Take a fresh look at your lifestyle.

تقدير استراتيجي – الانقسام الفلسطيني الداخلي كمحدث تغيير في النزاع مع اسرائيل

0 63

بقلم: يوحنان تسورف، معهد دراسات الأمن القومي ٢٦-٢-٢٠١٩

يصمم النزاع مع اسرائيل منذ أكثر من مئة سنة طبيعة المجتمع الفلسطيني. فقد كان الاساس للتضامن وللواقع الداخلي الذي تطور بين عناصره ومصدر الفكرة الذي صممه ككيان وطني. فالرواية التي انتقلت من الاب الى الابن وان كانت تواصل توحيد كل مركبات المجتمع الفلسطيني الا انها آخذة في الانشراخ كلما كانت الاقوال في موضوع الحفاظ على المباديء الوطنية والولاء للطريق تصطدم مع مواقف عملية تعبر عن قيود القدرة الذاتية. فالتاريخ الفلسطيني وان كان مليئا بالخلافات، الازمات والخصومات حتى قبل وصول الحركة الصهيونية الى هنا الا انه يخيل أن الاحتكاك المستمر مع اسرائيل منذ الهجرات الصهيونية الى البلاد عظم التحدي الذي يواجهه وأثار توترات عديدة في داخل المجتمع الفلسطيني. فقد وقف هذا في البداية مندهشا وعديم الوسيلة في ضوء المبادرة والنشاط الصهيونيين، وجد صعوبة في خلق قواسم مشتركة توجه الجمهور حول هدف مشترك، وكلما مر الوقت كبر التحدي، تعاظمت الخلافات واحتدمت مصاعب التصدي له.

لقد أدت هذه الخصومات الى تشتيت القوة واضعفت جدا المقاومة للتواجد اليهودي. ووحدها اقامة حركة فتح وسيطرتها على م.ت.ف، التي كانت حتى ذلك الوقت تحت سيطرة الدول العربية، خلقت لاول مرة عنوانا فلسطينيا واحدا. شعار “م.ت.ف – الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني” لم يكن أمرا لا يؤبه له، بل انجاز هائل في نظر الكثير من الفلسطينيين. فقد عبر ليس فقط عن تغيير في انماط الصراع مع اسرائيل بل وعن احساس وحدة الهدف والتضامن الداخلي الذي اعتبر حتى ذلك الحين هدفا غير قابل للتحقق.

لقد تمتعت حركة فتح محدثة التغيير على مدى السنين بمكانة الاولى بين المتساوين، مكانة الاخت الاخرى واحد لم يشكك بهيمنتها ومعظم الجمهور تماثل مع الاهداف الوطنية التي وضعتها. أما الواقع الذي يكون فيه جسم فلسطيني آخر في شكل حماس، تنجح في تحديها بل وتشكيل بديل لحكمها، هو واقع جديد نسبيا. يقسم هذا الواقع الشعب الفلسطيني الى اثنين، يبرز الفوارق بين المعسكرين ويشوش البعد العشائري – المحلي الذي كان سائدا اكثر في الماضي. حتى 1987 لم يكن هناك من يتحدى هيمنة فتح، التي اعتبرت كمن تعبر عن الصوت الفلسطيني العام. اما التحدي الذي شكلته حماس فقد شكك ايضا بوحدانية م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني وطرح بديلا لهيمنتها. وجاء انتصار حماس في انتخابات 2006 ليكشف المكانة شبه المتساوية لهاتين المنظمتين في الجمهور، والتي لم يكن ممكنا تقدير كميتها في الاعوام 1987 – 2000.

ان الانقسام الفلسطيني الداخلي في الصيغة المعروفة منذ 1987 والاحتكاك الذي يخلقه بين المعسكرين يحدثان تغييرات في مواقف الطرفين بالنسبة للنزاع مع اسرائيل وبالنسبة للدفاع لمواصلة القتال ضدها. والانقسام اقوى بكثير من الاحتكاك المباشر بسبب الضعف الداخلي الذي يكشفه بين الطرفين الصقريين والاعتراف المتعزز في السنوات الاخيرة ولا سيما في حماس بعدم قدرتها على حل المشكلة الفلسطينية دون التعاون مع خصمها. وعليه فان الدعوة للمصالحة ووحدة الصف موجهة من كل اجزاء المجتمع نحو هذين الخصمين.

