Take a fresh look at your lifestyle.

برهوم جرايسي – بين تمدّد التيار الديني الصهيوني وتضخيم قوته في استطلاعات الرأي

0 631

مركز مدار – برهوم جرايسي – 21/3/2019

قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، ما زال عدم الوضوح هو سيد الموقف في استطلاعات الرأي العام، فعلى الرغم من الإجماع الحاصل في كل استطلاعات الرأي على أن ائتلاف بنيامين نتنياهو ما زال يسيطر على الأغلبية المطلقة فيها، إلا أن هناك علامات سؤال حول إجمالي المقاعد التي ستحصل عليها قوائم اليمين الاستيطاني المتشدد، وخاصة تلك التي ترتكز على التيار الديني الصهيوني كقاعدة أساسية لقوتها الانتخابية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أبرز تحالفين لأحزاب المستوطنين، “وحدة أحزاب اليمين” و”اليمين الجديد”، يحصلان معا على ما بين 11 إلى 13 مقعدا، وهذه القوة التي كانت تمنحها استطلاعات الرأي لتحالف “البيت اليهودي” في ما لو استمرت الشراكة فيه. إلا أنه مع إعلان حل الكنيست، أعلن قائدا تحالف “البيت اليهودي”، وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت، ووزيرة العدل أييليت شاكيد، عن انشقاقهما وتشكيل حزب جديد يحمل اسم “اليمين الجديد”. وفي الحال منحت استطلاعات الرأي هذا الحزب الصدارة بين المستوطنين، مع 8 مقاعد بالمعدل، لكنه هبط في استطلاعات الرأي الأخيرة إلى 6 مقاعد.

في المقابل، فإن حزب “المفدال”، الذي بات باسم “البيت اليهودي”، واصل تحالفه مع “هئيحود هليئومي (الاتحاد القومي)”. وبضغط من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، انضمت إلى التحالف حركة “عوتسما يهوديت (قوة يهودية)”، وهي الحركة الاستمرارية لحركة “كاخ” الإرهابية المحظورة. وفي حين كانت استطلاعات الرأي تمنح هذا التحالف، “وحدة أحزاب اليمين”، ما بين 4 إلى 5 مقاعد، وقيل إنه تحالف يواجه احتمال عدم اجتياز نسبة الحسم، فإنه بات الآن في صدارة المعسكر الديني الصهيوني، وأصبح يحصل على ما بين 7 إلى 8 مقاعد.

بشكل أو بآخر فإن القائمتين ستحصلان معا، كما ذكر سابقا، على عدد المقاعد التي كانت مرشحة لتحالف “البيت اليهودي”، لو استمر في تركيبته التي كانت في انتخابات 2015. إلا أنه في الأسبوعين الأخيرين ظهر “لاعب جديد”، في استطلاعات الرأي، هو حزب “زهوت (هوية)”، بزعامة المتطرف موشيه فيغلين، من قادة العصابات التي تقتحم المسجد الأقصى المبارك، ومن أشد العنصريين ضد العرب.

وكان فيغلين قد ظهر في الحلبة السياسية في النصف الثاني من سنوات التسعين من القرن الماضي، ودعا إلى “العصيان المدني” ضد اتفاقيات أوسلو. ولاحقا انضم إلى حزب الليكود، ونجح في تشكيل تيار داخل الحزب، هو الأشد تطرفا. ثم خاض الانتخابات الداخلية لرئاسة الحزب، أكثر من مرّة، وفشل. كما أنه لم ينجح في الحصول على مقعد مضمون في انتخابات الكنيست، إلا في الدورة البرلمانية الـ 18، بين العامين 2013- 2015، ضمن حزب الليكود. غير أن منافسته لبنيامين نتنياهو على رئاسة الحزب في حينه، جعلت الأخير يقف سدا منيعا لمنع تمثيله مجددا عن قائمة الليكود. ولكن قيل في حينه إن نتنياهو يريد استبعاده عن الحزب بسبب تطرفه. فانشق لاحقا وأقام حزب “زهوت”.

وهذا الظهور “المفاجئ” لفيغلين في استطلاعات الرأي كمن يتجاوز نسبة الحسم، عزز علامات السؤال حول مدى صحة استطلاعات الرأي، التي تُضخم من حجم اليمين الاستيطاني، خاصة وأن أصوات اليمين الاستيطاني لا تتوزع فقط على هذه القوائم الثلاث، التي بات مجموع ما ستحصل عليه هو ما بين 16 إلى 18 مقعدا، فهناك قائمة حزب الليكود، التي حصلت في انتخابات 2015 وحدها على 32% من أصوات المستوطنات، ونسب صغيرة جدا حصلت عليها قوائم تدور في فلك اليمين الاستيطاني.

