Take a fresh look at your lifestyle.

العلاقات الفرنسية الإيرانية ما بين الردع والحذر

0 25

آية عبد العزيز ١٧-١٠-٢٠١٨

تشهد العلاقات الفرنسية الإيرانية حالة من التوتر على خلفية استهداف طهران لاجتماع المعارضة الإيرانية في باريس في يونيو ،2018 وعليه فقد أعلنت باريس يوم 3 أكتوبر أن وزارة الاستخبارات الإيرانية كانت وراء هذه العملية، الأمر الذي أدى إلى فرض عقوبات على أصول تابعة لأجهزة الاستخبارات الإيرانية واثنين من الرعايا الإيرانيين. وفي هذا السياق قامت الشرطة الفرنسية بشن مداهمات على مركز إسلامي شيعي في إشارة إلى ردع طهران عن التخطيط للتنفيذ أي عمل إرهابي يستهدف أمن فرنسا.

في المقابل؛ دعت طهران إلى إجراء محادثات لتوضيح سوء الفهم بشأن هذا الاعتداء، نافية المزاعم الموجهة لها، ومطالبة بالإفراج عن الدبلوماسي الإيراني وذلك وفقًا لما قاله المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “بهرام قاسمي”(1). والجدير بالذكر أن الموساد أعطى لألمانيا وفرنسا وبلجيكا معلومات استخبارية حول الهجوم الذي أدى إلى اعتقال خلية يرأسها دبلوماسي إيراني(2).

استهداف طهران للمعارضة في باريس

كان من المخطط استهداف الاجتماع السنوي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذراع السياسي لجماعة “مجاهدي خلق” التي صنفتها طهران كمنظمة إرهابية، الذي عقد في منطقة “فيلبنت” بالعاصمة الفرنسية باريس؛ حيث يستقطب الاجتماع عددًا من السياسيين الأوروبيين والأمريكيين الذين يتملكون وجهات نظر متشددة تجاه طهران، مثل “رودي جولياني” أحد المحامين الشخصيين للرئيس  الأميركي “دونالد ترامب”، و”نيوت غينغريتش” وهو متحدث سابق في الكونجرس الأميركي.

وقد تم اكتشاف المخطط عندما قامت الشرطة البلجيكية في 30 يونيو باعتقال زوجين إيرانيين في بروكسل يحملان أكثر من رطل من “TATP”، وهى مادة شديدة الانفجار محلية الصنع، في سيارتهما. وزعمت السلطات في بروكسل أن الزوجين كانا يخططان للانتقال إلى الاجتماع في فيلبينت بفرنسا.

وفي الوقت ذاته، ألقت الشرطة الألمانية القبض على الدبلوماسي الإيراني “أسد الله أسدي”، أثناء عودته من لوكسمبورغ، ويزعم المدعون أن “أسدي” أعطى القنبلة للزوجين في لوكسمبورج. وفي هذا السياق أمرت محكمة ألمانية بتسليم “أسدي” إلى بلجيكا، لدحض المبررات الداعمة لعودته إلى طهران باعتباره مسئول دبلوماسي إيراني ويتمتع بحصانة الدبلوماسية(3).

المواجهة الفرنسية لنظام الملالي

                لعبت فرنسا دورًا بارزًا في دعم طهران خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وحاولت إقناع الولايات المتحدة الأميركية بعدم الانسحاب والدخول في مفاوضات جديدة حول الاتفاق، وذلك بهدف دمج طهران في النظام العالمي، والتزامها ببنود الاتفاق وفقًا لقواعد القانون الدولي لكبح طموحها النووي ومنعها من امتلاك السلاح النووي، إلا أن طهران نتيجة سياساتها العدائية الخارجية تجاه قوى المعارضة المتواجدة في باريس، ساهمت في تحول السياسة الفرنسية في التعاطي معها تجسدت على النحو التالي:

1-     على مستوى الخطاب؛ تحدث الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حول التعامل مع طهران لابد أن يكون في سياق الحوار والتعددية لأن الطريق الأحادي سيقود إلى النزاعات.