الانقسام – نوع من الوطنية؟

“منذ متى يكون الانقسام نوعا من الوطنية؟” يصرخ منشور لحماس نشر في 18 آب 1988، بعد بضعة ايام من اعلان الملك حسين عن فك ارتباط الاردن عن الضفة الغربية. فقد رأى واضعو المنشور في الخطوة الاردنية عملا يمس بوحدة الصف العربي ويترك الفلسطينيين وحدهم امام اسرائيل.  وقدرت حماس منذ الاشهر الاولى من الانتفاضة الاولى بانه في نظر التيار الوطني لا يدور الحديث عن خطوة غايتها تحرير فلسطين من البحر حتى النهر، مثلما كان دارجا التفكير حتى ذلك الحين بل اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل.

وذلك بينما مجدت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة التي جمعت كل فصائل م.ت.ف في بيان  نشر في 5 آب 1988 فك الارتباط الاردني عن الضفة الغربية ورأت فيه احد الانجازات الاهم “للانتفاضة الشعبية الكبرى”، والذي جاء لتعزيز مكانة م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني. وبعد بضعة اسابيع من ذلك شجبت القيادة في بيان آخر (6 ايلول 1988)، حماس لمحاولاتها تحديد جدول أعمال خاص بها وفرض ايام اضراب اخرى على الجمهور بشكل “يخرب  الصف، يمس بالوحدة ويضعف الكفاح المشترك”. كما دعا البيان حماس الى الاتحاد “مع الموقف الكفاحي”. بيان آخر نشر في 20 تشرين الثاني 1988 بعد بضعة ايام من اعلان الاستقلال الفلسطيني يتوجه الى حماس من موقف سيادي ويقول: “تتوجه القيادة الى بضعة عناصر اصولية بطلب تفضيل المصلحة الوطنية… لشعبنا… على فرضياتها ومصالحها الفئوية…”.

الحقيقة هي أن محدثي الانتفاضة لم يقصدوا ابدا تقسيم الجمهور الفلسطيني. فقد بحثوا عن سبيل جديد، بديلا للقوة الفلسطينية التي ضاعت وللتشتت الكبير الذي انتجته حرب لبنان الاولى (1982)، بعد طرد م.ت.ف من لبنان. فقد بقيت الساحة الفلسطينية عمليا مع قيادة مشتتة، ضعيفة، بعيدة عن مراكز الاحداث وعرضة لانتقاد لاذع من الداخل على الواقع الفلسطيني الداخلي الصعب.

لقد كان قادة الانتفاضة، من خريجي السجن الاسرائيلي والاكاديميين، في معظمهم ذوي هوية سياسية وطنية من حركة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية، ممن بحثوا عن سبل جديدة لكفاح اكثر نجاعة ضد اسرائيل مما في الماضي. واستغل بعضهم تواجدهم في السجون للدراسة وتحصين التحصيل العلمي. وابدوا اهتماما بتاريخ الحركة الصهيونية ما أدى بهم الى الاعتراف باهمية الراي العام في اسرائيل وتأثيره على الحكومة في عملية اتخاذ القرارات. كما تعرفوا على اهمية منظومة العلاقات الدولية مع التشديد على العلاقة الخاصة بين اسرائيل والولايات المتحدة وعلى الاسناد من جانب الاسرة الدولية، التي واصلت مطالبة الفلسطينيين وضع السلاح والاستجابة للدعوات الاسرائيلية للتسوية السلمية.

