Take a fresh look at your lifestyle.

المجتمع الإسرائيلي وتشكُل الرأي العام .. آلية صناعة القرار في ظل التعددية والهجرات المستمرة

0 463

ابراهيم صالح ١٨-٤-٢٠١٩

فَهم المجتمع الإسرائيلي من الداخل بالنظر إلى تعقيداته العرقية، وإختلافاته الدينية حتى داخل العقيدة الواحدة، قضية هامة لتجنب الوقوع في خطأ التفسير السطحي من المجتمعات العربية المحيطة بإسرائيل، خاصة وأن هذا المجتمع قد بلغ أوج تشكله بعد موجات الهجرات المتتابعة والتي لعبت فيها الظروف السياسية بعد نهاية الإتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن الماضي دورا هاما، وهجرات شعوب شرق أفريقيا – أثيوبيا وأريتيريا- والتي لا تزال مستمرة حتى الآن على الرغم من مقاومة حكومة نتنياهو لها.

ترتيبًا على ذلك؛ هل يُعد المجتمع الإسرائيلي الحديث إستناداً إلى ذلك مجتمعًا مثاليًا، خال من بذور التعصب والإنشقاق، مبني على قاعدة ديمقراطية سليمة أم أن الغطرسة، وعقيدة شعب الله المختار لا زالت تتحكم في الشخصية اليهودية، ومن ثم فإن المفاهيم الديمقراطية الُمصدرة والخاصة بتقبل الآخر والتعايش معه خاصة الأفريقي منه، ما هو إلا تحوط سياسي من الدولة، لإبعاد شبح الفرقة والتشتت المجتمعي عن فكر الشعوب المحيطة به؟!

بذور التشكُل المجتمعي الإسرائيلي

شكلت قوانين العودة للوطن الأم، طبقا للشريعة اليهودية وإسخاتولوجيا نهاية الأيام- علم الآخرويات وهو ما يُفسر نهاية العالم طبقا للعقيدة اليهودية-. بداية التدفق للشعب اليهودي، وقد كانتا موجتا الهجرة عام 19950 ، 1990 أكبر موجتين للهجرة إلى إسرائيل(1). قبل ذلك كان دخول اليهود إلى فلسطين يتم وفقاً لتصاريح تمنحها كلاً من الدولة العثمانية وسلطة الإحتلال البريطاني.كانت الأمور في ذلك الوقت تستند إلى قانونين قانون العودة وقانون حق المواطنة بما يعني إستيعاب كل اليهود في المجتمع الجديد بسهولة أي بدون تعقيدات إدارية وعوائق نصوص قانونية. وقد أدت الهجرة الأول أو الكبرى 1950 إلى تغيير التوزيع السكاني في إسرائيل حيث شكل يهود آسيا وأفريقيا أكبر المهاجرين وكان هناك صعوبات في الإندماج مع يهود اوروبا. أما عن أكبر الموجات الحديثة للهجرة فقد كانت عام 1984 من يهود أثيوبيا وقد واجهوا صعوبات جمة هم الآخرين في الإندماج ولا يزالوا حتى الآن هم الفئة الأكثر تدهورا وفقرا.

                والآن يشهد الوضع الإسرائيلي صراعا مكتوما بين هؤلاء المهاجرين، بسبب صغر المساحة التي يعيشون عليها، والتي تبلغ حوالي 22.000 كم مربع، في حين أن عدد السكان يبلغ 7.424.400، بواقع370 شخص لكل كم مربع، وتبلغ المجموعة اليهودية داخل الدولة 5.5 مليون يهودي بنسبة 80 في المائة من السكان بينما يشكل العرب 1.5 مليون بنسبة 20 في المائة وهم ينتمون للملسمين أولا ثم المسيحيون والدروز والبدو والشركس، ويبلغ النمو السكاني نموا سريعا على الرغم من تطور الدولة إذ يفترض النمو طبقا للقواعد العلمية الديموغرافية أن يكون أقل نموا من حيث السكان، وهذا ما يشكل إستثناءا ملحوظا في التكوين السكاني لإسرائيل.

