Take a fresh look at your lifestyle.

بيت دجن – شلَّت يميني اذا نسيتك

0 170
المؤلف: اللواء/ محمود الناطور (أبو الطيب)

 

المحتويات:

1-      بيت دجن شلت يميني اذا نسيتك          

2-      الموقع والحدود والمساحة                 

3-      اصل تسمية بيت دجن                      

4-      بيت دجن في العهد الاسلامي              

5-      بيت دجن في زمن الحروب الصليبية     

6-      بيت دجن في العهد العثماني               

7-      بيت دجن في عهد الانتداب الانجليزي    

8-      احتلال الصهاينة لبيت دجن والعمل على تدميرها

             


تقتضي الأمانة المهنية أن أوجه الشكر للدكتور سعيد البيشاوي الذي ترك بصماته على النسخة النهائية لهذا الملف الذي يؤرخ لبلدة بيت دجن ويروي جانبا من بطولات مجاهديها ضد العصابات الإجرامية الصهيونية.

فقد أبدى الدكتور سعيد رأيه في المعلومات المدونة وقام بتدقيق الملف تاريخيا ولغويا..

بارك الله في جهوده… وأرجو أن أكون قد قدمت خدمة لتوثيق تاريخ بيت دجن بعد هذه السنوات الطويلة من احتلالها وتشريد أهلها في المنافي..


 اللواء/ محمود الناطور (ابو الطيب )

بيت دجن

 شلَّت يميني اذا نسيتك

 

 كانت بلدة “بيت دجن” مسقط رأسي وموطن أهلي وعشيرتي، تعرف باسم “بيت داجون” رمز الارتقاء الروحي لعبادة الله الواحد الأحد في العهد العربي الكنعاني، كما عرفت باسم “بيت دجانا” في عهد الملك الاشوري سنحاريب (705 – 681 ق.م) وقد سميت البلدة “كبيار اراغون” في عصر الرومان، وحل بها السامريون في القرن الرابع ومكثوا فيها حتى القرن العاشر على الأقل، وقد شيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (724 – 743 ميلادية) قصرا له أعمدة من رخام ابيض وبنى فيها صلاح الدين الايوبي العديد من الابنية عام 1187 ميلادية، التي تهدمت واعاد بناؤها ريتشارد قلب الاسد 1191 ميلادية، وفي سنة 1569 ميلادية اصبحت بيت دجن بلدة من نواحي الرملة (لواء غزة) لا يزيد عدد سكانها عن (633) نسمة.


مدخل بيت دجن – شارع الجرن

واني على يقين انه لا يلام “الحنون” على تعلقه بالأرض التي ولد عليها، وتنسم أول أنفاسه من عبير هوائها الذي يعبق بعطر الشجر والحجر والتاريخ، ففي بيت دجن ما تزال ذاكرتي تستوطن هناك، تمنحني القوة والعزم وتشحذ ألق الروح باستذكار أرواح الشهداء الإبطال الذين سقطوا دفاعا عن الأرض وقدسيتها وحمايتها من دنس قبيلة الشيطان الصهيوني.

 لقد كان أطفال المهاجرين اليهود الى فلسطين اثناء الطابور الصباحي في مدارس المستوطنات يرفعون ايديهم على طريقة التحية الالمانية في عهد اودلف هتلر ويرددون شعارا تم تلقينهم إياه يقول: “شلت يميني اذا نسيتك يا قدس”، فكانوا يهتفون لعاصمة لا يعرفونها، ولا تربطهم بها صلة سوى ما ابتدعه العقل الشيطاني الصهيوني لمخطط عنوانه “فلسطين ارض بلا شعب.. والصهاينة شعب بلا ارض” ولا بد من استيطانها بلا شعب، وقد خاب فألهم وتاه سعيهم، حيث يستيقظ كل فلسطيني اينما كان رافعا يديه يلهج بالدعاء الى الله طالبا النصرة والنصر والعودة الى مسقط رأسه، ولست انا بخير منهم عندما اهتف لمسقط رأسي مرددا بايمان صادق “شلت يميني اذا نسيتك يا بيت دجن” وان فاضت الروح الى بارئها قبل العودة سيعلق حنيني في ثناياها الى يوم الدين.

 

الموقع والحدود والمساحة:

 تقع بلدة بيت دجنعلى تل رملي في السهل الساحلي الفلسطيني الأوسط، وهي إحدى القرى العربية الكنعانية الواقعة على بعد عشرة كيلومترات جنوب شرق مدينة يافا، وفي منتصف الطريق الواصل بين مدينتي يافا والرملة، كما أنها واقعة بين قريتي يازور والسافريه، وعلى مسافة تقدر بحوالي ثلاثة كيلومترات من الأولى وأقل من ذلك من الثانية.

 يتضح مما سبق أن بلدة بيت دجن تتمتع بموقع استراتيجي هام، فهي تشكل ملتقى لطرق المواصلات القادمة من يافا إلى مدينتي الرملة واللد، هذا إلى جانب أنها تتوسط مجموعة من القرى الواقعة على خط المواصلات نفسه أو القريبة منه، أما فيما يتعلق ببلدة بيت داجون الكنعانية التي شيدت قبل نحو اكثر من خمسة آلاف سنة، فيبدو أنها هجرت من سكانها واصبحت خربة تعرف باسم ظهرة داجون، وتقع بقاياها وآثارها في قطعة أرض تتخذ شكل المستطيل الصغير بين عيون قاره وبيت دجن، ليس بعيدا عن مقام ستنا نفيسة، وهي تقع على وجه التحديد على بعد كيلومترين جنوب غرب بلدة بيت دجن الحالية، وتم اكتشاف “مغارة” في البلدة وجد فيها التابوت الذي يضم ألواح سيدنا موسى عليه السلام كما ورد في تفسير الطبري وذكره القرآن الكريم من آيات ملك طالوت “وآية ملكه يأتيكم التابوت”([1]) وظل هذا التابوت في المغارة ثمانمائة عام.

 

 ويحـد بلدة بيـت دجـن مـن الشمــال الغربي بلدة ساكيـة (ساقية)، ومن الغرب بلدة يازور، ومن الشرق بلدة السافرية، ويبدو أن بيت دجن كانت كبيرة الحجم في نهاية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي لدرجة أن الجغرافي الفلسطيني المقدسي البشاري وصفها بانها “مدينة فيها جامع” وهو من بناء هشام بن عبد الملك على أعمدة رخام أبيض حسنة، وتعرض ياقوت الحموي لذكرها بقوله: “داجون: بالجيم وآخره نون: بلدة من قرى الرملة بالشام”.

 ويتضح هنا أن هناك اختلاف بين رواية المقدسي البشاري ورواية ياقوت الحموي، وربما يعني هذا أن بيت دجن كانت في القرن الرابع الهجري مدينة، وتراجعت إلى بلدة في نهاية القرن السادس الهجري، ومن المحتمل أيضا انها كانت اصغر من مدينة وأكبر من بلدة، ويصح أن نطلق عليها بلدة، وقد بلغت مساحة البلدة والأراضي التابعة لها نحو (17327) دونما، بينما بلغت مساحة البلدة دون الأراضي الزراعية نحو 500 دونم.

 

 

 

أصل تسمية بيت دجن:

 سميت بلدة بيت دجن بهذا الاسم نسبة إلى الإله الكنعاني داجون، الذي صور على قطع النقود ملتحيا ذا خصلات طويلة من الشعر، ويمسك في كل يد سمكة، كما ينتهي نصفه الأسفل على هيئة سمكة مغطاة بالفلوس ومزودة بالزعانف، وكان داجون إلها رفيع المقام، مرموق المكانة، عند العرب الكنعانيين، وقد انتشرت عبادته على طول الساحل الفلسطيني، حيث كانت تنتشر زراعة الحبوب، أما المعنى اللغوي لكلمة داجون فهناك من يشير إلى أنها تعني الحبوب، ومما يؤكد هذا أن الإله داجون ذكر في كثير من النصوص والكتابات القديمة كإله ” للقمح والحبوب ” وإله للزراعة والمواسم مما يشير إلى أنه كان رمزا للخير والخصب، ويذكر انه توجد خارطة للعالم في كلية الزراعة بجامعة كلوج شمال رومانيا محددا عليها مواقع لاخصب تربة في العالم كله، وكانت بيت دجن بين تلك المواقع([2]).

 

 

الإله الكنعاني داجون

 

بيت دجن في العهد الإسلامي :

 فتح العرب المسلمون يافا على يد القائد عمرو بن العاص عام 636م/15هجرية، وبطبيعة الحال خضعت بيت دجن لحكم المسلمين كونها واقعة في حدود منطقة يافا وكان قسم من السمرة يستقرون في بيت دجن منذ القرن الرابع الميلادي وحتى القرن العاشر الميلادي، ولا بد وأن القائد عمرو بن العاص قد أعطاهم الأمان على أنفسهم ومنازلهم على أن الجزية على رقابهم، والخراج على أراضيهم، وذلك أسوة بما فعله مع أهل الذمة في المناطق التي قام بفتحها، وقد حظيت البلدة باهتمام الأمويين الذين أقاموا فيها جامعا على أعمدة من الرخام الأبيض الحسن.

