Take a fresh look at your lifestyle.

جاكي خوجي يكتب – اطواق وجيوب

0 13

معاريف – بقلم  جاكي خوجي  – 15/3/2019

يكاد يكون بالهراء ولدت فجأة 500 وظيفة للمواطنين الاردنيين. فقد حصل هذا يوم الخميس الماضي، في احتفال متواضع اجري بعيدا عن العيون في فندق في العقبة. فقد وقع موظفون رسميون  من الحكومة الاردنية ونظرائهم الاسرائيليين على توسيع للاتفاق لتشغيل عمال اردنيين في الفنادق في ايلات. بدلا من 1.500، سيتمكن قريبا 2.000 من العمل في المدينة. وسيدخلون في كل صباح الى ايلات عبر معبر وادي عربا وعند المساء سيعودون الى بلادهم. لا يتلخص هذا المشروع بـ 2.000 عامل. فقد ولد منظومة تسفيرات لهم في العقبة وخدمات مبيت، وهو يدخل الى صندوق المملكة ملايين الدنانير في  السنة.

السلام مع الاردن، الذي تكتمل له 25 سنة، مليء بالتناقضات والتضاربات. فمن جهة تعاون استخباري وثيق، بعيد عن العين، ضد كل عدو يمكن تخيله. ومن جهة اخرى، توتر قابل للانفجار وشك متعاظم. في الساعات التي ولدت فيها مئات الوظائف في العقبة، بعيدا عن هناك، في عمان، هبط مئير بن شباط، رئيس مجلس الامن القومي. الى جانب قادة جهاز الامن في الاردن، حاول مبعوث نتنياهو المقرب ايجاد حل لمشكلة باب الرحمة. وقد عاد الى القدس في اليوم ذاته، دون اتفاق. بعيدا عن هناك، على شاطيء البحر الاحمر، ابتسم الفندقيون برضى. في الجانب الاردني من الحدود واجهت شركات القوى البشرية الاف الطلبات من الشباب الراغبين في العمل في ايلات. في منتصف الطريق بين ايلات وعمان تقع بلدة بار صوفر. في موعد ما في السبعينيات استوطن مزارعون في اراض اردنية خصبة قريبة من القرية في سفوح الجبال الحمراء. مرت السنوات، ووقع اتفاق السلام بين الدولتين. جيب صوفر الى جانب جزيرة السلام في نهرايم عادا الى الاردن. وكبادرة طيبة للمزارعين، وافق الملك حسين على السماح لهم بفلاحة اراضيهم. وتقرر هذا الترتيب لربع قرن فقط وافرح المزارعين. وتعيش صوفر من هذه الاراضي. 1.100 دونم من الارض الطيبة والخصبة، 30 عائلة، وتصدير لمحاصيل بملايين الدولارات الى دول العالم والى السوق الاسرائيلية.

في تشرين الاول الماضي قرر الملك عدم تمديد هذه التسوية، فاوقع على صوفر الازمة الاكثر حدة في تاريخها. بعد وقت قصير من الفصح سيتعين على المزارعين ان يهيئوا الارض للموسم التالي. وتكلف التهيئة الاف  الدولارات للدونم الواحد. وبعد نصف سنة عليهم ان يخلوا المنطقة. حاولوا ان تتصوروا هذا بينكم وبين أنفسكم. الا يعرف المزارع اذا كانت الارض التي يخرج اليها اليوم ستكون له غدا ايضا.

فجأة ولد رمز

بعد بضعة ايام من بيان الملك كتبت هنا باستطراد عن الاجواء التي دفعته لان ينظف صوفر ونهرايم من الاسرائيليين. ضغوط شديدة من الرأي العام يصعب عليه الوقوف في وجهها. وموقف مستهتر من اسرائيل في الساحة العلنية، دفعه لان يعد هذا الخازوق. ومنذئذ وانظروا العجب، يوجد في القدس نحوه موقف اكثر احتراما. فقد باتوا في اسرائيل يدعون لوقف ضخ المياه له. ولكن ما العمل، والمياه التي نعطيها هي التزام قانوني في اتفاق السلام بينما في استعادته لصوفر ونهرايم لا يخرق شيئا. فالبند المتعلق بهما محدود مسبقا لـ 25 سنة. لم يأتِ القرار اياه فجأة. فقد حذر موظفون اردنيون اسرائيل قبل سنة ونيف مسبقا، بان هذا ما سيحصل. اما القشة التي قسمت ظهر البعير فكانت مشروع التحلية. وقع الطرفان قبل أربع سنوات على اتفاق مبدئي لاقامة منشأة تحلية في العقبة. وتقرر نهل 35 مليون متر مكعب كل سنة تضخ الى مزارعي العربا في اسرائيل. اما الباقي فيلقى بها الى البحر الميت. ومقابل هذه المياه تضخ اسرائيل الى الاردنيين الكمية ذاتها في انبوب يسير في شمالي البلاد. وهكذا توفر عليهم اقامة الانبوب من العقبة الى عمان.

بعد وقت قصير من التوقيع، قررت حكومة اسرائيل تجميد المشروع بدعوى أنه ليس اقتصاديا. ولم تجدي نفعا كل محاولات الاردنيين تغيير الموقف. وبين هذا وذاك وقعت سلسلة من الاحداث التي اخجلت الملك، وعلى رأسها الاستقبال الودود الذي ناله الحارس زيف موئيل لدى رئيس  الوزراء نتنياهو. وشعرت عمان بان القدس تستخف بها. وكانت لديها اوراق ناجعة قليلة لرد الضغط. وها هو حان الوقت للحسم في موضوع صوفر ونهرايم.