هنا بدأ عمليا صراع الجبابرة بين فصيلي فتح وحماس، بينما كان الجمهور كله يعيش احساسا بسمو الروح والتفاؤل في ضوء الاخوة والوحدة التي ظهرت امام ناظريه. وعمق الصراع الناشيء بقدر ما برزت الفوارق بين الفصيلين وبقدر ما نجحت حماس في تعزيز مكانتها كبديل للفكر الذي قادته فتح. حتى ذلك الحين تمتعت فتح بمكانة اجماعية. فقد وصفت نفسها كحركة وطنية ورفضت تبني أي ايديولوجيا اجتماعية، اقتصادية او دينية. فقد سعت لان تكون بيتا لكل فلسطيني. وبالمقابل، فقد نجحت حماس في اقناع الكثيرين بانه يوجد بديل ديني – وطني اكثر تماسكا واكثر صمودا. ففي كتاباتها ورسائلها شددت حماس على كونها فلسطينية واسلامية في نفس الوقت. ولم تخشى النقد الذي وجهه له خصومها من منظمة فتح بان اسمها لا يحمل على الاطلاق كلمة فلسطين. وفلسطين لا توجد على رأس اهتمامها، بل اسلمت المجتمع الفلسطيني.

بلغت هذه الخصومة ذروتها مع اعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر (15 تشرين الثاني 1988) عندما وقعت انعطافة أكدت في نظر حماس كل المخاوف التي عشعشت بين رجالها حتى ذلك الحين. فلم يعد بعد اليوم طرد اسرائيل من المنطقة، ولم تعد بعد اليوم دولة فلسطينية بين البحر والنهر. ولم يعد بعد اليوم لا للاعتراف و “ثورة حتى النصر” بل دولة الى جانب اسرائيل على اساس التعاون، الجيرة الطيبة والتطبيع. باعلان الاستقلال اوضح المجلس الوطني الفلسطيني عمليا بانه يقبل مشروع التقسيم الذي رفض في العام 1947 ويسعى الى اقامة دولة الى جانب دولة اسرائيل في ظل الايضاح باحترام كل قرارات مجلس الامن والجمعية العمومية للامم المتحدة. وهذه تتضمن كما هو معروف قرارات سبق أن رفضتها م.ت.ف مثل 242 و 338، اللذين يدعوان الى انسحاب اسرائيل من كل الاراضي  التي احتلت في 1967 او بعضها. وتحدث المسؤولون الفلسطينيون بوضوح عن حدود 1967 واعربوا عن الرغبة في اطلاع الاسرائيليين بذلك.

وعززت مظاهر التأييد الكثيرة ومهرجانات النصر التي عقدت في ارجاء القطاع والضفة تعزيزا للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. في نظر الكثيرين ممن رأوا في م.ت.ف الممثل الوحيد لهم كانت هذه خطوة صحيحة في أعقاب الاهتمام الشديد الذي اثارته في الاسرة الدولية والتوقع المتعاظم في رد اسرائيلي. لقد كانت حماس يقظة ولم تتجاهل التأييد الواسع لخصمها. وكان الاحساس بان التحدي الذي  تقف امامه اكبر مما كان قبل الاعلان، بسبب الصراع الذي يتعين عليها أن تديره كي تكسب قلب الجمهور. ولهذا فقد قامت حماس بمحاولة دمج فكرة الدولة في خطوط 1967 في فكرها الاسلامي. وكان الموقف الذي بلورته هو اقامة دولة شريطة الا ينطوي ذلك على الاعتراف باسرائيل والا يشكل اساسا لانهاء  النزاع، ولكن الامور تطورت في اتجاه مختلف. فالحوار المتواصل بين ممثلي التيار الوطني مؤيدي م.ت.ف وبين دوائر واسعة في المجتمع اليهودي في  اسرائيل، والزيارات العديدة لمجموعات اسرائيلية الى داخل قطاع غزة والضفة الغربية، والرضى المتبادل للمشاركين والاهتمام الدولي  الواسع – كل هذا شهد في نظر حماس الى عمق الانعطافة المتحققة. لم يعد يدور الحديث عن نوايا أو عن افكار للبحث فيها بل عن سياسة يوجد تطبيقها على جدول الاعمال.