 وتجدر الإشارة إلى أن بيت دجن لم تذكر في المصادر العربية التي أرخت للعصر العباسي، ويبدو أن أوضاعها كانت مستقرة خلال حكم العباسيين الذين عملوا على ارضاء الفلاحين في قرى فلسطين عندما أعادوا النظر في ضريبة الأرض، وأصدروا أوامرهم بمنع الأذى كما خفضوا ضريبة الرأس على أهل الذمة وعدلوا جبايتها، ولما كانت مجموعة من السامره تقيم في بلدة بيت دجن فلا بد وانهم حصلوا على نسبة التخفيض في ضريبة الرأس الذي طبقها العباسيون في جميع فلسطين، وقد خضعت بيت دجن وجميع القرى والمدن الفلسطينية لحكم الدولة الطولونية عام 264هجري/878ميلادي، ووقعت معركة بين الموفق العباسي وخاموريه قريبا من بيت دجن وعلى وجه التحديد على نهر أبي فطرس (العوجا = جريشه = اليركون) عرفت باسم موقعة الطواحين سنة 271هجري 884 ميلادي، وقد استمرت بيت دجن خاضعة للنفوذ الطولوني نحو ثمان وعشرين سنة عادت بعدها البلدة وجميع فلسطين لسيطرة الخلافة العباسية، وبعد ذلك خضعت البلدة وجميع المدن والقرى الفلسطينية لسيطرة الإخشيديين عام 324هجري/904ميلادي.

 وخضعت بيت دجن للحكم الفاطمي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وكانت خلال تلك الفترة قد اتسعت، وازداد عدد منازلها لدرجة أن احد الجغرافيين الفلسطينيين وصفها بأنها مدينة، الأمر الذي يشير إلى ازدياد عدد سكان بيت دجن خلال وقوعها تحت الحكم الفاطمي، وقد استمرت السيطرة الفاطمية على بيت دجن وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية ما يزيد عن مائة سنة، وبعد ذلك دانت بيت دجن بالتبعية للحكم السلجوقي الذي استمر نحو عشرين سنة، وكانت أحوال فلسطين بما فيها بيت دجن مليئة بالأحداث أثناء الحكم السلجوقي لها، لكن المصادر المعاصرة لم تشر إلى بيت دجن أثناء خضوعها للحكم السلجوقي.

بيت دجن زمن الحروب الفرنجية الصليبية :

 وصل الفرنجة الصليبيون إلى مدينة يافا وكانت خالية من سكانها، ومنها اتجهوا صوب مدينة الرملة من أجل الإسراع في الوصول الى بيت المقدس، وهذا يعني أن مدينة يافا قد خضعت لحكم الفرنجة الصليبي عام 1099م/492هـ، مما يفيد بأن بلدة بيت دجن قد خضعت أيضا لحكم الفرنجة خلال تلك السنة، وتجدر الإشـارة إلى أنه جرت معركة بين القوات الصليبية بقيادة الملك الفرنجي بلدوين الأول والقوات الفاطمية بقيادة سعد الدولة القواسي على أرض بيت دجن عام 1101م/494هـ وقد انتصر فيها الصليبيون، وقيل أن القائد الفاطمي تردى عن فرسه وتوفي في هذه الموقعة وقد دفن في بلدة بيت دجن ويطلق أهالي بيت دجن على قبر سعد الدولة القواسي اسم سعد الدولة الأنصاري، وعندما تشكلت كونتية يافا وعسقلان كانت بلدة بيت دجن إحدى القرى التابعة لهذه الكونتية في حوالي عام 1142م، وقام الفرنجة الصليبيون بإنشاء قلعة صليبية على أراضي بلدة بيت دجن عرفت باسم القلعة الوسطى، وبطبيعة الأمر فقد لجأ الفرنجة الصليبيون إلى بناء هذه القلعة كون منطقة بيت دجن تمتاز بموقع استراتيجي هام، فضلا عن أنها واقعة على الطريق الموصل من يافا إلى الرملة، كما أن البلدة محاطة بمجموعة من القرى أهمها السافرية، ساقية، الخيرية، كفر عانة، العباسية، صرفند العمار، وبلدة يازور التي أنشأ الصليبيون على أراضيها قلعة هامة هي قلعة السهول، وليس من شك بأن هاتين القلعتين الصغيرتين والمدن المحصنة مثل اللد ويافا قد خدمت أهداف الفرنجة الصليبيين العسكرية، كونها كانت تحمي الطرق الجنوبية من مملكة بيت المقدس الفرنجية، فضلا عن أنها كانت تضيق حيز المنطقة المحيطة بعسقلان، وقد ورد ذكر قلعة بيت دجن في إحدى وثائق ملوك بيت المقدس الذي دونها المؤرخ الألماني روهرشت.

 واسترجع السلطان صلاح الدين الأيوبي بيت دجن من قبضة الفرنجة الصليبيين عقب معركة حطين عام 1187م /583هـ، وقام أثر ذلك بهدم القلعة الفرنجية المقامة على أراضي البلدة، لكن الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد قام بترميم القلعة الوسطى عقب انتصاره على المسلمين بتاريخ 30 أكتوبر 1191م /588هـ، وتعرف هذه القلعة باسم شكرمان.

 ويبدو أن بيت دجن قد عادت لحكم الفرنجة على أثر توقيع معاهدة صلح الرملة بين الفرنجة والمسلمين عام 1192م/589هـ بدليل أن المنطقة الساحلية من شمال فلسطين وحتى عسقلان كانت بيد الفرنجة كما نصت عليه المعاهدة مما يشير إلى أن بيت دجن كانت ضمن المنطقة التي استمرت بحوزة الصليبيين على الرغم من أن المعاهدة نصت على أن تكون منطقتي اللد والرملة مناصفة بين الطرفين، وبعد فترة من الزمن عادت بيت دجن للسيطرة الإسلامية، ولكن المصادر المعاصرة لم تشر إلى أوضاع البلدة في العصر المملوكي.

بيت دجن في العهد العثماني :

 استولى الأتراك العثمانيون على بيت دجن وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية عام 1516م، وكان السكان العرب وحكامهم المحليين يرحبون بالجيش العثماني ويحتفون بقدوم السلطان العثماني (سليم الأول) الذي عمل على استرضاء الأهالي، واستقبل رؤساء العشائر العربية، وكبار الجماعات الدينية للمسلمين وغير المسلمين، وكانت بيت دجن في نهاية القرن السادس عشر الميلادي بلدة في ناحية الرملة التابعة للواء غزة، وكان عدد سكانها في عام 1593م نحو 633نسمة، وكانت تقدم الضرائب على منتوجات أراضيها الزراعية مثل : القمح والشعير والسمسم، كما كانت تقدم الضرائب على عناصر الإنتاج الأخرى مثل : زراعة أشجار الفاكهة وأشجار العنب وتربية الماعز وتربية النحل، وكانت بيت دجن في أواخر القرن التاسع عشر بلدة متوسطة الحجم ومحاطة ببيارات البرتقال والحمضيات، وكانت منازل البلدة الحديثة مبنية بالطوب أو بالحجارة والإسمنت، ومنتشرة في ارجاء الموقع من دون أن يتخذ شكل انتشارها نمطا خاصا، وكان سكانها في معظمهم من المسلمين، وكـان يوجد بين عدد السكان البالغ عددهم 3840 نسمة نحو 130 مسيحيا،أما الباقي وهم الأكثرية فكانوا يعتنقون الإسلام.

 وكان بعض أهالي بلدة بيت دجن يعملون في الجيش العثماني، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914، قامت الحكومة العثمانية بتجنيد عدد من شباب بيت دجن ليحاربوا معها ضد قوات الحلفاء، وكان تجنيد شباب بلدة بيت دجن وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية يتم قسرا، ودون رغبتهم، ومن ابناء بيت دجن الذين خدموا في الجيش التركي نذكر كل من:

1-  اسماعيل على عزام – الرتبة شاويش – وخدم في فلسطين ومركز امن زيزيا وفي منطقة الجسور العشرة في عمان/الاردن.

2-  احمد علي عزام (البيطار) – خدم في فلسطين وفي اليمن وذهب مع الجيش التركي عام 1913 ولم يعود ابدا.

3-      جابر محمود عزام (نجمة) – خدم في غزة.

4-      محمود شاهين – خدم في غزة.

5-      الحاج العبد حسين صالح (ابو راس) – خدم في غزة.

6-      احمد حبايب – خدم في غزة

7-      محمد عوده (ابو حسن الخيش) – خدم في غزة.

8-      ابو محمد دودح استشهد في غزة.

 وقد عاد الاحياء منهم الى بيت دجن عام 1917 بعد خسارة تركيا في الحرب العالمية الاولى ودخول الانجليز الى فلسطين، ولم نستطع حصر كل من ذهب للقتال في الجيش التركي، ومن ذكروا هم الذين استطعنا الحصول على اسمائهم.

