذي احتجز عناصر تابعة له من بينهم قادة في مطلع عام 2016، ولم يترك التنظيم القاعدي فرصة لإدانة تنظيم أنصار بيت المقدس “ولاية سيناء” إلا انتهزها، وتكرر ذلك بعد حادث الهجوم الدموي على مسجد الروضة ببئر العبد في 24 نوفمبر الماضي، وحادث مقتل سائقي مصنع الأسمنت بوسط سيناء قبل نهاية العام الماضي.

عكست حدة المنافسة بين التنظيمين “داعش وجند الإسلام” بسيناء حجم الاشتباك القتالي الذي جرى في أكتوبر الماضي، والذي وقع خلاله قتلى من الجانبين بدعوى اعتداء ولاية سيناء على المدنيين، ووصف بيان أطلقه “جند الإسلام” بعد العملية عناصر ولاية سيناء بـ”الخوارج“.

اللافت أن هناك رابطا بين الصراع والتنافس القديم بين التنظيمين ومستجدات الأوضاع في سيناء ومغزى وخلفيات عودة ظهور “جند الإسلام” في هذا التوقيت، معلنا إقالة البعض من قادته وأعضائه. ففي الفترة التي اختفى خلالها ساعيا لاستقطاب عناصر “ولاية سيناء” عبر دعوتهم إلى التوبة تعرض للاختراق من فصائل أخرى تسعى لتطويعه والسيطرة عليه، وبعضها موالية لتنظيم داعش.

في المقابل ظهر من فحوى البيانات والردود عليها على موقع “منبر سيناء” على تطبيق تليغرام، أن هناك تنازع إرادات داخل القاعدة نفسه بين جناح حريص على إبقاء الارتباط بالقيادي أيمن الظواهري وبمركز التنظيم، وآخر يسعى لفك هذا الارتباط والاستقلال عن تنظيم “القاعدة” الأم، ويدور الخلاف حول مستقبل حضور العنصر الأجنبي واستمرار التقيد بأوامر وتعليمات القيادة المركزية من عدمه.

صارت هناك أطماع من جهات عديدة في السيطرة على تنظيم “جند الإسلام”، تزامنا مع نجاح الجيش المصري في فرض حصار محكم على تنظيم “ولاية سيناء- داعش” في مناطق نفوذه في سيناء وتمكنه من القضاء على القوة الضاربة له، ومع طموح البعض في الدفع بلاعب جديد بديل عن التنظيم الداعشي قادر على استيعاب أخطائه والاستفادة منها ولديه الخـبرة الكافية ببيئة وجغرافيا سيناء.

تنظيم القاعدة لا يمل من تغيير جلده
تنظيم القاعدة لا يمل من تغيير جلده

يتراجع الكثيرون ممن انضووا تحت راية تنظيم “ولاية سيناء” على وقع الضربات القوية التي تعرض لها التنظيم مؤخرا، ومنهم من يقتنعون بمنهج القاعدة، خاصة أن أصولهم قاعدية، ومنهم من ينحازون تكتيكيا للقاعدة للاستفادة من محاضنها وسط السكان، مع رغبتهم في مواصلة القتال واستهداف الجيش، وهو ما يوفره تنظيم القاعدة عبر فرعه المتبقي في سيناء.

على جانب آخر، يطمع تنظيم القاعدة في العودة من جديد أكثر قوة وحضورا لاحتواء الضربة التي تعرض لها عندما أعلن تنظيم بيت المقدس انشقاقه عنه ومبايعته لداعش عام 2014، لذلك يتم التجهيز لاحتلال مكانته في المشهد الجهادي المصري من جديد، وأملا في تعويض غياب فرع القاعدة الآخر “أنصار الإسلام” أو “المرابطون” الذي تزعمه الضابط المفصول من الجيش المصري هشام عشماوي، والذي تراجع حضوره في المشهدين المصري والليبي بعد عملية تحرير درنة التي كانت نقطة تمركز قيادة التنظيم.

ترتبط استعادة نشاط القاعدة في سيناء برغبة شخصية لدى الظواهري نفسه، والذي يعتبر بلده الأصلي (مصر) محور نشاطه وهو الهدف النهائي له، فقد خرج منه لاكتساب القوة ثم العودة ليكون مقرا لخلافته المزعومة.

تنطوي الانشقاقات الأخيرة داخل فرع القاعدة الرئيسي بمصر، وهو تنظيم “جند الإسلام”، على دلالات أبعد من كونها تعكس تخبطا أو ارتباكا كما هو معهود في مثل تلك الحالات، فهذه الجماعة صارت مطمعا لجهات عديدة من أجل السيطرة عليها وامتلاك قرارها، باعتبارها المرشحة لتمثيل التيار الجهادي بعد اضمحلال فرص الآخرين، خاصة تنظيم “بيت المقدس”.

وهي تعكس ما يدور داخل التنظيمات التكفيرية بسيناء من إحلال وتبديل وانتقال لقادة وأعضاء من تنظيمات إلى أخرى جديدة أكثر بعدا عن الاستهداف المباشر من قوات الجيش والشرطة وأكثر مرونة وحرصا في التعامل مع المدنيين، في مقابل ذلك يجري تنظيم القاعدة فرزا لعناصره وقادته بعد مرحلة شهدت إقبالا على الانضمام إليه والعودة إلى صفوفه، عقب الضربات المتتالية التي يتعرض لها داعش في العراق وسوريا وليبيا.

تتطلب المرحلة المقبلة من المواجهة المزاوجة بين العمليات العسكرية واستراتيجية حرمان التنظيمات التكفيرية من محاضنها، عبر توطيد وتحسين العلاقات بالسكان والقبائل والبدء في مشروعات تنموية، ووضع حلول ناجزة ومرضية لمشكلات أهالي سيناء وتعويض المتضررين منهم، بسبب الإجراءات الاستثنائية التي اقتضتها العملية العسكرية الشاملة، والتي من المتوقع الإعلان عن نجاحها في تحقيق أهدافها، والانتقال إلى مرحلة أخرى تتعلق بتجفيف المنابع الفكرية والمجتمعية التي ترتوي منها التنظيمات الإرهابية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.