وحينما نتكلم عن اليمين الاستيطاني، فهذا لا يعني أصوات المستوطنات وحدها، بل إن المستوطنات هي شريحة نموذجية لقاعدة انتخابية أكبر. وبحسب التقديرات، فإن عدد أصحاب ذوي حق الاقتراع في مستوطنات الضفة وحدها، من دون القدس المحتلة، سيتجاوز بقليل 255 ألف مصوت، وهؤلاء يشكلون 4% من إجمالي ذوي حق التصويت، الواردة أسماؤهم في سجل الناخبين. لكن في يوم الانتخابات ترتفع النسبة إلى 5%، على ضوء أن نسبة التصويت بين المستوطنين في حدود 90%، وفي مستوطنات صغيرة تكون أعلى، إذا ما أخذنا بالحسبان أصوات مستوطنين يصوتون خارج مستوطناتهم، مثل الجيش وطواقم عمل رسمية.

ونسبة 5% تعني 6 مقاعد برلمانية. لكن أصوات المستوطنين موزعة حسب التقديرات الحالية إلى 39% من التيار الديني الصهيوني، و39% من المتدينين المتزمتين “الحريديم”، و22% من العلمانيين، لكن غالبية العلمانيين الساحقة في تيار اليمين الاستيطاني. وهذه نسب ترتكز على بحث “الخارطة السياسية في المستوطنات 2013- 2015- برهوم جرايسي”، الصادر عن مركز “مدار”.

وهذا يعني أن قوة التيار الديني الصهيوني المسيطر على الأجواء السياسية في المستوطنات، لا تتجاوز 3 مقاعد برلمانية. لكن أصوات المستوطنين تشكل شريحة لطابع تصويت هذا التيار، الذي حسب التقديرات يشكل نسبة 5ر12% من إجمالي السكان، وحوالي 15% من إجمالي اليهود الإسرائيليين وحدهم. فهذا هو التيار الديني في داخل الحركة الصهيونية، وفي العالم يطغى طابع الليبرالية والتعددية في داخله، مثل الإصلاحيين. لكن في إسرائيل فإن هذا التيار الديني شهد منذ منتصف سنوات التسعين تحولات متسارعة نحو التطرف الديني. وبالإمكان القول إن التيار الإصلاحي الذي كان بارزا على الساحة الإسرائيلية قد تلاشى مع السنين.

وما يراد قوله إن استطلاعات الرأي في نتائجها الأخيرة تمنح قوة للأحزاب التي تدور في فلك اليمين الاستيطاني، وهي متحالفة مع الليكود، وزعيمه بنيامين نتنياهو، أكثر بكثير من قوتها الديمغرافية. وما يعزز هذا الاستنتاج هو أن حزب “يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)” بزعامة أفيغدور ليبرمان، المتأرجح عند نسبة الحسم، بات يثبت أكثر في استطلاعات الرأي، التي تمنحه ما بين 4 إلى 5 مقاعد. والمقاعد الأربعة هي التمثيل الأدنى لنسبة الحسم، التي ضغط ليبرمان شخصيا لرفعها من 2% إلى 25ر3% في العام 2014. غير أن هذا الحزب، ورغم تطرفه اليميني، ضعيف في المستوطنات، لكن مصدر قوته هو في اليمين الاستيطاني.

وهناك أحزاب صغيرة أخرى تخوض الانتخابات، وقد يقرر بعضها الانسحاب من المنافسة تحت ضغط قادة اليمين الاستيطاني، منعا لحرق الأصوات. لكن كل حزب مرشح لاجتياز نسبة الحسم لن يقبل بالانسحاب من المنافسة، وهذا ما يقلق أكثر قادة اليمين الاستيطاني، بمن فيهم نتنياهو؛ إذ أن سقوط قائمتين أو أكثر من القوائم المحسوبة على اليمين، من شأنه أن يقلب موازين التمثيل البرلماني، بشكل يضر باليمين الاستيطاني.

وهذا لا يعني نفيا قاطعا لهذه النتائج. فرغم عدم دقتها، إلا أنها تعكس أجواء التطرف في الشارع الإسرائيلي. فحينما ستصدر النتائج النهائية سنقرأها ليس فقط بموجب تقاسم مقاعد الكنيست، وإنما سنأخذ بالحسبان أيضا القوائم التي لم تجتز نسبة الحسم، من هذا المعسكر أو ذاك.