الهيمنة الأوروبية على المجتمع اليهودي

تظهر إشكالية التوزيعة السكانية في المجتمع الإسرائيلي في وجود ما يسمى حالات الفصل العنصري أو الحيزى، وهي ما يعني أن تضم منطقة جغرافية ما مجموعة من البشر تجمعهم خصائص مشتركة كالدين والأصل العرقي، كما في حالة العرب المقيمين في جنوب إسرائيل والجولان والجليل العلي والسفلي،  وحالة اليهود المتشددون – الحريديم- المقيمون بالقرب من القدس – اورشليم- وذلك نظرا لأهمية المكان بالنسبة لهم خاصة، فهم لا يفعلون شيئًا في حياتهم سوى قراءة الأسفار المقدسة، وممارسة شريعة موسى بحذافيرها. ومما لاشك فيه أن هذا التنوع يسبب قلقا للحكومة الإسرائيلية بسبب صعوبة إرضاء الجميع.

ويهيمن يهود أوروبا الشرقية على الوضع داخل إسرائيل معظمهم من أوروبا الشرقية.(2) ووفقاً للمؤرخ اليهودي تسيمرمان فقد عانى هؤلاء في بلادهم كثيراً من قومية عدوانية معادية للسامية في أوائل القرن العشرين ويعد شارون رئيس الوزراء الأسبق من أصول يهودية أوروبية شرقية  فهو يعود بجذوره إلى الأشكناز الذين هاجروا من شرقي أوروبا.كما أن رئيس الوزراء الحالي نتنياهو من جذور بولندية، كذلك ليبرمان وزير الخارجية السابق يحمل نفس الأصول الأشكنازمية. وقد ظهرت في عام 1990، “ثورة في ديموغرافيا” الدولة الإسرائيلية، فقد كان الاتحاد السوفييتي يمنع اليهود من الهجرة. ومع انهياره، انتقل نحو مليون يهودي من المنطقة إلى إسرائيل وقاموا بتغيير التركيبة السكانية في البلاد مرة أخرى. إذ أنه من بين ثمانية ملايين إسرائيلي اليوم، هناك واحد من كل ثمانية جاء من الاتحاد السوفييتي السابق، حسب تقديرات المؤرخ تسيمرمان. هؤلاء المهاجرون أحضروا ثقافتهم ولغتهم أيضاً معهم واستمروا في التواصل معها، لهذا كثيراً ما يسمع المرء اللغة الروسية في الشارع، حسب المؤرخ ، وذلك لأن العديد من المهاجرين الجدد هم أقل رغبة في تعلم اللغة العبرية مقارنة بالمهاجرين الأقدم في البلاد.

ويشكل المجتمع الإسرائيلي من العرب والذين تنتمي الغالبية العظمى منهم إلى السنة ومنهم العشائر البدوية. أما العرب المسيحيون فيقدر عددهم بنحو 123,000 شخص، يسكنون في المدن، ومنها الناصرة وشفاعمرو وحيفا. وينتسب معظمهم إلى طوائف الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس واللاتين، ويقطن الدروز البالغ تعدادهم نحو 122,000 نسمة، اثنتين وعشرين قرية في شمال إسرائيل، حيث يشكلون مجتمعا منفصلا ثقافيا واجتماعيا ودينيا.وهم الوحيدون المخول لهم الخدمة في قوات الجيش الإسرائيلي، ويأتي بعد ذلك الشركس البالغ عددهم حوالي 4000 نسمة بقريتين في شمالي البلاد، ويُعدون من المسلمين السنة، رغم أنهم لا ينحدرون من أصول عربية وأن خلفيتهم الثقافية ليست جزءا من ثقافة المجتمع الإسلامي.(3)

وللدور العربي أهمية سياسية فهم يشاركون في الانتخابات البرلمانية والمحلية. ويدير المواطنون العرب الشؤون السياسية والإدارية في البلديات الخاصة بهم، كما يمثل الأعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) العرب مصالح القطاع العربي. ويلاحظ انه منذ قيام الدولة عام 1948، أعفي المواطنون العرب من الخدمة الإلزامية في جيش الدفاع الإسرائيلي، نظرا للروابط العائلية والدينية والثقافية القائمة بينهم وبين العالم العربي، أما الدروز والشركس فينخرطون بالعمل في القوات المسلحة.

اللاجئون الأفارقة وخطورة الوضع الحالي

يعيش ما بين 40 ألف و 60 ألف من “اللاجئين غير الشرعيين من إفريقيا”، في إسرائيل، ويكون ذلك غالباً داخل معسكرات العمل القسري. ويطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هؤلاء اسم “الغزاة”.

