Take a fresh look at your lifestyle.

تقويم استراتيجي 2018- 2019 – الساحة الفلسطينية – أزمة وفيها فرص لاسرائيل

0 220

معهد دراسات الامن  القومي الاسرائيلي – بقلم  اودي ديكل –  31/1/2019

تعيش الساحة الفلسطينية أزمة عميقة بسبب سلسلة طويلة من العوامل المتداخلة، التي تغذي بعضها بعضا. والمركز هو الازمة حول قطاع غزة، التي تفاقمت جدا في السنة الاخيرة. في الواقع الحالي لا توجد في الافق “صيغة سحرية” لحل المشاكل السياسية، الامنية والانسانية في داخل القطاع، مع كل آثارها السلبية على منظومة العلاقات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. اضافة الى ذلك تعيش الساحة الفلسطينية في وضع من الوعي يستشرف “اليوم التالي لعباس (ابو مازن)”، مما يؤدي الى شل القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية. عامل آخر للازمة هو الفجوة، غير القابلة للجسر، بين فتح وحماس وعدم قدرة هاتين المنظمتين على تحقيق المصالحة بينهما. يضاف الى ذلك انعدام الثقة الفلسطينية بادارة ترامب، بعد أن حطمت هذه عدة فرضيات اساس في نهج الولايات المتحدة من النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. على هذه الخلفية، فان احتمالات التقدم لمبادرة سياسية بين الساحة الفلسطينية ودولة اسرائيل متدنية جدا، حتى عندما تضع ادارة ترامب (صفقة القرن) على جدول الاعمال.

اما حكومة اسرائيل من جهتها فتتمسك بسياسة ادارة النزاع، على اساس التقدير بانه لا يوجد مبرر وقدرة على تحقيق خطوات تنطوي على مخاطر امنية وسياسية قبل أن تتبين موازين القوى في الساحة الفلسطينية وفي الساحة الاقليمية، تتيح لاسرائيل تثبيت مصالحها. في ضوء الاحتمال المتدني لاحداث اختراق سياسي، تركز اسرائيل اساسا على اعطاء جواب للمخاطر الامنية. ولكن السياقات والميول في الساحة الفلسطينية تشير الى احتمالات تصعيد متزايد سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزة، الى جانب التهديد بان يحاول لاعبون اقليميون وعلى رأسهم ايران، تركيا ومنظمات السلفية الجهادية تسريع التدهور.

ردا على هذا التحدي المركب – الطريق السياسي المسدود، ضعف الساحة الفلسطينية واحتمال التصعيد – بلور معهد بحوث الامن القومي مخططا سياسية – أمنيا للساحة الاسرائيلية – الفلسطينية. غاية هذا المخطط هي تحسين الوضع الاستراتيجي لاسرائيل وفتح طيف من البدائل للانفصال السياسي، الديمغرافي والاقليمي من معظم السكان الفلسطينيين، في ظل استغلال المزايا الاستراتيجية لاسرائيل حيال خصومها في الساحة الاقليمية. مبادرة سياسية اسرائيلية ستحسن مكانة اسرائيل الدولية وقدرتها على استنفاد الفرص لاقامة علاقات رسمية بينها وبين الدول العربية السُنية البرغماتية. فضلا عن ذلك، فان الاستعداد المتجدد حسب الخطوات والقنوات المفصلة في المخطط المقترح يفترض ان تمنع الانزلاق الى واقع معقد لدولة اسرائيلية – فلسطينية واحدة، ويصمم واقعا سياسيا – أمنيا اكثر استقرارا يساعد اسرائيل على تحقيق رؤياها – دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة واخلاقية.

الازمة العميقة في الساحة الفلسطينية

تعيش الساحة الفلسطينية أزمة عميقة تفاقمت في اثناء العام 2018 بسبب سلسلة عوامل متداخلة تغذي بعضها بعضا: الطريق السياسي المسدود وعدم القدرة على تحقيق الاهداف الوطنية الفلسطينية؛ شلل الساحة الفلسطينية بسبب الترقب لليوم التالي لعباس، اضافة الى ضعفها الاساسي؛ الواقع الاقتصادي الاشكالي في الضفة الغربية والاخطر بقدر اكبر في قطاع غزة؛ الشرخ السياسي العميق بين السلطة الفلسطينية وبين حماس وازمة قطاع غزة؛ الازمة في العلاقات بين السلطة الفلسطينية وادارة الولايات المتحدة.

