Take a fresh look at your lifestyle.

تعاظم قوة الحريديم السياسية يحمل أخطاراً اقتصادية ـ اجتماعية جسيمة على المجتمع الإسرائيلي!

0 105

مركز مدار – 16/5/2019

تؤكد دراسة اقتصادية ـ اجتماعية جديدة أن لتعاظم قوة الأحزاب الحريدية السياسية في إسرائيل (كما ينعكس في نتائج الانتخابات العامة منذ 1977، بما فيها الأخيرة تحديداً) إسقاطات اقتصادية ـ اجتماعية سلبية عميقة الأثر وبعيدة المدى على المجتمع الإسرائيلي.

وتشدد الدراسة على العلاقة المباشرة بين استمرار حكم اليمين والمتدينين الحريديم (الذي بدأ في العام 1977) وبين السيرورات السلبية البارزة التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليان خلال العقود الأخيرة، وفي مقدمتها تدني مستوى الحياة وتراجعه باستمرار، تدني مستوى التعليم والتراجع المستمر في الجهاز التعليمي ـ التربوي والأزمة الخانقة في الجهاز الصحي عموما، وفي المستشفيات الحكومية بوجه خاص، كما تحذر من أنه “إذا ما واصلت حكومات اليمين غض الطرف عن الخطر الذي يمثله جهاز التعليم الحريدي ومناهجه على مستقبل إسرائيل، فستكون هي المسؤولة عن تحويل إسرائيل إلى دولة متخلفة في عداد دول العالم الثالث” (!)، موضحة أنه “إذا لم يتعلم الطلاب الحريديم المواضيع الأساسية الضرورية (العلوم واللغات، والإنكليزية منها على وجه الخصوص)، فمن سيكون أطباء ومهندسو المستقبل في إسرائيل؟”!

وتلفت الدراسة إلى أن المعطيات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، لجهة تأكيد تعاظم قوة أحزاب الحريديم، تتجسد بالتأكيد في مجريات المشاورات الجارية حالياً بين حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو وبين حزبيّ الحريديم الأساسيين (يهدوت هتوراة وشاس) لتشكيل ائتلاف حكومي جديد وتمهيدا لانضمامهما إلى الحكومة الإسرائيلية الجديدة. فمن المتوقع أن تؤدي هذه النتائج إلى زيادة عدد الحقائب الوزارية والوظائف الرسمية الرفيعة جدا التي سيحصل عليها الحريديم؛ إلى زيادة الميزانيات الحكومية التي تحصل عليها المدارس والكليات الدينية التابعة لهم؛ إلى التقليل أكثر فأكثر من رغبتهم في الاندماج في سوق العمل؛ إلى كبح وإجهاض المحاولات الرامية إلى إدخال وتعزيز المواضيع الأساسية (العلوم واللغات) في مؤسسات التعليم الحريدية، والرامية أساساً إلى زيادة إنتاجية العاملين من الحريديم؛ وإلى إجهاض “قانون التجنيد” الذي كان يمكنه أن يسرّع ويعمق اندماج الحريديم في المجتمع الإسرائيلي.

مؤشر مقلق إلى ما هو آت

تستند الدراسة، التي أعدها البروفسور دان بن دافيد، رئيس “معهد شورِش للدراسات الاقتصادية ـ الاجتماعية” (أجريت الدراسة ضمن هذا المعهد) وأستاذ السياسات العامة في جامعة تل أبيب، على النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات البرلمانية العامة التي جرت في إسرائيل يوم 9 نيسان الماضي لانتخاب الكنيست الـ 21، فيعتبرها (النتائج) “مؤشراً مقلقاً إلى ما هو آت إذا لم يبدأ اليمين واليسار في إسرائيل بالعمل المشترك سوية، من جهة، وشعاعاً من الضوء إذا ما حصل بينهما التعاون، من جهة أخرى”.