 اما الذين كانوا يعملون في الجيش العثماني حسب رغبتهم فهم قلة، وبعد انتهاء الحرب عاد شباب البلدة إلى بلدهم، حيث شارك الكثير من أبناء البلدة في الجيش العثماني ومن أبرزهم القائد عبد الله البيت شاويش الذي كان من أهم خمسة قياديين والمسؤول عن مالية الجيش التركي في القدس، وقد استلف منه كمال أتاتورك الذي كان آنذاك ضابطاً ثم أصبح أول رئيس للجمهورية التركية مبلغ خمسة جنيهات وعاد إلى اسطنبول، ومن الجدير بالذكر أن عبد الله البيت شاويش كان قائد الحملة العثمانية التي افتتحت بلغاريا وكان هو قائد احتلال صوفيا وأقام له الأتراك تمثالاً لا زال يعتبر بمثابة مزار يزوره الأتراك.

بيت دجن في عهد الانتداب الإنجليزي:

 خضعت يافا وقراها للحكم العسكري الإنجليزي في 16/11/1917، وقام الجنرال أدموند اللنبي بتعيين مجموعة من الحكام العسكريين على مدن فلسطين جميعها، كما عمل الإنجليز على تقسيم جنوب فلسطين عسكريا إلى أربعة أقضية ليسهل إدارتها، وكان الجنرال كلايتون مديرا للإدارة العسكرية الإنجليزية في فلسطين، أي أنه المسؤول عن جميع الحكام العسكريين في فلسطين، وقد قام هذا الجنرال بتعيين حكام عسكريين لكل من بئر السبع وغزة وعسقلان والمجدل والرملة ورام الله وأريحا والخليل وبيت لحم ويافا ثم القدس، ولما كانت بلدة بيت دجن تتبع قضاء يافا الذي يشمل اللد والرملة، فإنها بذلك اصبحت خاضعة لحاكم يافا العسكري الإنجليزي، وليس من شك في أن انجلترا قد حافظت على الحالة الراهنة في بيت دجن وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية، وتجنبت إحداث أي تغيير جوهري في قوانينها أو في طريقة تطبيقها، والسير في الأمور بأقل ما يمكن من الإزعاج للأهالي، لأن القاعدة المتبعة عادة في إدارة البلاد التي تحتلها جيوش عسكرية تقتضي مثل تلك الإجراءات ريثما تقوم في البلاد حكومة.

 وكانت بيت دجن وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية خلال تلك الفترة تعاني من أزمة اقتصادية حادة كنتيجة للحرب العالمية الأولى، ولذلك لم يتمكن سكان بيت دجن وغيرهم من دفع الضرائب، مما اضطر الإنجليز إلى تقسيط الضرائب المفروضة على العقارات والأراضي في شهر 8/1918، وقد عينت الإدارة العسكرية الإنجليزية لجان تخمين أوكل إليها تخمين حصة الإدارة العسكرية من غلة البلدة، وكان التخمين يعلن في البلدة المعينة ويخضع الاستئناف إلى الحاكم العسكري في اللواء مدة ستة أيام من تاريخ إعلانه.

 وتجدر الإشارة إلى أن المدارس في بيت دجن وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية لم تفتح أبوابها في العام الدراسي 1917 – 1918 بينما سمح بالتدريس في الكتاتيب، وبعد انتهاء هذا العام بدأت المدارس تفتح أبوابها أمام الطلبة في العام الدراسي 1918- 1919، وكان في بيت دجن مدرستان احداهما للذكور اسست في عام 1920 وبلغ عدد طلابها عام 1945 (353 طالبا) والثانية للإناث وتأسست عام 1945 والتحق بها (102) طالبة.

 وفي مؤتمر سان ريمو قرر المجلس الأعلى للحلفاء منح انجلترا الانتداب على فلسطين في شهر 4/1920، وأصبح هربرت صموئيل أول مندوب سامي بريطاني على فلسطين، وبذلك انتهت الإدارة العسكرية الإنجليزية وقامت الإدارة المدنية منذ بداية أيلول 1920 وقد وافقت عصبة الأمم رسميا على صك الإنتداب بتاريخ 24/7/1922، وأصبح الانتداب ساري المفعول في 29/9/1922.

 وقد عانت بلدة بيت دجن أثناء الانتداب البريطاني كثيرا إذ حورب الاقتصاد الفلسطيني وفرضت الضرائب على الأهالي، في حين كانت بريطانيا تشجع الصهاينة على امتلاك الأرض والهجرة وإقامة المؤسسات، ولكل ذلك بدأت القوى الوطنية تقدم الاعتراضات وتمردت على المستعمر الإنجليزي، وعندما نشطت حركة الهجرة الصهيونية إلى أرض فلسطين، وتنبه الفلسطينيون إلى حركة تهريب اليهود إلى فلسطين عن طريق الحدود الفلسطينية والسورية واللبنانية المشتركة، وعن طريق البحر، فنشطت الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة ذلك، وبدأت عمليات التصدي والمقاومة في جميع المدن والبلدات الفلسطينية وكان لبلدة بيت دجن دورها البارز في العمل النضالي الوطني حيث اشتهر من بين مناضليها الكثيرين ومنهم الشيخ يحيى الناطور، ففي صيف عام 1927 كان الشيخ قد جمع صناديق البرتقال في مزرعة في بلدة “عيون قارة” تمهيدا لنقلها إلى الميناء، ووظف حارسا ليحرس الصناديق، فقام نفر من اليهود بالاعتداء على الحارس الذي اشتكى للشيخ يحيى ما فعله به اليهود، فاصطحبه الشيخ إلى قسم الشرطة في البلدة الذي كلف شرطيا عربيا بمرافقته لجلب اليهود المعتدين على الحارس، إلا أن الشرطي تقاعس عن تنفيذ مهمته بعدما شاهد أن اليهود المعتدين مجموعة تزيد عن خمسة أفراد وأبدوا جاهزيتهم لمقاومة الشرطي العربي والامتناع عن تنفيذ أوامره، فما كان من الشيخ المجاهد إلا انه اخذ بندقية الشرطي وأسرع ليحتمي بين الأشجار، وبدأ بإطلاق الرصاص على اليهود متنقلا بين أماكن مختلفة ومناديا على أسماء وهمية موحيا لهم بالحصار من قبل المجاهدين، فاضطروا للاستسلام بعد أن وصلت قوة من الشرطة واعتقلت الجميع بما فيهم الشيخ يحيى، وتم نقل الجميع إلى مركز امن بلدة بيت دجن حيث وجه المحقق تهمة الاعتداء على الحارس لليهود وتهمة التفريط بالسلاح للشرطي العربي وتهمة إطلاق النار على رعايا الدولة البريطانية للشيخ يحيى حيث كانت حكومة الانتداب البريطانية تعتبر اليهود آنذاك كتائب بوليسية لحراسة المستعمرات.

 بموجب الاتهام الموجه إليه، تم عرض الشيخ يحيى على مدير قسم بوليس يافا للتحقق معه وكان الضابط يهوديا، وعندما اضطلع على تفاصيل الواقعة رفض احتجاز الشيخ ووجه توبيخا لضابط الشرطة اليهودي المرافق بسبب احتجازه للشيخ قائلا: إن ما فعله هذا الشخص هو مساعدة الشرطة لإلقاء القبض على متهمين بالاعتداء، فرد الضابط اليهودي على مدير قسم بوليس يافا، إن ما فعلته هو من صميم عملي ولا أريد أن أتعلم هذا العمل من أمثالك، فتمالك مدير قسم بوليس يافا أعصابه ووجه حديثه للضابط قائلا: إذا كنت تعتقد أن لك الحق أن تمارس يهوديتك على مزاجك فهذا خارج نطاق الشرطة والقانون، ثم أمر بالإفراج عن الشيخ يحيى حيث صدرت الصحف العربية في اليوم الثاني لتروي بطولة الشيخ يحيى الذي أصبح منذ تلك اللحظة واحدا من المجاهدين في العلن، بعد أن كان يمارس دوره سرا.