اليوم التالي لعباس – رغم أن محمود عباس يتولى المناصب المركزية الثلاثة  – رئيس م.ت.ف، رئيس السلطة ورئيس فتح – فان الساحة الفلسطينية تستعد عمليا لليوم التالي لرحيله. كل القوى الداخلية تستعد لتركه الساحة، على افتراض ان عمره المتقدم وحالته الصحية سيجعلان من الصعب عليه البقاء في منصبه على مدى الزمن. ليس لمعظم المرشحين “الطبيعيين” لخلافة عباس تأييد جماهيري واسع بما يكفي كي ينتخب اي منهم كبديل وحيد وهم يعتبرون في نظر الجيل الشاب المحبط وخائب الامل من قيادته كمن ينتمون الى “الجيل القديم” من القيادة الوطنية – الجيل الذي جاء من تونس، قيادة الخارج. ومع نزول عباس المرتقب عن المنصة تصعد ثلاث امكانيات: الاولى، قيادة جماعية من حركة فتح، في ظل توزيع الصلاحيات التي جمعها عباس في يديه. الثانية، في اطار حركة فتح ينتخب زعيم وحيد يجمع في يديه معظم مصادر القوة للحركة والسلطة؛ والثالثة، تقسيم الساحة في ظل تعزز مراكز السيطرة المحلية، على اساس الميل القائم في الضفة الغربية لتعزيز الاساس العشائري التقليدي الاقليمي، المنغرس في المجتمع الفلسطيني. وعليه فليس واضحا ماذا ستكون عليه آلية تبادل الحكم، اذا توجهت الساحة الفلسطينية الى انتخابات عامة، كيف ستنخرط حماس في هذه السياقات وكيف سيرد الشارع الفلسطيني.

ضعف الفكرة الوطنية – خيبة أمل واحباط يتراكمان بسبب الجمود السياسي المتواصل يقلصان مركزية الفكرة الوطنية الموحدة.فاستطلاعات الرأي العام التي اجريت في السنوات الاخيرة في اوساط الفلسطينيين من مراكز استطلاع فلسطينية تدل على سلم اولويات جديد يضع في مركزه مواضيع مثل الرفاه الاقتصادي وحقوق المواطن. تعبير آخر عن ذلك هو التآكل الواضح في تأييد فكرة الدولتين، ولا سيما بين الشباب الفلسطيني، الذي هو الهدف الوطني الفلسطيني المعلن، كما تبلور منذ مسيرة اوسلو وقاد التيار المركزي للساحة السياسية الفلسطينية.

الانقسام الفلسطيني الداخلي – مع سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007 والانشقاق السياسي الجغرافي بين القطاع وبين الضفة، يبدو ان حلم الساحة الفلسطينية الموحدة تفكك. فبعد فشل محاولات المصالحة المتكررة على مدى السنين، بما فيها المساعي بقيادة مصر في 2018، يصبح الانقسام حقيقة شبه منتهية. وعقب ذلك ونتيجة لنجاح حماس في تثبيت نفسها كالعنوان السياسي الحصري في قطاع غزة، تضعضعت مكانة السلطةالفلسطينية وم.ت.ف كالممثلين الشرعيين الوحيدين للشعب الفلسطيني.

الازمة في قطاع غزة – الوضع الانساني في قطاع غزة آخذ في التفاقم عقب آثار متواصلة للاغلاق الذي فرضته اسرائيل على المنطقة، واعاقة اعادة بناء البنى التحتية المدنية. في اعقاب قرار حماس اقامة ادارة ذاتية للقطاع فرض عباس عقوبات اساسها وقف تحويل الميزانيات لتوريد الاحتياجات الاساسية لسكان القطاع ودفع الرواتب. والمحاولات العديدة التي جرت في السنة الاخيرة لتحقيق مصالحة بين السلطة وفتح وبين حماس باءت بالفشل. عباس ليس مستعدا لان يتراجع عن مطلب السيطرة الكاملة في القطاع بما في ذلك الجانب الامني وفقا للرؤيا المبدئية لـ “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”.