ويؤكد معد الدراسة، التي نُشرت كـ “مذكّرة سياساتية” تحت عنوان “حربان وديموغرافيا ـ نظرة بعيدة المدى إلى نتائج الانتخابات الأخيرة في إسرائيل”، على أن “الحكومة الإسرائيلية تدفن رأسها في الرمل، عوضاً عن التحديق في الواقع ورؤيته على حقيقته، بما يبعث على قلق حقيقي عند النظر نحو المستقبل”.

أما الحربان اللتان يقصدهما الباحث في العنوان فهما عدوان حزيران 1967 وحرب أكتوبر 1973، إذ يقول إنه “في مطلع السبعينات، بين الحربين الكبيرتين، كان الوضع في إسرائيل أفضل مما هو عليه الآن بكثير”! فمثلاً، كان معدل الأسرّة في المستشفيات للفرد الواحد أكثر مما هو الآن بـ 80%، وكان معدل أعضاء السلك التعليمي الرفيع في الجامعات للفرد الواحد أكثر مما هو عليه الآن بضعفين ونصف الضعف، وهذا على الرغم من أن معدل الصرف العام المدني في تلك الفترة كان مساوياً لمعدله اليوم.

تتخذ الدراسة من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في إسرائيل، ثم تحليلها وما تفضي إليه من استنتاجات بشأن التطورات الحاصلة في الخارطة السياسية ـ الحزبية الإسرائيلية، “عاملاً مساعداً لشرح التحول الكبير والحاد الذي حصل في ترتيب الأولويات القومية الإسرائيلية في كل ما يتصل بالبنى التحتية المفتاحية، مثل: التعليم، المواصلات والصحة”. وتوضح: “التحليل الوارد هنا (في الدراسة) يلغي كل التبريرات المقبولة والمعتادة، إذ يبيّن أن المصروفات العامة المدنية (أي بدون شمل المصروفات الأمنية) في إسرائيل كانت أكبر من متوسط المصروفات العامة المدنية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) خلال السنوات الأربع التي حصلت فيها التغيرات الجوهرية في ترتيب الأولويات القومية في إسرائيل”.

ويؤكد البروفسور بن دافيد أن العلة الأساس تكمن في تغيير سلم الأولويات القومية: المصروفات الباهظة جدا في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ 1967، المبالغ الكبيرة جدا التي تدفعها الدولة لتمويل جهاز التعليم لدى الحريديم، والذي لا يؤهل قوى بشرية ملائمة لاحتياجات ومتطلبات سوق العمل، إضافة إلى الارتفاع المتواصل في حجم ميزانيات الرفاه المخصصة للعائلات الحريدية الفقيرة.

ازدياد متواصل في قوة الحريديم السياسية وفي أثرها

تبين الدراسة، في واحدة من أبرز خلاصاتها، أن حصة كتلة اليمين ـ المتدين من مجمل عدد الأصوات قد ارتفعت بصورة حادة في العام 1977، لدى انتصاره في الانتخابات العامة للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، لكنها تشهد انخفاضاً متواصلاً منذ ذلك العام، باستثناء معركتي الانتخابات الأخيرتين فقط (2015 و 2019). وفي المقابل، انخفضت حصة كتلة الوسط ـ اليسار بصورة حادة جدا في العام 1977 ولا تزال تشهد تراجعاً مستمراً منذ التسعينات وصل إلى ذروته في الانتخابات الأخيرة بحصول هذه الكتلة على نحو الثلث فقط من إجمالي أصوات المقترعين في إسرائيل.