لقد نشأ شرخ حقيقي في داخل البيت الفلسطيني، اضعف جدا الكفاح الذي اراده محدثو الانتفاضة. ومظاهره السلبية وجدت تعبيرها بالاستجابة المتضائلة لتعليمات البيانات التي وزعها التنظيمان، وكان مدى الاستجابة اختبارا لقوة كل واحد منهما. اذا كان يجري اضراب في اليوم الذي قرره بيان معين فمعنى ذلك ان هناك طاعة للمنظمة التي نشرت البيان. وان لم تكن طاعة او طاعة جزئية، فالامر يفسر كمس بقوتها. ومع الزمن فهمت المنظمتان بان ايام الاضراب تشكل عبئا على السكان فقلصتاها، ولكن هذا لم يقلل من التوتر المتبادل. واتهامات بالخيانة، بالتطبيع، بالانهزامية، بانخداع الجمهور، بهجر المباديء الوطنية المقدسة عادة لتطرح في كتابات حماس وفي كلمات رجالها في المنتديات الجماهيرية المختلفة. فقد رفضوا اللقاء برجال فتح و م.ت.ف ورأوا فيهم خونة وادعوا بانه “لا يمكن الجلوس معهم”، و”محظور السماح لـ م.ت.ف اخذ الانطباع بان حماس تسير خلفها نحو تسوية سياسية”.

ومع ذلك فقد سعى الطرفان الى الامتناع عن المواجهة العنيفة. في حماس خافوا من أن تؤدي المواجهات الى هبوط مكانتهم في نظر الجمهور. وفضل رجالها الاكتفاء بالاعراب عن الاحتجاج، وبكتابة النصوص النقدية وبالمهرجانات الجماهيرية. وخصومهم في فتح ايضا وفي القيادة الموحدة لم يرغبوا في رفع المواجهة الى مستويات عنيفة، ولكن الاحتكاك اليومي كان أقوى من كل المطالب والتوجيهات التي صدرت للنشطاء. صحيح أن حماس كانت قوة شابة، منتعشة وصغيرة بالنسبة لفتح، ولكنها شكلت تحديا حقيقيا لفتح وم.ت.ف. فقد حطمت الثنائية بين الاسلام والسياسة التي فرضتها الانظمة العربية في أنها منحت الشرعية لهذا الخليط. وكانت فتح مطابة بان تواجه خصما يطرح الافكار ذاتها ولكنه يدعي بان تحققها  لم يكن ممكنا حتى الان  بسبب “قطيعتها” عن الدين. غير أنه وفقا للتيار الوطني يوجد في هذا الخليط بين الدين والوطنية خطر عدم الاحتواء. فالاسلام من خلال شموليته يهجر بل ويقمع حقوق غير المسلمين، يضعهم في موقف دون ويسعى الى فرض الدين على حاية الدولة. اما العروبة التي تبلورت لتصبح فكرة قومية فقد استهدفت بقدر كبير لان تشكل بديلا لشمولية الدين الاسلامي. واعطت حماس في صعودها تعبيرا أول لصعود قوة الاسلام السياسي الذي بدأ يلوح في حينه وبعثت آمالا  كبيرة بين الجمهور بان الدين هو جزء مركزي في هويته. واتهمت خصومها بالفساد، باهمال المصلحة العامة، وترك اللاجئين والضعفاء في المجتمع الفلسطيني والانشغال بشؤونهم التنظيمية الداخلية الشخصية. وكانت هذه الاتهامات وقعت على اذان صاغية وعززت مكانة حماس الجماهيرية. اما التحدي الاكبر الذي كانت حماس مطالبة بان تتصدى له فقد ظهر مع التوقيع على اتفاقات اوسلو. وتساءل قادة المنظمة كيف يمكن مواصلة مقاومة اسرائيل دون الدخول في مواجهة في السلطة الفلسطينية، وكيف يتم بالفعل هذا الاتفاق دون الانجرار الى حرب أهلية. وكان الجواب هو تأجيل المواجهة الكبرى الى مراحل لاحقة وفي هذه الاثناء ضعضعة ثقة الجمهور بهذه الاتفاقات.