ابتداء من ربيع 2018 استغلت حماس التوجهات المدنية لمظاهرات الاحتجاج على طول الجدار الحدودي بين القطاع واسرائيل برواية “مسيرة العودة”. واصبحت هذه مظاهرات اسبوعية عنيفة ومواجهات على حدود القطاع تضمنت قطعا للسياج، تسللا الى الاراضي الاسرائيلية، القاء للعبوات والقنابل اليدوية نحو استحكامات الجيش الاسرائيلي على خط الحدود، الاضرار بالجرافات وباليات بناء العائق التحت ارضي على طول الحدود واطلاق البالونات والطائرات الورقية الحارقة التي تسببت بمئات الحرائق في النقب.  كل هذه بهدف “كسر الحصار” على غزة.  

كنتيجة للمظاهرات وقتل عشرات الفلسطينيين نشبت جولات تصعيد محدودة، اطلق خلالها مئات الصواريخ وقذائف الهاون نحو بلدات غلاف غزة. ولعبت مصر بقيادة الرئيس السيسي دور “الراشد المسؤول” وابدت نشاطا حثيثا لتهدئة المنطقة، حتى تثبتت كعامل ناجم وحيد تقريبا لمنع التدهور الى مواجهة عسكرية بقوة عالية بين الطرفين. وفتحت مصر مسار حوار من ثلاث مسالك: الاول، مسار غير مباشر للبحث في تسهيلات في الاغلاق على القطاع ووقف النار بين حماس والجهاد الاسلامي واسرائيل؛ الثاني للمصالحة الفلسطينية الداخلية بين السلطة وحماس؛ والثالث – لتبادل الاسرى/السجناء وجثماني الجنديين الاسرائيليين بين اسرائيل وحماس.

في اعقاب الوضع المتفاقم في القطاع عملت مصر مع مبعوث الامم المتحدة نيكولاي ملدنوف على تحقيق “تسوية”، تثبت استقرار الوضع لزمن طويل. وشاركت قطر هي الاخرى في الاتصالات بسبب دورها في تمويل القطاع. وفي السياق تغيرت “التسوية” الى “تفاهمات”، معناها اقل من الاتفاق الرسمي كي يتمكن الطرفان من التوصل الى توافقات دون اعتراف متبادل. وكانت الوساطة المصرية مطلوبة للتوازن بين اضلاع المثلث – اسرائيل، حماس والسلطة الفلسطينية. الضلع الاول – تسوية بين اسرائيل وحماس، معناها المس بمكانة السلطة كممثل حصري للفلسطينيين، وتخليد حكم حماس في قطاع غزة؛ الضلع الثاني – المعركة ضد “الحصار” بقيادة حماس تخدمها ليس فقط في الكفاح لتحسين الوضع الانساني في القطاع بل وايضا في الكفاح الداخلي ضد فتح والسلطة، لقدرتها على احراج اسرائيل واظهار قدرات حماس في قيادة “الكفاح الشعبي”.  فاذا تحققت تسوية مصالحة فلسطينية داخلية، ستتضرر قدرة اسرائيل على الفصل بين القطاع والضفة؛ اما الضلع الثالث فهو بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية – في تطلعها للهدوء الامني في القطاع عرقلت اسرائيل مساعي عباس “لتركيع حماس” وامتنعت عن تحقيق مسيرة مع السلطة واعتبارها شريكا للتسوية السياسية.  

بداية أدارت مصر الاتصالات للتسوية بين حماس واسرائيل متجاوزة السلطة الفلسطينية ودون اشتراط بالمصالحة الداخلية. ولكن الرئيس عباس عمل على احباط تسوية منفصلة بين حماس واسرائيل في ظل المواجهة مع مصر ومحافل في الاسرة الدولية تشارك في الاتصالات وهددت بوقف تام لمساعدات السلطة في غزة. وفي النهاية تضمنت “التفاهمات” وقفا للنار مقابل تخفيف الحصار، اعمار القطاع واعادة حكم السلطة الفلسطينية تدريجيا الى القطاع. اما تنفيذ صفقة الاسرى والجثث والمفقودين ففي المرحلة الثانية التي يفترض أن تتضمن مشاريع بنية تحتية لغزة لخلق عشرات الاف اماكن العمل بتمويل الاسرة الدولية، وربما اقامة معبر بحري بين غزة وقبرص او العريش.