وتوضح أن العامل الحاسم في الانتخابات الإسرائيلية وفي المنحى المذكور أعلاه خلال العقود الأخيرة هو “توجه المتدينين نحو اليمين، وخاصة منهم الحريديم، الذين ازدادت نسبتهم من مجموع الأصوات (أصحاب حق الاقتراع) بأكثر من ثلاثة أضعاف، منذ السبعينات”. وفوق هذا: مع أن نسبة التصويت بين الحريديم هي الأعلى في البلاد عامة، من بين جميع الفئات المختلفة، إذ بلغت في الانتخابات الأخيرة أكثر من 80%، إلا أن مجموع عدد الأصوات الذي حصل عليه حزبا الحريديم (الحزبان المركزيان: يهدوت هتوراة وشاس) يعادل 100% من عدد الحريديم في سن 18 عاما وما فوق، مما يعني بوضوح أن كثيرين من غير الحريديم صوّتوا لحزبيّ الحريديم!

والتغيرات التي حصلت في موازين القوى السياسية في إسرائيل منذ انتخابات العام 1977 نتجت عن الميل الشديد والمتزايد نحو اليمين، وهو ما تسارع وتعزز في حزب “المفدال” (حزب المتدينين الوطنيين الأول) والأحزاب الدائرة في فلكه، كما نتجت عن القوة المتصاعدة بسرعة لأحزاب الحريديم. فقد أصبحت هذه الأخيرة، فعليا، القوة المقررة في هوية الحكومات الإسرائيلية ورؤسائها، ابتداء من العام 1977. وهذا الارتباط معها، بالذات، هو الذي يمكّن إحدى الكتلتين المركزيتين (اليمين ـ المتدين واليسارـ الوسط) من السيطرة على مقاليد السلطة والحكم في إسرائيل.

في العام 1973، حين لم يكن الحريديم جزءاً من الائتلاف الحاكم بعد، كانوا يحصلون على 7ر3% من مجموع الأصوات. وقد ارتفعت هذه النسبة في الانتخابات الأخيرة (نيسان 2019) إلى 7ر11% من مجموع المقترعين. وأحزاب الحريديم التي لم تكن جزءاً من أي ائتلاف حكومي قبل العام 1977 (شاس دخل إلى الكنيست للمرة الأولى في العام 1984)، كانت جزءاً من الائتلاف الحكومي خلال 39 عاماً من أصل الأعوام الـ 42 التي مرت منذ العام 1977.

أصوات الكتل والفوارق بين تصويت الحريديم والعرب

بالنظر إلى النتيجة النهائية في كل ما يتعلق بالكتلتين السياسيتين الكبريين (اليمين ـ المتدين واليسار ـ الوسط)، يتبين أن أحزاب المتدينين والحريديم، التي بدأت تعرّف نفسها بأنها “شريكة طبيعية” لحزب الليكود في الحكم، قد منحت كتلة الأحزاب اليمينية والمتدينة ما يعادل 54% من مقاعدها في الكنيست الـ 21، وضمنت بذلك حكومة أخرى في إسرائيل مكونة من تحالف هذه الأحزاب. ولولا سقوط عدد من أحزاب اليمين والمتدينين لعدم نجاحها في تجاوز عتبة “نسبة الحسم”، لكانت كتلة اليمين ـ المتدينين قد حصلت على عدد أكبر من المقاعد وعززت سلطتها.

وتشير الدراسة إلى الفوارق في أنماط التصويت بين “الكتلتين الأخريين”، الحريديم والعرب، فتقول إنه بينما كانت نسبة التصويت العامة في إسرائيل 5ر68%، بلغت نسبة التصويت بين الحريديم 80% من الحريديم أبناء 18 عاما وما فوق بينما بلغت بين المواطنين العرب 49% فقط. ولم يكن هذا الفارق، البارز جدا، هو الوحيد. فبينما حصل حزبا الحريديم على ما يعادل 100% من عدد الحريديم في سن 18 عاما وما فوق (ما يعني أن كثيرين من غير الحريديم صوّتوا لحزبيّ الحريديم، كما ذكرنا آنفا) فإن مجمل عدد الأصوات الذي حصلت عليه الأحزاب العربية يعادل 32% فقط من أصحاب حق الاقتراع العرب (في سن 18 عاما وما فوق)، ما يعني أن نحو ثلث المصوتين العرب منحوا أصواتهم إلى أحزاب غير عربية.