 وفي نهاية عام 1927 استكملت الهيئة العربية العليا استعداداتها لمواجهة العصابات الصهيونية التي تنشط بدعم من حكومة الانتداب البريطانية، وكان كل من حسين يانس واحمد يانس ممثلان للهيئة العربية العليا في بلدة بيت دجن، فيما كان مصطفى الطاهر ضابط الارتباط بينهما وبين الهيئة في مدينة يافا، وبموجب ذلك تشكلت في البلدة والقرى المجاورة مجموعة من المجاهدين: في العباسية المجاهد حرب مطاوع، وفي يازور مجاهدون من آل جبريل، وفي كفرعانه موسى الحاوي، وفي السافرية محمد أبو الشيخ “محمد حبوبه” ويحيى الناطور الذي تولى فيما بعد قيادة فصيل جهادي تعداده خمسة وثلاثون رجلا، واتخذ من بلدة بيت دجن مركزا لقيادته، ثم أضيفت قيادة بلدة السافرية لتكون تحت إمرته بالتنسيق مع المجاهد محمد أبو الشيخ “محمد حبوبه” وارتبط الشيخ مباشرة مع قائد المنطقة الوسطى المجاهد حسن سلامه، ونذكر من أفراد الفصيل الجهادي التابع للشيخ يحيى الناطور كل من رمضان عاطف حبش الذي توفي في نابلس بعد النكبة، ومحمود الباش الذي توفي في مدينة أريحا بعد النكبة أيضا، وصبحي البيشاوي الذي توفي في مدينة عمان، وعبد الكريم البيشاوي الذي توفي في مدينة نابلس عام 1995 ومحمد الشيخ الذي توفي في سوريا، وشعبان الخطيب ومحمد أبو الشعر، وعبد الله جابر حموده وشقيقه خميس جابر حموده ومصلح سعيد(زوج لبيبة ابنة الشيخ يحيى) وبكل التقدير والإجلال لا بد هنا من ذكر المجاهد الدجني يحيى الحاج علي الذي فقد ساقه أثناء مقارعته الأعداء، وكان بمثابة ضابط ارتباط بين المجاهدين في مختلف مناطق فلسطين، وقد توفي في غزة، كما نود الإشارة بأن مجموعة الشيخ يحيى الجهادية كانت تضم بالإضافة إلى هؤلاء مجاهدين أردنيين منهم إبراهيم السلطي ومجاهدين من السعودية، وخبير المتفجرات الالماني.

 وبسبب شهرة الشيخ المجاهد يحيى الناطور وما ألحقه المجاهدون في الفصيل التابع له بالانجليز واليهود من خسائر بشرية ومادية فادحة، عملت حكومة الانتداب على تشكيل فصيل معارض وتابع لها بقيادة عبد الرؤوف البيطار الذي يتبع “جماعة طوقان” وتضم المجموعة أشخاص من بيت دجن هم الحاج عبد لهلوب، وأبو حميد الشيخ نجيب ابو جاموس والبهلول.

 بعد أن نفذت مجموعة الشيخ المجاهد يحيى الناطور عملية تفجير القطار الذي ينقل الإمدادات للمستعمرات اليهودية هرعت دورية بريطانية إلى بيت دجن للبحث عن الشيخ يحيى بقصد اعتقاله، وعندما علم الشيخ بذلك تسلق شجرة كبيرة داخل مزرعة مجاورة لبيته واختبأ بين أغصانها، وعندما دخلت الدورية البريطانية للبحث عنه داخل المزرعة مرت من تحت الشجرة دون أن تنتبه لوجوده، وكررت الدورية البريطانية مداهمتها للبلدة مرة ثانية سرا، وكان الشيخ يحيى جالسا داخل “مقهى أبو عرب” هو ومجموعة من شيوخ البلدة، وعندما أحس بوجود الدورية هرب من الباب الخلفي للمقهى، ولحق به أفراد الدورية البريطانية فدخل الشيخ منزل حمدان “دار الطابون” قافزا من فوق الحائط حيث كسرت ساقه، ولمحته امرأة كانت تغسل الملابس فأبلغها أن الدورية البريطانية تلاحقه، فطلبت منه الاختباء في “بيت التبن” وواصلت غسيل الملابس بكل هدوء، وعندما اقتحمت الدورية البيت صاحت بهم المرأة: كيف تدخلون البيت وأنا عارية فأبلغوها أن شخصا مطلوبا لهم قفز من فوق سور البيت فأين ذهب.؟ فأشارت إليهم من جهة اخرى وضللتهم عن مكانه.

 جاءت المجموعة الجهادية بعد ذهاب دورية الشرطة البريطانية ونقلوا الشيخ يحيى إلى مزرعة أبو غبن لمعالجة كسر ساقه، وبعد ان تم علاج ساقه شن الشيخ ومجموعته هجوما كاسحا على جميع المراكز اليهودية الممتدة على طول طريق “عيون قارة” الأمر الذي أوقع البريطانيين في حرج كبير، فأرسلوا إلى الشيخ يطلبون وقف الهجمات مؤقتا، لكن الشيخ رفض ذلك واستمر هو ومجموعة المجاهدين في مهاجمة المراكز اليهودية بشكل يومي، الأمر الذي دفع الشرطة البريطانية لاعتقال كل من احمد يانس وحسين يانس وأخضعوهما للتعذيب، لكنهما استطاعا إيصال رسالة شفوية إلى الشيخ يحيى يبلغانه ضرورة الهرب إلى سوريا لان الانجليز قد عرفوا مكانه ويستعدون لإلقاء القبض عليه، وقد تمكن الشيخ بعد تلقيه الرسالة من مغادرة بيت دجن واللجوء إلى بلدة “طيرة دندن” بالقرب من اللد، وعلى اثر فشل الشرطة البريطانية بإلقاء القبض عليه، رصدت مكافأة مالية قدرها (1000 جنيه) لمن يلقي القبض عليه حيا أو ميتا.

 وفي الليلة التي حاول الشيخ يحيى مغادرة بلدة “طيرة دندن” برفقة بعض تجار الماشية قاصدا سوريا، تعرف على ملامحه شخص يدعى “حسن عطيه” الذي أبلغ عنه مركز شرطة “بير زيت” حيث تحركت دورية وألقت القبض على الشيخ يحيى الذي كان يمتطي حمارا برفقة تجار المواشي، وتم التحقيق معه في مركز شرطة بير زيت فلم يعرف على نفسه، فمد المحقق يده لتفتيش جيوبه فعثر على صورة له بالزي العسكري، فاضطر إلى التعريف بنفسه، وبموجب ذلك نقل إلى مركز شرطة الرملة الذي أفاد انه مطلوب لمركز شرطة “وادي النسانيس” وتم إرساله الى هناك.

 لم يكتف حسن عطيه بالإبلاغ عن الشيخ وإنما قام بالاحتيال على ذويه، حيث ابلغ زوجته بأن الشيخ سيغادر إلى سوريا ويحتاج إلى بعض المال فقامت زوجته ببيع ذهبها وذهب والدتها وسلمت المبلغ المالي لحسن عطية الذي استولى عليه.

 أعادت الشرطة البريطانية الشيخ يحيى إلى معتقل يافا وبينما كانت السيارة التي تنقله إلى يافا تمر أمام منزله فشاهد ابنه سعيد ونادى عليه وأبلغه انه منقول إلى سجن يافا، وفي اليوم التالي ذهبت أسرته إلى هناك لزيارته، لكنها منعت من ذلك، وسمح فقط لابنه سعيد كونه صغير السن برؤيته بينما كان الشيخ مقيدا في شباك السجن وتبدو عليه آثار التعذيب.

 مكث الشيخ يحيى في سجن يافا عدة أسابيع نقل بعدها إلى محكمة في القدس حيث تولى المرافعة عنه المحامي الشهير “هنري كنت” وكان يومها نقيبا للمحامين في فلسطين.

 وفي عام 1934 تزايدت عمليات الهجرة اليهودية الى فلسطين فانعقد مؤتمر الشباب بتاريخ 3/7/1934 وقرر حماية سواحل فلسطين وحدودها وذلك عن طريق تشكيل لجنة حراسة السواحل والحدود وكان تنظيم اللجنة على النحو الآتي:

1) حدود سوريا عُهِدَ بها إلى كامل الحسين وفريد فخر الدين.

2) من حدود فلسطين إلى ساحل البحر المتوسط شمالا إلى حيفا جنوبا عُهِدَ بها إلى أحمد العكي وعاطف نور الله وعبد المطلب فضة مع معونة كشافة حيفا.

3) من حيفا إلى بلدة سيدنا علي (شمال تل أبيب) عُهِدَ بها إلى سليم عبد الرحمن وتوفيق عبد الرازق مع كشافة أبي عبيدة بقيادة توفيق عبد الرازق.

4) من بلدة سيدنا علي إلى مجدل عسقلان عُهِدَ بها إلى رئيس وأعضاء مكتب الشباب أنفسهم وهم: يعقوب الغصين، سعيد الخليل، أحمد يانس([3])، أميل الغوري، حسين يانس، محمد علي الغوري، نمر المصري.

5) من المجدل إلى غزة عُهِدَ بها إلى عاصم بسيسو، والسيد أبو شرخ، وفائق بسيسو. وكان مكتب الشباب يشرف أيضا على المناطق الأخرى، كما أرسل مكتب الشباب وفدا إلى دمشقوبيروتلمنع بعض العملاء العرب من تشجيع الهجرة اليهودية، وكانوا يقبضون 18 جنيها فلسطينيا مقابل إدخال النفر الواحد من اليهود إلى فلسطين.

 في 17/8/1934 أي بعد ثلاثة أسابيع من بدء عمل لجنة حراسة السواحل والحدود حدث صدام بين كشافة أبي عبيدة وبعض اليهود المسلحين الذي قُدِرَ عددهم بـ150 يهوديا، قرب بلدة أم خالد القريبة من مستوطنة ناتانيا على ساحل البحر الابيض المتوسط، وكان نتيجة الصدام أن جرح ثمانية أشخاص من كشافة العرب، وفي نفس اليوم أصدرت الحكومة بيانا عن المندوب السامي يتفق مع وزير المستعمرات لإتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حدود فلسطين ضد جميع أشكال الهجرة غير الشرعية، وأنه سيصار إلى اتخاذ اجراءات عاجلة لمنع ادخال الهجرة غير المشروعة عن طريق البر والبحر، وقد اعتبر البيان عمل لجنة حراسة السواحل والحدود عملا مخلا بالأمن.