وحالياً تشهد إسرائيل موجة جديدة من الهجرة العاتية من دول أفريقيا ما جعل إسرائيل تنذر آلاف المهاجرين الأفارقة بالترحيل أو السجن، حيث أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطته لترحيل 38 ألف مهاجرا دخلوا البلاد بطرق غير قانونية، أغلبهم من السودان وأريتريا.(4) وكانت قد دعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إسرائيل إلى التخلي عن الخطة ووصفتها بأنها تفتقد إلى الانسجام وغير آمنة.

وقد أكدت منظمة العفو الدولية اليوم إن سياسة إسرائيل المتعلقة بترحيل طالبي اللجوء الأفارقة إلى بلدين أفريقيين لم يُذكر إسماهما تُعتبر تخلياً عن مسؤوليتها عن اللاجئين. بل أن التقرير السنوي للخارجية الأميركية أوضح أنه لم يتم التعامل معهم في الشكل اللائق، ولم يحظوا بالحصول على وثائق رسمية تبيّن حالتهم ومكانتهم القانونيـــــة. كما بين أيضاً أنه في العام الماضي تلقت السلطات الإسرائيلية 4603 طلبات بالحصول على مكانة لاجئ، لكنها رفضت 3692 طلباً ووافقت على طلب واحـــد فقط، في مقابل بقاء نحو 6412 طلباً من دون أي جواب أو رد رسمي.

ويبلغ معدل البطالة بين هؤلاء المهاجرين حوالي 65 في المائة، ويعيش نسبة كبيرة منهم تعيش في مناطق معزولة عن باقي اليهود الأشكناز والسفارديم.

وقد عبروا عن سخطهم هذا بإقتحام الآلاف مقر الكنيست عام 2003، احتجاجاً على العنصرية ضدهم، بعد الكشف عن رفض تجمعات لليهود البيض في جنوب إسرائيل بيع أو تأجير بيوت لليهود الإثيوبيين.

ورفع المتظاهرون شعارات قالوا فيها: “دمنا الأحمر يصلح فقط للحروب”!.

من خضم هذا من يصنع القرار داخل وخارج إسرائيل؟

لابد أن نشير هنا بداءة إلى إزدياد معدلات العلمنة في الدولة اليهودية ويبرهن ذلك الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة حاليا التي تتبنى الفكر العلماني. وقبيل الإنتخابات السياسية في إسرائيل تظهر تجليات اللعبة السياسية في إسرائيل في ظهور أحزاب وإختفاء اخريات وكذلك ظهور إتحادات وتكتلات حزبية.(5)

والبارز هنا في هذا الأمر صناعة القرار في الداخل والخارج الإسرائيلي، فهل يصنعه بديمقراطية جملة المواطنين إستنادا للقانون الذي يساوي نظريا بين الجميع، أم أن هناك ما يعيق هذا ويضمن لمؤسسات بعينها الإنفراد بصناعة القرارات السياسية على الصعيد الداخلي اولدولي؟. من هذا المنطلق يحاول كتاب صناعة القرار الاسرائيلي‏:‏ الآليات والعناصر المؤثرة‏,‏ للمؤلف كريم الجندي،(6) وهو يشرح كيفية تشابك العوامل والقوي داخل المجتمع الاسرائيلي لتضغط علي آلية صناعة القرار‏,‏ وعلي الطريقة التي تؤخذ بها القرارات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية‏.‏

ويتطرق إلي طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ وكيف تؤثر هذه العلاقة علي عملية صناعة القرار الاسرائيلي‏,‏ وإلي العلاقة بين إسرائيل والمجتمعات اليهودية في الخارج. ويشير الكاتب إلي أنه رغم القانون الاسرائيلي الذي ينص علي أن إسرائيل دولة ديمقراطية برلمانية تتخذ قراراتها نظريا علي أساس القوانين والأنظمة التي تكفل الفصل بين السلطات‏,‏ إلا أن آلية صناعة القرار في إسرائيل عملية معقدة‏,‏ تحكمها المكانة الشخصية بدرجة عالية‏,‏ وهي مسيسة إلي حد كبير‏,‏ بالاضافة إلي كونها عملية مائعة وغير رسمية لا تحكمها سلطة واضحة وشاملة‏.‏ ويضيف أن هذه الآلية تتأثر بالمؤسسات والأفراد ذوي النفوذ‏,.