وفي حال اجتاز فيغلين نسبة الحسم، وتمثل مجددا في الكنيست، مع ثلاثة نواب آخرين على الأقل من قطيعه، فإننا سنكون أمام تركيبة برلمانية أشد تطرفا مما شهدناه في الولاية البرلمانية المنتهية، لأن فيغلين ونواب حزبه سينضمون إلى نواب اليمين الاستيطاني المتطرف، الذين بات مضمونا تمثيلهم في الكنيست، وسيكونون في حالة تنافس أشد على المواقف العنصرية والاقتلاعية، إذ أن دعاة الطرد الجماعي للفلسطينيين (الترانسفير) يزداد عددهم في كل واحدة من جولات الانتخابات الإسرائيلية في العقود الثلاثة الأخيرة.

تمدد التيار الديني

الأمر الآخر الذي يبرز في هذه الانتخابات هو تمدد التيار الديني الصهيوني في الخارطة السياسية الإسرائيلية، فهذا التيار لا يتمثل في الأحزاب التي تنشأ في هذا التيار، بل نراه في أحزاب أخرى. وأبرزها حزب الليكود، الذي من بين النواب الـ 30 المرشحين لدخول الكنيست، 8 منهم هم من هذا التيار، ومن بينهم ثلاثة في الصف الأول للحصول على مناصب وزارية، ورئاسة الكنيست. كذلك فإن مرشحين من هذا التيار نجدهم في أحزاب أخرى، بما فيها أحزاب خارج ائتلاف نتنياهو وتنافسه.

وأتباع الديني التيار الصهيوني حينما يتغلغلون في أي حزب، لا يقبلون أن يكونوا “ورقة توت” لهذا الحزب او ذاك، بل نراهم يسارعون للقفز إلى المقدمة، ويكونون مركز قوة، ومحورا للحراك البرلماني والسياسي بشكل عام. وهذا هو نهجهم في الجهاز الحاكم وفي الجيش، الذي حسب تقارير سابقة، فإن 35% من خريجي كليات الضباط هم من هذا التيار، بمعنى ثلاثة أضعاف نسبتهم بين السكان، وضعفين ونصف الضعف من نسبتهم بين اليهود وحدهم.

وهذا التمدد بات يقلق أيضا جمهور العلمانيين، نظرا لاستمرار التطرف الديني لهذا التيار، الذي لطالما كان في عقود مضت يلعب دور التوازن بين التيار الديني المتزمت “الحريديم”، وبين العلمانيين، في ما يتعلق بقوانين وأنظمة الإكراه الديني.

وبالإمكان التقدير أن بنيامين نتنياهو يشعر بقلق العلمانيين، وفي ذات الوقت فهو يريد الحفاظ على قوته داخل التيار الديني الصهيوني، لذا فإنه في العامين الأخيرين سجّل موقفين، كما يبدو لإظهار طابعه العلماني.

الأول حينما أعلن من على منصة الكنيست قبل عدة أشهر أنه يؤيد قانونا يجيز لأزواج من المثليين الذكور استئجار أرحام لولادة أبناء، إلا أنه لا يستطيع التصويت تأييدا لمشروع قانون كهذا، بسبب قرار الائتلاف الحاكم، علما أن في الليكود منذ الولاية البرلمانية المنتهية يوجد نائب مثلي الجنس، النائب أمير أوحانا، وقد أقام مجموعة مستقلة له في حزب الليكود.

وفي الأيام الأخيرة، أعلن نتنياهو عن تأييده لشرعنة ما يسمى بـ “المخدرات الخفيفة”، مثل القنب، رغم أن المستوى المهني المختص في مؤسسات الحكم يرفض هذا. وهذا ليس تصريحا عابرا، ففي انتخابات 2015، حصلت قائمة “عاليه ياروك (الورقة الخضراء)”، التي تنادي بشرعنة الماريحوانا، على أكثر من 47 ألف صوت، وهؤلاء شكلوا نسبة 2ر1%. وهذا يفسر تهاتف أحزاب للتعبير عن موقفها المؤيد لشرعنة “السموم الخفيفة”، لكن البارز بينها كان حزب “زهوت” بزعامة المتدين موشيه فيغلين.

وفي المجمل، فإن التركيبة البرلمانية التي ستفرزها الانتخابات، ستسجل ذروة في عدد النواب المتدينين المتزمتين، ففي الانتخابات السابقة دخل إلى الكنيست 10 نواب من هذا التيار، ولاحقا ارتفع عددهم في أعقاب انضمام نواب آخرين، بعد استقالات نواب في كتل مختلفة. كما أن عدد النواب المستوطنين، عدا القدس، مرشح للارتفاع، وكان عددهم في الانتخابات السابقة 12 نائباً مستوطناً.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.