حدث تصعيد في تشرين الثاني  2018 في اعقاب اشتباك بين حماس وقوات من الجيش الاسرائيلي في داخل القطاع وكان وقع في ظل تنفيذ المرحلة الاولى من التفاهمات: حماس قلصت العنف على الجدار، اسرائيل وسعت مجال الصيد وادخلت الوقود بتمويل قطري وسهلت عبور البضائع الى القطاع، اما قطر، باذن اسرائيل، فحولت الى القطاع مبلغا شهريا بمقدار 15 مليون دولار لدفع رواتب موظفي حماس، فيما ابقت مصر معبر رفح مفتوحا للاشخاص والبضائع.

على اسرائيل ان تعطي أولوية لمصالحها بعيدة المدى، على حساب المصالح قصيرة المدى من الهدوء والتهدئة. ومن الافضل لاسرائيل ان يجري اعمار القطاع عبر السلطة كي تكون هي وليس حماس من يجني ثمار الاعمار في نظر الجمهور الفلسطيني. ولهذا فان عليها أن تضع غاية مشتركة مع السلطة الفلسطينية، مصر وجهات ذات صلة في الساحة الدولية. وتستهدف هذه الغاية تخفيف الضائقة الانسانية في القطاع وتطوير البنى التحتية، شريطة اعادة حكم السلطة الى القطاع. وهذا العمل المشترك سيخلق رافعة ضغط هامة على حماس ويقيد قدرتها على المناورة. كما أن دور قوة دولية في القطاع يشكل عامل لجم لحماس ويرفع ثمن الخسارة بالنسبة لها اذا اختارت العودة الى المقاومة العنيفة. وبالتالي فان على اسرائيل ان تساعد مصر في مساعيها للمصالحة الفلسطينية الداخلية، وذلك بهدف تعزيز سيطرة السلطة في غزة كجهة مسؤولة وتحديدها كعنوان لتحقيق التسوية السياسية. وفي ضوء التقدير بان حماس لن تتخلى عن قوتها العسكرية، فآجلا ام عاجلا، لن تتمكن اسرائيل من الفرار من حملة عسكرية في قطاع غزة لتفكيك قدراتها العسكرية.

الواقع الاقتصادي- الوضع الاقتصادي في الضفة افضل بلا مقياس منه في القطاع، ولكن الاقتصاد هناك لا يزال يعاني من مشاكل اساسية. فالاقتصاد الفلسطيني متعلق بالمطلق باسرائيل. نحو 1.300 عامل فلسطيني يرتزقون من العمل في اسرائيل (بعضهم بدون تصاريح قانونية) وفي المناطق الصناعية في المستوطنات. ويصف تقرير الصندوق الدولي التدخل الاقتصادي والانساني والاجتماعي في قطاع غزة – معدل البطالة نحو 70 في المئة، و 50 في المئة دون خط الفقر وتراجع القطاعات الانتاجية. وفي الضفة يصف التقرير التردي في معطيات النمو (نحو 2 في المئة) في العام 2018. وعجز السلطة الفلسطينية يصل في نهاية السنة الى 8.2 في المئة من الناتج المحلي الخام (نحو 1.24 مليار دولار). وذلك بسبب عجز سنوي جاري بنحو 600  مليون دولار في تحويلات المساعدات من الدول المانحة.

وتتمثل الازمة الاكبر في اوساط الجيل الشاب المتعلم حيث البطالة العالية وعدم القدرة على تحقيق الذات في اماكن عمل مناسبة وبأجر مناسب. وعلى هذه الخلفية نشأت ازمة ثقة خطيرة بين الناس وبين القيادة، سواء في السلطة أم في حماس، ويتعاظم البحث عن افكار بديلة لافكار القيادات في الحقل  السياسي. وفي هذا السياق تعاظم التأييد لفكرة الدولة الواحدة الاسرائيلية – الفلسطينية ذات الحقوق المتساوية والكاملة لمواطنيها.

ابتعاد ادارة ترامب من السياسة الامريكية التقليدية تجاه النزاع الاسرائيلي الفلسطيني – يشكك الرئيس ترامب بالمباديء الاساسية من الموقف الفلسطيني بشكل غير مسبوق مقارنة بسياسة الادارات الامريكية السابقة. فقد شطب عن جدول اعمال المفاوضات مسائل اشكالية وهكذا حطم الطريق السياسي الفلسطيني ولا سيما ما يعتبره معيقات في طريق المسيرة السياسية.