الاحتكاك المتواصل

وكانت تعليمات حماس لرجالها عشية وصول قيادة م.ت.ف الى المنطقة في نيسان 1994 تشدد على اهمية عدم الاحتكاك مع اي جهة سلطوية فلسطينية  الى جانب استمرار بل وتصعيد المقاومة المسلحة لاسرائيل. وكانت التعليمات الامتناع عن كل احتكاك مع أجهزة الامن الفلسطينية حتى بثمن “مد الخد الاخر”. من جهة خاف رجال حماس من الدخول في مواجهة داخلية يفقدون فيها الدعم الجماهيري الذي تمتعوا به حتى ذلك الحين. ومن جهة اخرى رأوا في ذلك كبارا لـ م.ت.ف ولعرفات: هل سيقف ضد نشطاء حماس، يمنع “مقاومة الاحتلال” ويظهر امام الجمهور كخادم إسرائيل، ام يتجلد، يغض النظر ولا يمارس كامل الضغط. مثلما توقعت منه  إسرائيل وباقي المشرفين الذين وقعوا على هذه الاتفاقات؟ خدم الواقع الذي نشأ في الأشهر الأولى من قيام السلطة الفلسطينية حماس جيدا. مع  ان إسرائيل خرجت من القطاع، ولكن عملية إرهابية نفذها الجهاد الاسلامي بعد مرور اقل من أسبوعين من خروجها وهجمات أخرى نفذتها حماس اجبرتها على تشديد إجراءات الدخول والخروج في المعابر من والى القطاع. وبالتدريج تقلص حجم البضائع والأشخاص في معابر الحدود بين القطاع وإسرائيل. ولحقت بالتجار خسائر كثيرة ممن فسدت بضائعهم وحرية الحركة التي تقيدت مست جدا بنسيج الحياة اليومية داخل قطاع غزة. وبدأ معدل التشغيل يتدهور ومعه أيضا القوة الشرائية للسكان. تشوشت الحياة التجارية بقدر كبير. وكانت أزمة التوقعات شديدة. الامل الكبير الذي ساد عشية التوقيع على اتفاقات أوسلو لجعل غزة منطقة مزدهرة اخذ بالتبدد. وشعارات “غزة ستكون سنغافورة” بدت منقطعة عن الواقع. واخذ الغضب تجاه السلطة يتعاظم كما تعاظمت عدم الثقة بإسرائيل. فقد اعتبرها الكثيرون كمن جلب الى هنا قيادة م.ت.ف من تونس كي تحتل مكانها وتحررها من عبء المسؤولية عن القطاع، وليس بالضرورة كي تقيم تسوية سلمية. وكان الإحساس بالخنق شديدا واعتبر القطاع سجنا واسعا كبيرا. اما الجدال الذي بدأ منذئذ بين أبو مازن وعرفات حول الرسالة المطلوبة من جانب السلطة تجاه منظمات المعارضة الفلسطينية فقد احتل قسما مركزيا في الخطاب الجماهيري الذي جرى  في حينه. والكثيرون أيدوا أبو مازن الذي طالب عرفات بيد قاسية تجاه هذه المنظمات والتخلي على الخيار العسكري الذي واصل تبنيه، كونها تعارض الاتفاقات الموقعة وتنتقد إسرائيل لانها لا تضع عرفات في مكانه وتمنع الخطاب المزدوج الذي تبناه في اتصالاته مع هذه المنظمات.

الرسالة التي التقطها الجمهور عملت هي الأخرى في صالح حماس. اتفاقات أوسلو لم تستهدف تحسين وضع الجمهور، لا مصلحة الشعب كانت أمام ناظر الموقعين بل صالح رجال م.ت.ف وفتح. وذلك، بينما أراد عرفات فقط أن يوضح لكل الهازئين به بانه لا يزال يتمسك بالخيار العسكري كي لا تتضرر صورته كمقاتل وكثوري. غير أن امتناع إسرائيل التي تقدس امنها عن اتخاذ نهج متشدد تجاه عرفات اعتبر لدى الجمهور كمؤامرة كان يفترض ان تخدم الطرفين الموقعين على الاتفاقات.

أخذ هذا الواقع يتعقد بسبب الاثار السلبية التي كانت له على الرأي العام داخل دولة إسرائيل. هناك أيضا طالبت المعارضة القوية بوقف تنفيذ اتفاقات أوسلو في ضوء اعمال الإرهاب. ورأى المعارضون في ذلك دليلا مؤكدا على أن ليس في الجانب الفلسطيني رغبة او قدرة على الإيفاء بالالتزامات التي اخذها على نفسه، وليس في توقيعه على الاتفاقات ما يؤكد نواياه. اما حماس من جهتها ففهمت ان اعمال الإرهاب تحقق أهدافها، تزيد ثقة الجمهور بها وتصعد حجوم المقاومة في المجتمع الإسرائيلي لهذه الاتفاقات.