في المحصلة، بلغت نسبة مجموع الأصوات التي حصلت عليها كتلة “اليسار ـ الوسط” وكتلة “اليمين ـ المتدين” والأحزاب التي حصلت على أقل من 5ر0% من الأصوات ما يعادل 83% من مجموع السكان غير الحريديم والعرب أصحاب حق الاقتراع. ومن بين الـ 83%، حصلت كتلة اليمين ـ المتدين على عدد أصوات يزيد بنحو الثلث عن عدد الأصوات التي حصل عليها كتلة اليسار ـ الوسط”.

نظرة إلى المستقبل

تؤكد الدراسة على أن الصورة الديمغرافية في إسرائيل تشهد تغيرات متسارعة وعميقة. فبالرغم من أن الحريديم يشكلون 7% فقط من أبناء 20 عاماً وما فوق في البلاد، إلا أن أولاهم يشكلون 20% من مجموعة الأولاد في سن 0 حتى 14 عاماً. وفي الجو السياسي العام السائد في إسرائيل اليوم، لا يبدو أن أيا من الكتلتين الكبريين (اليمين ـ المتدين واليسار ـ الوسط) تجرؤ على مجرد التفكير في تشكيل حكومة بدون أن يكون الحريديم جزءاً منها.

وتحذر من أنه “من بين جميع الشروط النهائية التي يضعها الحريديم في مقابل انضمامهم إلى الائتلاف الحكومي، فإن الشرط الأكثر إشكالية بالنسبة لمستقبل إسرائيل هو مطلبهم بأن لا يتمتع أولادهم ـ وخصوصا الأبناء الذكور ـ بحقهم الأساس في تعلّم المواضيع الأساسية التي يمكنها أن تتيح لهم فرصاً تشغيلية عندما يبلغون”. وتضيف: “ليس ثمة بين الدول المتطورة كلها أية دولة ـ عدا إسرائيل ـ يمكن أن تسمح بمثل هذا الخرق الفظ لمتطلبات التعليم الإلزامي فيها”! وإذا كان الواقع السياسي الراهن يتيح مثل هذه الإمكانيات المقلصة جدا للتغيير، فمن الممكن أن نتخيل مدى شح إمكانيات التغيير المستقبلية حين يصبح أولاد اليوم بالغين. وإذا لم يكن هذا وحده كافيا، يمكن النظر إلى التوقعات الديمغرافية التي نشرها المكتب المركزي للإحصاء والتي تتوقع أن يشكل الأولاد الحريديم نصف مجموع الأولاد في إسرائيل، في غضون جيلين اثنين فقط.

وتختم الدراسة بالقول: “علاوة على جميع الاسقاطات المترتبة على تركيبة سكانية كهذه على النسيج الاجتماعي في إسرائيل، ثمة لهذه التوقعات الديمغرافية جانب اقتصادي هام جدا أيضا. فإذا كان الأولاد الحريديم لا يتعلمون اليوم المواضيع الأساسية والضرورية (العلوم واللغات)، فمن سيكون الأطباء الذين سيقدمون العلاجات في المستقبل ومن سيكون المهندسون الذين سيصونون الاقتصاد الحديث؟ وهذا من دون أن نذكر حتى السؤال الأساس: من أين ستأتي الموارد الهائلة اللازمة للاهتمام بالفئات السكانية الفقيرة التي تزداد باستمرار؟؟…. إن مستقبل دولة إسرائيل مرهون بمدى استعداد الغالبية التي منحت أصواتها للحزبين الكبيرين (الليكود و”أزرق أبيض”) للبدء بالعمل المشترك، للبدء بالتركيز على الصورة الكبيرة وعلى المستقبل الجماعي”.

7

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.