اعترف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الامريكية الى المدينة؛ قلص الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية؛ أوقف الدعم لوكالة الغوث العاملة برعاية الامم المتحدة والتي تخلد مكانة اللاجئين الفلسطينيين وبالتالي مشكلة اللاجئين؛ شطب الفيتو الفلسطيني عن اقامة علاقات رسمية وطبيعية بين اسرائيل والدول العربية المقربة من واشنطن. واغلق ممثلية م.ت.ف في واشنطن. واضيف الى هذا ما وعد به من “صفقة” دون التعهد بانها ستتضمن دولة فلسطينية ذات سيادة واخلاء مستوطنات. وتعتقد القيادة الفلسطينية بان هذا يخدم مصالح اسرائيل وبالتالي قاطعت الولايات المتحدة على اعتبار انها فقدت مكانتها كوسيط نزيه.

طريق مسدود ومستقبل غامض

ان انعدام القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية سواء في الجانب الفلسطيني ام في الجانب الاسرائيلي سيمنع كل مبادرة للتقدم السياسي والخروج من الازمة الانسانية والسلطوية في قطاع غزة. وتركزت قيادة الطرفين – السلطة واسرائيل – في المجال المريح المسمى الوضع الراهن الذي لا يتطلب اتخاذ قرارات قاسية بل مواصلة ادارة النزاع. فالقيادة الفلسطينية اوضحت انها لن تتعاطى مع اقتراحات ادارة ترامب ورئيس وزراء اسرائيل نتنياهو يفضل تأجيل عرض الخطة الامريكية  الى ما بعد الانتخابات في اسرائيل واتضاح مسألة خليفة عباس. كما أن الدول العربية أبعدت نفسها بأدب عن هذا الموقف من حل النزاع. وبالتالي من الصعب ايجاد جهة جدية تتعاطى مع صفقة القرن الامريكية.

من تصريحات وافعال الادارة الامريكية يتبين موقف اقرب الى اسرائيل في أن الفلسطينيين لا يستحقون دولة بسيادة كاملة على حدود 1967. وتؤكد رسائل ادارة ترامب على أن فكرة التسوية الشاملة فشلت وبالتالي مطلوب نهج جديد لتعريف شروط النزاع واعمال حقيقية لتغيير الوضع.

ومن ناحيتها فان اسرائيل قلقة على استقرار الساحة الفلسطينية بعد عباس. لان الفوضى تهز استقرار العلاقات في ساحة النزاع وتؤدي الى تصعيد  الارهاب. ومن شأن لاعبين اقليميين على رأسهم ايران، تركيا ومنظمات سلفية جهادية استغلال الفرص لزيادة عدم الاستقرار. وفي نظرهم فان رحيل عباس هو فرصة لضرب الساحة الفلسطينية واعادة تصميمها مع تفضيل حماس، مما يخلق تهديدا امنيا، اقتصاديا وديمغرافيا حقيقيا على اسرائيل.

الى اين تؤدي الميول؟

بحث واسع النطاق اجراه معهد بحوث الامن القومي عن سيناريوهات الساحة الاسرائيلية – الفلسطينية:  التحديات الاستراتيجية والردود الممكنة، تبين أن هناك ثلاثة اوضاع اساسية محتملة لمستقبل السلطة الفلسطينية: سلطة تؤدي وظائفها وتتعاون – مثل الوضع الحالي اليوم؛ سلطة معادية – تكون عنوانا سلطويا ولكنها لا تتعاون مع اسرائيل وتسمح باعمال ارهاب في نطاقها؛ سلطة ضعيفة حتى فاشلة – حين تكف  عن اداء مهامها وتفقد احتكارها للقوة ولا تكون سلطة مركزية مما يؤدي  الى تصعيد واسع.