وجاء اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين في 4 تشرين الثاني 1995 لنسجل بداية الانعطافة في منظومة العلاقات بين السلطة الفلسطينية وحماس. عرفات، الذي رأى في رابين شريكا وطور تجاهه علاقة ثقة، شعر بان لبنة هامة في المبنى الذي بنياه معا انهارت. ومع ذلك فقد اعتقد، مثل إسرائيليين كثيرين، بان الحساب ستدفعه المعارضة في الانتخابات التي كانت ستجرى في أيار 1996.

ولكن الأيام التي مرت جسدت لعرفات حجوم الخطر في عدم العمل ضد إرهاب منظمات المعارضة، واستغلت حماس حرج السلطة الفلسطينية. رأت في الاغتيال تطورا إيجابيا وواصلت محاولاتها افشال عملية تنفيذ اتفاقات أوسلو. نفذت سلسلة من العمليات  الإرهابية التي هزت جدا ثقة الناخب الإسرائيلي في الطرف الفلسطيني. وكانت النتيجة ان معارض الاتفاقات انتصروا في الانتخابات ووضعوا علامة استفهام كبرى على استمرار تنفيذها. والسؤال الذي وجه المندوبين الإسرائيليين من الان فصاعدا في محادثات مع الفلسطينيين كان كيف يمكن الامتناع عن تنفيذ مثل هذا البند أو ذاك في الاتفاق دون أن يعد ذلك خرقا له. وليس كيف ينفذ بشكل يرضي الطرفين. بكلمات أخرى، غير الدافع الاتجاه، والمطالبة بالاثبات الذاتي من الجانب الفلسطيني تعاظمت.

بعد هذه الانتخابات فقط فهم عرفات ما رفض فهمه من قبل، بان الخراب الذي تحاول حماس ومؤيديها ايقاعه بخطته السياسية حقيقي للغاية، وانه اذا لم يعمل بكثافة اكبر ضدها وضد منظمات المعارضة الاخرى، فانه سيفقد حتى حكمه. وبالفعل، فان حملة الملاحقة والمطاردة التي بدأت بها السلطة الفلسطينية ضد المعارضة بعد الانتخابات في اسرائيل كانت غير مسبوقة. فقد اعتقل وحبس الكثيرون منهم، وصودر السلاح وتعاظمت الملاحقة للاموال التي تدخل صناديقهم وملاحقة وجهة استخدامها، والاعمال التي يقومون بها والمضامين التي تنشأ عنها. كما أن التعاون مع اجهزة الامن الاسرائيلية تحسن، وكذا صورة السلطة الفلسطينية في نظر الاسرة الدولية والدول العربية.

بعد مرور نحو سنتين، رفعت حماس يديها. ففي مؤتمر صحفي في تشرين الاول 2000 سعى زعيم الحركة احمد ياسين ان يعزو قلة العمليات من جانب منظمته في بداية انتفاضة الاقصى لحقيقة أن حماس “عانت من مشاكل في الماضي الكل يعرفها”. ومن على صفحات صحيفة حماس “فلسطين المسلمة”، دارت مباحثات حول مسألة “هل فقدت المقاومة المسلحة ضرورتها؟”. اما العطف الجماهيري الذي نالته حماس المضروبة حتى ذلك الحين فقد قل، وقلصت المنظمة جدا اعمالها الارهابية ضد اسرائيل. ودخلت في مسيرة حساب للنفس برز منها عنصر التسليم بقيود قوتها امام القوة العامة للسلطة الفلسطينية بقيادة عرفات. ولفترة معينة من الزمن على الاقل كان يخيل ان الصراع بين الحركتين حسم وتوصل زعماء المنظمة الى الاعتراف بان هذا عصر يستدعي وضع سياسة جديدة واستخدام اساليب اخرى. واعترف ياسين وآخرون في القيادة في مقابلات صحفية  بضعف منظمتهم وعدم قدرتها على مواجهة ما وصفوه كتحالف رباعي شديد القوة يضم السلطة الفلسطينية، اسرائيل، الولايات المتحدة، الاسرة الاوروبية والدول العربية، ولا سيما الاردن.