 

 وفي شهر9/1934 حدث هدوء نسبي وكانت العوامل المؤدية للهدوء هي :

1) فشل جميع المحاولات المبذولة لعقد المؤتمر الثامن للهيئة العربية العليا، فقد قررت اللجنة التنفيذية في اجتماعها في 6/8/1934 في القدس الذي حضره 18 عضو من أصل 48 عضو، تأجل عقد المؤتمر الثامن بسبب حالة البلاد غير المستقرة إلى أجل غير مسمى، وأدى ذلك إلى انحلال اللجنة التنفيذية وعودة الأحزاب.

2) سياسـة المندوب السامي كهوب الذي بذل جهودا كبيرة للتوفيق بين العرب واليهود.

 وفي شهر 5/1935 شارك أحمد يانس وحسين يانس باعتبارهما ضمن مؤتمر الشباب في المؤتمر الذي عقد في حيفا لمناقشة المسائل الوطنية وبيع الأراضي والمعارف والتعليم القومي والصحة العامة ومسائل العمال، ونادى بمكافحة الاستعمارين الإنجليزي والصهيوني، والعمل لأجل الوحدة العربية، وليس من شك في أن أهالي بيت دجن قد اشتركوا في اضراب 26/10/1935 لأن الاضراب كان شاملا لم تعهده البلاد من قبل إذ أنه كان اضرابا عاما في طول البلاد وعرضها ولم يشذ عن القاعدة أحد.

 

 ويشير أهالي بيت دجن إلى اشتراك اكثر من شخصية دجنية الى جانب الشيخ يحيى الناطور في العمل الوطني الفلسطيني ومحاربة الإنجليز، ولبوا النداء للاشتراك في ثورة عام 1936 ضد الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، وقد بدأت هذه الثورة بإضراب عام في ليلة 15/4/1936، وذلك عندما هاجم ثلاثة من المجاهدين الفلسطينيين قافلة يهودية بالقرب من بلدة عنبتا على الطريق الموصل بين طولكرم ونابلس، وكانت نتيجة هذا الهجوم مقتل يهوديين وجرح ثالث، وفي اليوم التالي رد اليهود بهجمات على العرب وقتلوا رجلين وهاجموا حي المنشية بمدينة يافا، وقتلوا سبعة من العرب وجرحوا آخرين فأعلنت مدينة يافا إضرابا شاملا في أسواقها ومينائها، ونشبت اشتباكات مسلحة ومظاهرات انتقلت إلى قرى يافا، وقد استمر الاضراب حتى شمل كافة المدن والقرى، وفي 15/5/1936 بدأ الصدام مع السلطات البريطانية وأعلن العصيان المدني عن دفع الضرائب وقد قوبلت المظاهرات بالرصاص، وبعد ذلك تطورت العمليات ضد الإنجليز فأخذت الفصائل المسلحة تظهر في الجبال فتهاجم الدوريات والمخافر والمستعمرات الصهيونية، ونتيجة المقاومة التي أبداها الشعب البطل حاول الإنجليز قهر الشعب الفلسطيني وتعذيبه لإيقاف الإضراب، فقاموا بإعدام كل من يمسك بندقية وسجن كل من يملك رصاصة سجنا مؤبدا، وقاموا بنسف المنازل واقتحامها ليلا، وداسوا القرآن الكريم بأرجلهم وهدموا المساجد، وضربوا الشيوخ في الخليل، وبالرغم من كل ذلك إلا أنهم فشلوا في وقف الإضراب فلجأوا إلى أسلوب السياسة وأيضا فشلوا، ثم اتبعوا أسلوب الضغط على الزعماء العرب كي يضغطوا على الفلسطينيين لوقف الإضراب، واستخدموا جميع القوات الإنجليزية في الشرق الأوسط والأدنى لفك الإضراب بالقوة، وأرسل ملوك العرب نداء يطلبون فيه فك الإضراب.

عندما خرج الشيخ المجاهد يحيى الناطور وزميلاه حسين يانس واحمد يانس من السجن بعد قضاء محكوميتهم وهم لا يملكون فلسا واحد، اقترض الشيخ مبلغا من المال من مصطفى البيطار ومصطفى السكسك وعاد للتجارة في تصدير البرتقال ومواصلة عمله الجهادي، حيث انضم لمجموعته زوج ابنته لبيبة وهو مصلح سعيد وكان جنديا في الجيش العربي الأردني، ومصباح حمدان ويوسف محمود الناطور وسعيد ابن الشيخ يحيى واحمد محمود الناطور وحسن زاغل، ومن ابرز عملياتهم حينذاك تفجير لغم في مصفحة بريطانية كانت ترافق سيارة اليهودي “الفرد روك” أثناء نقلها للخضار والحمضيات، وبعد أن تعطلت المصفحة تحرك احمد محمود الناطور بسيارته ورافقته سيارة اخرى لشخص من آل السنتريسي وتوجها نحو المصفحة ونقلاها وهي معطوبة إلى بيت محمود الناطور، فتبرعت نساء بيت دجن بمصاغهن لتوفير أجرة تصليح وتشغيل المصفحة وبذلك أصبح لدى الثوار مصفحة فرنسية الصنع وعليها “برن رشاش” طراز انجليزي، وتولى الإشراف على المصفحة كل من المجاهدين رمضان لحموز وعاطف لحموز، عبد الله جابر وخميس جابر حموده، احمد محمود الناطور وجواد محمود الناطور وخميس الناطور وعبد القادر الناطور وسعيد جابر الناطور وسعيد يحيى الناطور ومحمد جابر الناطور، ناصر القنه، جمعه حبش، عمر الشيخ، حسين القنه، ويوسف محمود الناطور.

 وفي حال اندلاع عمليات قتالية كان حوالي (80 – 90) مسلح من بيت دجن يهبون للمساعدة بأسلحتهم الخاصة، فيما كان عبد الله جابر مسؤول عن ترتيب وتنظيم مسلحين من بيت دجن، وناصر القنه هو المسؤول عن تسليم واستلام السلاح، وقد عينت الهيئة العليا بعض الرجال لجمع التبرعات منهم: عبد المجيد حمدان، “أبو خالد الخوالده”، عبد الله حميده، يوسف البطش، وبالإضافة للمسلحين من بلدة بيت دجن كانت هناك مجموعات قتالية مساندة من بلدة “بريك” منها خليل البشاري وأخوه محمد البشاري.

 كان الشيخ يحيى الناطور لا يتوانى لحظة واحدة في تقديم ابنه سعيد وأولاد أخيه في كل العمليات الفدائية بمساعدة بعض المناضلين المصريين من مجموعات “مصر الفتاة” الذين جاءوا إلى فلسطين واستقروا في مدرسة مقابل عمارة “حزبون” التي يملكها يهودي ويسكنها أفراد من العصابات الصهيونية وتطل على شارع عام مؤدي إلى بلدة “عيون قاره”، وذات يوم بينما كان جرار لمزارع فلسطيني يحمل على متنه عدد من النساء الفلسطينيات مارا من أمام العمارة قام أفراد من اليهود بالاعتداء على النساء حيث قتلوا سبعة منهن، فقرر ثوار بيت دجن نسف العمارة ردا على الجريمة التي ارتكبها أفراد العصابات الصهيونية.

 بذل الشيخ يحيى الناطور ومجموعاته عدة محاولات لنسف العمارة منها محاولة بقيادة رشاد أبو نادر ومعه عشرون مسلحا لكن اللغم الذي زرعوه لم يحدث انفجارا كافيا لهدم العمارة، وبينما كان الشيخ ومجموعته من المجاهدين يكررون المحاولات لنسف العمارة وصل إلى بيت دجن المجاهد الشيخ حسن سلامه وبصحبته اثنان من الجنود الألمان الذين كانوا مختبئين معه في بلدة “ديركرنتون”، فطلب الشيخ حسن من الشيخ يحيى جمع (60) مسلحا وإحضار كمية من مادة التفجير (تي. ان.تي) واتفق الاثنان على خطة لنسف العمارة بمساعدة الألمانيين، وتقضي الخطة بان تقوم مجموعة المسلحين بالاختباء في مزرعة أمام العمارة تبعد عنها حوالي (100 متر) فقط، وعندما يحل الظلام يقوم احد الجنديين الألمانيين بالتسلل من خلف العمارة إلى داخلها وبعدما يصل إلى احد الطوابق يطلق من “مسدس الإشارة” إحدى الطلقات إشعارا للمجموعة بالتقدم لاقتحام العمارة والسيطرة عليها، وقام الجندي الألماني مع زميله الآخر بوضع (24 عبوة ناسفة) في أماكن مختلفة من العمارة وقاموا بتدمير العمارة التي استوت على الأرض تماما.