“الغمر والباقورة (وهما الاسمان العربيان لصوفر ونهرايم) اصبحا رمزا عندنا”، قال لي هذا الاسبوع مصدر اردني ضالع جدا في التفاصيل. رمز؟ بحياتك؟ أنا أعرف الخطاب السياسي بين عمان والقدس منذ بدايته في منتصف التسعينيات. لم يسبق أن ذكر القصر هذين الجيبين في سياق وطني حماس. الى أن جاء الشارع ودفعه نحو الحائط.

وفقا لكل المؤشرات من عمان، لا توجد نية لدى الاردنيين للتراجع. فالملك ورجاله قيدوا أنفسهم بتصريحات وطنية عن الجيبين، سيصعب عليهم التراجع عنها. قد يوافق على ابقائهما مقابل بدل ايجار بحيث يبررون الخطوة. وقد يرفضون. اما الان فليتعرق الاسرائيليون. العلاقات بين الاردني اسرائيل هي مبنى بلا مصعد. من أجل الصعود الى الطابق الثالث من الواجب المرور من الطابق الثاني. للتسوية في صوفر ونهرايم يوجد احتمال ما، فقط اذا ما وجدت مسألة باب الرحمة حلا لها، وعلى أمل ألا توجد مشكلة جديدة. ووراء الزاوية ينتظر الفصح، الذي في كل سنة تعصف الخواطر فيه في الحرم.

حافز لمعارضي اسرائيل

اسرائيل، التي تسعى منذ سنين الى ربط الدول العربية بها بكل طريقة ممكنة، والتي تغازل  الرياض، القاهرة وابو ظبي لتلقي بارقة عناق، تتبين هنا بكل ضعفها. هذا لا يعني أنها عرضت تقربا لدولة عربية ورفضت، بل اسوأ من ذلك، كانت في يدها قطعة حلوى واخذت منها بينما كانت تغفو في وضح النهار.

صوفر ونهرايم ليسا بارقة عناق أو بادرة طيبة للكاميرات. فهما تعبيران عن نية طيبة في الموقع الذي آخذة فيه النية الطيبة في الاضمحلال. أهميتهما اكبر من مجموع اجزائهما. وأخذهما من ايدي الاسرائيليين هو ميداليا على صدر رافضي السلام في المملكة. ومع هذا الحافز سيواصلون الضغط على الملك. وخلف الزاوية تنتظر منذ الان مسألة الغاز. وحتى قبل أن يعلن  عن قراره بالنسبة للجيبين، اضطر عبدالله الثاني لان يصد الرأي العام المعادي الذي يطالبه بالغاء الاتفاق لشراء الغاز الاسرائيلي. بالنسبة لاسرائيل، فان كميات الغاز هذه تافهة. اهميتها في أنها تربط الاردن بها. فاذا ما قام هناك ذات يوم نظام معاد، سيجد صعوبة في ان يعض اليد التي تطعمه.

شخص هو معرفة قديمة، شاب جدي ومطلع جيدا في الشؤون السياسية، كشف لي مؤخرا عن رأيه في الملك. فقد قال من الافضل أن يسقط وهكذا فقط ستتسرع اقامة الدولة الفلسطينية. في اراضيه، بالطبع. لقد كانت لديه حجج عقلانية في صالح الفكرة. وأعتقد أنه ألمح ايضا بان على اسرائيل أن تساعد عبدالله على انهاء مهام منصبه. اما أنا فقد بدت لي الفكرة خطيرة. فمن اللحظة التي يخلي فيه نظام كرسيه والى أن تقوم هناك الدولة الفلسطينية، اذا ما قامت على الاطلاق فسنتلقى داعش على حدودنا الاطول. فبدلا من دولة فلسطينية في  عمان ستكون هنا انتفاضة في ضفتي الاردن. في هذه التي عندنا وفي تلك ايضا.

غير أن الخيار الاردني يكتسب تأثيرا متزايدا في أوساط سياسية في الجانب اليميني من الخريطة، والتي لم تعد تعتبر هامشية. ويمكن أن نفهم لماذا. فهذا مخرج مثالي لمشكلة المستوطنات. سيقلل دراماتيكيا الضغط الدولي والفلسطيني على الاستيطان في يهودا والسامرة، وعمليا يمنحه انتصارا نهائيا. صحيح أنه طوباوي، ولكني ما كنت لاتجرأ على أن اتنبأ بان ليس له احتمال. جمال المستقبل في أنه مفاجيء.

كيف يرتبط هذا بصوفر ونهرايم؟ قرار الملك باستعادة الجيبين استقبل بارتياح ليس فقط في الشارع الاردني، بل ان مؤيدي الخيار الاردني في اسرائيل ابتسموا من تحت شواربهم برضى يعني “ألم نقل لكم” هم لا يحبونه ويريدونه ان يرحل. ولكن اذا كانوا امس هامشيين، واليوم اقل هاشية بقليل، فغدا سيكون لهم ممثلون في مراكز اتخاذ القرارات.

*     *    *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.