Take a fresh look at your lifestyle.

الواشنطن بوست – لماذا لم تتصاعد أحداث غزة إلى حرب شاملة ؟

0 24

الواشنطن بوست  –  دانييل بيمان* –  7/5/2019

أنهى وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه يوم الاثنين الماضي واحدة من أسوأ جولات القتال بين إسرائيل وحماس منذ العام 2014. وقد توفي في القتال أربعة إسرائيليين وأكثر من 20 فلسطينياً في يومين من الصراع الذي أعقب مظاهرة عنيفة جرت على طول السياج الحدودي الذي يفصل إسرائيل عن قطاع غزة، وإطلاق النار على جنديين إسرائيليين. وأطلقت الجماعات الفلسطينية المسلحة نحو 700 صاروخ على إسرائيل، والتي سقط معظمها من دون إلحاق أضرار -وإنما التي أصاب العديد منها منازل أو أهدافاً أخرى في إسرائيل.

وقصفت إسرائيل بدورها مئات الأهداف في غزة، وضربت منشآت تابعة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين وقتلت قائداً عسكرياً زعمت أن له صلات بإيران، مستأنفة بذلك عمليات القتل المستهدف التي كانت قد أوقفتها منذ بعض الوقت. وكما هو الحال دائماً، كانت المسؤولية عن القتلى المدنيين موضع نزاع ساخنا، لكن الفلسطينيين يذكرون امرأتين حاملين وطفلين رضيعين من بين القتلى.

لا تُظهِر الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل وحماس الإمكانية المستمرة لنشوب الصراع في غزة فحسب، وإنما تظهر أيضاً -وربما بطريقة مناقضة للبديهة- لماذا لم ينفجر الوضع القابل للاشتعال هناك إلى حرب مباشرة. وكان بعض المواطنين الإسرائيليين قد دعوا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأسبوع الماضي إلى تصعيد القتال، كما يرحب بعض المتشددين بصدام أوسع نطاقاً. لكن لدى كلا الجانبين أسباب لضبط النفس. فمن ناحية، يعترف قادة حماس بضعفهم العسكري والسياسي والدبلوماسي؛ ولن تحقق حرب أطول أمداً الكثير، وستترك غزة في وضع أسوأ. ومن ناحية أخرى، تدرك إسرائيل، من جانبها، أن وجود نظام متطرف ضعيف في غزة يظل أفضل من انهيار النظام في القطاع أو صعود مجموعة أكثر تطرفاً هناك. وكما أوضح المحلل الأمني الإسرائيلي غابي سيبوني، فإنه “إذا دفعت إسرائيل نظام حماس إلى الانهيار، ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ كلُّ بديل يبدو مفزعاً”.

لذلك، تستخدم إسرائيل من القوة ما يكفي لإبقاء حماس ضعيفة، ولإرسال رسالة تقول إن عمليات إطلاق النار والهجمات الصاروخية سوف تُعاقب بشدة. لكنها تضبط نفسها لتجنب اندلاع حريق كامل. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي السياسة الداخلية والمفاهيم الخاطئة على كلا الجانبين إلى قرارات قد تتسبب في خروج العنف عن نطاق السيطرة.

كان القتال الأخير كثيفاً، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مفاجأة. فقد اشتبكت إسرائيل وحماس في الأعوام 2008-2009، و2012، و2014، في صراعات أسفرت عن مقتل ما يقرب من 100 جندي ومدني إسرائيلي وأكثر من 3.000 فلسطيني. وفي الفترة بين العامين 2014 و2018، قصفت إسرائيل غزة بانتظام لوقف الهجمات الصاروخية ومعاقبة حماس -في إطار العمليات التي يطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم “الحملة بين الحروب”.

لطالما استخدمت حماس الهجمات الصاروخية -أو تسامحت مع إطلاقها- كوسيلة لجذب الانتباه الدولي إلى غزة -ولإظهار فشل إسرائيل في احترام الاتفاقات السابقة التي من شأنها أن تتيح مزيداً من النشاط الاقتصادي والتنمية للقطاع. وبالإضافة إلى ذلك، قد تعتقد المجموعة هذه المرة بأن التوقيت كان مناسباً بشكل خاص، لأن يومي ذكرى إسرائيل وعيد الاستقلال قادمان، ولأن تل أبيب تستضيف في غضون أسبوع مسابقة الأغنية الأوروبية؛ وبذلك ربما تكون إسرائيل أكثر حساسية للاضطرابات. وعلى نطاق أوسع، ربما تسعى حماس إلى إرسال رسالة إلى العالم، بما في ذلك إدارة ترامب، والتي تفيد بأنه لا يمكن لأي سلام أن يحدث من دون موافقة ضمنية من حماس.

تحكم حماس قطاع غزة بطريقة غير فعالة، وهو ما يعوق قدرتها على نيل قيادة القضية الفلسطينية. وتحتفظ كل من إسرائيل ومصر بسيطرة محكمة على حدود غزة، وتستخدم عدوة حماس اللدودة في الضفة الغربية -السلطة الفلسطينية- علاقاتها بإسرائيل والمجتمع الدولي للسيطرة على الأموال التي تذهب إلى غزة (ولتقويض حماس). ويشكل البؤس والركود الناتجان عن ذلك في غزة واحداً من الأسباب التي تجعل حماس مستعدة للمخاطرة بخوض الصراع: لكي تظهر للمتشددين أنها تقف في وجه إسرائيل، وتجعل سكان غزة المحبطين يعرفون أنها لن تقبل بالوضع الراهن القاتم بخنوع.