لاسرائيل مصلحة حقيقية في وجود سلطة فلسطينية مسؤولة، مستقرة وتؤدي وظائفها بفاعلية،  يوجد معها تعاون أمني يستند الى مصالح متطابقة ضد الارهاب وضد حماس. فتعزيز عنصر الدولة في الساحة الفلسطينية وبناء مؤسسات هي عناصر كابحة وفي هذا السياق هي مصلحة اسرائيلية. ومع ذلك، فان السياقات التي وصفت أعلاه تقلص احتمال استقرار سلطة مسؤولة، مؤدية لوظائفها وتتعاون مع اسرائيل، ولا سيما طالما لا يوجد اختراق سياسي واذا تضررت المساعدة الخارجية المحولة اليها. وحسب التقدير فان احتمال انفجار العنف في الضفة ارتفع مؤخرا طالما كانت حماس بتشجيع ايران وتركيا تفهم بان بوسعها تصعيد هجمة الارهاب في الضفة وفي نفس الوقت تكون في وضع هاديء نسبيا في القطاع. وذلك  على خلفية المس بمكانة عباس السياسية، فقدان شرعيته في نظر الجمهور الفلسطيني، علاقاته المهتزة مع رؤساء الدول العربية وكذلك  عقب حالته الصحية.

سياسة اسرائيل: معان وتوصيات للعام 2019

سلمت حكومة اسرائيل انه لا يمكن التوصل حاليا الى تسوية شاملة مع الفلسطينيين وذلك لعدة اسباب: غياب قيادة فلسطينية يمكنها الاتفاق مع اسرائيل وتطبيقه؛ حكومة اسرائيلية تستند  الى ائتلاف يميني بعضه يعارض الاتفاق الذي ينطوي على حل الدولتين للشعبين، حاليا على الاقل؛ فوارق غير قابلة للجسر في مواقف الطرفين في المسائل الجوهرية للاتفاق الدائم – عدم مرونة في المطالب الفلسطينية في مسائل اللاجئين وحق العودة، تقسيم القدس، الاعتراف باسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي وحل الدولتين القويتين؛ الانشقاق في المعسكر الفلسطيني؛ وحقيقة ان اسرائيل فقط يمكنها أن تمنع سيطرة حماس على الضفة الغربية.

في 2018 يكون مر 25 سنة على اتفاق اوسلو. على مدى السنين اتخذت السياسة الاسرائيلية خط المفاوضات مع م.ت.ف ومكافحة ارهاب حماس. اما في السنة الاخيرة فطرأ تغيير على هذه السياسة، اذ اختارت حكومة اسرائيل عزل السلطة الفلسطينية والتفاوض (غير المباشر) مع حماس على تسوية/تفاهمات في القطاع. وترافق هذا التغيير في السياسة الاسرائيلية برد قاس على ارهاب حماس في الضفة في كانون  الثاني 2018، حين دخلت قوات الجيش الى المؤسسات الرسمية للسلطة في المنطقة. والمعنى هو اضعاف كبير للسلطة واعطاء شرعية لحماس، التي لا تعترف باسرائيل، وتلتزم بابادتها وتجبي تنازلات من اسرائيل من خلال ممارسة القوة والارهاب. المخاطر التي تنطوي عليها هذه المسيرة كثيرة ولكن اسرائيل  تبث عمليا رسالة ان الارهاب مجد.

اضافة الى ذلك تطبق حكومة اسرائيل اليوم عمليا سياسة ادارة النزاع، وفي قلبها فكرة استراتيجية بان الزمن يعمل في صالحها، وان لا داع لسياقات تنطوي على مخاطر قبل أن تتبين موازين القوى في الساحة الفلسطينية وفي العالم العربي بشكل عام. والتركيز هو على مواجهة التحديات الامنية في  ظل تغيير الوضع على الارض من خلال تعزيز المستوطنات، الى جانب اعداد البنية القانونية والدستورية لاحلال القانون الاسرائيلي وضم مناطق في يهودا والسامرة.

في بحث السيناريوهات للمعهد تبين ان كل طيف البدائل يتجمع في نهاية المطاف في وضعين نهائيين مبدئيين: دولتان أو دولة واحدة. اما استمرار الوضع القائم وكذا سيناريوهات احلال القانون الاسرائيلي في الضفة الغربية وضم المناطق فمعناه الانزلاق الى واقع الدولة الواحدة. وهذا اتجاه يتعارض مع فكرة اسرائيل يهودية وديمقراطية آمنة واخلاقية. وهكذا في حالة استمرار هذا الواقع فان امكانية التقدم نحو الانفصال وتحقيق اتفاق الدولتين آخذ في الاختفاء.