 في صباح اليوم التالي لنسف العمارة جاءت الدبابات الانجليزية واشتبكت مع المقاتلين وأجبرتهم على الخروج من ارض العمارة وأعادت توطين مجموعة يهودية اخرى مكان العمارة التي نسفت، ورفع المستوطنون الجدد العلم الاسرائيلي ثانية على ارض العمارة.

 وفي تلك الأثناء استنجد أهالي العباسية بالشيخ يحيى الناطور لحمايتهم من اعتداء العصابات الصهيونية المتكررة على بلدتهم، فلبى الشيخ يحيى النداء واستدعى على الفور جميع المسلحين وحرك المصفحة التي تم الاستيلاء عليها وإصلاحها، وأمر الجميع بالتوجه نحو العباسية التي كانت وقتها قد خضعت لحصار مسلحي العصابات الصهيونية، وحسب أوامر الشيخ يحيى تقرر اختراق الحصار عبر “تلة فنسكي” لكن المسلحين اليهود لاحظوا ذلك، فأمطروا المصفحة التي كان يقودها عبد الكريم البيشاوي بالعيارات النارية فأصيب بيده، فتولى القيادة بدلا منه الشيخ يحيى الناطور، لكن مجموعة من أفراد العصابات الصهيونية تمكنت من حصار المصفحة وأمرت من بداخلها إلى تسليم أنفسهم، فحاول المجاهد محمد أبو الشعر افتداء الجميع بنفسه مقررا الصعود إلى ظهر المصفحة لمقاومة المحاصرين لها إلا ان الشيخ يحيى فاجأه بخطف سلاح “البرن” الذي كان يحمله وقفز بدلا منه إلى ظهر المصفحة وبدأ بإطلاق النار على المحاصرين، فقتل سبعة منهم فيما هرب الباقون، وبذلك سيطر المجاهدون على “تلة فنسكي” دون خسائر تذكر سوى إصابة المجاهد عبد الله الخطيب في جبهته بإصابة طفيفة، كما أصيب محمد أبو الشعر في يده هو وعبد الكريم البيشاوي.

 وفي بيت دجن كان يوجد مصنعا للنسيج يحرسه المناضل الفلسطيني منير عيسى وتعاونه مجموعة من المتطوعين العراقيين “مجموعة عبد الجبار العراقي” التي جاءت مع القوات العراقية ضمن جيش الانقاذ الذي وزع عدد من المجموعات داخل المدن والبلدات الفلسطينية، وقد حاولت العصابات الصهيونية الهجوم على المصنع لتدميره فاشتبك معها منير عيسى والمجموعة العراقية لعرقلة المهاجمين لحين وصول النجدة، فحرك الشيخ يحيى الناطور المصفحة بمرافقة ابن أخيه يوسف محمود الناطور وولده سعيد بالإضافة إلى خمسة عشر مسلحا آخرين بينهم مجاهدين من مصر وفي الطريق إلى مصنع النسيج كانت مجموعة الشيخ المجاهد حسن سلامه تتوجه نحو نفس الهدف فأشار الشيخ حسن إلى المصفحة بالتوقف، وبدأ يعاين المجاهدين بداخلها، فأمر سعيد ابن الشيخ يحيى ويوسف ابن أخيه بالعودة وعدم المشاركة في الهجوم، فاعترض الشيخ يحيى مطالبا بإبقائهم، فرد عليه المجاهد حسن سلامه قائلا: يا شيخ يحيى هؤلاء صغار السن وليس لديهم خبرات قتالية، فقال الشيخ يحيى: إنهما من أفضل المقاتلين لدي يا شيخ حسن !! فسأله الشيخ حسن ومن يكونا..؟ فقال له هذا ابني سعيد، وهذا ابن أخي يوسف، وهنا تأثر المجاهد حسن سلامه كثيرا بسبب إصرار الشيخ يحيى على التضحية بولده وبابن أخيه، ولم يكتف بذلك بل قام بالتعريف على البقية وهم.. محمود احمد الناطور، وجواد محمود الناطور، ومحمد جابر الناطور، بعد ذلك أمر المجاهد حسن سلامه الجميع بمواصلة التحرك والهجوم للدفاع عن مصنع النسيج.

 قبل ان تنعطف قافلة المجاهدين نحو الطريق التي تؤدي إلى المصنع كانت الاشتباكات بين أفراد العصابة الصهيونية المهاجمة ومجموعة عبد الجبار العراقي والمناضل منير عيسى على أشدها فطلب الشيخ يحيى الناطور توقف القافلة لمخاطبة الشيخ حسن سلامه والطلب منه البقاء في المكان وعدم المشاركة في الهجوم قائلا له: أنت قائد المنطقة الوسطى فإذا خسرناك لا سمح الله سيكون ذلك عيدا لليهود الصهاينة، فرفض الشيخ حسن بشدة، لكنه وتحت إصرار الشيخ يحيى وعبد الكريم البيشاوي وسائق المصفحة في تلك اللحظة واسمه محمد الباش اضطر للبقاء لمتابعة المعركة عن قرب، في حين تولى الشيخ يحيى قيادة المجموعات المهاجمة، ودارت معركة شرسة سقط خلالها احد المجاهدين المصريين وكان برتبة ضابط في الجيش المصري وإصابة جمعة حبش بإصابة طفيفة، وبعد انتصار المجاهدين وهروب أفراد العصابات الصهيونية الذين نجوا من الموت، جاء الشيخ المجاهد حسن سلامه والمجاهد عبد الجبار العراقي لتفقد خسائر المهاجمين وقد تم الاستيلاء على الدبابات والمصفحات اليهودية حيث نقلت إلى مقر قيادة المجاهد حسن سلامه.

 وتجدر الإشارة إلى أن بلدة بيت دجن كانت تشكل هدفا رئيسيا للعصابات الصهيونية، التي كانت تقوم بمهاجمة البلدة باستمرار، محاولة الاستيلاء عليها وطرد سكانها منها، وربما يرجع ذلك إلى ما تمتاز به البلدة من موقع استراتيجي هام وكونها من القرى الكبيرة المكتظة بالسكان، ومعقلا هاما للمجاهدين، وليس من شك في أن تركيز الهجمات العسكرية الصهيونية على البلدة يرجع إلى محاولة التأثير النفسي على السكان، واضعاف معنوياتهم وإخافتهم، ودفعهم إلى مغادرة قريتهم وأرضهم التي روتها دماء الشهداء عبر تاريخها الطويل، وكانت هجمات العصابات الصهيونية على بلدة بيت دجن تخلف ورائها مزيدا من القتلى والجرحى، هذا إلى جانب تأثيرها السلبي على الحياة الاقتصادية والعمرانية في البلدة، وقد ذكر مجموعة من أهالي بيت دجن المعاصرين أن العصابات العسكرية الصهيونية اصابت في احدى هجماتها على بيت دجن عددا من السكان نذكر منهم : الشهيد حسن سالم حسن الذي كان في حوالي العاشرة من عمره، كما استشهد مصطفى الفالوجي ولم يكن متزوجا وقد وقع هؤلاء الشهداء أثناء عملهم في مصنع لتغليف ثمار البرتقال، كما أصيبت مجموعة من النساء أثناء عملهن في المصنع نفسه نذكر منهن: ربحية جبريل البيشاوي ورقية خميس دلدوم ونصرة محمد شلبية، وربحية البوشي، وعيشة محمود زريفه، وقد تعرض المصنع لبعض الاضرار نتيجة الهجوم، وهذا بدون شك أثر سلبيا على الحياة الاقتصادية وسوق العمل في بيت دجن.

وادرك أهالي بيت دجن أهداف ومرامي الصهاينة الرامية إلى اخراجهم من قريتهم وأرضهم، ولذلك سارعوا إلى العمل على افشالها بمختلف الطرق والوسائل المتاحة، فعملوا على شراء الأسلحة والذخيرة من أموالهم الخاصة، كما أنهم حشدوا المجاهدين للدفاع عن البلدة ضد الهجمات العسكرية الصهيونية المتكررة، ووقفت المرأة الدجنية إلى جانب الرجل في هذا المجال، وأسهمت مجموعة كبيرة من النساء في المجهود الحربي، من خلال قيامهن ببيع مصاغهن لشراء الأسلحة والذخيرة.

وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلها أهالي بيت دجن لشراء الأسلحة والذخيرة، إلا أنهم كانوا بحاجة إلى المزيد كي يستطيعوا الصمود وصد الهجمات الصهيونية، ولذلك نراهم يلجأون إلى الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة الوسطى لكي يزودهم بما يحتاجونه من أسحلة للدفاع عن أرضهم وأنفسهم، وكانت قيادة المنطقة الوسطى تزودهم بما تيسر لها من أسلحة، وحسب الإمكانيات المتاحة، ويبدو أن العصابات العسكرية الصهيونية قد أخرت هجومها على بيت دجن، عندما ادركت أن الأهالي والمدافعين متيقظين وجاهزين للدفاع عن أنفسهم ومسقط أجدادهم.