ومع ذلك، يشير عدم نشوب صراع شامل تمكن مقارنته بصراع العام 2014 إلى أن كلا الجانبين يحجمان عن التصعيد. ومع أن صواريخ حماس تنشر الرعب وبعض الموت، فإنها لا تشكل استراتيجية عسكرية رابحة، وكانت المجموعة سريعة إلى الضغط من أجل وقف لإطلاق النار. وقد أنهى رد فعل إسرائيل العسكري الصارم -وإنما المعايَر بعناية- وابل الصواريخ من دون الإطاحة بالحكومة في غزة، وأثار انتقادات دولية قليلة (هذه المرة على الأقل).

بالإضافة إلى خياراتها العسكرية الضعيفة، فإن حماس معزولة دبلوماسياً. وقد أثبت الزعيم المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يحظى بدعم كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كونه عدواً مريراً للحركة؛ حيث أغلق معبر رفح الحدودي وقمع حركة الأسلحة والمقاتلين بين سيناء وغزة. كما أدت الحربان في سورية واليمن (حيث تدعم كل من حماس وإيران طرفي نقيض) إلى توتير علاقة الحركة مع طهران. وعلى الرغم من أن الاثتنين توصلتا إلى تسوية مؤقتة، فقد تعلمت حماس أن تتوقع القليل من إيران خلال حرب فيها إطلاق نار مع إسرائيل.

يظل الحفاظ على ضبط النفس بالكاد مضموناً بطبيعة الحال. وتقوم إسرائيل على الأغلب بمواصلة “الحملة بين الحروب” من أجل إرسال رسالة إلى أعدائها الإقليميين الآخرين. ويخشى القادة الإسرائيليون أن يؤدي أي ضعف في وجه هجمات حماس إلى تشجيع حزب الله في لبنان وإيران في سورية. ومع ذلك، يجب أن تكون إسرائيل حذرة إزاء دفع حماس قريباً جداً من حافة الهاوية.

لعل من المفارقات أن تكون لدى حماس وإسرائيل الإجابة نفسها عن مشاكل غزة: السلطة الفلسطينية. فمن وجهة نظر إسرائيل، إذا سيطرت السلطة الفلسطينية على غزة، فإنها يمكن أن تعمل كبديل سلمي عن حماس وتكون قناة مقبولة لتلقي المساعدات الدولية. ومن جانبها، تبدو حماس حريصة على إلقاء المسؤولية عن الفوضى الساخنة التي تنطلق من غزة على السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، لن تتخلى حماس عن أسلحتها، كما تطالب إسرائيل والولايات المتحدة، خوفاً من فقدان أوراق اعتمادها المتمثلة في “المقاومة”، ولأنها تشتبه في أن السلطة الفلسطينية ستقوم باعتقال أعضاء حماس وتعذيبهم (كما فعلت في الماضي). ولا تريد السلطة الفلسطينية أن تعود حماس إلى الوقوف على قدميها، وهي تدرك أن محاولة جلب الرخاء إلى غزة هي اقتراح خاسر.

تشكل السياسة الداخلية على كلا الجانبين أوراقاً مهمة. فقد ادعى رئيس الأركان الإسرائيلي السابق بيني غانتز، الذي كاد أن يخلع نتنياهو في الانتخابات الأخيرة، بأن وقف إطلاق النار هو “استسلام آخر لابتزاز حماس والمنظمات الإرهابية”. ومع أن سياسات حماس أقل شفافية، فإن من المرجح أن يضغط المتشددون في اتجاه نهج أكثر ميلاً إلى المواجهة إذا ما استمرت المجموعة في التعثر. وبالإضافة إلى ذلك، يواجه قادة حماس منافسة من قبل المزيد من المنظمات المسلحة، مثل الجهاد الإسلامي، وكذلك المتطرفين من نوع “داعش” الذين يرفضون كل التسويات والحلول الوسط.

يكمن أكبر مصدر لقوة حماس في الضعف السياسي للسلطة الفلسطينية، التي تفقد مصداقيتها بشكل متزايد مع تحول محادثات السلام إلى حلم بعيد المنال. وسوف تخدم المقترحات الخطيرة المتعلقة بالمستوطنات والتحرك نحو اتفاق سلام أوسع إسرائيل جيداً على المدى الطويل. لكن هذا لن يحدث من دون توجيه من واشنطن أو تغيير في التوجهات لدى السكان الإسرائيليين وقادتهم، وهو أمر لا يبدو مرجحاً.

أما في الوقت الحالي، فقد يكون الصراع المحدود والمتقطع بين إسرائيل وحماس أفضل نتيجة يمكن أن نأملها.

*أستاذ في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون وزميل رفيع بمعهد بروكينغز. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “محاربو الطريق: المقاتلون الأجانب في جيوش الجهاد”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.