لفكرة الدولة الواحدة، يوجد مؤيدون بين اليهود والعرب من سكان اسرائيل وفي المجتمع الفلسطيني ولا سيما بين الشباب. ومع ذلك، فان هذا التأييد يتجاهل حقيقة أنه يوجد بين النهر والبحر جماعتان قوميتان دينيتان متميزتان ليس لهما نية وقدرة على الامتزاج في مجتمع واحد منسجم واحد. ليس هناك سابقة تاريخية ناجحة لذلك. والاخطر من ذلك هناك خطر الانزلاق الى دولة واحدة مع اغلبية عربية تعرض للخطر استمرار المشروع الصهيوني.

نشدد  هنا على أنه وفقا لاستطلاعات الرأي العام فان اغلبية الجمهور في اسرائيل تطلب الانفصال  عن الفلسطينيين ولا تزايد تؤيد حل الدولتين للشعبين. يمكن التقدير بان تأييد الانفصال والاستعداد لدفع ثمنه سيزداد عندما يفهم الجمهور الاسرائيلي معنى الدولة الواحدة المتساوية او أن تنشأ عندها مقاومة فاعلة حتى لهذه الامكانية. ومعنى هذه المقاومة هي هجر حلم بلاد اسرائيل الكاملة، تجميد البناء في المستوطنات المنعزلة بل وربما اخلائها في المستقبل. في كل الاحوال، لا امل في أن يوافق المجتمع الاسرائيلي على مساواة حقوق كاملة للمواطنين الفلسطينيين في اطار دولة واحدة. وكل محاولة لخلق وضع من المساواة سيخلق اضطرابا جراء الكفاح الفلسطيني الدائم لسد الفوارق. وفي هذه الحالة سينجرف الصراع العنيف الى حرب اهلية في الدولة اياها.

في هذه الاثناء تعمق اسرائيل سيطرتها العسكرية في المناطق وتوسع البناء في المستوطنات. وبالتالي تتقلص الخيارات المستقبلية لاسرائيل ويتكون واقع معقد اساسه عدم القدرة على الانفصال. وفي هذه الاثناء تتسع ايضا الفجوة بين اسرائيل والجاليات اليهودية الكبرى في العالم.

مع كل هذا، ترى حكومة اسرائيل في النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ساحة ثانوية بالنسبة للتهديد الايراني في الساحة الشمالية حيث عدة مصالح اساسية: الاول – الاستقرار والهدوء الامنيي يستندان الى ادارة معركة لتفكيك شبكات الارهاب في الضفة الغربية والتعاون الامني مع الاجهزة الفلسطينية والجهود لتحسين الوضع الاقتصادي ونسيج حياة الفلسطينيين في الضفة تقليصا لدوافع الارهاب والعنف.

الثاني – سلطة فلسطينية مسؤولة ومتعاونة – عنوان واحد يتم التعاون معه، في الاهتمام بالسكان ومقاومة حماس وتدخل جهات مثل ايران والتزام بالتنسيق مع اسرائيل والتعاون الامني معها.

الثالث – استمرار العزل بين الضفة والقطاع وتقليص النفوذ السلبي للقطاع وحماس في الضفة.

الحاجة الى أخذ المبادرة وتصميم واقع محسن لاسرائيل

حدد معهد البحوث مخططا للساحة الاسرائيلية – الفلسطينية، وله هدفان: تحسين الوضع الاستراتيجي لاسرائيل وفتح روافع محتملة لها للمستقبل، والثاني منع الانزلاق الى واقع الدولة الواحدة. لغرض الحفاظ على اسرائيل يهودية، ديمقراطية، أمنة واخلاقية. توجد اسرائيل في وضع استراتيجي يوفر لها فرصة لتثبيت مستقبلها. فبدلا من واقع الانزلاق الى دولة واحدة، يجب اتخاذ سياسة نشطة استنادا الى تفوقها الاستراتيجي. واساس مبادىء المخطط هي التالية:

1. مرونة كبيرة . 2. التعاون الامني مع أجهزة امن السلطة. 3. تثبيت وعرض المصالح السياسية، الامنية والاقليمية لاسرائيل في الضفة.

