Take a fresh look at your lifestyle.

الوجود الأجنبي في أفريقيا وأثره في الأمن القومي العربي

0 62
محمود ضياء ١٢-٨-٢٠١٨

 

الوجود الأجنبي في أفريقيا يتجسد في الآتي:

1 – الوجود الإيراني: مثلت القارة الإفريقية أهمية كبرى من وجهة نظر السياسة الخارجية الإيرانية من واقع ارتباطها باهتماماتها الرئيسية (نشر العقيدة – استعادة مكانتها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط والساحة الخليجية- تحقيق مصالحها الاقتصادية). وارتباطاً بذلك حرصت إيران على توقيع الكثير من إتفاقيات التعاون المشترك مع معظم دول القارة في مجالات عدة، باعتبارها تمثل من وجهة نظرها المنطلق الواقعي لتحقيق أهدافها ومصالحها في إفريقيا. وفي ظل هذا المنظور شهدت العلاقات الإيرانية/ الإفريقية خصوصاً بدول حوض النيل والقرن الأفريقي، تطوراً ملحوظاً منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وتواصلت في إطار المساعي الإيرانية لكسب تأييد ومساندة الدول الأفريقية لوجهة النظر الإيرانية بشأن أزمتها مع المجتمع الدولي الخاصة بتطوير قدراتها النووية، وأحقيتها في الاستخدام السلمي لها. فضلاً عن توفير متطلبات نمو الاقتصاد الإيراني ارتباطاً بما يتوفر في القارة من ثروات طبيعية وأسواق. وفي هذا الإطار، ارتكزت الاستراتيجية الإيرانية على إستخدام الوسائل والأدوات الرسمية وغير الرسمية في تنفيذ أنشطتها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والعقائدية من خلال الاعتمادم على أساليب اقتراب، تستند في جوهرها إلى استغلال الحاجة الأفريقية لدعم خطط التنمية الاقتصادية. فضلاً عن محاولة الحصول على أكبر مقدار من المساعدات التي تتيح إمكان معالجة أوجه القصور التي تشهدها باقي المجالات، بخاصة الأمنية والعسكرية.

2 – التواجد الإسرائيلي: حظيت أفريقيا بأسبقية متقدمة من منظور السياسة الخارجية الإسرائيلية؛ ليس فقط باعتبارها كتلة تصويتية كبيرة في الأمم المتحدة يمكن أن تدعم القرارات الإسرائيلية، وإنما كذلك لكونها مورداً مهماً للموارد الطبيعية وسوقاً واعداً، فضلاً عما تشكله من أهمية لترسيخ نفوذها السياسي وتطويق الدول العربية الأفريقية من الجنوب. إضافة إلى كونها ساحة للصراع الاستراتيجي العسكري الأمني مع الدول العربية في إطار الصراع العربي الإسرائيلي. لذلك كثفت إسرائيل من جهودها لتعزيز علاقاتها مع معظم الدول الأفريقية بخاصة المؤثرة في نطاقاتها الإقليمية؛ مع إعطاء أهمية قصوى لدول منطقة شرق أفريقيا وحوض النيل.

3 – الوجود التركي: بدأ الدور التركي في أفريقيا في التنامي منذ وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى الحكم عام 2002، إذ سعت تركيا إلى جعل نفسها دولة مركزية ذات نفوذ إقليمي، وارتكزت على القاطرة الاقتصادية كمحرك لسياستها داخل القارة الأفريقية، ساعية إلى الحصول على الموارد الطبيعية والمواد الخام من جانب، واستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وفي هذا الصدد، نجحت تركيا في الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، وعمّقت علاقاتها بالمنظمات الإقليمية في إفريقيا، كما اعتمدت في تعزيز علاقاتها مع إفريقيا على تقديم المساعدات التنموية وجهود الإغاثة الإنسانية، وتنفيذ المشاريع التنموية، إضافة إلى أن لها أكبر قاعدة عسكرية في الصومال.