هذا عمليا اغلاق لفصل اول في شبكة العلاقات المليئة بالغضب والدم الذي فتح مع اندلاع الانتفاضة الاولى وانتهى قبل اندلاع الانتفاضة الثانية. حماس التي كانت واعية لضعفها طأطأت رأسها في ظل فهم ان الواقع الذي تعمل فيه ليس في صالحها. واعتقدت بان الامر مؤقت ومن الافضل ان تفقد الان قليلا وتكسب الكثير لاحقا لانها قدرت بان اسرائيل لن تعطي ابدا الطرف الفلسطيني ما يطلبه. وكان الفلسطينيون مطالبين باثبات المصداقية وصدق الاقوال والافعال وان بوسعهم حكم المناطق التي سلمت لهم. واعتقدوا بان اسرائيل تمتعت في نفس الوقت بمكانة القاضي والطرف في الاتفاق. هكذا ادعت حماس وعبرت بذلك عن احساس سائد في الجمهور الفلسطيني. واعتقد عرفات ورجاله بان الاطراف الوسيطة – امريكا واوروبا، ستملأ ما ينقص في هذا الانعدام للتماثل بين الطرفين. اما حماس فلم تكف عن الادعاء منذئذ وحتى الان بانه لا يمكن الوصول الى تسوية مع أي طرف في وضع ضعيف ودون بعد المساواة.

وتطور الواقع بالفعل بالشكل الذي توقعته حماس. فالمفاوضات بين اسرائيل وم.ت.ف فشلت، وبدأت حملة متجددة من المواجهات المضرجة بالدماء بين اسرائيل والفلسطينيين، وعادت حماس الى الساحة بصفتها الجهة الاقوى، مع شرعية جماهيرية أوسع. وهنا ايضا يبدأ الفصل الثاني من الاحتكاك بين المنظمتين ، في ظل انعدام الثقة والمنافسة في ضوء تعزز حماس وبالدم. في نهايته يبرز التفاوت بين الفهم لقيود القوة من كل طرف والحاجة الى الوحدة، وبين العوائق الكثيرة التي تهدد الهوية التنظيمية وتمنع الوحدة.

الدروز

يمكن وصف الانتفاضة التي اندلعت في اواخر العام 1987 في الضفة والقطاع بانها “الربيع العربي الاول”. ولكن بخلاف الربيع العربي، احدثت الانتفاضة الاولى تغييرات في وعي الطرفين. فقد خلقت واقعا قاد فيه البعد الجماهيري القيادة وليس العكس، وفقط بعد ذلك اتخذت القرارات. بمعنى مسيرة من تحت الى فوق حيث انتقلت المبادرة من المستوى الشعبي الى قيادة م.ت.ف. وطرحت على اسرائيل تحديا كان مختلفا عن كل التحديات التي واجهتها حتى ذلك الحين، واعلان الاستقلال الفلسطيني في 1988 والذي جاء في اعقابه وضع علامة استفهام حول الفضية الاسرائيلية التي سادت حتى ذلك الحين بان الفلسطينيين لن يقبلوا تواجدها في المنطقة.