اعادة تنظيم منطقة الضفة

أولا، تنقل اسرائيل الى السلطة الفلسطينية صلاحيات امنية في المنطقة ب، مثلما في المنطقة أ، وتتيح تواصلا للمناطق الفلسطينية بحيث ينشأ مجال فلسطيني موحد (أ و ب) ويكون هذا اساس للدولة الفلسطينية المستقبلية، في حدود مؤقتة. وتقع هذه المنطقة على قرابة 40 في المئة من مساحة الضفة، ويسكن فيها اكثر من 95 في المئة من السكان الفلسطينيين.

ثانيا، تخصص اسرائيل حتى 25 في المئة من مناطق ا لضفة من المنطقة ج لتطوير بنى ومشاريع اقتصادية لتشجيع الاقتصاد الفلسطيني، ونقل مناطق مأهولة بالفلسطينيين من خارج حدود المناطق ب الى المنطقة ج  – الى السيطرة الفلسطينية. ويتم التعاون مع الاسرة الدولة لاقامة مشاريع صناعة وطاقة خضراء، سياحة وتكنولوجيا وبناء للسكن وما شابه. في المرحلة الاولى لا تنقل اسرائيل الصلاحيات الامنية والتخطيطية للفلسطينيين في مناطق التطور هذه، ولكن هذه تكون “على الرف” تنقل بالتدريج الى السلطة على اساس الاداء الناجع والتعاون.

ثالثا، في المجال الفلسطيني يكون تواصل اقليمي وتقام شبكة مواصلات متواصلة من شمال الضفة حتى جنوبها، بحيث يقل الاحتكاك اليومي بين الجيش الاسرائيلي، المستوطنين اليهود والسكان الفلسطينيين، وتزال الموانع عن تنمية الاقتصاد الفلسطيني.

وأخيرا، تعمل اسرائيل على استكمال الجدار الامني، الذي سيرسم ايضا خطوط الانفصال والمصالح الاقليمية لاسرائيل في المستقبل. اضافة الى ذلك يتحدد 20 في المئة من مناطق الضفة كمجال أمني خاص بسيطرة امنية مطلقة لاسرائيل تضم غور الاردن حتى محور الون، محاور ومواقع استراتيجية.

تبني سياسة البناء المتفاوت في يهودا والسامرة – يتواصل البناء في الكتل الاستيطانية مقابل تجميد البناء في المستوطنات المنعزلة.

تعزيز البنى التحتية، قدرة الحكم واقتصاد السلطة الفلسطينية- تتم اعمال تدريجية بمساعدة دولية لتحسين أداء السلطة وتوسيع صلاحياتها. بما في ذلك تخصيص مناطق في المنطقة ج للتنمية الاقتصادية والبنى التحتية فيها وبناء قاعدة لدولة فلسطينية تكون قادرة في المستقبل على اداء مهامها ومستقلة.

تعزيز شرعية ومكانة اسرائيل الدولة والاقليمية – وذلك من خلال اثبات جدية نواياها في التقدم نحو واقع الدولتين وتحقيق التعاون الاقليمي في الجانب الامني، السياسي والاقتصادي البنيوي.

حل مشكلة قطاع غزة ليس شرطا مسبقا للتقدم في هذا الاطار. ويتم تجنيد جهود دولة لتحسين الوضع الانساني في القطاع واعادة بناء البنى التحتية في المنطقة، مقابل اقامة آلية دولية تعمل على وقف البناء العسكري لحماس وغيرها. على اسرائيل أن تعمل في هذا الموضوع بالتوازي مع تطبيق الاطار في الضفة حتى وان كان بشكل مستقل. كما على اسرائيل ان تعمل على توفير الظروف التي تسمح بعودة السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة.

في نهاية المطاف، لن تكون الظروف المحيطة باسرائيل كاملة. هناك حاجة الى الصبر وطول النفس. الان هو الوقت لانتهاز اسرائيل الفرصة لنفض عبء السيطرة على السكان الفلسطينيين عنها وتصميم الظروف لحل واقع الدولتين. والمبادرة الاسرائيلية لتحقيق ذلك ستتم بدعم دولي للخطوات التي تتخذها اسرائيل تحقيقا للتسوية وبالتوازي تسمح لها بعملية الانفصال الذاتي اذا لم تعطي الاتصالات مع السلطة الفلسطينية ثمارها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.