Take a fresh look at your lifestyle.

تسفي برئيل – كل ما اراده جورج هو فقط شهادة

0 54

هآرتس – مقال – 11/2/2019

بقلم: تسفي برئيل

جورج زريق، السائق المأجور الذي يحصل على رزقه بصعوبة، أحرق نفسه في الاسبوع الماضي في ساحة المدرسة التي درست فيها ابنته، وأثار عاصفة وطنية. زريق الذي لم يكن يستطيع دفع رسوم الدراسة في المدرسة الخاصة، كل ما طلبه هو الحصول من ادارة المدرسة على شهادة ابنته الدراسية كي يستطيع تسجيلها في مدرسة حكومية. الادارة قالت له إنه لا يستطيع الحصول على الشهادة قبل دفع الدين للمدرسة. الغضب الذي تراكم لديه خلال اشهر طويلة التي اضطر فيها في البداية لنقل ابنه من مدرسته، وبعد ذلك ادرك ايضا أن ابنته لا يمكنها استكمال دراستها في هذه المؤسسة الفاخرة، انفجر مرة واحدة. لقد شعر بأنه عالق في دائرة شيطانية وقرر الانتحار.

قصة زريق تحولت لتصبح العناوين الرئيسية في وسائل الاعلام اللبنانية، التي اتهمت الحكومة الجديدة التي تم تعيينها قبل عشرة ايام من ذلك، بعد فترة حمل طويلة ومؤلمة استمرت تسعة اشهر. “هل انتحار زريق سيحدث ثورة ربيع عربي في لبنان؟”، سأل عنوان في صحيفة “النهار”؛ “قتلة جورج تم اخراجهم من الجنازة”، كتب الكاتب والموسيقار المعروف زياد الرحباني، إبن المطربة فيروز. “جورج هو شهيد”، كتب شخص ما في تويتر. ومعلمو المدرسة قرروا الاعتصام امام وزارة التعليم الى أن تتخذ خطوات من اجل منع تكرار احداث مشابهة.

يوجد لقضية زريق كما يبدو كل العناصر التي تسببت بالاحتجاج الذي اشعل ثورة الربيع العربي في تونس قبل تسع سنوات، لكن مشكوك فيه أن تثمر نتائج مشابهة في لبنان. لأنه ليس مثلما في تونس 2010، التي فيها تم اغلاق كل آفاق الاحتجاج الاعلامي بواسطة اوامر ووحدات اشراف وحشية، لبنان هو دولة مفتوحة، الاعلام فيها خاص – جزء مسيطر عليه من قبل احزاب وحركات وجزء آخر هو بملكية رجال اعمال خاصين، مقربين من الشخصيات العامة والزعماء السياسيين – لكن الشبكات الاجتماعية هي ميدان واسع ومفتوح، تستطيع تذويب كل ما يمكن أن يتطور الى مظاهرات عنيفة وتحويله الى كتابة احتجاجية فقط.

ليس لأن مظاهرات كهذه لا توجد في لبنان في السنوات العشرة الاخيرة، منذ انتهاء الحرب الاهلية، الاكثر وحشية وتهديد من بينها جرت في 2005 بعد قتل رئيس الحكومة رفيق الحريري، وكذلك مظاهرات الاحتجاج على عدم جمع القمامة هدد بضعضعة التوازن الهش الذي منع تدهور لبنان الى حرب متاريس، لكن لبنان نجح في الصمود بدرجة ما، ربما بفضل الصدمة العميقة التي خلفتها الحرب الاهلية التي استمرت 15 سنة.

الجهود التي بذلت للحفاظ على سلامة السلاسل الحساسة التي تربط المجتمع اللبناني مع بعضه تم التعبير عنها ايضا في الحقل السياسي، الذي بين الفينة والاخرى يضع الدولة امام ما يظهر مثل فرقة اعدام سياسية. تشكيل الحكومة الجديدة مثلا لم يكن بحاجة الى كل هذه الاطالة الزمنية التي تسببت باضرار اقتصادية كبيرة في اعقاب تجميد مشاريع وتعويق دخول مليارات الدولارات التي وعدت بها الدول المانحة للدولة. في نهاية نقاشات كثيرة ومنافسة لي الاذرع حصل لبنان على حكومة تسوية كانت متوقعة من البداية، التي فيها حزب الله حصل على وزارة الصحة التي لديها ميزانيات كثيرة. وبالاساس يسيطر على كتلة سياسية تمنحه حق الفيتو على القرارات الاساسية.

يبدو أن الخشية من التمزق الداخلي تغلبت على الخشية من تهديد الولايات المتحدة والسعودية اللتان ضغطتا على الحريري من اجل كبح قوة حزب الله السياسية، وبالتالي ايران. المفاجأة الكبيرة جاءت من الوزيرة الجديدة لشؤون التطوير الاداري مي شدياق، ممثلة حزب “القوى اللبنانية” المسيحي، التي اعلنت “لو أن حزب الله سعى الى تحدي المجتمع الدولي لما كان عين وزير صحة يرتدي ربطة العنق ويصافح النساء”. شهادة تأهيل كهذه بالذات من شدياق هزت ليس فقط حزبها، بل حتى من يؤيدون حزب الله واليسار كان من الصعب عليهم هضم بادرة حسن النية هذه. لأن شدياق من الصحفيات المعروفات والمؤهلات اللواتي عملن في لبنان، ونجت بصعوبة من محاولة اغتيال في 2005، السنة التي قتل فيها اثنان من زملائها الكبار، جبران تويني محرر صحيفة “النهار” وسمير قصير من صحيفة “النهار” ايضا، كجزء من حملة الابادة للمعارضين السياسيين الذين عملوا بتعليمات من سوريا.

شدياق فقدت في حينه يدها وساقها، لكنها نجحت في التعافي والعودة الى السياسة. التوقع منها كان أن تقف على رأس معسكر الصقور ضد حزب الله، وبالتأكيد لا تداعب رأسها. ولكن مثلما حدث عندما رئيس لبنان ميشيل عون، الذي كان مقاتل عنيد ضد الاحتلال السوري، وذهب الى المنفى بسبب ذلك مدة 15 سنة، فقط من اجل العودة اليها كحليف لحزب الله. ومثلما وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي، الذي غير بين فترة واخرى عباءة الدعم لسوريا بملابس القتال ضدها، هكذا ايضا شدياق تأتي الآن بقاموس سياسي جديد. لقد تلقت ضربة على رأسها من بيير أبو صعب، نائب محرر صحيفة “الاخبار” الذي اتهمها في مقال نشره بأنها مثقفة مترفة تحاول التقليل من شيطنة حزب الله. شدياق ذات القلم الحاد واللسان السليط اختارت أن ترد عليه ليس كعادتها بلسان رسمي، الاساس هو أن لا تنقطع الخيوط التي تمسك بالحكومة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.