2-     التبادل الدبلوماسي؛ طالبت فرنسا من دبلوماسييها ومسئولي وزارة الخارجية تأجيل السفر إلى أجل غير مسمى، وذلك لعدم تعاون طهران مع التحقيقات حول عملية استهداف المعارضة الإيرانية التي تم إحباطها بالتعاون الأجهزة الفرنسية مع البلجيكية والألمانية، كما علقت باريس ترشيح السفير الجديد لها في طهران ولم ترد على ترشيحاتها لشغل مناصب دبلوماسية في فرنسا(4).

3-     العقوبات الاقتصادية؛ قامت فرنسا بتجميد أصول وكالة المخابرات الإيرانية ردًا على العملية  الإرهابية الإيرانية على الأراضي الفرنسية، وسيطبق التجميد لمدة ستة أشهر على الأقل على اثنين من المسؤولين -أسد الله أسدي وسعيد هاشمي مقدم- الذين تزعم السلطات الأوروبية أنهما ضالعين في الهجوم المحبط، ومديرية الأمن الداخلي في وزارة الاستخبارات الإيراني(5).

جاءت هذه الإجراءات لردع طهران عن سياساتها في نفس الوقت الذي تريد باريس استمرار المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني لأنه ذات أهمية خاصة لدى القيادة الفرنسية بعد انسحاب واشنطن من الاتفاقية، وإعادة فرض العقوبات على طهران. وفي هذا الصدد استغلت الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الاستراتيجي في المنطقة “إسرائيل” لحث القيادة الأوروبية على التخلي عن دعم الاتفاق النووي مبررين أن طهران لديها شبكة عمليات سرية واسعة تتعقب معارضي النظام على الأرضي الأوروبية.

تحديات استمرارية العلاقات الفرنسية الإيرانية

تعد من أهم التحديات التي تمثل حجر عثرة في مسيرة العلاقات الفرنسية الإيرانية، التي تحاول البلدين التعاطي معها بكفاءة وفعالية بما يتوافق مع المصالح الوطنية للجانبين على النحو التالي:

  1. تمركز المعارضة الإيرانية في باريس: انتقدت طهران تواجد المعارضة الإيرانية في باريس، وخاصة منظمة “مجاهدي خلق” المُتواجدة في العاصمة الفرنسية باريس التي تسعى إلى حشد وتعبئة القوى الإقليمية والدولية لتصدي للأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط لعودة الاستقرار والسلام إلى المنطقة من خلال عقد عدد من الفعاليات والمؤتمرات الداعمة إلى إسقاط النظام الإيراني وتغيره، وهو ما أشار له البيان الختامي للمؤتمر السنوي المنعقد في 1 يوليو 2017 في باريس؛ حيث شارك فيه العديد من الشخصيات والقيادات من مختلف التوجهات السياسية تجسد في حضور هيئات برلمانية وخبراء في الأمن القومي والسياسة الخارجية من أمريكا الشمالية وأوروبا ومسئولين من الدول العربية والإسلامية(6).
  2. الطموح النووي والصاروخي: أصبح البرنامج النووي الإيراني مصدر تهديد للأمن والسلم العالمي، لذا فمازالت فرنسا ترى لابد من كبح الطموح النووي الإيراني من خلال الحوار وليس عبر فرض العقوبات لتكون رادعًا عن سياساتها. كما تتخوف باريس من البرامج الصاروخية الباليستية التي تمتلكها طهران، وتسعى إلى تطويرها وخاصة إنها تنعكس على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي وتعد تهديدًا مباشرًا لهم.
  3. العقوبات الدولية على طهران: يتخوف الرئيس الفرنسي من استمرارية العقوبات الدولية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي الذي انعكس بشكل سلبي على العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين، والمصارف الكبرى والشركات الفرنسية التي تستثمر داخل طهران. فمن الواضح أن باريس ترغب في الاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة في طهران لتعزيز تواجدها الاقتصادي والتجاري داخلها بالتوازي مع الحفاظ على حلفاءها الغربيين والولايات المتحدة.