ووصف المدير السابق للمخابرات العسكرية والمنسق السابق للعمليات في الاراضي المحتلة القرارات الاسرائيلية بغير المسئولة‏,‏ مؤكدا أن معظم القرارات الصحيحة يتم اتخاذها بالمصادفة دون تنسيق مؤسسي‏.‏ وقال مير أميت المدير السابق للموساد والمخابرات العسكرية في اسرائيل انه لا يوجد نظام لعملية اتخاذ القرار الاسرائيلي في أي مجال من الاقتصاد للامن والقضايا الاجتماعية

وقد ركز المؤلف في الفصل الثاني على المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي، وطبيعة العملية السياسية الإسرائيلية وخصوصيتها، وأشكال إدارة التحالفات السياسية لصناعة التشكيلات الحكومية، وأثر هذه الائتلافات السياسية في القرار السياسي، مركزا بهذا الخصوص على خصوصية ضعف الاستقرار السياسي في إسرائيل بسبب المدى القصير الذي تعيشه الحكومات الإسرائيلية بسبب التحالفات الحزبية وتعقيدها.

وتناول هذا الفصل بقدر من التفصيل مؤسسة رئاسة الوزراء، مقدما نبذة تاريخية عن أهم الشخصيات التي مرت على هذه المؤسسة وطبيعة تكوينها، والمحددات التي تحكمت آنذاك في اختيارها لهذا المنصب، والتحولات التي طرأت على هذه المحددات، وكيف صار الرصيد العسكري بديلًا للخبرة السياسية في اختيار شخصية رئيس الوزراء، وتوقف الكتاب على ثلاث محددات أساسية تطبع طريقة عملية اتخاذ القرار من لدن رئيس الوزراء: القيادة الشخصانية لرئيس الوزراء، والطابع التسييسي لهذه المؤسسة، وسياسة الارتجال مقدما بهذا الصدد لمحة عن تاريخ تبلورها في السياسة الإسرائيلية بدءا من كولدامايير ومرورا برابين وبيريز وشامير وأولمرت ، لينتهي بذلك إلى تقرير خاصية اللامؤسسية في القرار السياسي الإسرائيلي. وبنظرة على الإنتخابات الأخيرة 2019 سنجد أن من يخوض اللعبة السياسية فيها كلا من نتنياهو رئيس الحكومة الحالي وغانتس العسكري الشهير.

ويبدو أن أساس تكوين المجتمع الإسرائيلي هي العنصرية(7)، كما هو متجلي من صراع المهاجرين، ووجود سياسة فصل بينهم أي بين اليهود الغربيين (الأشكناز) واليهود الشرقيين (السفارديم). والتقرير الذي أصدرته جمعية حقوق المواطن في “إسرائيل” يشير إلى التوجه العنصري للمجتمع الإسرائيلي.

ورغم ان النظام السياسي في إسرائيل يقوم على قواعد ديمقراطية تقر بحق وسيادة مفهوم تداول السلطة بين قوى المجتمع المختلفة، واعتماد النظام الحزبي والكوتا الحزبية في نيل أصوات الناخبين والتشكيل البرلماني، إلا ان العنصر الغربي(الاشكناز) يسيطر وبقوة على مقاليد الحكم، حيث يسيطرون على أكثر من 70% من المناصب العليا في الدولة، فيما يحظى اليهود الشرقيون فقط بما لا يزيد عن 30% منها، كما أن المتدينين يشعرون باستهتار العلمانيين المسيطرين على مقاليد الحكم بالدين والشعائر الدينية.على الرغم من مغازلة الأحزاب للمتدنيين من الحين للآخر, بدعوى تطبيق الشريعة بتفاصيلها إلا أن هذا لا يزيد عن كونه مغازلة سياسية للحصول على أصوات إنتخابية.وتضاؤل قوة العرب داخل المجتمع بسبب عدم إنخراط معظمهم في المؤسسة العسكرية صانعة القرار، وكذلك بسبب تفرقهم ما بين دروز وشركس، مسلمين، ومسيحيين، ويهود.

* المركز العربي للبحوث والدراسات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.