ولكن يخيل ان التحول الاساس وقع في داخل البيت الفلسطيني. التحدي الذي وضعه هذا التطور امام حماس وباقي منظمات المعارضة كان جسيما. فقد أملت حماس بان الجمهور سيميل نحوها بسبب الخطوة بعيدة الاثر التي كانت في اعلان الاستقلال والصدام الذي خلقه مع المباديء الوطنية. ولكن الجمهور أعطى اسنادا لهذه الخطوة، منح الثقة لـ م.ت.ف وكان عمليا السند الذي اعتمدت عليه في بداية المسيرة. واعتقدت قيادة م.ت.ف ومؤيدو المسيرة بان الارتباط مع اسرائيل الى جانب التقدم معها في المستوى السياسي سيؤديان الى ازدهار اقتصادي وسيشكلان رافعة ضغط على حماس وعلى منظمات المعارضة الاخرى، التي اكثرت من التحذير مما وصفه بالسير أسرى خلف اسرائيل والرعاية الدولية. بكلمات اخرى، فان القيمة المضافة التي كانت وتوجد لـ م.ت.ف على حماس في الخصومة العميقة بينهما هي الشراكة مع اسرائيل. واذا كانت تسير بشكل ايجابي وتعطي نتائج ايجابية، ففيها ما يزيل عوائق فلسطينية كثيرة مغروسة عميقا في الدين، في التاريخ وفي الرواتب التي خلفها النزاع مع اسرائيل. وأدى هجر م.ت.ف لمطلب ازالة اسرائيل من المنطقة الى تفكك الرزمة الفلسطينية. منذئذ لم يعد قطب واحد يمكنه أن يقود خطوة لحل المشكلة الفلسطينية دون القطب الاخر، وبغياب الوحدة يصبح الضعف الفلسطيني به شلل. في نظر اقسام من الجمهور الفلسطيني على الاقل، فان اسرائيل – الطرف الثالث في هذه المعادلة – لم تؤدي دورها. فهي لم تقف الى جانب م.ت.ف ولم تثبت لخصمها بانها ضعيفة فرصه في المواجهة مع من وقع معها على الاتفاق.

عرفات الذي وقف في حينه على رأس الساحة الفلسطينية وان كان شوش جدا – بلغته المزدوجة وبابقائه على الخيار العسكري – هذه المسيرة، ولكن بالمقابل اثار غضب شديد عليه في وسائل اعلام عربية، في قيادة م.ت.ف وبالاساس في اوساط الكثيرين في الشارع الفلسطيني، ممن عرفوا اسرائيل واعتقدوا بانها لن تسمح بمثل هذا السلوك وستؤدي دور من يخرج عن المسار. ولا غرو بالتالي ان احمد ياسين ورفاقه في حماس تحدثوا بتعابير رفع الايدي بعد أن بدأت اجهزة عرفات تعمل بحزم أكبر ضد المنظمة (1997 – 2000). وفهموا في حماس ان عرفات يعتمد على الاكتاف العريضة لاسرائيل والاسرة الدولية. وقد رأوا في ما فعله عرفات بالاسناد الاسرائيلي والدولي تغييرا في قواعد اللعب الفلسطينية الداخلية، واستعدادا منه لتعريض صورته كثوري مقاتل للخطر. اما الاسناد الجماهيري الذي تلقاه لهذه الخطوة فقد ساهم هو ايضا في ضعف حماس.

كما اسلفنا، انقلب الواقع رأسا على عقب مرة اخرى مع اندلاع الانتفاضة الثانية في نهاية العام 2000. ولكن الدرس الذي يجب أن يستخلص من هذه التطورات هو أن اسرائيل كانت ولا تزال لاعبة مركزية جدا في الساحة الفلسطينية الداخلية.  ففي نظر الجمهور الفلسطيني كانت اسرائيل جزءا من المهر الذي جلبته معها م.ت.ف للخلاف مع منظمات المعارضة والكتلة الحرجة التي ستحسم هذا الخلاف. فاذا ما وضعت الجمهور الفلسطيني امام ناظريها وساندت طريق الاعتراف بها والمفاوضات التي اختارتها م.ت.ف، فانها ستثبت له بان الاسناد الذي اعطاه لهذه الخطوة في بدايتها كان صحيحا. اما اذا استثمرت مقدراتها فقط في مكافحة الارهاب والمقاومة المسلحة للمعارضة الحماسية فمن شأنها ان تسحق الدعم الجماهيري الفلسطيني المتبقي للمسيرة ومكانة القيادة. ان حسم هذا الخلاف بين هذين الجسمين حيوي جدا لتحقيق كل تسوية أو مسيرة سياسية. صحيح أن عرفات لم يساعد في سلوكه في تحقيق هذا الدرس، ولكن توقعات الجمهور من اسرائيل كانت عالية في هذه السنوات واليوم – بعد سنوات من عرفات – لا يزال تحقيق هذا الدرس عمليا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.