 لقد كان أهالي بلدة بيت دجن مدركين للأخطار المحدقة بهم، وقد عملوا على شحن البلدة بالمقاتلين وتلافي النقص الحاد في الأسلحة والذخيرة الذي كانت تعاني منه جميع المناطق الفلسطينية في حين كانت الجماعات العسكرية الصهيونية مدربة أفضل تدريب، ومجهزة بأحدث الأسلحة التي حصلت عليها بمساعدة الإنجليز، وبدعم من جميع اليهود المنتشرين في مختلف بقاع العالم، ولعل ذلك قد زاد الأمور تعقيدا بالنسبة لأهالي بلدة بيت دجن وبقية سكان المدن والقرى الفلسطينية الأخرى، ومما يؤكد هذا أن جماعة البلماخ الصهيونية شنت هجوما مباغتا على بلدة بيت دجن في الشهر الاول من عام 1948، وقد أسفر الهجوم عن تدمير احدى منازل البلدة.

 وذكرت صحيفة نيويورك تايمز في ذلك الحين أن أهالي بلدة بيت دجن اشتبكوا مع قافلة عسكرية إنجليزية بتاريخ 19/2/1948، بعد أن توقفت القافلة العسكرية الإنجليزية في بيت دجن لاعتقال أحد سكان البلدة، وعندما قفز الانجليزي الذي يحمل رشاش “برن” أطلق عليه الشهيد احمد مصطفى الشيخ عليان الرصاص من رشاش “ستين” وأصابه، وعندما ذهب احمد لأخذ رشاش الانجليزي تبين انه لم يمت فأطلق النار على احمد مما أدى إلى استشهاده وفي تلك الأثناء ألقى عبد الفتاح النجار (افتيح) قنبلة على الانجليزي الذي كان منبطحاً قرب شجرة جميز تعرف “بجميزة دار النجار” فقتله واستولى الثوار على سلاحه واستشهد في هذا اليوم “يحيى علا” من أهالي بين دجن.

وبعد هذا الحادث تعرضت بلدة بيت دجن في26/2/1948 لأعنف هجوم شنته قوة يهودية مسلحة بمدافع الهاون والرشاشات والقنابل، وقد اسفر هذا الهجوم العنيف عن مقتل أربعة من سكان البلدة، واصيب ثلاثة آخرين بجروح بالغة، وفضلا عن ذلك قامت القوة الصهيونية المهاجمة بوضع العبوات الناسفة في مخازن الحبوب ومضخات المياه وقد نتج عن ذلك تفجير مخزن للمحاصيل الزراعية وبضع مضخات، وقام أهالي مدينة يافا والقرى المحيطة بها بمظاهرات عنيفة احتجاجا على ما تعرضت له بلدة بيت دجن من أعمال عدوانية ذهب ضحيتها مجموعة من الشهداء والجرحى فضلا عن الخسائر المادية، ولكن الإنجليز تصدوا لهذه الثورات وقمعوها بالقوة.

جميزة دار النجار-البير-بير البلد استشهد بجوارها عدد من شباب البلد في معركة مع الانجليز عام 1948

ولعل مثل هذه الأعمال العسكرية الصهيونية قد زادت من تردي الحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية لسكان بلدة بيت دجن، خاصة وأنها كانت تؤدي إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف المواطنين خلال الهجمات المتكررة على البلدة، ومن الذين استشهدوا على تراب بيت دجن قبل الهجرة: الشهيد حسن سالم حسن ( أبو سالم )، ومحمود مصطفى الحاج، وأحمد مصطفى الشيخ خليل عليان، والشهيدة صافية جازي، وفضلا عن ذلك أصيبت مجموعة من النساء بجروح بالغة أثناء عملهن في مصنع لتغليف ثمار البرتقال يخص احمد يانس.

ونتيجة للوضع المتأزم في منطقة يافا وصل المقدم عادل نجم الدين أحد القادة العراقيين إلى يافا في منتصف شهر 3/1948، موفدا من اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية، وكان بصحبته ثمانون متطوعا، ومائة وخمسون بندقية المانية وتشيكية و1550 طلقة انجليزية و15 الف تشيكية، وطن من المتفجرات، وعلى الرغم من مجموعة المتطوعين وكميات الاسلحة والذخيرة التي احضرها المقدم عادل نجم، إلا أن الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة الوسطى أرسل يطلب من اللجنة العسكرية المزيد من المتطوعين والذخيرة حتى يصبح وضع يافا وقراها مماثلا لوضع تل أبيب، إذ أن مدينة يافا كانت بحاجة إلى ألف وخمسمائة متطوع بأسلحتهم، وكانت بلدة سلمة بحاجة إلى خمسمائة متطوع، بينما كانت بلدة بيت دجن بحاجة إلى خمسين متطوعا، وقد بلغ مجموع ما طلبه الشيخ حسن سلامة ثلاثـة آلاف وستمائة متطوع، ولكن طلبه هذا ذهب لدى اللجنة العسكرية ادراج الرياح.

 في يوم 8/4/1948 توالت الانباء عن محاصرة مجموعات من العصابات الصهيونية لبلدة القسطل حيث كان المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني قائد تنظيم المجاهدين الفلسطينيين

يخوض معركة للدفاع عنها، فخرجت السيارة المصفحة([4]) ومجموعة المجاهدين بأمر من الشيخ يحيى الناطور لفك الحصار، في حين انطلقت نجدات اخرى من يافا نحو القسطل، وفور الوصول بدأ الاشتباك مع أفراد العصابات الصهيونية التي تمكنت من إصابة المجاهد عبد القادر الحسيني الذي سقط شهيدا..

وستظل ذكراه الإلهام لكل المجاهدين من اجل تحرير فلسطين حتى تعود لشعبها وأمتها العربية والإسلامية، قفز الشيخ يحيى الناطور نحو المجاهد عبد القادر الحسيني فوجده مصابا في صدره بأكثر من عشرة رصاصات فأمر بنقله إلى داخل المصفحة التي جاءت للنجدة من يافا وكان سائقها أبو شوكت اليوغسلافي وتحركت المصفحة فورا إلى القدس وخلال تلك المعركة تم اسر (22 مسلحا يهوديا).

 لحق الشيخ يحيى الناطور ترافقه مجموعة المجاهدين بجثمان الشهيد عبد القادر الحسيني([5]) وشاركوا في جنازته وحضروا عملية دفنه ثم عادوا إلى بيت دجن، وما كادت المعارك تهدأ لبعض الوقت حتى هجمت العصابات الصهيونية على بلدة “دير ياسين” ونفذوا مذبحة مروعة في السكان وبدأوا في هجمات شرسة ضد بلدات العباسية ويازور وأطراف مدينة يافا، فتصدى لهم جيش الإنقاذ الذي بعث إلى الشيخ يحيى الناطور لرفده بعدد من المجاهدين لشن هجوم مباغت على مدينة تل أبيب، إلا ان الهجوم لم يكتمل حيث تمكنت العصابات الصهيونية من التقدم فسقطت يافا واحتل اليهود العباسية ويازور وتقدموا نحو بيت دجن وتمكنوا من احتلالها بعد معارك عنيفة، فخرج بعض الأهالي نحو مدينة اللد ثم توجهوا إلى شرق الأردن وسحب المجاهدون بقيادة الشيخ يحيى الناطور المصفحة نحو العاصمة الأردنية عمان، ووضعوا المصفحة في “كراج” حيث تبرع صبري الطباع بتصليحها، وبعد إصلاح المصفحة عاد الشيخ المجاهد يحيى الناطور ليواصل القتال ضد اليهود وبصحبته هذه المرة (200) جندي أردني من المتطوعين للقتال حيث زودتهم الحكومة الأردنية بالأسلحة، واتخذ الشيخ يحيى من مدينة اللد مقرا لقيادة عملياته، وكان يرافقه كل من: يوسف محمود الناطور، سعدات احمد الناطور، سعيد يحيى الناطور، احمد محمود الناطور، جواد محمود الناطور، عبد القادر جابر الناطور، محمد جابر الناطور، عبد الكريم البيشاوي.