وبالفعل فقد استفادت الشركات الفرنسية من رفع العقوبات عن طهران إبان الاتفاق النووي في توقيع عدد كبير من العقود مثل شركة “إيرباص”، “بويغ”، “رينو” إلا إن ثنائية المؤسسات الحاكمة، والمسيطرة على الاقتصاد في توفير  التمويل اللازم بجانب التخوف من العقوبات الدولية وقفت حائل في استمرار التعاون، فقد تم إلغاء عقد التعاون بين شركة “بويغ” للإنشاءات المكلفة بعمل بتوسيع مطار طهران بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار(7). كما تأثرت الشركات الأوروبية بصفة عامة والفرنسية بشكل خاص بعودة العقوبات الأميركية على طهران بعد انسحاب “ترامب” منه.

  1. الرغبة في الهيمنة: انتقدت الخارجية الفرنسية التوجه الإيراني نحو قضايا المنطقة العربية؛ حيث ندد “جان إيف لو دريان” في نوفمبر /تشرين الثاني 2017 بـ”نزعة الهيمنة” الإيرانية في كل من اليمن والعراق وسوريا ولبنان، كما رفضت باريس الدعم الإيراني للحوثيين بشكل مباشر تجسد في دعوة الخارجية الفرنسية طهران في أعقاب الهجوم الصاروخي من قبل المتمردين الحوثيين على العاصمة السعودية الرياض في ديسمبر/ كانون الاول 2017 إلى “الاحترام الكامل لكل بنود القرار الدولي رقم (2231)” الذي يحظر على إيران تصدير أي سلاح لأي جهة خارجية(8).

ختامًا؛ تتميز العلاقات الفرنسية الإيرانية بتحولات جيواستراتيجية، تكاد تعصف باستمراريتها في كثير من الأحيان، إلا أن القيادة الفرنسية مازالت حريصة بشكل حذر على استمرارية العلاقات، للوصول إلى تسوية سلمية فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني من خلال المحادثات بعيدًا عن نهج العقوبات الدولية. فقد أصحبنا في عالم متعدد القوى على مستوى الدولي والإقليمي ولا يمكن عزل طهران بعيدًا عن هذا النظام كما يريد الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”.

الهوامش:

1-           “France blames Iran for foiled Paris bomb plot”, BBC, 2/10/2018. https://www.bbc.com/news/world-europe-45722523

2-           “No Doubt Iran Behind Foiled Paris Attack, Says French Diplomatic Source”, haaretz, 2/10/2018. https://www.haaretz.com/world-news/europe/france-freezes-assets-of-iran-s-intelligence-service-linked-to-bomb-plot-thwarted-by-mossad-1.6516433

3-           Matthew Dalton, “France Freezes Iranian Assets Over Bomb Plot Blamed on Tehran”, THE WALL STREET JOURNAL, 2/10/2018. https://www.wsj.com/articles/france-freezes-iranian-assets-over-bomb-plot-blamed-on-tehran-1538487926

4-           “Iranian-French relations on the brink of the abyss”, The Herald Report, 10/10/2018. https://herald.report/iranian-french-relations-mek/

5-      “فرنسا تتهم إيران بالتخطيط لاعتداء في باريس وتستهدفها بعقوبات”،http://cutt.us/sg8w3

6-      ميشال أبونجم، ” العلاقات الفرنسية ـ الإيرانية: هبة باردة وأخرى ساخنة”، الشرق الأوسط، العدد (14268)، 21 ديسمبر 2017. الرابط http://cutt.us/le0Af

7-      مناف قومان، “كيف توسعت فرنسا تجاريًا في إيران بعد توقيع الاتفاق النووي؟”، نون بوست، 8 أغسطس 2017. الرابط https://www.noonpost.org/content/19277

8-      أنظر ميشال أبونجم، مرجع سبق ذكره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.