4 – الوجود الأميركي: تسعى واشنطن إلى تعزيز علاقاتها الإفريقية بهدف تأمين منع تصاعد أدوار القوى المنافسة لها في النظام العالمي وضمان التأييد الأفريقي للسياسات الأميركية داخل المحافل الدولية والتعاون مع مطالب تحقيق أهداف الأمن القومي الأميركي، وتجاوز ضغوط الشركات متعددة الجنسيات بخاصة العاملة في مجالات البترول والتعدين والبنية التحتية واكتساب تأييدها لسياسات الإدارة الأميركية في ظل مطالبتها بتوفير المناخ المناسب لتوسيع أنشطتها في القارة بخاصة مع الاتجاه لزيادة حجم مشروعاتها واستثماراتها في أفريقيـا. السيطرة على مصادر الطاقة ومراكز الثروات المعدنية؛ لمنع القوى الصاعدة من الهيمنة على الأسواق الأفريقية، ولتوفير فرص انتعاش وزيادة معدل نمو الاقتصاد الأميركي. الحصول على قواعد جوية وبحرية للانطلاق نحو الأهداف المعادية، وتأسيس مراكز للاستخبارات للحصول على المعلومات. واعتمدت السياسة الأميركية على الكثير من المحاور لتحقيق أهدافها؛ إذ دعمت علاقاتها مع الدول المؤثرة في نطاقاتها الإقليمية، وأسست صندوقا لمكافحة الأيدز، وأسقطت الديون الإفريقية، وغيرت ولاء بعض الأنظمة من فرنسا إلى الولايات المتحدة الأميركية. وعملت واشنطن كذلك على تنفيذ قانون النمو والفرص «أجوا» والذي يعتمد على مبدأ المشاركة بدلاً من المساعدات وإزالة الحواجز الجمركية على الصادرات وتشجيع فرص الإستثمارات الأميركية في أفريقيا، وتنفيذ الكثير من برامج التأهيل والتدريب العسكري، وتعزيز القدرات الأفريقية لمجابهة الأزمات والكوارث وتنفيذ عمليات حفظ السلام، والحصول على قواعد عسكرية.

5 – الوجود الصيني: تنظر الصين إلى أفريقيا على أنّها خزّان استراتيجي للموارد الأوليّة والطبيعية في العالم، وهو ما يعطيها القدرة على تلبية حاجاتها المتزايدة من هذه المواد وبالتالي الحفاظ على النمو الاقتصادي للبلاد والصعود الجيوسياسي على المستوى الإقليمي والدولي. واستهدفت الصين معادلة الدور التايواني المتنامي على الساحة الإفريقية، وحشد موقف إفريقي بشأن سياسة الصين تجاه مشكلة تايوان، وزيادة منافذ التسويق للصناعات الصينية في إفريقيا، بالتوازي مع تنسيق الرؤي والسياسات مع الدول الأفريقية في شأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويتمثل أبرز مسارات حركة الصين لتنفيذ استراتيجيتها في القارة في دعم التعاون بين الأجهزة التشريعية في الصين وإفريقيا، وزيادة مساعدات بكين للاتحاد الأفريقي ودعم قدراته في مجالات حفظ السلام والأمن، وزيادة حجم استثماراتها ومساعداتها، ودفع مزيد من خبرائها لتنمية المجالات الزراعية، فضلاً عن تطوير قطاعات البنية التحتية، وتقديم التسهيلات لمعالجة مشكلة الديون. وتقيم الصين علاقات ديبلوماسية مع 48 دولة أفريقية، إضافة إلى أن لها أكثر من 600 شركة استثمارية تعمل في مجالات استكشاف وتطوير الموارد المعدنية والزراعة والنقل والاتصالات والطاقة في القارة.

6 – الوجود الفرنسي: يشير تنامي العلاقات الفرنسية الإفريقية إلى استمرار حرص باريس على الحفاظ على قوة الدفع في علاقاتها مع دول القارة في الأطر الثنائية والمتعددة الأطراف وبخاصة في منطقة غرب إفريقيا. إضافة إلى وجود أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا في جيبوتي، علاوة على كثافة التمثيل الديبلوماسي الفرنسي في القارة الأفريقية؛ والذي يستهدف مواجهة تزايد النفوذ الأميركي والصيني في أفريقيا بخاصة في قطاعي البترول والموارد الأولية، بالتوازي مع حرص فرنسا على دورية انعقاد القمة الأفريقية الفرنسية مرة كل عامين منذ عام 1973.

في ضوء ما تقدم تشير؛ معطيات الموقف إلى التداعيات السلبية التي يفرزها الوجود الأجنبي في إفريقيا التي تمثل أحد أبرز محاور الأمن القومي المصري، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وتزايدت هذه الأهمية مع بروز عدم توافق في الرؤى بين مصر وإثيوبيا والسودان حول ملف حوض النيل، نتيجة إنشاء أديس أبابا سد النهضة، الذي يمثل تهديداً صريحاً لمستقبل مصر المائي. علاوة على أن تعزيز علاقات بعض القوى الإقليمية المنافسة لمصر على الساحة الأفريقية والتي تشهد العلاقات معها توتراً خلال الفترة الأخيرة، يزيد من التهديدات التي يواجهها الأمن القومي المصري والعربي.

عن الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.