 

 عندما أعلنت الهدنة بين اليهود والعرب نكث الصهاينة بالهدنة وشنوا هجوما على مطار اللد حيث سقطت دفاعاته بعد ان تمكن المسلحين اليهود من السيطرة على المدينة واحتلالها والانطلاق من هناك نحو مدينة الرملة بالدبابات والمصفحات، فتصدت لهم القوات الأردنية وأوقعت بهم خسائر فادحة، إلا إنهم تمكنوا من حصار المدينة، فقام الشيخ مصطفى المدني بمفاوضة الجانب اليهودي على تسليم المدينة مقابل خروج أهلها سالمين، وعندما وصلت مجموعة المجاهدين التي يقودها الشيخ يحيى إلى الرملة كان اليهود قد احتلوها، ووجدوا أنفسهم وسط حصار يهودي صعب اختراقه، فوقعوا في الأسر، واقتيدوا إلى معتقل إقامة اليهود في مقبرة مسيحية وبدأوا بفرز الأشخاص وعندما تعرفوا على المجاهد الحاج سليم الغول وهو من صرفند أعدموه على الفور أمام المجاهدين، فأدرك الشيخ يحيى ان اليهود سيتعرفون عليه وسيكون مصيره الإعدام فأمر ابنه سعيد وابن أخيه يوسف بإثارة جلبة وفوضى بين الأسرى مطالبين بالماء للشرب، وفي لحظات بعد إثارة الفوضى رفعا الشيخ يحيى على أكتافهما حتى اعتلى سور المقبرة وقفز هاربا عبر المزارع المحيطة، دون ان ينتبه إلى ان ابنه سعيد وابن أخيه يوسف قد فعلا ما فعله تماما، ورجعا إلى اللد لمعرفة مصير بقية الأهل هناك، وعند وصولهما وجدا ان اليهود أصدروا امرا بعدم البقاء في اللد إلا لمن له عمل في المحطة الرسمية، فاضطر سعيد ويوسف استخدام عربة خضار تابعة لمحمود المصري وبقيا يدفعانها حتى بلدة القباب حيث وجدوا الجيش العربي الأردني يقوم بعمليات إجلاء للناجين ونقلهم إلى الرملة، وفي مدينة الرملة التقى سعيد يحيى الناطور بإبراهيم يانس الذي ابلغه ان والده الشيخ يحيى قد وصل إلى الرملة ويبحث عنه بين جموع الخارجين من اللد، فأوصاه سعيد ان يبلغ والده في حال التقاه انه وابن عمه يوسف سوف ينتقلا إلى عمان.

 قبل ان يلحق الشيخ يحيى بابنه سعيد وابن أخيه يوسف إلى عمان كان شيخ المجاهدين الفلسطينيين حسن سلامه قد أصيب في معركة رأس العين ونقل إلى مستشفى اللد، فذهب الشيخ لزيارته والاطمئنان عليه، ثم توجه إلى عمان، ومنها إلى مدينة الكرك وبعد أيام من وصوله فوجئ بأن ضابط أردني يدعى “عمران عمر” يعتقله بعد ان أبدى له الأسف الشديد كونه مناضل كبير، فسأله الشيخ يحيى عن سبب الاعتقال فأفاده انه مطلوب للمخابرات للاشتباه بأنه وضع لغما لبهجت طبّاره في نابلس، وبعد التحقيق معه تم الإفراج عنه بعد ان علمت المخابرات الأردنية بأن واضع اللغم ليس الشيخ يحيى، وإنما عبد الحميد السراج وبكل الوفاء يذكر سعيد ابن الشيخ يحيى ان الشيخ عطا الله المجالي والد دولة رئيس الوزراء السابق عبد السلام المجالي هو صاحب الفضل في الافراج عن والده من سجن المخابرات، حيث كانت علاقة الصادقة تربط بينهما، وكان الشيخ عطا الله المجالي يدعم المجاهدين الفلسطينيين ويشتري الاسلحة ويرسلها لهم، وبسبب هذه العلاقة اختار الشيخ يحيى مدينة الكرك ليقيم فيها بعد اللجوء من فلسطين، وقد ساعده الشيخ عطا الله المجالي في تسلم التراكتورات (D.4-D.6) بدل كروت الاعاشة، وعملت تلك التراكتورات في فلاحة اراضي الكرك.

 

احتلال الصهاينة لبيت دجن والعمل على تدميرها :

 مهما يكن من أمر، فقد استولى الصهاينة على بلدة بيت دجن وشرعوا في 16/6/1948 بتدمير البلدة، وتبنى الصندوق القومي اليهودي عملية التدمير، وقد لخص دافيد بن غوريون عملية تدمير بعض القرى الفلسطينية حتى ذلك التاريخ كما يلي: ” تم تدمير المغار قرب غديرة، وفجة وبيار عدس (قرب المجدل) والتدمير يتوالى في مسكة وبيت دجن شرقي تل ابيب، وفي وادي الحولة وفي الخواصة قرب حيفا، والسميرية قرب عكا..الخ.

 وعلى الرغم من عملية التدمير التي تعرضت لها بلدة بيت دجن بعد هجرة سكانها بحوالي خمسين يوما، إلا أن التدمير لم يشمل جميع مرافق البلدة ومنازلها، وقد أشار أحد الباحثين([6]) إلى وجود بضعة منازل، بعضها مهجور وبعضها الآخر تشغله أسر يهودية ذات أصل يمني وعراقي، أو يستخدم متاجر أو مستودعات أو مكاتب، ويظهر فيما تبقى من منازل مظاهر معمارية متنوعة، فأحد المنازل يتخذ شكل المستطيل وله سقف مسطح ونوافذ أمامية مستطيلة ونافذتان مقنطرتان على جانبيه، وهو مشيد من الإسمنت، وحول منزل آخر إلى كنيس إيلي كوهين، وهو مشيد بالإسمنت وله سقف مسطح وباب ونافذة أماميان تعلوهما قنطرتان مستديرتان، وقد رسمت نجمة داود على بابه الأمامي، وكذلك على باب آخر يبدو أن أنه باب مرآب، ولأحد المنازل المهجورة المبنية بالإسمنت سقف قرميدي هرمي الشكل متداع للسقوط، أما المنازل المهجورة الأخرى فمختومة وقد حول مسجد الشيخ مرزوق الواقع في الحارة الشامية إلى مستودع، ويبدو أن هذا المسجد قد تعرض للتدمير فيما بعد، إذ شيد الإسرائيليون عمارة ضخمة مكانه، وتجدر الإشارة إلى أن أهالي بيت دجن الذين زاروا البلدة بعد عام 1967 كانوا يتوجهون إلى منازلهم، لدرجة أن أحدهم روى لي أن لون باب منزله لم يتغير من عام 1948-1967، مما يفيد أن اليهود لم يهدموا جميع منازل البلدة، وكان عدد سكان بلدة بيت دجن عام 1948 (4800 نسمة) واقام المستوطنون اليهود فوق اراضي القرية عدد من المستعمرات هي: “بيت دغان” التي انشئت بعد ستة شهور من احتلال بيت دجن، ومستعمرة “حيميد” و”بنيت” عام 1950، ومستعمرة “غنود” عام 1953..

كان ثوب بيت دجن وما يزال من أبرز الملامح في حياة أهل البلدة، وكان أحد عنوانات بيت دجن التي تميزها عن سواها، ودليلاً على مهارة المرأة الدجنية ورمزاً لإبداعها الذي كثيراً ما افتخرت به. وظل هذا الثوب حديث الكثيرين في الجلسات والسهرات والأعراس قبل النكبة وبعدها، في بيت دجن وغيرها من قرى فلسطين وبلداتها ومدنها.

وقد أخذ ثوب بيت دجن الجائزة الاولى أثناء معرض اسماعيل شموط في ألمانيا

 


([1]) سورة البقرة آية – 248.

([2])المصدر: w. palestinememberd.com

 Jaffa/ Bayt – Dajan

([3]) احمد يانس وحسين يانس ابناء عم من بلدة (بيت دجن).

([4])هذه السيارة تم تصفيحها وتركيب مدفع رشاش عليها باشراف شريف حبش وكان يقودها محمود الباش (حدي).

([5])وصل عبد القادر الحسيني قادما من القدس الى القسطل يوم 7/4/1948وعمد على الفور إلى إعادة تنظيم صفوف المجاهدين، وعين على الميمنة في الجهة الشرقية، المجاهد حافظ بركات، وعلى الميسرة من الجهة الغربية،الشيخ هارون بن جازي، وفي القلب فصيلتان بقيادة إبراهيم أبو دية، وفي موقع القيادة كان الحسيني، وعبد الله العمري، وعلي الموسوس إضافة إلى فيصلي استناد في الجهة المقابلة، وبدأ الهجوم وفق هذا الترتيب، لتتمكن قوات القلب والمسيرة من اكتساح مواقع العدو واستحكاماته الأمامية، ولكن التقدم كان صعبا بسبب قلة الذخيرة، وأصيب إبراهيم أبو دية مع ستة عشر من رجاله بجراح، هنا اندفع عبد القادر الحسيني لانقاذ الموقف، فاقتحم القرية مع عدد من المجاهدين تحت وابل من نبران الصهاينة ومع طلوع فجر الثامن من نيسان،وقع عبد القادر ومن معه في طوق الصهاينة، فاندفعت نجدات كبيرة إلى القسطل، كان من بينها حراس الحرم القدسي الشريف، لكن هذه النجدات على كثرتها لم تكن منظمة، حاول قادة المجاهدين استثمار النصر، بمطاردة فلول الصهاينة، ولكن العثور على جثمان الشهيد عبد القادر الحسيني، ترك في نفوس المجاهدين وقعا أليما، وساد صفوفهم الارتباك، وفقد القادة سيطرتهم على الأفراد، الذين شرعوا في مغادرة القسطل لتشيع عبد القادر الحسيني.

([6]) سعيد البيشاوي – زار البلدة عدة مرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.